النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)
وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب الصرف
الرِّبا محرم بالقرآن، والسُّنَّة، والإجماع، فأما القرآن: فقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39].
وأخبر سبحانه أنه كان محرمًا على من كان قبلنا كتحريمه علينا، فقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161].
وأما السُّنَّة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ" أخرجه مسلم في صحيحه 1.
والأحاديث في ذلك كثيرة، ولا خلاف بين الأُمَّة في تحريم الربا في الجملة.
واختُلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] على ثلاثة أقوال: فقيل: المراد به ما كانت عليه أهل 2 الجاهلية من فسخ الدَّيْن بالدَّيْن،
يقول المطلوب للطالب 1: أخرني وأزيدك، فقالوا: سواء علينا أزدنا في أول البيع أو عند محلِ الأجل، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وهو قول عطاء ومجاهد وغيرهما، وجعلوا الألف واللام تعريفًا للعهد.
ويؤيد هذا القولَ 2 قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المْطَّلِبِ، فِإِنَّهُ مَوْضُوع كُلُّهُ" أخرجه البخاري ومسلم 3.
ولم يُختلف أن اسم الربا يقع على فسخ الدَّيْن بالدَّيْن، وقيل: المراد به كلُّ بيع حرُم التفاضل فيه؛ لأن الربا في اللسان الزيادة، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بَالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلا بِمِثْل، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذَهِ الأَصَنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".
أخرجه مسلم في صحيحه من طريق عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - 4.
فسمَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزيادة التي تقع في هذه الأصناف ربًا، فبيَّنت السُّنَّة المراد من القرآن، وحَمْلُ قائل هذه المقالة الألف واللام في الربا لتعريف الجنس ليس للعهد.
ويدخل في ذلك السلف بزيادة، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
وقيل: المراد به كلُ بيع محرَّم كان تحريمه من جهة الزيادة أو غيرها، وهو قول عائشة - رضي الله عنها -، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَطِيبًا، وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ".
أخرجه البخاري 1.
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الكتاب: إنَّ من الربا أن تُباعَ الثمارُ وهي مُغْضِفَةٌ 2 لم تطِبْ 3.
ويشهد لقوله روايته عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الذَّهبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، والتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا إلا هَاءَ وَهَاءَ" وهذا حديث صحيح اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 4، فأوقع - صلى الله عليه وسلم - اسم الربا على ما يجوز فيه التفاضل، لعدم المناجزة، فأبان هذا الحديث أن الربا لا يختص بالزيادة، وأن المراد به ما حرُم من البياعات.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39].
فقال بعض أهل العلم: نزلت في الهدايا يهديها الرجل للرجل ليأخذ أكثر من ذلك، ولم يزد على هذا، فيقول هذا حلال أو حرام، وقال بعضهم: ذلك جائز ولا أجر له، ولا وزر عليه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قد أوقع الله -عز وجل- على هذا الفعل اسم الربا، وأخبر في غير موضع من كتابه بتحريمه، والهدايا التي يقصد بها العوض والثواب مخرجها مخرج المعاوضات.
وقد اختلف قول مالك في هبة الثواب، هل مخرجها مخرج البيع، أو مخرج المعروف؟ والمشهور من قوله: إن مخرجها مخرج البيع 1.
فإذا عوَّض عن الهبة بعد الافتراق من جنسها أكثر لم يجز ذلك، كانت الهبة طعامًا مما يحرم التفاضل فيه أو لا يحرم، عرضًا أو عينًا، فيدخل 2 فيما يحرم فيه التفاضل من الطعام والعين الربا من وجهين: التفاضل والنَّساء 3، وفيما يجوز فيه التفاضل من الطعام 4 النَّساء، وفي العروض سلف جر منفعة، وذلك ربًا.
ويؤيد ذلك وجميع هذه الوجوه ما ورد في الآية من إطلاق اسم الرِّبَا.
وعلى قوله الآخر ذلك من ناحية المعروف، يجوز جميع ما قدمنا ذكره، وقد أجاز في كتاب محمد أن يثيب عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهبًا 5، وذَهَبَ في ذلك إلى ما أجيز من الدينار بأوزن منه، وقرض مائة دينار بمثلها، والحوالة وإن كانت فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، والعرية، فجميع هذا أجيز على وجه المعروف، ولا يجوز على وجه المكايسة.
باب ذكر الرِّبا في الصرف والوجه الذي يجوز عليه الصرف
الرِّبا يدخل في الصرف إذا كان من جنس واحد -ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة- من وجهين التفاضل والنَّساء، ولا يجوز إلا مِثلًا بمثل، يدًا بيد.
ويدخل في الجنسين، وهو بيع الذهب بالورق من وجه، وهو النَّساء، فيجوز متفاضلًا يدًا بيد، والحكم في المصارفة بالتبر الذي لم يعمل والمسكوك، والحلي والذهب المكسور، والآنية تباع لتكسر أو لتبقى على قول من أجاز اتخاذها للجمال ولغير الاستعمال، والعين تكون دينًا في الذمة فيباع بعين من جنسه أو من غير جنسه، سواءٌ فيما يطلب من المناجزة والمماثلة.
ومن المدونة 1 قال ابن القاسم فيمن اشترى حليًا مصوغًا، فنقَد بعض ثمنه ولم ينقد بعضًا: تفسد الصفقة كلها 2.
وقال فيمن له قِبَلَ رجل مائة دينار فباعها منه بألف درهم، فنقَده تسعمائة، ثم فارقه عله أن يدفع إليه المائة الباقية، قال: تُرد الدراهم، وتكون له الدنانير بحالها 3. فأفسد جميع المصارفة؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا.
وذكر ابن القصّار في ذلك قو لًا آخر أنه يمضي الحلال وَيَبطل الحرام.
وهو أبين إذا كان الحلال نصف الصفقة فأكثر؛ لأنه لم يشتر أحدهما للآخر، فإن كان الحرام أكثر فسخ جميع العقد؛ لأنه لم يرضَ بصرف ما
يتناجزان فيه إلا بمكان ما تأخر قبضه، وهو جُلُّ الصفقة، وهذا إذا عقد على تأخير بعض الصفقة، فإن عقد على المناجزة في الجميع فوجد معه 1 البعض، ثم افترقا على أن يأتي بما عجز، نظرت فإن كان العاجز أقل الصفقة لم يفسخ إلا بقدر ما لم يتناجزا فيه، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى.
واختلف إذا عثر عليها في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يفسخ جميع العقد 2. وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إلا بقدر ما 3 عجز 4.
