التبصرة للخميصفحات 1750-1772

كتاب النذور والأيمان

صفحات 1750-1772

باب فيمن حلف ألا يفعل (1) شيئًا ففعله, هل يتكرر عليه الحنث إن عاود الفعل، أو حلف لا فعله ما دام بموضع كذا، فانتقل عنه، ثم عاد؛ هل تسقط اليمين؟ أو ادعى أنه أراد بعض الصنف الدي حلف عليه, أو نوى أجلًا

وقال ابن القاسم، فيمن حلف لا أكلم فلانا عشرة أيام، فكلمه مرة بعد مرة، لم يحنث، إلا بأول مرة.
وسواء كفّر حين كلمه أول مرة، أو لم يكفّر 2. قال محمد: وليس يبر أحد، ولا يحنث إلا مرة واحدة، وتسقط يمينه، إلا أن ينوي كلما، وكذلك يمينه: لا خرجت زوجته، إلا أن يريد: كلما خرجت 3. وقال مالك، فيمن حلف بصدقة دينار إن نام قبل أن يوتر، فنام قبل أن يوتر، فلزمه ذلك، ثم نام بعد ذلك.
قال: ما رأيت أحدًا يفعل هذا يريد: مرة، وذلك عليه كلما فعل 4. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن حلف، لا كلمتك 5 ما دمت بمصر فسافر المحلوف عليه إلى الحج، ثم رجع إلى مصر، فكلمه: فلا شيء عليه.
قال: وكذلك إن قال: إنْ دخلت عليك ما دمتِ في هذا المنزل، فانتقلتْ، ثم عادت، فدخل عليها، لم يحنث 6.1

وقال سحنون في كتاب ابنه، فيمن حلف لا يشرب نبيذًا إلى سنة ما دام بطرابلس فأقام أشهرًا، فسافر 1، ثم عاد إلى طرابلس، قال: يبني على الأشهر الأولى 2 حتى يتم سنةً لا يشرب، وإلا حنث 3؛ لأن مقصد هذا الصبر إلى سنة، وإن لم يقم.
وقال ابن القاسم، فيمن حلف بطلاق امرأته: لا 4 بنى بها، حتى يوفيها صداقها، فطلقها قبل البناء واحدة، وأخذت نصف الصداق، ثم تزوجها بأقل من الصداق الأول، قال: فما كان يرجع في تزويجه على بقية طلاق الملِك الأول، فهو حانث 5، وإن أبتها، ثم نكحها بعد زوج؛ فلا شيء عليه 6. وقال ابن الماجشون في الواضحة، فيمن حلف ليكسون أمته جبة صوف، ففعل ثم ندم، فإن نوى وقتا؛ أبقاها إليه، وإن لم ينو؛ حمل على بساط يمينه، فإن كان عندما طلبت قميصًا؛ لم يبر حتى يأتي وقت الَكسوة المؤتنفة.
وإن كانت يمينه على وجه الأدب، فإذا أسبغها 7 بها، وأقامت عليها، حتى 8 علم ذلك، فلا شيء عليه في زوالها 9.

ومن حلف لا يشتري ثوبًا فاشترى ثوب وشيٍ، حنث إن لم تكن له نية، إلا أن يكون يمينه بالطلاق.
فإن كانت يمينه بالطلاق، وعليه بينة فلا ينوى.
وكذلك، إن حلف لا دخلت 1 هذه الدار.
وقال: نويت شهرًا.
فإن كانت يمنيه بالطلاق، وعليه بينة لم ينو، ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن كانت لا بينة عليه، أو كانت يمينه بما لا يقضي عليه بها صدق.
= وإن لم ينو شيئا حمل على بساط يمينه، فإن كان عندما طلبت قميصا فلا يبر حتى يأتى وقت الكسية المؤتنفة ولا بد لها من لبس الجبة فيما تسد الجبة مسده من القميص فإن يمينه على الأدب، فإذا أسمعها بها وقامت عليها حتى يعلم ذلك فلا شىء عليه فى زوالها)، ووفي النصِّ تصحيفٌ في كلمتين: كلمة (الكسية)؛ وصوابها: الكسوة، وكلمة (أسمعها)؛ وصوابها: أسبغها.

