القاسم مثله؛ لأن الأصل الشركة، فكان القول قول من ادعى ما كانا عليه حتى يثبت غيره، ولأن نصف ما يقول المشتري إنه اشتراه الشفيع في أصل الشركة فلا يقبل قول المشتري على الشفيع إنه باع، وإن اشترى هو منه، وعكسه أو قال المشتري: اشتريت النصف شائعا، وقد مات البائع أو غاب فقال الشريك: كنت قاسمت البائع منها 1 قبل أن تشتري منه كان القول قول المشتري إن ذلك شائع حتى يعلم المقاسمة.
باب في اختلاف البائع والمشتري في الثمن
وإذا قال البائع بعت بمائة، وقال المشتري بخمسين، والشقص قائم تحالفا وتفاسخا وسقطت الشفعة، فإن نكل البائع وحلف المشتري غرم خمسين واستشفع بها الشفيع، وإن نكل المشتري وحلف البائع 1 أخذ مائة.
واختلف بما يستشفع 2 فقال أشهب في كتاب محمد 3: بخمسين لأنَّه الثمن الذي أقرَّ به المشتري، ولأنه يقول: ظلمني البائع بيمينه، وأخذ ما ليس له، قال: ولو رجع المشتري إلى ما قاله البائع ما قبل منه، وقال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ في كتاب 4 ابن حبيب: يستشفع بمائة 5، والأول أصوب والوجه ما قال أشهب، وليس ذلك بمنزلة من اقتدى لأنَّ الشراء تقدم وثبت، وإنما في الذمة خمسون، فظلم البائع وأخذ 6 فوق ذلك، وإن أحب 7 الشفيع قبل أن يفسخ البيع أن يستشفع بمائة ويكتب العهدة على المشتري بخمسين، وعلى البائع بخمسين كان ذلك له على قول ابن القاسم 8، وإن كره المشتري وليس له ذلك على قول أشهب قياسًا على قولهما إذا استحق بعض الأرض،
وكان ذلك عيب يوجب للمشتري الرد، فرضي الشفيع بالأخذ 1 وأراد المشتري الرد، فقال ابن القاسم ذلك للشفيع 2 ولم ير 3 ذلك أشهب للعهدة التي 4 تكتب عليه وهو في الاختلاف 5 في الثمن أحسن، وله الشفعة قبل التحالف أو بعد يمين أحدهما، وكذلك إن حلفا على القول إن البيع منعقد بعد أيمانهما 6 حتى يحكم بفسخه.
واختلف إذا اختلفا بعد فوت الشقص، فقال ابن القاسم: القول قول المشتري مع يمينه والشفعة بخمسين 7، وقال أشهب في كتاب 8 محمد: يتحالفان وعلى 9 المشتري قيمته يوم الصفقة، إلا أن تكون القيمة أكثر مما ادعاه البائع أو أقل مما قاله المشتري، ثم تكون الشفعة 10 بما تستقر به القيمة 11؛ لأن أيمانهما عنده فسخ العقد الأول، والقيمة بدل من رد العين، وإذا انفسخ العقد الأول صار الثمن القيمة بخلاف المسألة الأولى، إذا حلف البائع ونكل المشتري؛ لأنَّ العقد في ذلك بحاله لم ينفسخ، والخمسون مظلمة على المشتري، ولا يدخل
ها هنا قول ابن الماجشون: إذا فات البيع؛ لأنه مع القيام كالمتعدي مع الفوت.
فصل [في حكم الشفعة إذا مات المشتري أو غاب وجهل ورثته الثمن]
واختلف إذا قال المشتري: نسيت الثمن وطالت السنون مما ينسى فيه الثمن، أو مات المشتري وقال الورثة: لا علم عندنا، وكان الشفيع غائبًا أو صغيرًا، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: الشفعة ساقطة 1، قال: وإن كان على غير ذلك فالشفعة قائمة بقيمة الشقص، يريد: إذا لم يبعد، وقال ابن عبدوس: قال عبد الملك: إذا جاء الشفيع إلى ولد المبتاع بعد طول الزمان حلف الولد ما عنده علم، ثم أخذ بالقيمة، وكذلك لو كان حيًا وقال لا أدري بما اشتريت، حلف، فإن نكل أخذ الشفيع إن شاء، وقيل للمبتاع: متى أحببت حقك فخذه، فإن حلف فله القيمة يوم أسلمه إلى الشفيع، فإن قال الشفيع: لا أقبضه إذ لعله ثمنه كثير، فلا بدَّ من يمين المبتاع أنه ما علم أو يستحق، وقال غيره: إذا اختلفا في الثمن، فجاء المشتري بما لا يشبه أو جهل الثمن استشفعه بقيمته يوم ابتاعه 2 فأسقط ابن القاسم الشفعة إذا طالت السنون، وأثبتها عبد الملك بالقيمة، ولم يبين هل تكون القيمة يوم البيع أو اليوم، والقول ألا شفعة أحسن؛ لأنَّ الشفعة كانت لتغليب أحد الضررين فيعود إلى المشتري ثمنه، ويرتفع الضرر عن الآخر، فإذا جهل وأمكن أن
يؤخذ بأقل مما بيع به كان فيه ظلم على المشتري- لم يؤخذ منه.
فصل [فيما إذا أقر المالك بالبيع وأنكر الآخر الشراء]
وإن أقرَّ المالك بالبيع وأنكر الآخر الشراء حلف أنه لم يشتر ويسقط الشفعة، وقال في كتاب محمد فيمن أقرَّ أنه باع من فلان وفلان منكر فلا شفعة له إن أنكر، وإن كان 1 غائبًا، فإن كان بعيد الغيبة فللشفيع الشفعة؛ لأنَّ البائع مقرٌّ أنه أولى به منه، فإن قدم الغائب فأقر كانت العهدة عليه، وإن أنكر وحلف رجع الشقص إلى البائع، وقال محمد: أحب إليَّ ألا يرجع الشقص إلى البائع، وإن أنكر الغائب 2؛ لأنَّ البائع مقرٌ أن الشفيع أحق بذلك الثمن، ويكتب عهدة الثمن على البائع، وقول محمد صواب، وأرى الحاضر مثله له الشفعة؛ لأنَّ المالك مقر بانتقال ملكه، وأن الشفعة واجبة للشفيع وأن المشتري ظلمه في جحوده.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن قال: اشتريت هذا الشقص من فلان وفلان غائب، وقام الشفيع بالشفعة فلا شفعة له 3؛ لأنَّ الغائب إذا قدم وأنكر كان له كراء ما سكن وأخذ نصيبه، وإن قُضي له بالشفعة، ثم أتى فأنكر البيع لم يكن له على الذي قُضيَ له بالشفعة من الكراء شيء، وقال أشهب في كتاب محمد: إذا كان الشقص في يد المدعي حتى لا يقدر أحد على إخراجه من يده كان له الشفعة، فإن قدم الغائب فأقر
مضت الشفعة، وإن أنكر أخذ شقصه، ورجع الشفيع بالثمن على من دفعه إليه (1)، وأرى أن يقضى له بالشفعة على أنه (2) إن أنكر الآخر الشراء حلف أنه لم يشتر ولا شفعة للشريك، وسواء كان يمينه بعد يمين المدعى عليه أو قبل يمينه (3).