وهذا هو الأصل؛ لأنه إذا عجز أقل الصفقة كان الصرف منعقدًا في الحاضر، ولا خيار فيه لواحد منهما، وإذا كان ذلك، كان التراضي بالبقاء على المصارفة في العاجز، كصرف مبتدأ منفصل من الأول، والفسخ حماية، لئلا يتذرع الناس إلى الصرف المتأخر.
واختُلف فيمن صرف مائة دينار بألف درهم، فوجد معه خمسين دينارًا، ففي كتاب محمد يكون مشتري الدنانير فيما حضر بالخيار بين أن يتمسك به أو يرده، كالطعام يستحق بعضه 5.
وخالف أشهب في الطعام، وجعل الجواب فيه كالجواب في العروض، ألا خيار له في رد ما لم يستحق، وعلى هذا لا يكون لهذا خيارٌ في الصرف.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة، فإن قالوا: إن شراء
النصف والجميع على سعر سواء- لم يكن خيار في الحاضر، وإن قالوا: ذلك يختلف وشراء الجملة أغلى أو أرخص- كان له أن يرد؛ لأنه يقول: إذا كانت الجملة أغلى لم أشتر على سعر غالٍ إلا رغبة في شراء مائة، ولو علمت أنها قليلة لم أشتر إلا بدون ذلك.
وإن كان أرخص قال: حاجتي إلى مائة، فإن تكلفت شراء الخمسين التي عجزت اشتريتها غالية.
وعلى هذا يجري الجواب إذا استحق بعض الدنانير بعد المناجزة، فإن كان المستحق يسيرًا كان الصرف منعقدًا فيما لم يستحق، ولا خيار لواحد منهما، وإن كان أكثر الصفقة كان الخيار للمشتري يرد إن شاء، وإن كان النصف كان له أن يرد على قول محمد، وليس ذلك له على قول أشهب، وقد تقدم وجه ذلك.
وإن كانت الدنانير سككًا مختلفة والدراهم سَكَّة واحدة، فاستحق سكة من الدنانير انتقض ما ينوبها، وإن استحق بعض الدراهم، وكان المستحق النصف- انتقض من كل سكة نصفها 1، ولا تخص بذلك سكة دون الأخرى.
وإن بيعت خلاخل 2 فضة بدنانير، فاستحق بعض الخلاخل 3، فإن كانت جملة عدد استحق زوج منها- انتقض الصرف في المستحق وحده؛ لأن الدراهم سكة واحدة، فإن استُحِقَّ فَرْدٌ رَدَّ المشتري صاحبَهُ معه؛ لأن استحقاق الفرد عيب على المشتري في الباقي، وإن استحق نصف الدراهم انتقض فردٌ من كل زوج من الخلاخيل، ثم كان كل واحد من المتبايعين بالخيار في الباقي بين أن يمسك بها أو يردها، فإن أحب المشتري التمسك كان للبائع أن يقوم بردِّه؛
لأن الاسترجاع لفرد عيب على البائع في المردود، بمنزلة لو اطلع على عيب في أحدهما، لم يكن له أن يرده إلا وأخوه معه.
فصل [في أحكام الدراهم والدنانير الزائفة في الصرف]
فإن وجد أحدها 1 زائفًا، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يرضى به، أو يقوم ليردَّه فيرضيه الآخرُ بشيء يدفعه إليه على ألَّا يرده عليه، أو لا يرضيه فيرده ويريد أن يبدله له، أو ينقض الصرف.
فإن أحب التمسك به جاز ذلك.
واختلف إذا قام ليرده فأرضاه البائع وتمسك به، وفي البدل فأُجِيزَ ومُنِعَ.
ولا يخلو المتصارفان من ثلاثة أوجه:
إما أن يتصارفا على معيَّنين، فيقول: أصارفك هذه الدنانير بهذه الدراهم، أو على غير معيَّنين، فيقول: أصارفك عشرة دنانير بمائة درهم، أو يكون أحدهما معينًا والآخر غير معين.
فإن كانا معيَّنين، فوجد العيب بدنانير أو بدراهم؛ قُدِّر دينار ورُدَّ، وانتقض الصرف 2، ويجوز أن يتراضيا على البدل، ولا خلاف في 3 هذين أن الصرف منتقض بنفس الردِّ، وأن التراضي بالبدل جائز؛ لأنه لما كان معينًا لم يلزم المردود عليه أن يأتي ببدله، فانتقض الصرف 4، وإذا انتقض الصرف كان
ما تراضيا عليه الآن صرفًا مبتدأً، ولم يجز إذا لم يكن معينًا؛ لأنه يأخذ الآن ما كان عليهما أن يتناجزا فيه اليوم الأول.
وإن كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال: أصارفك هذا الدينار بعشرين درهمًا، فوجد العيب بالدينار 1، فرده- انتقض الصرف، وجاز البدل.
وإن كان العيب بالدراهم لم يجز البدل عند مالك وابن القاسم 2، وأجازه ابن شهاب، والليث، وابن وهب 3. وهو أقيس، إذا كانا قد اختبرا 4 ما تصارفا عليه، وقلَّباه، فما وُجد بعد ذلك فهو من باب الغلبة في الصرف إذا لم يكن دافع الزائف مدلسًا، وأما ما يُحمل الناس عليه اليوم فالمنع والفسخ؛ لأن كثيرًا منهم يعمل على الفساد، ويعطي على غير التغليب؛ ليبدل له بعد ذلك ما وجده زائفًا، فكان حماية هذا الباب أولى.
وإن كان الحكم ألَّا يبدل؛ لأن الصرف على معين ولم يتراضيا بالبدل 5 في فى ينار واحد، ووجد الآخر درهمًا زائفًا- انتقض جميع الصرف إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض ما ينوب الزائف خاصة، وإن كان الصرف دنانير انتقض صرف دينار.
وعلى القول الآخر ينتقض بقدر ما يرد، وإن عاد شريكًا في دينار.
ويجري فيها قول ثالث: أنه ينتقض جميع الصرف؛ لأنهما لو عقدا الصرف على تسعة وتسعين دينارًا ونصف على أن يسلم المائة ويكون شريكًا بالنصف- لم يجز.
وإن كان يقابل الزائفُ دينارًا واحدًا، ووجد العيب بدينار- انتقض صرف دينار قولًا واحدًا، ويكون حكم ما قابل الزائف حكم الزائد يجده أحدهما عنده؛ لأن الحكم لو علم به قبل الافتراق أن يسقط من الصرف ما يقابله فقط ويرد الزائف، بخلاف غير المعين، فإن كان ذلك قائمًا انصرف أحدهما بزائد معه.