باب فيمن حلف لعبد، أو لأضربه، أو حلف ليضربنه؛ فأمر من ضربه، أو لا يبيعنه، فأمر من باعه؛ أو باعه على خيار أو بيعًا فاسدًا، أو بيعًا فيه عيب

1 وقال فيمن حلف ليضربن عبده مائة سوط 2، فضربه خمسين سوطًا له رأسان: لم يبر 3. والقياس: أن يبر بمنزلة لو ضربه رجلان خمسين خمسين، وكان وقع ضربهما معًا.
وقال فيمن حلف ليضربن عبده، فأمر من ضربه؛ بر.
وإن حلف لا يضربه، فأمر من ضربه حنث، إلا أن ينوي، أن لا يضربه بنفسه.
وإن حلف أن لا يبيعه، فأمر من باعه؛ حنث، ولم ينو 4. وقال محمد: ينوى 5 فنواه في الضرب إذًا أمر 6 من ضربه؛ لأن من السادات من يؤمنه 7 بمثل ذلك، لئلا يهرب أو غير ذلك من العذر.

وأرى أن ينوى في البيع إن قال: خفت ذهابه، فأمنته بذلك، ولو 1 حلف في سلعة لا باعها، لم ينو إذا كانت اليمين بالطلاق، أو بما يقضي 2 عليه به، إلا أن يبين لذلك وجهًا.
وقال محمد، فيمن حلف لا يبيع عبده فباعه، واشترط لنفسه الخيار، فليس ببيع، حتى يمضى 3. وأرى إن كان الخيار للمشتري أن لا يحنث؛ حتى يقبل؛ لأن البيع في الحقيقة ما نقل 4 الملك، وبيع الخيار لا ينقل الملك.
ويختلف إذا ضرب أجلًا، فباع فيه عبده على الخيار، وقبل المشتري بيعه، فعلى القول أنه يحسب بيعًا من يوم عقد على خيار يحنث، ومن قال: لا يعد بيعًا، إلا من يوم يقبض، لم يحنث.
وقال محمد: إن قال: من جاءني فيه بعشرة دنانير فهو له، لم يحنث، إلا أن يأتيه فيه أحد بعشرة دنانير فيما قرب، مثل الشهر والشهرين، وقال محمد: أحب إلي أن لا يلزمه، إلا في مثل الشهر فأقل فهذا بمنزلة من باع على خيار المشتري، قال: ومن حلف بعتق عبده إن باعه، فباعه بيعًا مفسوخًا 5، كان بذلك البيع حرًا 6. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو حلف بعتقه ليبيعه، فباعه بيعًا فاسدًا، لم يبر، إلا أن

يفوت عند المشتري.
فإن لم يفت نقض البيع، وكانت اليمين منعقدة (1)، حتى يبيعه بيعًا ينقل ملكه.
وأما إن حلف إنْ باعه، فإنه يحنث بالبيع الفاسد؛ لأنه إن كان يجهل، ويراه جائزًا، فهو من الجنس الذي حلف عليه أن لا يفعله.
وإن كان يعلم أنه فاسد، فقد قصد فيه خلاف ما حلف أنه لا يفعله؛ لأنه مكّنه منه على وجه الملك؛ فهو يحنث.
وإن نقض بعد ذلك.
وعلى قول أشهب أن البيع الفاسد ينقل الملك والضمان أبين في الحنث.
وإن باعه، وبه عيب يوجب الرد، وكانت يمينه إن باعه؛ حنث.
وسواء قبله المشتري بعد علمه بالعيب، أو رده.
وإن حلف ليبيعنه؛ لم يبر إن رد بالعيب.