فصل [في الشفعة إذا اختلف المشتري والشفيع في وقوع البيع قبل القسم]
وإذا قال المشتري: اشتريت مقسوما فلا شفعة لك علي، وقال الشفيع: اشتريت شائعا قبل القسم كان القول قول الشفيع البيع كان ولم يقسم؛ لأن الأصل الشركة فكان القول قول من ادعى ما كان عليه أمرحتى يثبت غيره وأن نصفها يقول المشتري إنه اشتراه للشفيع فلا يأخذ قول المشتري على الشفيع إنه باعه بالذي اشترى هو منه 4، وعكسه لو قال المشتري اشتريت123
نصفها شائعا وقد مات البائع أو غاب، وقال الشريك كنت قاسمت شريكي قبل أن تشترى أنت منه لكان القول قول المشتري إن ذلك شائع غير مقسوم حتى يعلم أنه قاسمه فيه 1.
باب إذا اشترى بثمن تم زاد أو حط منه أو أسقط وفي الإقالة
وإذا اشترى بألف ثم زاد المشتري البائع مائة استشفع بالألف؛ لأن الزائد هبة، وقال أشهب في المجموعة: وللمشتري أن يرجع على البائع بما زاده بعد أن يحلف ما زاد إلا فرارًا من الشفعة، وإلا فلا رجوع له.
وقال عبد الملك: يستشفع بالألف ومائة، وإلا يترك ولا يتهم المشتري أن يريد إلا إصلاح البيع 1، ولا أعلم لذلك وجهًا؛ لأن المشتري كان في مندوحة عن تلك الزيادة، وقد استحق الشفيع الشفعة بالألف، إلا أن يعلم أنه لو لم يزده لادعى عليه ما يفاسخه البيع به، وأمَّا إن حط من الثمن، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا حط تسعة مائة درهم، فإن كان يشبه أن يكون ثمنها عند الناس مائة درهم استشفع بمائة درهم، وإن كان لا يشبه أن يكون ثمنها مائة درهم كانت الشفعة بالألف 2، وأرى إن حط مائة أو ما يمكن أن يسامح به المشتري فإنه يستشفع بقيمته.
فصل [فيما يجب في الشفعة من الثمن]
الشفعة تجب بمثل الثمن إذا كان دنانير أو دراهم أو ما يكال أو يوزن، وإن كان عرضًا أو غير ذلك مما لا يقضى فيه بالمثل فعلى ثمانية أقسام:
فالأول: إذا كان الثمن عبدًا بعينه، فالشفعة بقيمته يوم البيع لا يوم الاستشفاع.
الثاني: أن يكون موصوفًا في الذمة حالًا، فالشفعة بمثله الآن.
والثالث: أن يكون الشقص صداقًا ففيه وجهان، فقيل: يستشفع بقيمة الشقص، وقيل: بصداق المثل، وهذا بناء على استحقاق الشقص، فقيل: يرجع بقيمته، وقيل: بصداق المثل وبقيمته أحسن 1.
والرابع: أن يكون أخذ عن خلع 2 أو صلح أو عن دم، فالشفعة بقيمته.
والخامس: أن يكون صلحًا عن دارٍ أو عبد، والمدعى عليه منكر، فقيل: فيه الشفعة بقيمة المدعى فيه، وقيل: لا شفعة فيه؛ لأن الأول إنما دفع عن نفسه خصومة، والقياس أن يستشفع بقيمته لا بقيمة المدعى فيه قياسا على قوله: إنه إذا استحق رجع بقيمته لا بقيمة المدعى فيه، وفي استشفاعه بقيمة المدعى فيه ظلم على الشفيع؛ لأنَّ الغالبَ في الصلح على الإنكار أنه لا يؤخذ ما يساوي قيمة المدعى فيه، ولا ما يقاربه، والمسامحة فيه والتجاوز أكثر منه في النكاح، فإذا لم يجعل لزوجته أن تأخذ من الشفيع قيمة ما سلمت وهو صداق المثل لم يرجع
هذا بقيمة ما ادعى فيه مع أنه لم يثبت أنه ملك له.
والسادس أن يكون ذلك الشقص عوضًا من هبة الثواب، فإنه يستشفع إن كانت الهبة قائمة بقيمته.
واختلف إذا كانت فائتة، فقال ابن القاسم: بقيمته، وقال أشهب وعبد الملك: بالأقل من قيمة الهبة أو قيمة الثواب (1).
والسابع أن يكون الثمن جزافًا، فقال محمد: إن اشترى بحلي جزافًا، فإنّ الشفيع يستشفع بقيمته، فإن كان ذهبًا قوِّم بالفضة أو فضة قوِّم بالذهب، والقيمة في ذلك يوم كان اشترى ليس يوم يأخذ بالشفعة، وكذلك كل ما اشترى به جزافًا فالقيمة في ذلك يوم كان اشترى ليس يوم يأخذ بالشفعة.
والثامن: أن يكون مما له مثل فيغرم ذلك المثل، فرجع فيه إلى القيمة، فقال مالك في المجموعة فيمن اشترى بعنبر يوجد ولم يأخذ، فعلى الشفيع قميته (2)، وأرى أن يكون المشتري بالخيار بين أن يأخذ بقيمة هذا أو يضم حتى يؤخذ أو يأتي وقت السفر به أو قدوم الناس به.