فصل [في أحكام الصلح والبدل في الصرف]
وإن كان الصرف على غير معين، ولم يصح البدل على قول من منعه، فإنه يختلف فيما ينتقض من الصرف إذا كان ينوب الزائف بعض دينار، على أربعة أقوال:
فقيل: ينتقض صرف دينار، وهو قول مالك وابن القاسم 1.
وقيل: ما قابل الزائف خاصة، وهذا بناء على القول بجواز صرف بعض دينار.
وقال ابن القاسم في العتبية: ينتقض الصرف كله 2.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إن كانا سمَّيا لكل دينار دراهم
انتقض صرف دينار، وإن لم يسميا انتقض جميع ذلك الصرف ورأى أنهما إذا سميا لكل دينار دراهم أن لكل دينار عقدًا لا يتعلق بالآخر، فلا يفسد ما تناجزا فيه ببطلان غيره 1
ويلزم على هذا أن يقال: إذا كانت صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، وسميا لكل واحد من الثمن ما ينوبه أن يمضي الحلال، ويفسخ الحرام وحده.
وإن لم يرد وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد، ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا، ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسألة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال:
فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه نقدًا ولا يرد، وأجاز أشهب نقدًا وإلى أجل، ومنعه سحنون إذا افترقا لا نقدًا ولا إلى أجل 2.
وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز إذا كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا نقدًا ولا إلى أجل.
وأن يجوز أحسن، وقد مضى بيان ذلك في كتاب الصلح.
وإن وجد أحدهما عنده زائدًا على ما عقدا عليه الصرف، مثل أن يصارفه على مائة دينار فيجد مائةً ودينارًا، فإنه يرد الزائد؛ لأنه لم ينعقد عليه صرف، ويمضي ما سواه.
ولو تصارفا سوار ذهب بفضة وقبضه بوزن، ثم تبين أنهما غلطا في ذلك، وأن أحدهما أكثر، فإن كانت الزيادة في الدراهم رد الزائد، وصح الصرف فيما
سواه، وإن كان الزائد في السوار قيل لبائعه: إن تركت الفضل صح صرفكما، ولم يفسخ؛ لأن المناجزة تقدمت على أن جميعه مبيع، فإن قمت فسد الصرف، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فيجيزه ويكون شريكًا بذلك الزائد، ثم يكون كل واحد منهما بالخيار في إمضاء الصرف بعيب الشركة؛ لأنهما لم يدخلا عليها.
فصل [في أحكام المناجزة في الصرف]
المناجزة في الصرف شرط في صحته مع القدرة عليها، ويُختلف إذا غلبا جميعًا أو أحدهما على المناجزة في جميع الصرف أو بعضه، على أربعة أقوال: هل يكون صحيحًا أو فاسدًا، أو يكون الحكم إذا غلبا جميعًا بخلافه إذا كان بغلبة من أحدهما، وهل يفسد جميع الصرف إذا غلبا على بعضه أو ما غلبا عليه؟ فقال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة ذهبٍ ولؤلؤٍ بدراهم نقدًا، وقالوا: هو ذا، نَزِنُ 1 لك، ففَصَلُوا القلادة وباعوا الذهب، وتقاوموا اللؤلؤ، فوضعوا فيها، فلما جاءت 2 الوضيعة وثبوا على صاحبهم وأرادوا فسخ البيع لاستئخار النقد، فقال مالك: لا يرد البيع لاستئخار النقد 3. قال ابن القاسم: وذلك أنهم اشتروا على النقد، ولم يرضَ البائع بتأخيرهم، إنما هو رجل مغلوب، فأمضى مالك وابن القاسم الصرف وإن كانت الغلبة من أحدهما 4.
ويجري فيها 1 قول آخر: أنه يفسخ الصرف فيه 2؛ قياسًا على قولهم في الزيوف: إنه لا يجوز البدل، ويفسخ جميع العقد؛ لأن كليهما مغلوب.
فإن دلَّس أحدهما بالزائف كان كغلبة المشتري للقلادة 3، فيجوز له أن يبدل كما لم يفسخ ذلك، ويفسخ الصرف في القلادة كما لم يبدل، هذا وإن كانا غلبا جميعًا على المناجزة لمانع منعهما من ذلك فُسخ، كما لو توسط بينهما في الزائف مَن قلَّب لهما، وأنصرفا على المناجزة، ثم تبين غير ذلك.
ويختلف إذا غلبا على المناجزة في بعض الصرف، هل ينتقض جميع الصرف أو ما يقابل ما غلبا عليه؟ وإذا قلنا: إن الصرف منعقد مع فرار أحدهما أو غلبته، فإن ثباته من قِبَل من غلب عليه دون من اختار تأخيره، فإن دعا من غُلب إلى فسخه كان ذلك له، وإن كره الآخر.
وإن افترقا قبل تمام المناجزة لليل غشيهم فسد الصرف، وليس هذا بغلبة؛ لأنهما تعديا 4 في العقد في ضيق من الوقت لا يسعهما للمناجزة، إلا أن يكونا عقدا في اتساع من الوقت ثم طرأ ما منع من المناجزة حتى غشيهم الليل.
والذي آخذ به في الغلبة أنه يمضي، والمعروف من القرآن والسُّنَّة أن الضرورات تنقل الأحكام.
وإن عقدا صرفًا على ما يكثُر وتطولُ مناجزته جاز، وهذه ضرورة ما لم يكن مما لا يتناجزان فيه في بقية يومهم فلا يجوز، وإذا دخل الافتراق فسد.
فصل [في صرف الدَّين المؤجل]
ومن المدونة قال مالك فيمن عقد سَلَمًا في سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فلما وجب البيع دفع المشتري إلى البائع دينارًا وأخذ دراهم صرفًا عن بقية الدينار، ولم يكن ذلك شرطًا بينهما، قال: لا خير فيه.
قال ابن القاسم: رآه صرفًا وسلعة إلى أجل 1.
وقال في كتاب محمد: ومن كان يسأل رجلًا نصف دينار، فأتاه بدينار، فقضى نصفه، وجعل نصفه 2 في سلعة إلى أجل، قال: لا بأس به، قاله ابن القاسم بعد أن وقف عنه.
قال محمد: ما لم يكن النصف الأول دراهم أسلفها إياه 3، ولا نصف دينار مضروب، وأما ثمن سلعة فلا بأس، قال -وقاله ابن القاسم-: إن حل الأجل أو كان حالًّا، فإن لم يحل فلا خير فيه، وكان سلفًا وبيعًا، وضع وتعجل.