فصل [فيمن حلف لا تكفل بمال فتكفل بالوجه]

وقال فيمن حلف، لا تكفلَّ 2 بمال، فتكفل بالوجه، حنث 3. والقياس: لا شيء عليه؛ لأن الكفالة ثلاثة: بالوجه والمال والطلب.
فإذا قال بالوجه 4، فقد خصَّ ما تكفل به، وتكفل بما هو دون الأول في الحكم فإن أحضره فقيرًا أو غائبًا 5، فأثبت فقره، أو مات، برئ.
ولا يثبت عليه المال، إلا1

بعد غيبته، وعدم البينة على فقره، وكذلك، لو 1 حلف، لا تكفل بالوجه، فتكفل بالطلب، لم يحنث.
وإن حلف، لا تكفل بوجه، فتكفل بمال، حنث؛ لأنه أشد مما سمي.

باب فيمن حلف لا يبيع من فلان أو لا يشتري منه، فباع من وكيله أو اشترى

ومن حلف لا 1 يبيع من رجل، ولا يشتري منه, فباع أو اشترى من وكيله، فإن لم يكن الوكيل من سبب المحلوف عليه، لم يحنث.
وإن كان من ناحيته أو من سببه وهو عالم أنه من ناحيته، حنث 2. واختلف إذا قال لم أعلم 3 أنه من سببه، فقال ابن القاسم في المجموعة: يحنث، ولم يصدقه.
وقال أشهب: لا يحنث 4. واختلف في المراد بمن هو من سببه، فقال ابن القاسم في المدونة: صديق ملاطف، أو من هو من عياله، أو من هو من ناحيته 5. وقال ابن حبيب: هو الذي يدير أمره أو أب أو أخ ممن يلي أمره.
فأما 6 الصديق والجار والجلساء فلا 7. يريد: أن محمله فيمن لا يلي ماله كالأجنبي، فلا يحنث به، وأن من يلي القيام بماله لا يخفى عليه.
ولم يروا 8 عليه حنثًا إذا لم يكن من سببه، وإن ثبت أن البيع والشراء كان للمحلوف عليه، بخلاف أن يباشر الحالف المحلوف 9 عليه بالبيع والشراء

ناسيًا؛ لأن الناسي عالم أنه محلوف عليه عامدًا للفعل ناسيًا ليمينه.
والناسي والعامد سواء.
وهذا غير عالم فلم يحنث على مراعاة المقاصد؛ لأنه غير ما قصد بيمينه.
ولا على مراعاة اللفظ؛ لأنه إنما باع أو اشترى من غير المحلوف عليه.
وأرى 1 أن ينظر في الحالف، فإن كان لا يخفى عليه أن الذي باشره بالعقد من سبب المحلوف عليه؛ لم يصدق.
وإن أشكل الأمر حلف أنه لم يعلم ولم يحنث.
والتهمة في يمينه ألا يبيع من فلان جاريته أو عبده أو يشتريهما منه مختلف.
فمن حلف لا باع جاريته أو عبده من فلان، يتخوف 2 أن يدس من يشتري له ذلك، وهذا يجري كثيرًا.
فإن تولىَّ الشراء جار أو صديق أو جليس؛ لم يصدق أنه لم يعلم أنه من ناحيته، إلا أن يكون الحالف طارئًا، أو يقوم له دليل.
ولا يتخوف مثل ذلك أن يدس عليه من يبيع منه، إلا أن يكون اليمين منه على معين جارية أو عبد، فلا يصدق أنه لم يعلم أن الذي 3 حلف عليه.
وقال مالك: وإن 4 كان المشتري من سبب المحلوف عليه، فقال البائع: إني حلفت أن لا أبيع من فلان.
فقال: لنفسي أشتري.
فلما باع منه، قال: ادفعها لفلان المحلوف عليه، فله اشتريتها؛ لزمه البيع.
وهو حانث، ولا 5 ينفعه ما قدم في ذلك 6. ولو قال: إنْ كنت وكيلًا فلا بيع بيننا؛ لم يلزمه بيع، ولم يحنث.