فصل [في الشقص يباع بياعات والشفيع غير عالم]
وإذا بيع الشقص بياعات والشفيع غير عالم كان له أن يستشفع بأيها أحب، فإن استشفع بأولها انفسخ ما كان من البياعات، ورجع كل مشترٍ على بائعه بالثمن، وإن استشفع بآخرها بيعًا، ثبت جميعها، وإن استشفع بأوسطها ثبت ما قبلها، وانفسخ ما بعدها، وإن كان بيعًا ونكاحًا وتقدم البيع كان له بالخيار بين12
أن يستشفع من الزوج بالثمن وترجع الزوجة بالثمن على الزوج بقيمة ذلك الشقص، وتكتب العهدة عليها، وإن تقدم النكاح ثم باعت ذلك الزوجة استشفعت الزوجة بقيمة الشقص، وينفسخ البيع أو من المشتري بالثمن، وكتب العهدة عليه، ولو كان نكاح وخلع استشفع من الزوجة بقيمته يوم النكاح، ويرجع الزوج عليها بقيمته يوم الخلع، فإن كان بيعًا ثم هبة 1 كان له أن يستشفع من المشتري، واختلف لمن يكون الثمن، فقال ابن القاسم: الثمن للموهوب له، ولا يشبه ما استحق 2، وقال أشهب: الثمن للواهب، قال محمد: وهو أحبُّ إلينا، وقاله سحنون 3. واختلف إذا اشترى شقصًا بثمن إلى أجل أو أخذه من دين مؤجل على ثلاثة أقوال، فقيل: يأخذ بمثل ذلك من الثمن مؤجل في الوجهين جميعًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى بثمن إلى أجل يستشفع 4 بمثله، وإن أخذه عن دية خطأ وهو غني استشفع بمثله منجما في ثلاث سنين 5، وقيل: يستشفع بقيمته في الوجهين جميعًا، وقيل: إن اشتراه بثمن مؤجل استشفعه بمثله، وإن أخذه من دين فقيمته وهو على قول عبد الملك وسحنون، ثم ينظر إلى الدين، فإن كان عرضًا استشفع بقيمته عينًا، وإن كان عينًا قوم بما يكال ويوزن 6، قال ابن عبدوس عن سحنون: تقوّم العين بعروض ويقوّم العروض
بعين، وبه يستشفع الشفيع 1، والأول أحسن، وإن كان الثمن طعامًا أخذ بمثله، ولا يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ لأن الطعام الذي في ذمته ثابت لمن باع منه يوفيه إياه، وهذا بيع بمثله 2، والقول الأول أحسن أن يستشفع بمثله في الوجهين جميعًا؛ لأنَّ الدين إن كان عينًا أو عرضًا موصوفًا له مثل والأجل له مثل، فالأصل في الشفعة أن يؤخذ بمثل الثمن فيوجب أن يأخذه بمثله إلى أجلٍ.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن اشتراه بثمن مؤجل وهو عين استشفع بمثله إلى أجل، وإن كان المؤجل عرضًا أخذ بقيمته، قال محمد: وهذا غلط 3.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا مثل قول ابن القاسم في المدونة، إذا أخذ عن دية خطأ وهي عين، أخذ بمثله، وإن كانت إبلًا أخذ بقيمتها، وإذا أخذ ذلك من دين مؤجل، وكان الغريم مُلِدّا ظالمًا أو لا وفاء عنده أو عليه غرماء، لم يأخذ 4 الشفيع بمثل ذلك الدين، ثم يختلف بم 5 يأخذ؟ فعلى القول في الموسر إنه يأخذ بمثل ذلك الدين يحط ها هنا ما يرى أنه يحط لمكان لدده أو قلة وفائه، وعلى القول الآخر يأخذ بقيمة ذلك الدين على حال من هو عليه، إلا أن يتبين أن الطالب لم يهضم لذلك شيئًا، وأنه يأخذ ما يؤخذ بمثله من الموسر الموفي، فلا يحط من عدد ذلك الدين شيئًا.
واختلف إذا أخذه من دين حالٍ (1)، فقيل: يأخذه بقيمته، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه لا يبيع ما أخذ من دين حال مرابحة، إلا أن يبين، وقال: لا يبين ويأخذ هذا بالشفعة بجميع الثمن (2)، وهذا أحسن إذا كان الغريم موسرًا غير مُلِد، ومكنه من أخذ دينه، وإن كان معسرًا أو ملدًا فليبين في المرابحة، ويستشفع الآخر بالقيمة، وإن اشترى بدين له في ذمة رجل آخر كان كالذي اشتراه بثمن في ذمته.
واختلف إذا لم يأخذ الشفيع حتى حل الأجل هل يأخذه بمثل الثمن حالًا أو يستأنف له وهو أحسن؛ لأن الأول كانت له الغلة (3).
فصل (4) [في الشفعة فيمن اشترى بدين إلى أجل والشفيع مثله في اليسار أو دونه]
وإن اشترى بدين إلى أجل وهو موسر والشفيع مثله في اليسار كانت له الشفعة، واختلف إذا كان دونه في اليسار إلا أنه مأمون، فقيل: له الشفعة، وقيل: لا شفعة له، إلا أن يأتي بحميل مثل الأول في اليسار، وإن كان الشفيع معسرًا لم يستشفع إلا أن يأتي بحميل موسر، ثم يختلف هل يجزئ إذا كان مأمونًا، أو حتى يكون مثل الأول؟ والصواب في السؤالين جميعًا أن له الشفعة إذا كان مأمونًا، وإن لم يكن مثل الأول.1234
واختلف إذا كانا 1 فقيرين، المشتري والشفيع، وهو مثل الأول في الفقر هل له شفعة أم لا؟ وأنّ له الشفعة أحسن؛ لأنه موسر بجميع ذلك النصيب الذي استشفع به، والنصيب الذي استشفعه، وكذلك لو كان النصيب الذي استشفع به يسيرًا والمستشفع كثير، ولأنه موسر بجميع ذلك إلا أن يكون عليه غرماء أو يعلم منه الإتلاف فلا يمكن من الشفعة إلا بحميل مأمون.
واختلف إذا قام الشفيع بعد أن حل الأجل هل يلزم تعجيل الثمن أو يؤخر 2 به بمثل ذلك الأجل وهو أحسن؛ لأنّ الأجل إنما يراعى من بعد الملك، فالأول ملك سنة يغتل ويسكن ثم بعد ذلك دفع، فكذلك هذا يأخذ ويغتل ويسكن ثم يدفع الثمن بعد سنة.
باب في تسليم الشفعة أو (1) أخذها قبل المعرفة بالثمن والرجوع فيها بعد تسليمها
أو قبل تسليم الشفعة قبل معرفة الثمن جائز، واختلف في الأخذ قبل معرفة الثمن، فقيل: جائز، وهو ظاهر المدونة 2؛ لأنه قال: إذا أشهد أنه أخذه قبل المعرفة بالثمن، ثم قال: بدا لي، قال: له، أن يترك 3 إن أحب، فجعله بالخيار في التمسك، ولو كان عنده فاسدًا لم يكن له أن يمسك، وفي كتاب محمد أن ذلك فاسد ومجبور على رده.
واختلف إذا كان الثمن عبدًا وهو يعرفه، وأخذ قبل المعرفة بقيمته، فقال: ذلك فاسد، وقال في موضع آخر 4: إنه جائز 5، ومثله إذا كانت الشفعة تجب بقيمة الشقص المستشفع به؛ لأنَّه كان صداقًا أو ثمنًا لخلع أو لدم، فينبغي ألا يستشفع حتى يقوَّم، وإن استشفع قبل المعرفة بقيمته قبل الأخذ، فإن هو أخذ قبل المعرفة فعلى القولين، واستحسن أن يمضي في ذلك كل ما لا تتباين فيه القيم، وينقض فيما لا يدرى هل يقل أو يكثر؟ واستخف محمد إذا كان الثمن1
طعامًا سمى له كيله دون صفته، ورآه جائزًا، وإن وصف بعد ذلك وكان وسطًا أو دونه لزمه، وإن كان أعلى من الوسط كان بالخيار إما أخذ أو ترك، وإذا سلم قبل المعرفة بالثمن ثم أعلم به لم يكن له قيام ولا رجوع إلا أن يكون في الثمن بخس مما لا يظن أنه يباع (1) به، فله الرجوع مثل أن يكون ثمن الشقص ألفًا، فوجده بيع بمائة.