انتهى قوله 4.
ففرق مالك بين السؤالين، ومنع الأول واتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، لما كانت البيعة الأولى إلى أجل وأجراها على التهم، كبياعات الآجال، ولو سلما عنده من التهمة لجاز؛ لأنه إنما دفع النصف قضاءً، وصارف في نصف، ولا شيء عليهما فيما بينهما وبين الله سبحانه، ولو حمل النصف الذي في الذمة على أنه دراهم لما كان إنما يحكم فيه بدراهم- لم يمتنع أيضًا إذا لم يُتهما أن يكونا
عملا على ذلك؛ لأنه بمنزلة رجل عليه عشرة دراهم فاشتراها من ذمته، وعشرة أخرى يقبضها بدينار دفعه نقدًا، وذلك جائز، وجاز ذلك في المسألة الأخرى؛ لأنه لا يدخلها صرف، وإنما أخذ دينارًا وأخذ سلعة 1 تقدمت، ويأخذ سلعة بعد ذلك، ووقف ابن القاسم فيه مرة، مراعاةً لمن حمل النصف المتقدم على الورق، لما كان لا يحكم الآن فيه إلا بورق، فيدخله ما دخل المسألة الأولى من أنه ورق وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا، وإذا كان النصف دراهم لم يجز عنده بحال؛ لأن دافع الدينار الآن اشترى به الدراهم التي في ذمته وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا.
وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس أن يجوز ذلك، فيجوز أن يعقدا صرفًا وبيعًا في دينار، ويدفع الدينار ويقبض الدراهم، وتبقى السلعة إلى أجل، وأجرى كل واحد منهما على حكمه في المناجزة في الصرف خاصة، وأجاز التراخي في البيع.
قال: ولا يلزم أن يتناجزا في البيع وُيردَّا فيه إلى حكم الصرف، كما لا يجوز أن يردَّ الصرف إلى حكم البيع، لمَّا جمعهما عقد، ولم يجزه محمد إذا كان النصف دينارًا مضروبًا مجموعًا أو تبرًا، والدينار الذي يدفع الآن قائم؛ لأنه يدخله التفاضل والنَّساء، وهو ذَهَبٌ بذَهَبٍ من غير جنسه، وسلعة إلى أجل 2.
ولو باع سلعة بنصف دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل دفع إليه المشتري 3 دينارًا وأخذ بقيَّته دراهم- لم يجز على قول مالك؛ لأن الأول بيعة إلى 4 أجل،
فيُتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون سلعة نقدًا ودراهم إلى أجل بدينار مؤجل، ولا فرق في بياعات الآجال فيما يعودان إليه من ذلك عند عقد البيع أو بعد حلول الأجل، وعند دفع الثمن.
وقد اختُلف فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير إلى أجل، فلما حلَّ الأجل، قضاه عشرة، فوجد في وزنها فضلًا، فأعطاه بذلك ورقًا.
فأجازه في المدونة 1، وكرهه مالك في كتاب محمد في الوَرِق، قال أشهب: فإن نزل لم أفسخه 2، واستخف ذلك مرة، لقلته في جملة العشرة الدنانير 3، ولا يُجيزه في مثل ثمن المبيع الأول، وهو نصف دينار، وأجازه ابن القاسم في القرض، فقال فيمن استقرض نصف دينار دراهم، فقضاه دينارًا وأخذ فضله دراهم: إنه لا بأس به 4.
وضعفت التهمة عنده هنا لما كان أصله معروفًا، بخلاف ما خرج على وجه المبايعة، وقد اختُلف فيه أيضًا، وإن كان 5 قرضًا.
وإن اشترى سلعة بعينها بنصف دينار كل ذلك نقدًا، فنقد دينارًا وأخذ فضله دراهم، جاز ذلك إذا كان قد قبض السلعة، ولا يجوز أن يتأخر دفعها عن وقت المصارفة في بقية الدينار، وأجازوا ذلك وإن لم تكن المصارفة، ودفع الدينار بحضرة عقد البيع، وإن دفع الدينار وترك النصف عنده على وجه السلف ولم يصارفه فيه جاز ذلك، كانت السلعة الأولى نقدًا أو إلى أجل.
باب في بيع الفلوس بالفلوس وبالعين
الربا محرم في العين بالذهب والفضة، واختُلف في الفلوس إذا كانت ببلد يُتبايَع بها فيه، وتجري بينهم كالعين، فأجاز مالك مرة التفاضل فيها، وأن تسلم في العين الذهب والفضة 1، وكره ذلك مرة 2.
ورأى مرة أن ذلك حرام التفاضل فيها والنَّساء إذا بيعت بالعين 3.
وهذا راجع إلى تحريم الربا في العين، هل هو شرع معلل أو غير معلل؟
فرأى مرة أنه معلل، وأن العلة أنها أثمان السلع وقيم المتلفات، وأجرى الفلوس عليها في التحريم والتفاضل 4. وأشكل عنده ذلك مرة، فلم يحرمه ولم يبحه، فكرهه.
ولم يختلف قوله في الأربع التي جمعها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع العين، وهي: القمح والشعير والتمر والملح 5، أنها معللة، وأن التحريم ليس بمقصور عليها، وقاس عليها غيرها، وأجراها على حكمها في التحريم.
باب فيمن عقد صرفًا على ما في ملك غيره، وفيما يكره من التراخي في الصرف ولا يحرم، وفي المواعدة في الصرف والخيار والصرف على التصديق
ولا يعقد المتصارفان صرفًا إلا على ما هو حاضر معهما، ثم يتناجزان بفور العقد، ولا يؤخران ذلك وإن لم يفترقا، ولا يقومان إلى موضع آخر ليتناجزا فيه.
وقال ابن القاسم: إذا عقدا الصرف على ما ليس معهما، عقدا صرف دينار بعشرين درهمًا، ثم التفت أحدهما إلى إنسان إلى جانبه فاستقرض منه دينارًا، والتفت الآخر إلى من بجنبه 1 فاستقرض منه عشرين درهمًا، ثم تناجزا، فلا خير فيه 2.
واختلف إذا صارف أحدهما على ما معه، واستقرض الآخر، فقال ابن القاسم: إذا كان ذلك متصلًا بمنزلة النفقة يحملها من كُمه، ولا يبعث رسولًا يأتي بها، فلا بأس به 3.
وقال أشهب: لا خير فيه؛ لأنكما عقدتما على ما لا يجوز من غيبة الدينار 4.
واستثقل ابن القاسم ذلك إذا استقرضا جميعًا، وقال: لا خير فيه 1؛ حماية لئلا يتذرع 2 الناس إلى التأخير في الصرف.