باب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فقضاه ناقصًا أو زيوفًا. أو استحق ما قضاه ومن حلف لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه؛ ففر منه، أو أحاله أو أرهنه. وما يتعلق بذلك

ومن حلف ليدفعن لفلان حقّه إلى أجل، فقضاه ناقصًا أو زيوفًا 1 أو استحق ما قضاه وهو عالم بجميع ذلك، ثم مضى الأجل؛ حنث.
ويختلف إذا لم يعلم.
فقال في المدونة: يحنث 2 وهذا على مراعاة الألفاظ، ولا يحنث على القول الآخر؛ لأن قصده أن لا يلد فلم يلد.
واختلف إذا استحقت بعد الأجل، فلم يأخذها المستحق، فقال ابن كنانة: لا يحنث.
وقال ابن القاسم: يحنث.
قال: وكل شيء لو قام صاحبه أخذه فكأنه وفاَّه ساعة أنفذ.
وقال مالك في العبد يحلف على القضاء إلى أجلٍ، فيقضي من مال سيده فيجيزه سيده بعد الأجل، قال: ما أرى من أمر بين 3.

فصل [فيمن حلف لغريمه ألا يفارقه حتى يستوفي حقه]

وقال ابن القاسم فيمن حلف لغريمه: لا فارقتك 1 حتى أستوفي حقّي.
ففر منه: حنث 2. وقال محمد: لا يحنث، إلا أن يتراخى له.
قال 3: وإن قال لا فارقتني، أو لا افترقنا فأفلت منه، حنث فأجاب محمد إذا قال: لا أفارقك 4 على موجب اللفظ 5. ورأى ابن القاسم أن القصد من الحالف في مثل هذا 6: المغالبة والتضييق عليه حتى يأخذ حقّه.
قال: وإن حلف لزوجته إنْ قبلتك، فقبلته؛ فلا شيء عليه إذا لم يكن منه استرخاء.
قال: وإن حلف لزوجته إنْ ضاجعتك، فضاجعته 7 وهو نائم؛ فلا

شيء عليه وإن قال: إن ضاجعتني أو قبلتني؛ فهو بخلاف الأول 1، يريد: إذا حلف لا قبلتك، فقبلته على الفم لأنه إذا تركها صار هو مقبل.
ولا يحنث إذا تركها قبلته على غير الفم.
وإن قال: إن قبلتني فتركها، فقبلته على غير الفم؛ حنث، إلا أن ينوي الفم.
وإن قال: لا فارقتك حتى أستوفي حقّي أو أقبضه، فأحاله، حنث ولا يقع 2 الحنث إن نقض الحوالة، وقضاه 3 قبل أن يفارقه.
وإن قال: إن فارقتك 4 ولي عليك حق -برئ بالحوالة- وإن أرهنه بحقّه رهنًا، لم يبر.

باب (1) فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر أو رأس الهلال أو في انسلاخه أو إلى العيد أو في العيد

وإن حلف ليقضينه رأس الشهر أو رأس الهلال كان له يوم وليلة من أوله 2، فإن غربت الشمس ولم يقضه، حنث.
وهذا إذا لم يدخل في يمينه شيءٌ من حروف الجر، فيقول: في أو عند أو إلى أو لكذا أو إذا أو حين.
قال مالك في المدونة: فإن قال إلى رمضان، فانسلخ شعبان ولم يقضه، حنث 3. قال محمد: فإن قال في رأس الشهر أو في رأس الهلال أو في الهلال، ولم يقل رأس الهلال أو في استهلال الهلال أو في الهلال 4 أو في رؤيته أو في دخوله أو في حلوله، كان له يوم وليلة 5. وأرى إذا قال: في الهلال، ولم يقل في رأس الهلال: أن تكون له ثلاثة أيام؛ لأن العرب تسميه أول ليلة والثانية والثالثة هلالًا، والرابعة قمرًا 6، إلا أن يكون الحالف لا يعرف هذه التسمية، إلا لأول ليلة أو لثانية 7، فيحمل على ما يقوله.1