فصل [في تسليم الشفعة وأخذها قبل معرفة المشتري]
تسليم الشفعة وأخذها قبل المعرفة بالمشتري جائز، قال محمد: ولا رجوع له 2، وإن كان عدوًا أو شريرًا أو مضارًا 3، والصواب أن يكون له الرجوع إذا تبين أن المشتري على أحد هذه الحالات، ومن يرى أنه لو علم به الشفيع لم يسلم له، وليس كذلك إذا أخذ ثم تبين أنه على مثل ذلك فلا رجوع له؛ لأنَّ ذلك أحرى أن يرغب في الأخذ وألا يكون شريكًا له، وإن سُمِيَ له رجل فسلم أو أخذ ثم تبين أنه غير من سُمِيَ له لزمه الأخذ ولا يلزمه التسليم؛ لأنَّ الترك يتضمن وجهين: المنة على المتروك له، وغرضه أن يكون ذلك شريكًا له، وقد يكون بينه وبين من سُمِيَ له مؤاخاة وصداقة، أو من يترك لمثله مراعاة لجاهه وقدره، وإن كان تركه كراهية للأخذ، وكان المسمى له ليس على شيء من ذلك، وهو ممن 4 لا يرغب عنه؛ لأنه من أهل الخير والسلامة في العشرة- لم يكن له1
مقال ولا رجوع، وكذلك إذا قيل له: إن فلانًا اشترى نصيب شريكك، فَسَلِّمْ أو خُذْ ثم تبين له أنه اشترى ذلك هو وآخر معه، فإنه لا مقال له في الأخذ، كما تقدَّم لو كان المشتري واحدًا، فأخذ ثم تبين أنه غيريره، وله مقال في الترك 1 فيأخذ نصيب من لم يسم له، واختلف في نصيب من سمّى له.
باب في الشفيع يوقف على أخذ الشفعة والتلوم له في الانفراد إذا أخذ
وللمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالأخذ أو الترك، فإن امتثل أحد الوجهين، وإلا رفعه إلى السلطان فألزمه مثل ذلك، فإن سأل أن يؤخر لينظر ويستشير كان فيه قولان، فقيل: لا يمكن من ذلك، ويجبره السلطان على الأخذ أو الترك، وقال مالك في المختصر: يؤخر اليومين والثلاثة، وهو أحسن إذا كان وقفه بفور ما اشترى؛ لأنَّ الأولَ قد تربص وأمهل، وإن تأنى 1 قبل الشراء، وكان وقفه بعد أيام وهو عالم- لم يمهل إلا اليوم لا أكثره 2. واختلف إذا كان الثمن مؤجلًا، فقيل: هو كالأول، وقيل: بخلافه 3، وإذا أخذ بالشفعة وسأل الصبر ليأتي بالثمن كان ذلك له، واختلف في القدر الذي يؤخر له، فقال مالك: ثلاثة أيام، وفي ثمانية أبي زيد: العشرة ونحو ذلك مما يقرب، ولا يكون على المشتري فيه ضرر، وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين وأكثر بقدر ثمن الشقص وكثرة المال وجمعه، والشهر إن 4 رأى
ذلك الحاكم 1 ولا أرى لما وراء ذلك تأخيرًا في شيء قلَّ أو كثر.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأرى الشهر كثيرًا، والشهر كبيعه إلى أجل، والأصل بيع نقدٍ، والعشرة 2 والخمسة عشر ففي كثرة المال حسن، فإن كان يعجز عن ذلك قطع السلطان 3 شفعته، وإذا أخذ وأتى الأجل ولم يحضر ولم يأت بالمال كان المشتري بالخيار بين أن يمضي له الأخذ ويباع عليه ذلك الشقص وغيره في الثمن أو يرد الشقص ويأخذ ثمنه 4؛ لأنه 5 ليس له أن يأخذ للبيع، وهذا إذا شرط عليه إحضار الثمن إلى ذلك الأجل، ولم يزد على ذلك، وإن كان شرط عليه إن لم يحضره فلا شفعة له فعجز سلم ذلك، ولم يكن للمشتري أن يسلمه ليباع عليه في الثمن.
باب فيمن اشترى دارًا فهدمها ثم استحق نصفها
وإذا اشترى 1 رجل دارًا فهدمها ثم استحق رجل 2 نصفها، فإنه لا يخلو النقض 3 من أربعة أوجه: إما أن يكون قائمًا بيد المشتري، أو باعه، أو وهبه، أو بنى تلك الداربه.
باب فيمن سلم (1) الشفعة بعد الشراء (2) أو قبله بعوض أو بغير عوض
وإذا أسلم الشفيع الشفعة بعد عقده البيع بعوض أو بغير عوض، جاز ذلك، ولم يكن له رجوع، واختلف إذا أسلمها قبل الشراء، فقال له: اشتر 3، فإذا اشتريت فلا شفعة لي عليك، فقيل: لا يلزمه ذلك 4، وله أن يستشفع ويجري فيها قول آخر أن لا شفعة له قياسًا على من قال: إن اشتريت عبد فلان، فهو حر أو 5 تزوجت فلانة، فهي طالق؛ لأنه أوجب العتق قبل الملك والطلاق قبل أن تصل إلى حالة يصح فيها الطلاق 6، وقد قالوا فيمن جعل لزوجته الخيار: إن تزوج عليها فأسقطت ذلك الخيار قبل أن يتزوج عليها 7 إن ذلك لازم وهو في الشفعة أبين؛ لأنه أدخل 8 المشتري في الشراء لمكان الترك، ولولا ذلك لم يشتر، فأشبه هبة قارنت البيع؛ لأنه لو قال له 9: اشتر ذلك الشقص والثمن عليَّ فاشتراه للزمه أن يغرم الثمن الذي اشتراه به؛ لأنَّه أدخله في الشراء،12
وهذا 1 قول مالك وابن القاسم فهو في ترك الشفعة أبين.