واستخف ذلك 3 إذا استقرض أحدهما؛ لأنه لا يتقى من ذلك مثله إذا استقرضا جميعًا.
ولم يمنع ذلك؛ لأنه صرف على الذمم، وإنما الممنوع أن يعقدا على ما تتراخى مناجزته قبل الافتراق أو بعده.
ولو أن هذين عقدا الصرف ابتداءً على ما يقرضانهما هذان، وقد رضيا لهما بذلك قبل عقد الصرف أو بعده، وقالا: إن أقرضانا أمضينا ذلك وتناجزنا في الصرف، وإن لم يقرضانا فلا صرف بيننا، لم يحرم 4 ذلك، ويكره حماية.
وإن طال ما بين العقد والمناجزة بين المتصارفين إما لغيبة العينين 5 أو لأحدهما، أو قصد التأخير مع بقاء المجلس، أو افترقا أو قاما جميعًا إلى موضع غير الذي عقدا فيه الصرف- فَسَدَ متى وقع الطول بشيء من هذه الوجوه.
واختلف إذا كان التراخي يسيرًا ولم يطل، فكرهه مالك مرة، واستخفه أخرى، فقال في كتاب محمد فيمن صرف دراهم بدنانير، فقال: اذهب بها إلى الصراف فأرى وأزن، قال: أما الشيء اليسير 6 القريب فأرجو ألا يكون به
بأس 1، قال: وهو يشبه ما لو قاما إليه جميعًا.
فأجاز القيام عن المجلس إذا كان يسيرًا، وعلى هذا يجوز العقد على ما هو غائب عنهما على مثل ذلك القرب 2 إذا كان في ملكه.
وقال مالك في المدونة فيمن يصرف دينارًا من الصراف ويزنه منه، فيدخله الصراف تابوته: لا يعجبني، وليترك الدينار على حاله حتى يخرج دراهمه فيزنها ثم يأخذ الدينار ويعطي الدراهم 3.
قال محمد: وليرد ديناره إليه، ثم يتناجزان 4.
وكل هذا حماية، ولا يفسد به الصرف.
وقال ذلك ابن وهب في كتاب محمد.
وقال مالك في الحلي يباع في الميراث، ثم يقوم معه صاحبه -يريد: إلى الصراف ليعطيه ثمنه- قال: لا يفارقه 5.
قال مالك: ألا تسمع إلى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: وإن استنظرك إلى أن
يلج بيته، فلا تنظره (1)، قال: قلت: قول عمر يغيب عنه حتى (2) يلج بيته، وهذا معه لا يفارقه، فقال: أرأيت لو سار معه ميلين؟ لا أرى ذلك حتى يعطيه مكانه، وقال: يحمل معه كيسه حتى يعطيه.
ولا يجوز اليوم لمن صرف دينارًا بدراهم أن يودعها بعد المناجزة عند الصراف؛ لأن القصد بتركها أن يبرأ من نقصها ونحاسها، وقد عُلم ذلك منهم، ومحمل قول مالك في الذي قبض من دين له طوق ذهب (3)، فافترقا قبل قبضه الطوق: "لا خير فيه"، على أنه بقي فيه وجه (4) من التوفية وزن أو غير ذلك، ولو لم يبق فيه شيء من التوفية لكانت مصيبته من مشتريه، وإيداعه جائز، بخلاف إيداع الدنانير والدراهم.
فصل [في المواعدة والخيار في الصرف، والصرف على التصديق]
واختلف في المواعدة في الصرف وفي الخيار في الصرف، وفي الصرف على التصديق في الوزن أو الجودة.
فأما المواعدة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:
فقال مالك وابن القاسم: يكره ذلك 5.
وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: يفسخ، ورآه صرفًا فاسدًا، وقاسه على1234
المواعدة في العدة؛ لأن كليهما مبايعة.
وقال ابن نافع في السليمانية: لا بأس به، ما سمعت أن أحدًا كرهه.
وفرق بينه وبين المواعدة في العدة، وهو أحسن؛ لأن الوجه في منع المعتدة من النكاح خيفة أن تكون حاملًا، حفظًا للأنساب فمنعت من المواعدة خوف أن تسرع بالعقد في العدة، فيؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب، مع ما عُلم ممن تكون له رغبة في ذلك، ويخشى أن يُسبق إليها، وقلة تثبت النساء في ذلك أن يوقعا العقد في العدة، فحُمي باب المواعدة لذلك، وليس الصرف كذلك؛ لأنهما قادران على العقد في الحال.
ويجري الخلاف المتقدم في المواعدة في الصرف في بيع الطعام قبل قبضه، هل يجوز أو يكره أو يكون فاسدًا؟
واختلف أيضًا في الخيار في الصرف:
فقال مالك: هو فاسد 1.
وقال في كتاب محمد في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال: أرجو أن يكون خفيفًا، قال محمد: وغير هذا من قول مالك أحب إلينا 2.
وفي الزاهي عن مالك في الخيار في الصرف قولان: الجواز، والمنع.
وقد اختلف في هذا الأصل فيما عقد على خيار ثم أجيز، فقيل: يصير كأنه لم يزل منعقدًا من يوم عقداه، وعلى هذا يكون الصرف فاسدًا، وقيل: هو بمنزلة ما لم يتقدم فيه عقد إلا وقت أجيز؛ لأنه قبل ذلك على ملك بائعه
مصيبته منه، وغلاته له، وعلى هذا يكون الصرف جائزًا.
واختلف في الصرف على التصديق إذا قال: بائع الدراهم هي جياد ووزنها كذا، فأراد مشتريها أن يقبلها على ذلك، فمنعه مالك في كتاب محمد، وأجازه أشهب 1.
وكذلك لو باع سوارين، فقال: وزنهما كذا، وأراد مشتريهما أن يقبلهما على ما قاله من غير وزن، فاختلف فيه حسبما تقدم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: والمنع أحسن إذا كان بائع الدراهم أو السوارين غيرَ مأمون، فإن كان ثقة ومن أهل الصرف جاز؛ لأنه يتقي أن يوجد الأمر على خلاف ما قال، ولا يُطلع من مثل ذلك على الرجل الصادق إلا أن يكون نادرًا، والنادر لا حكم له.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن افترقا على التصديق، فوجد زيادة أو نقصًا، فترك صاحب الفضل ما له فيه جاز ذلك 2.