قال: وكذلك، إذا قال: عند الهلال أو عند رأس الهلال أو قال لاستهلال الهلال أو لرأسه أو لرؤيته أو لدخوله أو لحلوله أو لمجيئه؛ فله يوم وليلة من الداخل 1 يريد: لأنَّ المراد المبادرة بذلك عند استهلال الشهر.
وإن قال إلى؛ كان القضاء إلى قبل حلول الداخل؛ لأن بابها للغاية، فهي غاية التأخير.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: له يوم وليلة من الداخل وإن قال إذا انقضى شعبان أو عند انقضائه له يوم وليلة من رمضان.
وقوله: إذا استهل رمضان، وإذا 2 انقضى شعبان سواء؛ لأنه لا يصح انقضاء شعبان، إلا بدخول رمضان 3. فمن قضى بأثر انقضائه.
فقد قضى عند الانقضاء، وإن قال: في انقضاء شعبان أو إلى انقضائه فغابت الشمس من آخر شعبان، حنث؛ لأن (في): ظرف للقضاء، فالقضاء يكون في الانقضاء.
وإن خرج الشهر، كان قضاؤه في غير الانقضاء.
وكذلك قوله: إلى فغاية التأخير ما لم ينقض الشهر.
وإن قال: حين ينقضي شعبان؛ لم يحنث بخروجه، ويتعجل ما استطاع، وقد قال: له يوم وليلة.
كقوله إذا انقضى شعبان 4 وإن قال: إذا انسلخ شعبان؛ كان له يوم وليلة من رمضان، كقوله إذا انقضى شعبان.
وإذا 5 قال: في انسلاخ الشهر أو إلى أو لانسلاخه، فلم يقضه قبل أن يهل رمضان، حنث.
مثل قوله: في القضاء أو إلى انقضاء.
وإن قال: في انسلاخ الهلال، كان له يوم وليلة.

واختُلف إذا قال: عند انسلاخه (1): فقال مرة: إذا انسلخ وعند انسلاخ واحد له يوم وليلة من الثاني وقال مرة: ذلك بمنزلة قوله (في) (2)، و (إلى)، فإن لم يقضه قبل خروج الأول، حنث وقال محمد: وإن قال: حين ينقضي الهلال أو حين يهل أو حين ينسلخ أو يرى أو يدخل أو يجيء إذا سمى الحين في جميع ذلك، يعجل القضاء ما استطاع حين يدخل، وليس في ذلك حد (3). وفي المبسوط: إذا قال: في حلول وإذا حل وحين يحل، له يوم وليلة.
وإن قال: لحلول رمضان، فغابت الشمس من آخر شعبان، ولم يقضه، حنث، كالذي يقول: إلى.
وفي كتاب محمد: إذا قال لكذا: له يوم وليلة (4). والمراد بقوله لحلول ولمجيء وحين وعند واحد.

فصل [فيمن حلف ليقضينه إلى العيد أو في العيد أو اذا انقضى العيد]

واختُلف إذا حلف ليقضينه إلى العيد أو في العيد أو إذا انقضى العيد في مبتدأ العيد وآخره: فقال سحنون: إن حلف ألا يصيب أهله إلى العيد، فأصابها ليلة العيد؛ حنث ورأى أن أول العيد ليلته، وقال أصبغ: لا يصيبها حتى يصلي الإمام وينصرف، فإن أصابها قبل ذلك، حنث 5. فجعل مبتدأ العيد بعد سلام1234

الإمام من الصلاة.
واختُلف إذا قال في العيد: فقيل: له اليوم الأول فقط، وقيل: ثلاثة أيام.
وقال سحنون: إن كان في الفطر فاليوم الأول، فإن قال: يوم العيد، كان الأضحى والفطر سواء، له اليوم الأول.
وإن قال: في الأضحى، فثلاثة أيام.
وإن قال: في أيام التشريق، فأربعة أيام، وإن قال: إلى الصدر، فله إلى 1 آخر أيام التشريق، وبقيته إلى الفجر، فإن طلع الفجر، ولم يقضه، حنث وقال: إن حلف لا كلمتك حتى الصدر أو إلى الصدر؛ فلا يكلمه إلا في الصدر الآخر.
فإن كلمَّه في الأول، لم يحنث.
وإن حلف ليكلمنّه إلى الصدر، فليكلمه في الأول، فإن كلمَّه في الآخر، لم يحنث 2. وقال ابن القاسم: فيمن 3 حلف لأقضينّك إذا ذهب العيد؛ فأيام التشريق من العيد.
وقال أيضًا: إن حلف ليقضينه في العيد، فقضاه في أيام التشريق، حنث 4 فرأى أن العيد اليوم الأول؛ لأن أول أيام التشريق اليوم الثاني.
وقوله الأول أحسن.