وقد 2 اختلف فيمن يقول 3 لزوجته: إن جئتني بما لي عليك فأنا أطلقك 4 فجاءته به، فقال مرة: يلزمه الطلاق 5، وليس له أن يدعها حتى يكثر 6 مالها، ثم ينزع عنها 7 فإن ترك الشفعة قبل الشراء بعوض، لم يجز ذلك 8؛ لأنه لا يدري هل يبيع ذلك الشقص أم لا؟ وإن ترك بعوض لشرط فقال له: إن 9 اشزيت ذلك الشقص فقد سلمت لك شفعتي على دينار تعطيني إياه 10، وإن لم يبعه منه 11 فلا شيء له عليك، جاز ذلك، ولو شرط النقد لم يجز، وإن سلم الشفيع شفعته لغير المشتري بعوض أو باطلا، لم يجز ذلك 12 لوجهين: أحدهما: أنه لم يأخذ فيبيع ذلك.
والثاني: أن من حق المشتري ألا يستشفع ليبيع، ولو أراد المشتري أن يبيع ذلك من أجنبي ولم يسقط الشفيع شفعته إلا بجعل جعله المشتري الأول أو 13
الآخر للشفيع لجاز ذلك، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب فيمن وجبت له شفعة فصالح بتركها 1 على أنه متى بلغه أذى المشتري أو أذى ولده أو والده فهو على شفعته، قال: لا يلزم ذلك، وله القيام فيها، ومتى طلبه المشتري بالأخذ أو الترك كان ذلك له 2 ما لم يطل الزمان والطول الشهور الكثيرة، وقال أصبغ: الصلح جائزٌ والشرط لازم، ولا يرجع الشفيع حتى يكون ما استثنى وإن أراد المستشفع منه 3 أن يدع الصلح ويوقف له الشفيع على الأخذ أو الترك، فذلك له 4، وجعل المقال في ذلك والرجوع 5 للمشتري دون الشفيع؛ لأنّ ترك 6 الشفيع هبة له، وعليه في الترك على تلك الصفة مضرة؛ لأنَّهما إن أحدثا بناء أو غرسًا أو تغير لحسن قيام ثم حدث شيءٌ من المشتري أو ولده قام فأعطاه قيمة ما أحدث وأخرجه وكان له أن يقوم فيقول: إمَّا أن يسقط حقك 7 مرة ويتصرف تصرف 8 من لا يخشى أن ينزع من يديه أو تأخذ فرأى مطرف أيضًا أن للشفيع في ذلك مقالًا 9، وقال أشهب فيمن اشترى شقصًا على خيار فسلم له الشفيع
الشفعة ثم استوجب إن له الشفعة (1)، وهذا أبعد و (2) أبين في سقوط الشفعة؛ لأنه قد حصل السبب الذي يكون لأجله المطالبة أو الترك كالذي أجاز له ورثته وصيته بأكثر من ثلثه في مرضه بخلاف الصحة.
فصل [فيمن أراد أن يشفع لغيره]
ومن المدونة: وإذا بيع نصيب من دار وأتى شفيعها فأراد أن يأخذ بالشفعة لغيره إنه ليس ذلك له 3، وهذا هو الصحيح وهو يرد قوله الأول 4 فيمن استشفع وعليه غرماء؛ لأن ذلك للبيع.
قال محمد: فإن أربحه ثم ظهر على ذلك فله رده إن ثبت ذلك بمعرفة أو إقرار الشفيع 5.
ومن المدونة قال ابن القاسم 6 في دار في يد رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها من هذا الذي الدار في يديه وأقام الذي الدار في يديه البينة 7 أنه اشتراها من هذا المدعي، قال 8: فإن تكافأت البينتان فهي للذي هي في يديه؛12
فإن كانت إحداهما أعدل قضي بها لأعدلهما بينة 1. قال الشيخ: ولو لم تكن لهما بينة لكانت للذي هي في يديه 2؛ لأنَّ الحكم إذا تكافأت البينتان سقطتا، ويصيران 3 كمن لا بينة لهما؛ لأنه إذا تكافأت الدعاوى 4 بقيت اليد 5، وهذا إذا كانت الشهادتان عن مجلس واحد أو عن مجلسين وعدمت التواريخ، فإن علمت التواريخ كانت لآخرهما تاريخًا؛ لأنَّ صاحبها يقول: أنا أصدق بينتك أنك اشتريتها مني، وهذه بينتي تشهد أني اشتريتها بعد ذلك منك.
باب فيمن (1) اشترى شقصًا بعبد فاستحق ذلك (2) العبد أو وجد به عيبًا
ومن اشترى شقصًا بعبد فلم يستشفع الشفيع حتى استحق العبد أو وجد به عيبًا فرد به كان لبائع الشقص أن يسترجعه ولا شفعة للشفيع، فإن تغير الشقص بزيادة أو نقصان لم يرد، ورجع البائع على المشتري بقيمته، وكانت الشفعة للشفيع بمثل ذلك، وإن استحق العبد أو رده بعيب بعد أن استشفع ذلك الشقص، وقبل أن يفوت كان ذلك فوتًا فيما بين المشتري والشفيع أنه لا يرد الشقص.
واختلف بماذا يستشفع؟ فقال ابن القاسم: بقيمة العبد، بمنزلة ما لو كان قائمًا بيد مشتريه ولم يرده، 3 قال: لأنّ الأخذ بالشفعة بيع حادث 4، وقال عبد الملك بن الماجشون وسحنون: الشفعة بقيمة الشقص 5؛ لأنَّ القيمة عادت12
ثمنًا، وهي التي وزن المشتري فيه، وإن كانت قيمة الشقص ألفًا، وقيمة العبد خمس مائة أو ألف وخمس مائة غرم الشفيع ما غرمه المشتري من الألف، ولا ينظر إلى قيمة العبد؛ لأنه يسقط أن يكون ثمنًا، وإذا اقتصر على قيمة العبد، أدى ذلك إلى خسارة المشتري إن كانت قيمته خمس مائة أو إلى ربحه إن كانت قيمته ألفًا وخمس مائة، ومثله إذا كان البيع بطعام فاستحق أو رد بعيب بعد أن أخذ الشفيع، فإن البائع يرجع بقيمة شقصه، وتبقى الشفعة على قول ابن القاسم بمثل الطعام، وعلى قول عبد الملك بقيمة الشقص وهو أحسن 1، وإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد أو الطعام كان الشفيع بالخيار بين أن يتمسك بالشفعة أو يرد؛ لأنه يصير بمنزلة من استشفع على ثمن ثم تبين أنه أكثر منه.
باب في الشركة في الشفعة
وإذا كانت دار بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه وسلم أحد الباقين الشفعة وقام الآخر وقال: آخذ بقدر نصيبي لم يكن له ذلك إذا كره المشتري؛ لأنه يبعض عليه صفقته، ويقال له خذ الجميع أو دع.