باب فيمن بادل رجلًا دنانير بدنانير، ثم صرفها منه بدراهم، أو صارفه دنانير بدراهم، ثم باعها منه بدنانير
ومن المدونة قال مالك فيمن بادل رجلًا بدنانير تنقص خروبة خروبة بدنانير قائمة، فلما أخذ وأعطى أراد أحدهما أن يصرف منه دينارًا مما أخذ، قال: لا خير فيه 1.
فمنع ذلك خشية أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيدخله دنانير ودراهم بدنانير.
ولو ردَّ جميع ما أخذ من الدنانير بالحضرة، وأخذ دراهم- لجاز؛ لأن حكم المراطلة يسقط، وكان صرفًا صحيحًا.
ولو ردَّ جميعها بعد أن فارقه ولم يطل ما بين ذلك لكره، لإمكان أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون صرفًا مستأخرًا، وإن طال ذلك جاز.
وعكسه أن يكون الأول صرف دنانير بدراهم، ثم يرد الدنانير ويأخذ الدراهم من غير سكة دراهمه؟ فقال ابن القاسم: كره مالك ذلك، فإن كان بعد يوم أو يومين كرهه أيضًا.
قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك فلا بأس به 2.
قال الشيخ: أما إن رجع إليه أدنى سكة والوزن سواء، أو أدنى سكة وأقل وزنًا 3 جاز، ولا تهمة في هذا.
وإن رجع إليه أجود سكة والوزن سواء، أو أجود سكة وأكثر وزنًا 4 - جاز أيضًا؛ لأنه ليس فيه تهمة على صرف، والتهمة
فيه من باب سلف بزيادة، وهذا الوجه تدخل التهمة فيه في بياعات الأجل، وهذه بيعة نقد، وإنما تدخل التهمة في بيع النقد لو رجع أمرهما إلى تفاضل في الجنس الواحد أو صرف مستأخر.
فإن كانت إحداهما أجود فضة، والأخرى أجود سكة نظرت، فإن اختلف الوزن لم يجز ذلك في الحضرة ولا بعد يوم أو يومين، وهو ربًا، وإن استوى الوزن جاز ذلك إذا لم يفترقا؛ لأن أمرهما عاد إلى المراطلة، وهما لو اعترفا أنهما عَمِلا على ذلك لجاز، وإن افترقا ولم يطل منع وفسخ، وإن طال مضى.
وقال مالك: لو أن رجلًا كان يسأل رجلًا ذهبًا فأتاه بها فقضاه فردها إليه مكانه في طعام، أو كان لرجل على رجل ذهب، فأسلم إليه مثلها في طعام، ثم ردها إليه قضاءً من دينه: إنه لا خير فيه، وهو يشبه الصرف 1.
يريد: أنه تدخله التهمة كما تدخل الصرف، إلا أن التهمة ها هنا في فسخ الدَّيْن في الدَّيْن؛ لأن المعاملة الثانية بيع أجل، وإن نزل ذلك رُدَّ ما فعلاه أخيرًا، فإن كان الأول قضاء فرده في سلم- فسخ السَّلَم، وإن كان الأول سَلَمًا ثم قضاه- رُدَّ القضاء ومضى السَّلَم.
باب فيمن اشترى سيفًا مُحَلَّى نصله تبعٌ لحليته
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اشترى سيفًا مُحَلًّى نصله تبع لفضته 1 فقبضه وافترقا قبل أن يدفع ثمنه، ثم باعه مشتريه: كان بيعه فوتًا، وعليه للأول قيمته من الذهب، وإن كان بيده ولم يتغير رد البيع فيه، وإن حال سوقه فليس ذلك بفوت، وإن انقطع السيف أو انكسر الجفن كان فوتًا، وعليه قيمة حليته 2.
قال الشيخ: إذا كان نصل السيف تبعًا لحليته جرى في البيع على حكم الصرف، فيباع بخلاف حليته يدًا بيد، ولا يباع بجنس حليته يدًا بيد ولا مؤجلًا، فإن فعل أو اشتراه بخلاف حليته فافترقا قبل أن ينقده- اشتراه بمثل حليته يدًا بيد أو مؤجلًا- فسخ ذلك إن كان قائمًا.
واختلف فيه إذا فات، وفيما يفيته:
فرأى ابن القاسم أن الذي يفيته البيعُ، أو تغيره في نفسه، بأن ينقطع السيف أو ينكسر الجفن، ولا يفيته حوالةُ الأسواق 3.
وقد خولف في هذه الوجوه الثلاثة، فقال محمد: القياس في حوالة الأسواق أنها فوت.
وذكر عن ابن القاسم أنه قال في الحلي يباع جزافًا بيعًا فاسدًا: أن حوالة الأسواق فيه فوت 4.
وهذا اختلاف قول من 1 ابن القاسم؛ لأنه إذا كان ذلك فوتًا في الحلي، وهو ذهب بغير عرض- كان في السيف أحرى؛ لأنه عرض وذهب، أو فضة جزاف.
وخالف سحنون فيما إذا باعه أو انكسر عنده، وقال: إذا باعه تُرَدُّ فيه البياعاتُ كلُّها حتى يُرَدَّ إلى ربِّه؛ لأنه من باب الربا إلا أن يتلف البتة ويذهب، فيكون على مشتريه قيمةُ الجفن والسيف 2 ووزنُ ما فيه من الفضة.
قال: وكذلك إذا انقطع السيف أو انكسر الجفن فإنما عليه قيمة النصل والجفن ووزن الفضة 3.
وهذا أصل سحنون في كل بيع حرام مجمع على تحريمه أنه لا ينعقد فيه بيع، وأنه إن هلك بيد مشتريه من غير سببه، وله بذلك بينة- كانت مصيبته من بائعه، ولذلك 4 لم يرَ البيع الثاني فيه فوتًا؛ لأنه عنده بمنزلة من باع ملك غيره؛ لأنه في ضمان الأول، فيكون له أن يرد البياعات كلها، وله أن يجيز البيع في أيها أحب، ويأخذ الثمن.
وإن بان به مشتريه لم يكن على المشتري الأول الذي اشتراه شراءً فاسدًا إلا الثمن الذي باعه به، كالمستحق يبيعه مشتريه فإنه ليس عليه سوى الثمن الذي باعه به، وإن لم يوجد بيد المشتري الأول وادَّعى ضياعه ولا بينة له على ذلك-
ضمن قيمة النصل والجفن، ووزن الحلية مصوغًا؛ لأنها صياغة عُملت بوجه جائز، وهذا هو أحد قولي مالك أنه يقضى في الصياغة بالمثل، ولو كانت الحلية موجودة وعلم أن فساد الصياغة من غير سببه سلمها بحالها، ولا شيء عليه في ذلك.