باب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فأعطاه عرضًا، أو وهبه له الطالب. أو حلف الطالب لا يضع من حقه شيئًا، فأخره أو أقاله

وقال مالك فيمن حلف ليقضينّ فلانًا حقّه إلى أجل أو دنانيره، فأعطاه بها عرضًا فيه وفاء من حقّه، فلا شيء عليه، ثم كرهه 1 فالكراهة على مراعاة الألفاظ، والأخرى على مراعاة المقاصد، وهو إذا قال: دنانيره أبين في الكراهية، وإن وهبه الطالب ذلك الحق؛ لم يبر.
وهذا على مراعاة الألفاظ، وعلى مراعاة المقاصد لا يحنث؛ لأن المراد أن لا يكون منه لدد عن القضاء.
فإذا أمكنه منه وتركه؛ لم يحنث إذا كانت اليمين بما لا يقضى بها، أو بما يقضى بها، ولا بينة عليه، فإن كانت عليه بينة، لم يبر.
قال أشهب: ثم إن مضى الأجل، ولم يقضه، حنث 2. وقال ابن حبيب: لا ينفعه إن قضاه بعد ذلك.
والأول أحسن، أن لا شيء عليه إن قضاه في الأجل؛ لأنه إن كان باطنه على الصحة، وقد مكنَّه من حقه؛ لم يحنث.
وإن اتهم أن يكون أراد الطالب الرفق به، لئلا يحنث، فأظهر الهبة 3. وليكون القضاء بعد الأجل؛ كان الحق قائمًا، فقد قضاه.
وإن باعه بالدين عرضًا بيعًا فاسدًا، ففات في الأجل وقيمته مثل الدين

فأكثر؛ بر.
وإن كانت قيمته أقل، فوفاَّه بقية حقّه في الأجل، بر.
وإن لم يقضه حتى انقضى الأجل، حنث.
واختلف إذا انقضى الأجل والعرض قائم: فقال سحنون في العتبية: يحنث.
وقال أشهب: لا يحنث.
وأرى إن كان في قيمته وفاء بالحق أن لا يحنث؛ لأنه الوفاء (1) عنده، والوجه الذي قصده بيمينه.
وكذلك إن كان عالمًا بالفساد، وقصد بتّ البيع.
وإن أراد بذلك ليقوم بعد الأجل، حنث؛ لأنه قصد اللدد.
وإن باعه بالدين سلعة بيعًا صحيحًا، وبها عيب فعلم بالعيب في الأجل، فردت.
وقضى الثمن ثانية، وإلا حنث.
وإن رضي به المشتري، وفي قميتها معيبةً وفاء بالدين، لم يحنث.
وإن كانت أقلّ؛ حنث على مراعاة الألفاظ؛ ولم يحنث على القول الآخر إذا كانت قيمتها سالمةً مثل الدين، وهو غير عالم بالعيب؛ لأنه قصد الوفاء، ولم يلد.
وإن فاتت في الأجل أعطاه قيمة العيب، وإلاّ حنث.
وإن لم يعلم بالعيب، إلا بعد الأجل وقد كانت فاتت في الأجل، حنث على أحد القولين.
وإن مضى الأجل وهي قائمة، حنث على قول سحنون في البيع الفاسد، ولم يحنث على قول أشهب.
وهو أحسن؛ لأنه لم يقصد لددًا.