واختلف إذا قال الشفيع: أنا آخذ جميع الصفقة، وقال المشتري لا أسلم لك إلا نصيبك منه، فقال مالك للشفيع أن يأخذ جميع ذلك النصيب 1، وقال ابن حبيب: إن أراد من أسقط حقه في ذلك وجه المشتري لم يستشفع إلا نصيبه، وإن كان تركه كراهية لأخذه أخذ جميع النصيب 2، وفي مختصر الوقار قال 3: ليس لمن لم يُجِزْ إلا مصابته خاصة 4 وهو أقيسها؛ لأنَّ الذي كان له من الشفعة نصفها والفاضل لا شيء له فيه، فإذا أسقط الآخر 5 حقه فيه كان لمن ترك له، فإن كانت الدار بين أربعة 6 فباع اثنان نصيبهما صفقة واحدة كان للثالث أن يأخذ الجميع، وليس له أن يأخذ نصيب أحدهما إلا أن يرضى المشتري، وإن كان البائع واحدًا والشفيع واحدًا، والمشتري رجلان اشتريا صفقة واحدة 7.
فقال: أنا أشفع من 8 أحدهما لم يكن ذلك له عند ابن القاسم، وذلك له
عند أشهب، وبه قال سحنون 1، وهو أحسن، وليس لمن أخذ منه أن يقول: لا تأخذ مني إلا أن تأخذ من شريكي، ولا لمن لم يؤخذ منه أن يقول: لا تأخذ من شريكي إلا أن تأخذ مني أو لا تترك الأخذ مني إلا أن تترك شريكي، وإن كان المشتري رجلًا واحدًا والشفيع واحدًا والبائع رجلان، باع نصيبهما من ذلك صفقة واحدة 2 لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ النصيبين أو يترك، وكذلك: إذا باعا نصيبهما من دارين أو دار وبستان، وكل ذلك صفقة واحدة.
ويختلف إذا كانت شركتهم مفترقةً: لأحدهم شركة في دار، وللآخر شركة في بستان، فباعا ذلك صفقة واحدة 3 على من أجاز جمع 4 السلعتين، والشفيع في ذلك واحد، فأحب أن يستشفع نصيب أحدهما دون الآخر، فقال ابن القاسم: ليس ذلك له إلا أن يأخذ الجميع، أو يدع 5، وهذا هو أحد القولين في الصفقة لمالكين هل هي كالصفقة لمالكٍ واحدٍ إذا عقد أحدهما عقدًا واحدًا حلالًا والآخر عقدًا حرامًا؟ فقيل: يفسد جميع العقد، وقيل: يفسخ الحرام وحده، فعلى هذا يكون له أن يستشفع من أحدهما دون الآخر بمنزلة العقدين؛ لأنه لا يقدح أحدهما في فساد الآخر، ولو استحق أحدهما وهو الوجه لم يكن للمشتري أن يرد على الآخر، وعلى قوله ها هنا إنه يأخذ الجميع أو يدع يكون فساد أحدهما يقدح في الآخر، وإذا استحق الوجه رد الآخر، والقول إنه كالعقدين أحسن، وإن كان الشفعاء ثلاثة فاستشفع 6 أحدهم في الدار،
والآخر في الحمام، والآخر في البستان كان ذلك لهم؛ لأنه لم يبقَ في يد المشتري شيء، وإن بعَّض أحدُهم نصيبَه فباعه ثلاث صفقات كان للشفيع أن يستشفع جميعها أو أحدها، فإن استشفع الأولى أو الأولى 1 والثانية صفقة لم يشركه المشتري بما بيع بعد، وإن استشفع الوسطى استشفع معه المشتري بالأولى، وإن استشفع الوسطى والآخرة استشفع معه فيهما بالأولى، وإن استشفع الأولى والآخرة استشفع بالوسطى في الآخرة 2. وفي كتاب محمد في دار بين أربعة نفرٍ غاب اثنان فباع أحد الحاضرين نصيبه على ثلاث صفقات فاستشفع الحاضر الصفقة الآخرة وحدها 3، وهي ثلث الربع كان للمشتري أن يستشفع معه بالصفقتين الأوليين، وذلك ثلثا الربع، وللشفيع ربعٌ كاملٌ فيقسم بينهما الصفقة الآخرة على خمسةِ أجزاءٍ، فإن قدم ثان فسلم للمشتري ما سلم الأول فاستشفع في الآخرة كانت بينهما على ثمانية أجزاء؛ لأنَّ للغائب ربعَه، وهو ثلاثةُ أسهمٍ، ولصاحبِه مثله، وللمشتري سهمان، وإن استشفع القادم الصفقتين الأولتين 4 كانت الشفعة في الصفقة الآخرة بين الشريكين على ثمانية أجزاء 5، للقادم خمسة ولصاحبه ثلاثة، فإن قدم الآخر فاستشفع الصفقة الآخرة وحدها كان بينهما على أحد عشر جزءًا، فإن دخل مع صاحبه في الصفقتين الأولتين صار في يد كل واحد أربعة أسهم، وللذي كان مقيمًا ثلاثة، وإن سلم الغائبان للمشتري الصفقتين الأوليين كانت الشفعة بينهم على حالها على أحد عشر جزءًا للغائبين ثلاثة أسهم وللشريك المقيم ثلاثة، وللمشتري سهمان.
باب في اختلاف المشتري والشفيع والورثة والغرماء
ومن اشترى شقصًا مربحًا، واختلف غرماء المشتري والشفيع في الأخذ والترك كان القول قول الشفيع في الأخذ، وإن كره ذلك غرماء المشتري، وإن اختلف الشفيع وغرماؤه في الأخذ أو الترك كان القول قول من ادعى منهما إلى الترك، فإن ادعى الغرماء إلى الأخذ لفضل فيه، وكره ذلك الشفيع كان القول قوله؛ لأنه ليس لهم أن يجبروه على الشراء ولا على التجارة وإن دعا الشفيع 1 إلى الأخذ، وكره الغرماء 2 كان القول قولهم؛ لأن من حقهم أن يقبضوا ذلك الناض بالحضرة، وتأخيرهم به إلى 3 أن ينقد في ثمن 4 الشقص- ظلم عليهم، ولأنهم يخافون الاستحقاق فيرجع عليهم 5 وهذا هو القياس، والاستحسان إذا كان فيه الفضل والبيع لا يتراخى، وإنما هو إلى اليوم واليومين؛ لأنَّ ذلك لا كبير ضرر عليهم، ولأنَّ الاستحقاق من باب النادر، والنادر لا حكم له، فإن اجتمع أمرهم على الأخذ، فإن مات الشفيع، ولم يخلف ورثة والمال لا يوفى وفي الأخذ فضل وأرادوا الأخذ كان ذلك لهم، وإن كان له ورثة فاجتمع أمرهم على أخذ أو ترك كان الأمر على ما اجتمعوا عليه، وإن اختلفوا كان القول قول من دعا إلى الأخذ من غريم أو وارث، إلا أن ذلك للغرماء إذا كان في الأخذ فضل، وللورثة إذا كانوا يأخذون ذلك من أموالهم لا من مال الميت لأن من حق الغرماء أن يتعجلوا قبض ذلك العين، ولا يولج في شراء، وقال محمد: ليس
للغرماء الأخذ إلا أن يشاء الورثة، فإن أخذوها بمال الميت كان للغرماء الفضل، وإن بقي شيء عن دينهم كان ميراثًا، وإن أخذوها بمالهم بيعت حينئذ برأس المال، وقضي بالفضل دينه 1، فلم يرَ للغرماء شفعة إذا كره الورثة لموضع العهدة متى طرأ استحقاق ومراعاة الاستحقاق من النادر.