باب في الوكالة والحمالة والحوالة في الصرف
وإذا عقد الرجلان صرفًا لم يكن لأحدهما أن يُدخل في ذلك وكالة ولا حمالة ولا حوالة.
قال مالك في المدونة فيمن صرف دينارًا بعشرين درهمًا، فقبض عشرة، وقال له: ادفع العشرة الأخرى إلى هذا الرجل: قال لا يعجبني ذلك حتى يقبضها هو منه، ثم يدفعها إلى من أحب 1.
وقال فيمن صارف رجلًا، ثم وكل أحدهما من يدفع عنه ويقبض له، وقام هو وذهب: لا خير فيه، قال: ولا أحب لرجل أن يصرف ويوكل من يقبض له، ولكن يوكل من يصرف له ويقبض 2.
وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عن مالك: لا يجوز.
وقال في كتاب محمد: لا أحب ذلك، ولا يعجبني 3.
وقال ابن القاسم 4 في كتاب محمد: ولو أن رجلين أتيا بدينار أو بدراهم 5 فصرفاها بدينار واحد بينهما، فوكل أحدهما صاحبه بقبضه وانقلب - كان ذلك جائزًا، والحلي كذلك لا بأس أن يوكل أحدهما صاحبه أن يشتري نقرة فضة بذهب بينهما، وينقلب بها أحدهما 6.
ومحمل قوله: "لا أحب ذلك، ولا يعجبني" أنه على الكراهة، وليس على الوجوب، ولا يفسد به الصرف؛ لأن الوكالة فيمن يقوم مقامه في الدفع والقبض مع حضوره لا يفسد به 1 الصرف.
وإذا لم يفسد قبل الافتراق لم يفسد بعده 2؛ لأنه لا يخلو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" 3 أن يكون المراد به أن يكون 4 المُصرِف هو الدافع وهو القابض، فيكون فعل الوكيل قبل الافتراق فاسدًا.
أو يكون المراد: أن يكون التقابض معًا، كانت اليد المصرفة هي الدافعة أو غيرها، فتجوز الوكالة إذا فعل الوكيل بالحضرة ما كان يفعله الموكل قبل الافتراق.
وأما الحوالة بما يقع عليه الصرف ففاسدة؛ لأن معنى الحوالة أن تبرئني 5 من دَيْنك بما لي قِبَلَ الصيرفي.
وأما الحمالة فهي على ثلاثة أوجه:
فإن كانت بما يحضره أحدهما كان الصرف فاسدًا، وإن كانت بما يستحق مما يتناجزان فيه الآن، فيغرم الحميل 6 العوض عن المستحق- جاز ذلك، وإن كان ليغرم مثل المستحق جرى على الخلاف في البدل.
باب فيمن له على رجل دراهم فوكله على أن يصرفها له بدنانير، وكيف إن وكل الذي عليه الدَّيْن الذي له الدَّيْن فدفع إليه عرضًا أو دنانير ليبيعها وليصرفها، ويأخذ دراهمه منها
ومن المدونة قال مالك فيمن له على رجل دراهم، فقال له: صَرِّفها لي بدنانير وجئني بها: أنه 1 لا خير فيه.
قال ابن القاسم: كره ذلك؛ لأنه يتهم أنه إنما ترك له الدراهم يومًا أو يومين على أن يعطيه كذا وكذا دينارًا، أو يكون تأخيره 2 ليشتري بها فيَدْخُلُهُ فسخُ الدَّيْن في الدَّيْن، والصرف المستأخر، فإن فعل وصرفها ببينة كان ما صرفت به للآمر 3.
ويختلف إذا لم تكن له 4 بينة، فعلى قول ابن القاسم يكون ما صرفت به للمأمور، وعلى قول أشهب يكون للآمر 5.
وقد اختلفا فيمن كان له على رجل دَيْن فقال له: اعمل به قراضًا، فأتى بعد ذلك بربح، فقال ابن القاسم: الربح للعامل، وقال أشهب: الربح بينهما على ما اشترطا 6.
وأرى أن تكون الدنانير للآمر؛ لأن التهمة في ذلك ليست بالبينة، والمنع في ذلك ابتداء حماية، فإن فعل وأتى بدنانير لم أَحُلْ بين المقر له بها وبينها 1 من غير دليل تهمة.
وإن كانت الوكالة من المطلوب ودفع إلى الطالب عرضًا ليبيعه له بدارهم ويستوفيها لنفسه- جاز إذا كان العرض الثاني من غير جنس المبيع أولًا، وإن كان من جنسه وهو أدنى صفة أو أقل عددًا جاز، وإن كان أجود أو أكثر عددًا لم يجز، ويتهمان على سلف بزيادة إذا كانت البيعة الأولى بيعة أجل، ولو كان البيع الأول نقدًا لجاز على المستحسن من المذهب.
واختُلف إذا أعطاه دنانير ليصرفها له، ويستوفي دراهمه من ثمنها، فقال مالك: لا يعجبني ذلك، وأخاف أن يحبس الدنانير لنفسه.
قال ابن القاسم: استثقله مالك وكرهه 2.
وقال مالك في سماع أبي قرة: لا بأس أن يدفع الرجل إلى الرجل الدنانير ويقول له: صَرِّفها وخذ حقك منها لدراهم يسأله إياها.
وقال في كتاب محمد فيمن كان له على رجل نصف دينار فأعطاه دينارًا، فقال له: صَرِّفه واستوفِ نصفه وجئني بنصفه: لا بأس به، وقد كان قال: لا خير فيه 3.
فأجاز ذلك في هذه المسألة؛ لأن له ذهبًا، فإذا أعطاه دينارًا كانا شريكين فيه من الآن، ومنعه 4 لما قيل إن النصف الذي في الذمة دراهم.
والقول: إنه ذَهَبٌ أحسن.
ولو أَسْلَم رجل لرجل 1 في طعام، فلما حلَّ الأجل قال له: بعه وجئني بثمنه، فإن فعل وكاله وباعه ببينة كان الثمن الذي أتى به للآمر، وإن كان الذي أتى به أكثر من الأول، وإن لم يكن على ذلك بينة وأتى بدراهم أو بدنانير هي أكثر من رأس المال- لم يجز ذلك؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله في الدراهم الصرف المستأخر، وفي الدنانير السلف بزيادة، ووافق أشهب على هذا؛ لأن التهمة عادت إلى ما كان في أصل العقد، وهي بيعة أجل 2.
ويختلف إذا أتاه بمثل رأس المال أو أقل، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدَّيْن في الدَّيْن 3.