فصل [فيمن باع سلعة ثم حلف لا يضع من ثمنها فأقاله]

ومن باع سلعةً، ثم حلف ألا يضع من ثمنها، فأقاله، حنث إن لم يكن فيها وفاء بالثمن 2. وإن كان فيها وفاءٌ، لم يحنث.
وإن أنظره، لم يحنث.
وقيل:1

يحنث.
والأول أبين؛ لأنّ التاجر يخف عليه الصبر، ويراه حسن معاملة، ولا يعده وضيعة، ولا يخف عليه ترك اليسير.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن حلف أن لا يهب لفلان، فتصدق عليه: حنث.
وإن أعاره، حنث؛ لأن أصل يمينه على المنفعة 1. قال محمد: وإن حلف على قريب له أن لا يُعيره ثوبًا، فوهبه له، فلا شيء عليه، إذا كان سبب يمينه أنه أعاره فأفسده أو حبسه عنه، أو كان يعاف لباس الناس ثيابه، أو يريد صونها.
وإن أراد قطع المنافع عنه، حنث وإن حلف أن لا يكسو امرأته، فأعطاها دراهم اشترت بها ثوبًا؛ حنث.
ولم ينو إن كانت يمينه بما يقضى عليه بها.
فإن حلف أن لا يعطيها دراهم، فكساهاة حنث، إلا أن يكون أراد بالدراهم خوف أن تتلفها، ولو أعطاها في الأول دراهم يسيرة مما لا تشتري بها كسوة، ولا تستعين بها فيها، لم يحنث.
ولو حلف على أجنبي أن لا يكسوه، فأعطاه دراهم، أو لا يعطيه دراهم فكساه، حنث في الوجهين جميعا، إلا أن يقوم له دليل على أنه أراد عين ما حلف عليه.
وقال ابن القاسم فيمن حلف لا أدخل دار فلان إلا بإذن فلان، أو لا يقضي فلانًا حقّه إلا بإذن فلان، فمات الذي اشترط إذنه، لم ينتفع بإذن ورثته 2، وإن دخل أو قضى، حنث 3.

باب [فيمن عجز عن البر بسبب خارج عنه]

فيمن قال حلف ليقضينّ فلانًا حقه رأس الشهر، فغاب الطالب، أو مات، أو حلف ليركبنّ دابة فماتت، أو ليلبس ثوبًا، أو يأكل طعامًا، فسرق.
أو حلف بالطلاق، أو بعتق عبده، ليفعلن فعلًا، فمات الحالف، أو المحلوف عليه قبل أن يفعل.
ومن حلف لغريمه ليقضينّه رأس الشهر، فغاب الطالب وله وكيل مفوض إليه، دفع إليه، وبرّ في يمينه، وبرئ من الدين.
وسواء كان بالموضع سلطانٌ، أم لا.
وإن لم يكن مفوضًا إليه دفع إلى السلطان، وبر وبرئ.
فإن لم يكن سلطان أو لم يقدر على الوصول إليه، أو كان غير عدل، دفع إلى هذا الوكيل أو غيره، وأوقفه على يديه، فيبرّ في يمينه، ولا يبرأ من الدين.
وإن أتى بالحق وأشهد على وزنه أو عدده ثم رجع به، بر؛ لأنه لم يكن منه لدد، وهو قول مالك في كتاب محمد.
قال محمد: وقد قيل لو دفع إلى بعض الناس لغير عذر من سلطان، وأشهد، لم يحنث 1. وإن كان السلطان غير عدل، فرفع إليه وهو عالم أنه غير عدل، بر في يمينه 2، ولم يبرأ من الدين.
قال محمد: وإن لم يعلم ذلك من الإمام، فلا ضمان عليه.