واختلف في مراعاة النادر إلا أن 2 يسقط الغرماء العهدة عن الميت ويثبتوا للمشتري أن العهدة عليهم دون الورثة، وليس الربح للغرماء، وإن أدوا فيه أموالهم لما كان الأخذ بحق كان للميت، والقياس أن يكون الربح لهم؛ لأنَّ من أموالهم سببه، ولأنهم 3 لو لم يدفعوا في ذلك أموالهم لم يفد الغرماء كون الشفعة للميت بشيء، وإذا قال الورثة: لا ندفع في ذلك أموالنا إلا ليكون الفضل لنا مكنوا من ذلك 4 وكل هذا فعلى القول إنه يجوز أن يستشفع للبيع، وقد اختلف في ذلك، فقال ابن عبدوس: قال سحنون وقال مالك: يبدأ بالورثة فيقال لهم: إن قضيتم الدين فلكم الشفعة؛ لأنَّ الميراثَ بعد الدين، فإن أبوا بيع نصيب الميت للدين ولا شفعة؛ لأنَّ الشقص الذي يستشفع به قد بيع 5.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن كان الدين مائة وخلف سوى الشقص مائة وقيمة الشقص خمسون كان للغرماء أن يأخذوا المائة ويبقى الشقص ميراثًا فيستشفعوا من أموالهم، وإن كان خلف خمسين لم يستشفعو لأنَّ الشقص يباع للغرماء إلا أن يقضوا الخمسين الأخرى من أموالهم، ويبقى لهم الشقص فيستشفعوا به.
باب في الشفعة في العين والبئر إذا بيع مع الحائط أو بانفراده
وإذا باع أحد الشريكين قبل المقاسمة نصيبه من الحائط والماء صفقة واحدة كانت الشفعة فيهما فيستشفع الماء مع الحائط؛ لأنه من مصلحته وليس له أن يبعض الصفقة فيما تكون له الشفعة في جميعه 1، فإن باعهما صفقتين افترق الجواب، فإن تقدم بيع الماء كان له أن يستشفعهما أو أحدهما، وإن تقدم بيع الحائط ثم باع الماء من غير مشتري الحائط كانت الشفعة في الحائط دون الماء؛ لأنه في الحائط على أحد أمرين: إما أن يستشفعه فترفع 2 الشركة منه وتبقى الشركة في الماء وحده وإذا انفردت الشركة في الماء لم تكن فيه شفعة إذ لا 3 يستشفع الحائط فيكون شريكه في الحائط غير شريكه في الماء، وإنما يستشفع إذا بيعا معا؛ لأنه شرب لذلك الحائط.
واختلف إذا باع الماء من مشتري الحائط واستلحقه به قبل أن يأخذ الأصل أو يترك، فقيل: يصير بمنزلة لو بيعا معًا فليس للشفيع أن يأخذ أحدهما دون الآخر، وهو محمل قول محمد في رقيق الحائط إذا ألحق به بعد البيع، والعفين والبئر مثله 4، ويجري فيها قول آخر إن له أن يأخذ أحدها دون الآخر وهو قول محمد في 5 الأول دون
الثاني 1؛ لأنهما عقدان قياسًا على قولهم إذا اشترى الأصول، ثم الثمار والعبد ثم ماله والأرض ثم النخل، والقياس أن له أن يستشفعهما لأنَّ المشتري قصد أن يلحق ذلك بالعقد أو يستشفع 2 الأصل وحده؛ لأنه يقول قد كان ذلك من حقي قبل أن تشتري الماء، فليس شراؤك الماء مما يسقط حقي في انفراد العقد الأول أن يستشفع الماء مع الحائط لأنهما متهمان أن يَعْدُواْ العقد، ثم يقول له: لا شفعة له في الماء وإني في ذلك بمنزلة ما لو اشتراه غيري، وإن أنت استشفعت الحائط كانت الشفعة في الماء بانفراده، ويترك الشفعة إذا كان الحائط بغير ماء فيكون للشفيع أن يستشفع الجميع لهذا الوجه فكان تبعيض 3 ذلك أو جمعه من حق الشفيع لا من حق المشتري، فإن تقدم بيع الماء ثم ابتاع منه الحائط كان بالخيار حسب ما تقدم بين أن يأخذهما جميعًا أو أحدهما فيأخذ الماء بانفراده؛ لأنه يقع 4 في حين الشركة 5 في الحائط وله أن يأخذ الحائط بانفراده ولا يقال ها هنا: إنه كالصفقة الواحدة فيأخذ 6 الجميع أو يدع؛ لأنه يستلحق الماء بالحائط، ولا يستلحق الحائط بالماء، ومن المدونة قال ابن القاسم: كما لا يستلحق العبد بماله إن تقدم بيع المال، وإذا بيع الحائط بغير ماء ثم وقف الشفيع فترك ثم استُحِقَّ الماء- كان للشفيع أن يقوم فيأخذ الجميع بالشفعة؛ لأنه يقول: إنما تركت الأصل لما بيع بغير ماء، وعلى صفة يرغب عنه، ولأنهما متهمان أن يكونا عملا 7 على ذلك أن
يبيع 1 بغير ماء، فإذا ترك الشفعة 2 باعه منه.
وإذا باع أحد الشريكين حصته من الحائط والماء، وكانت أجزاءهما في ذلك مختلفة، لأحدهم ربع الحائط وثلاثة أرباع الماء، وللآخر ثلاثة أرباع الحائط وربع الماء، فباع الأول حصته من الحائط والماء، كان للشريك الآخر الشفعة في ربع الحائط وتسع ما بيع من الماء؛ لأنه القدر الذي يستحقه ذلك الحائط من الشرب من ذلك الماء؛ لأنه إذا شرب ثلاثة أرباعه ربع الماء لم يكن على 3 الآخر أن يسقي ذلك الحائط عن مائه إلا بقدر ذلك، وهو جزء من تسعة، فيكون ماء الذي له ثلاثة أرباع على ثلاثة أجزاء، ومن الآخر جزء فيكمل أربعة، وثمانية أجزاء يصرفها ويسقي بها حيث شاء من غير هذا الحائط، فإن باع من له ثلاثة أرباع الحائط استشفع الآخر الجميع؛ لأنَّ جميعه شرب للمبيع.