وأرى أن يضمن ولا يبرأ؛ لأن الدين في ذمته، وقد أخطأ على نفسه.
وقال سحنون: إن أشهد على الحق في الأجل، ثم جاء الطالب بعد الأجل فمطله؛ لم يحنث 1. وقال مالك في كتاب محمد: إن حلف ليقضينّه رأس الشهر إلا أن يؤخره، فأخره شهرًا، ثم قال المطلوب بعد حلول الشهر الآخر: ما علي يمين.
قال مالك: اليمين عليه، فإن لم يقضه، حنث قال: وإن أنظره الطالب من قبِل نفسه، ولم يعلم الحالف، فقال: عسى به أن يجزئه.
وقال ابن وهب: هو في سعة من يمينه 2. وهذا على مراعاة الألفاظ؛ لأنه قال: إلا أن تؤخرني 3، فقد أخره 4. وعلى مراعاة المقاصد يحنث.
وهو أحسن؛ لأنه قصد أن لا يلد، فإذا لم يعلم بتأخيره، فقد لد.
واختُلف أيضًا إذا غاب الحالف فقضى عنه بعض أهله من ماله أو من مال الغائب، فقال ابن الماجشون: يبر وقال ابن القاسم: لا يبر 5 وهو أبين إذا تأخر عن القدوم للقضاء عمدًا.
وقال ابن القاسم فيمن حلف ليقضينّ فلانًا حقّه إلى أجل، إلا أن يؤخره، فأراد سفرا، فسأل الطالب أن يؤخره، وذكر مدة سفره، فأخره إلى بلوغه، وزاده عشرين ليلة، ثم لم يسافر لأنه خاف اللصوص، قال: يقضيه عند الأجل الأول، وإلا حنث 6. وقال فيمن حلف ليركبن هذه الدابة غدا فماتت قبل غد

فلا شيء عليه 1. وإن حلف ليلبسنّ هذا الثوب أو ليأكلنّ هذا الطعام، فسُرق، حنث.
وقال أشهب: لا حنث عليه 2 وهو أحسن، إلا أن تكون اليمين بما يقضى عليه به، ولم تعلم السرقة إلا من قوله.
وقال فيمن حلف ليذبحن حمامات يتيمة، فوجدها قد ماتت قبل ذلك: فلا شيء عليه.
وقال في كتاب الأيمان بالطلاق، فيمن حلف ليبيعن أمته، فوجدها حاملًا: حنث 3 فعلى هذا يحنث الذي حلف ليذبحن الحمامات فماتت 4. والخلاف في هذا راجع إلى الوجهين المتقدم ذكرهما، فمن راعى الألفاظ أحنثه، ومن راعى المقاصد لم يحنثه.
وقال فيمن حلف ليضربن فلانًا بعتق عبده، فمات فلان بعد أن مضى قدر ما يضربه فيه: حنث.
فإن كان الحالف صحيحًا أُعتِق من رأس المال، وإن كان مريضًا أُعتِق من الثلث.
وإن مات الحالف أُعتِق من الثلث 5. وإن ضرب أجلا فمات أعتق من الثلث وإن مات الحالف أعتق من الثلث 6، وإن ضرب أجلًا فمات الحالف أو المحلوف عليه في الأجل فرط أو لم يفرط، وقد حلف بعتق أو طلاق، فلا شيء عليه.

وقال ابن كنانة في كتاب المدنين فيمن حلف بطلاق امرأته أن يبيع عبده إلى شهر فمات العبد في الشهر، قال: إن فرط في بيعه ولو شاء باعه، فقد وقع الطلاق؛ لأنه لم يبق له شيء يبر فيه.
قال: ولو حلف بالطلاق أن يخرج بامرأته إلى شهر فماتت: حنث إن فرط.
قال: ولو مات هو قبل أن يخرج بها، ورثته.
قال: والفرق بينهما أن المرأة حين 1 ماتت يأتي الأجل، وليس له شيء يبر فيه، وإن مات هو كان بمترلة من طلق بعد الموت 2، وقد يطلق المريض فترثه.
وقال ابن أبي حازم، فيمن قال: إن لم أضرب غلامي قبل الهلال فامرأته طالق، فمات العبد قبل الهلال، وقبل أن يضربه، فقال: أمره عندي أبين من كل شيء، وهي طالق.
فسوى ابن كنانة وابن أبي حازم في الحنث إذا ضرب أجلًا، وجعلاه بمنزلة من لم يضرب الأجل، ورأيا أن أجل الآخر حياة الحالف فأحنثاه بمجرد اللفظ؛ لأن كليهما حلف ليوجدن منه فعلٌ، فلم يوجد.
فهذا جعل لنفسه أن يضرب ما بينه وبين شهرٍ، والآخر فسح لنفسه أن يضرب ما بينه وبين أن يموت 3.

جارٍ التحميل