فصل [في الشفعة إذا اقتسم الشريكان الحائط أو الماء]
وإذا اقتسم الشريكان الحائط، ثم باع أحدهما نصيبه من الحائط والماء لم يكن للآخر في الماء شفعة؛ لأنه من مصلحة المقتسم، وإن اقتسما الماء وحده دون الحائط، قال محمد: فأخذ هذا بئرًا وأخذ هذا بئرًا، فكان هذا يسقي من بئره يومًا، وهذا من بئره يومًا، ثم باع أحدهما حصته من الحائط مشاعًا وبئره- كانت الشفعة في الحائط دون الماء ويفض الثمن فما ناب الحائط استشفع به 4.
باب ما جاء في الشفعة في الثمار (1) والزرع
ومن المدونة قال مالك فيمن اشترى شقصًا من أرض فزرعها، ثم أتى الشفيع، قال: له أن يأخذ بالشفعة والزرع للزارع، قال ابن القاسم: ولا شيء عليه من الكراء، قال: وإن غرسها نخلًا أو شجرًا، قيل: للشفيع إن شئت فخذها واغرم قيمة ما فيها من الغرس، فإن أبى لم تكن له شفعة 2. قال الشيخ - رضي الله عنه - 3: مشتري الأرض على خمسة أوجه: إما أن يشتري الأرض بزرعها، أو الأرض دون الزرع، ثم يستلحق الزرع، ثم استحق رجل نصف الأرض ونصف الزرع، أو بغير زرع 4، وقد كان زرع الزارع بوجه جائز 5 أو كان غاصبًا أو زرعها المشتري، فإن استحق نصف الأرض ونصف الزرع، ورد 6 البيع في نصيبه، أخذ الآخر 7 بالشفعة.1
باب ما جاء في الشفعة في الثمار
1 اختلف في الشفعة في الثمار على ثلاثة أقوال، فقيل: فيها الشفعة، وسواء بيعت مع الأصول أو بانفرادها كان الشفيع شريكًا في الأصل أو لا شركة له، وهو قول مالك، قال: وما هو من الأمر القديم، وما علمت أن أحدًا قاله أن في الثمار الشفعة، قال: ولكني رأيته واستحسنته 2. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا شفعة فيها بحال، وسواء بيعت مع الأصل أو بانفرادها، وقال أشهب: إن بيعت مع الأصل كان فيها الشفعة، وإن بيعت بانفرادها لم تكن فيها شفعة 3، وقال مالك في المدونة في شركاء في ثمرة، كان الأصل لهم، أو كانت النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسا على قوم فأثمرت وحل بيعها فباع أحد ممن سميت فإن لشركائه في الثمرة الشفعة 4. قال الشيخ - رضي الله عنه - 5: إن باع أحد الشريكين نصيبه من الحائط بثماره قبل الطيب أو بعده أو 6 باع نصيبه من الثمار بانفرادها بعد زهوها 7 من رجل كانت الشفعة في الجميع، إلا أنه إن بيعت مع الأصل لم يستشفع إلا الجميع أو يترك، وليس له أن يستشفع الأصل دون الثمرة أو الثمرة دون الأصل، فإن باع
أحد الشريكين نصيبه من الثمار بعد الطيب من رجلين فلم يأخذ الشريك بالشفعة، ثم باع بعد ذلك أحد المشتريين 1 في الثمرة نصيبه 2 كانت الشفعة على قول ابن القاسم لشريكه في الثمرة، ولمن لم يكن باع 3 وعلى قول أشهب: الشفعة لشريكه في الثمن 4؛ لأنه معه كأهل سهم، فإن سلم كانت الشفعة 5 لمن له الأصل، وإن باع من له الأصل نصيبه من الثمرة كانت الشفعة للذين اشتريا الثمرة، وإن باع 6 نصيبه من الأصل والثمرة كانت الشفعة في الثمرة وحدها، ولا مقال لمشتري ذلك الأصل إن قال: آخذ الجميع أو أدع ولا تبعّض عليَّ الصفقة؛ لأنه لا شركة لهما في الأصل، وكذلك إذا كان حائط بين رجلين فساقى أحدهما نصيبه من رجل أو رجلين كان لشريكه الشفعة، فإن لم يأخذ ثم باع أحد المساقين نصيبه بعد الطيب كانت الشفعة على قول ابن القاسم للجميع للمساقي 7، وللشريك في الأصل، وعلى قول أشهب الشفعة للمساقي الآخر وحده، فإن سلم كانت الشفعة للشريك في الأصل، وإن باع الشريك في الأصل كانت الشفعة المساقين، ولو كان جميع الحائط لرجل فساقاه لرجلين على
النصف 1 ثم باع أحد المساقين بعد الطيب كان لشريكه الشفعة، فإن سلم كانت الشفعة لصاحب الأصل، فإن باع صاحب الأصل كانت الشفعة للمساقين، وقال محمد في الحائط يكون بين الرجلين يساقي أحدهما نصيبه من رجل: لم يكن لشريكه شفعة بمساقاته، قاله أشهب، قال: وأظن أن ابن القاسم يقول: إن ذلك له، وجدتها في كتبي ولم أدر ممن سمعتها، وذكر عن مالك أنه قال فيمن ساقى حائطه لرجل على أن للداخل الربع، فلما طابت الثمرة باع صاحب الحائط حصته من الثمرة إن للمساقي الشفعة، وقال: وكل من له شرك في ثمرة فله الشفعة، مساق كان أو غيره 2، وهذا هو الصحيح.
باب في إسقاط الشفعة قبل وجوبها وسقوطها قبل الوجوب وكيف إن علق إسقاطها بشرط
وقال مالك في المجموعة: إذا رضي الشريكان أن من باع فلا شفعة للآخر لم يلزمه ذلك وهو على شفعته 1، وقال في المدونة: إذا قال للمشتري اشتر فقد سلمت لك شفعتي وأشهد له بذلك ثم اشترى المشتري كانت له الشفعة 2، قال أشهب: وهو كمن أذن له ورثته في صحته أن يوصي بأكثر من الثلث فلا يلزمهم ذلك، قال: ولو اشترى على خيار فسلم له الشفعة قبل أن يستوجب ذلك كانت له الشفعة 3.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما تسليم أحد الشريكين فلا تسقط به شفعته؛ لأنَّ الحق للمشتري وهو لم ينل ذلك ولا ترك له، وأما التسليم للمشتري فيجري على القولين قياسًا على التي جعل لها الخيار إن تزوج عليها فأسقطت ذلك قبل أن يتزوج عليها وليس بمنزلة ترك الورثة؛ لأنَّ ترك الشفيع هو 4 السبب لدخول المشتري ولولا ثقته بقوله لم يدخل في ذلك وقد بيع في ذلك عروضه أو ما يقر عليه خروجه عن ملكه.
وقد قال في التي تقول لزوجها طلقني ولك كذا وكذا فيرضى بذلك فلما