ويجوز على أصل أشهب؛ لأن ما يفعلانه الآن يجري عنده على بياعات النقود؛ لأن العقد قد سلم من التهمة.
وإذا منعا من قبض ما أتى به؛ لأن التهمة كانت في أصل العقد كانت الدنانير والدراهم للمأمور.
واستحسن أن يشتريا بها مثل الطعام الذي كان في الذمة، فإن فضل بعد ذلك فضل تصدَّق به، ولم يُترك للمُسْلَم إليه؛ لأنه مقر أنه لا شيء له فيه، وإن لم يوفِ لم يكن عليه غير ما اشترى به قياسًا على قول ابن القاسم في العتبية فيمن
كان له على رجل دَيْنٌ، فقال له: اشترِ لي به سلعة، فقال: اشتريتها وضاعت، فقال: القول قوله 1.
وإذا برئت ذمة هذا بقوله: اشتريت، برئ الآخر من النقص.
وإن كانت الوكالة من المُسْلَم إليه، فإن اشترى ذلك ببينة كان المُشتَرَى لمن له السَّلَم، وإن لم تكن له بينة، وكان الذي أخذه من الغريم ليشتري به أكثر من رأس المال- لم يجز، وكان على القابض أن يرد مثل ما أخذ من الدنانير، ويكون الطعام مشترى له.
وإن كان الذي أخذ مثل رأس المال جازت الوكالة، ولم يكن ها هنا تهمة؛ لأنهما لو شاءا لجعلا ذلك إقالة، وأخذها لنفسه، بخلاف أن تكون الوكالة من الذي له الدين، فيأتيه المُسْلَم إليه بمثل رأس المال، فإنه يمنع، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة مستأخرة.
واختُلف إذا كان الذي أخذ الطالب بدون رأس المال:
فمنعه ابن القاسم؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة على أقل من رأس المال 2.
وأجازه أشهب في كتاب محمد؛ لأن التهمة ليست في أصل العقد، وإنما هي فيما يفعلانه الآن، فيرده إلى بياعات النقود 3.
ومثله لو أعطاه مثل رأس المال فرد الطالب بعضه، وقال: فضل هذا بعد ما اشتريت، لم يجز على قول ابن القاسم.
وجاز على قول أشهب، وإن قال: بقيتْ عليك بقية لم يجز على قوليهما جميعًا.
فصل [في الصرف والمقاصة فيه]
وقال ابن القاسم في المدونة في صيرفي له على رجل دينار فأتاه المطلوب بعشرين درهمًا صرف بها منه دينارًا، فلما وجب الصرف أحب الصيرفي أن يحبس الدينار عن ديناره وأبى الآخر، قال: إذا تناكرا لم يكن ذلك له، وكان عليه أن يدفع الدينار، ثم يتبعه 1.
وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك للصيرفي أن يحبسه عن ديناره على ما أحب الآخر أو كره.
فجعل له أن يحبسه عن ديناره؛ لأنه الحُكْم لو رفع ذلك إلى حاكم أن يجعل له أن يحبسه عن ديناره.
وكذلك لو كان على المطلوب غرماء لكان له أن يحبسه إذا كان قائم الوجه لم يفلس؛ لأنه لو قام به إلى الحاكم لقضى له بحقه إذا لم يقم بقية الغرماء بتفليسه، وليس في كلام ابن القاسم ما يرد قول أشهب، وقد يحمل قوله: "إذا تناكرا" أن المطلوب أنكر أن يكون له عليه دينار.
واختُلف إذا صارفه على أن لا يستوفي ديناره هذا منه، فقيل: ذلك جائز،
وله حبسه وشرطه باطل.
وقيل: ليس له أن يحبسه من ديناره، ويدفعه، ثم يقوم بحقه حسبما شرط.
وقيل: ذلك فاسد؛ لأنه صرف على تأخير حق.
وليس هذا القول بالبين؛ لأنه لم يشترط أن يؤخره بالحق الأول، وإنما شرط أنه لا يقبض دينه من هذا الدينار، فيقال له: ادفعه وقم بحقك.
فصل [فيما يجوز من صرف الدَّيْن أو شراء عرض به]
ومن استقرض من رجل دراهم على الحلول، ثم صرفها منه بدنانير- لم يصلح ذلك؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عملا على ذلك وجعلا ذكر هذا القرض محلًا 1. فإن اشترى منه بها سلعة معينة أو أسلمها في عرض جاز ذلك، ولا يؤخر قضاء القرض إذا أعادها إليه في سلم، فيدخلهُ تأخير رأس مال السَّلَم والدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض إلى أجل، ثم اشترى منه به سلعة نقدًا جاز ذلك، ويكون بمنزلة من اشترى سلعة بعينها بثمن إلى أجل، فإن أعادها إليه في سلم لم يجز، وكان الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض عوضًا إلى أجل فباعه منه بثمن نقدًا جاز، ولا يجوز إلى أجل، فيدخله الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض على الحلول، فباعه منه بثمن نقدًا أو إلى أجل لم يجز إلا على قول 2 من أجاز السَّلَم على الحلول.
باب في الصرف من النصراني والسَّيِّد من عبده
ومن المدونة قلت 1: أرأيت عبْدًا لي صيرفيًّا نصرانيًّا، أيجوز لي أن أصارفه؟ قال: نعم، وعبدك وغيره من الناس سواء 2.
قال الشيخ: الرِّبا بين المسلم والنصراني محرم، كما يحرم بين المسلمين، وكذلك إذا كان المسلم غير بالغ والكافر بالغًا فذلك حرام؛ لأن الإجازة إلى ولي الصغير فكان العقد منه، ولو لم يكن له ولي ولم ينظر في ذلك حتى بلغ وصار الأمر إليه لفسخ، وفيه نظر.
وقال مالك: أكره أن يكون النصراني في أسواق المسلمين، لاستحلالهم الربا وعملهم به 3، وأرى أن يقاموا من أسواق المسلمين 4.
قال الشيخ: قد تغير أمر الناس اليوم، وكثر العمل بالرِّبا من غير النصارى 5، وإذا كان ذلك، وكان 6 رجلان يعملان بالربا أحدهما مسلم والآخر نصراني- كان الصرف من النصراني أحسن؛ لأنه غير مخاطب بتحريم الربا على الصحيح من المذهب، ولأنه لو 7 أسلم لحل له ما في يديه كان ذلك عن ربًا أو ثمن خمر 8، ولو تاب المسلم لم يحل له إمساك ما في يديه من ذلك.
فصل [حكم الربا بين السيد وعبده]
اختُلف في الربا بين السيد وعبده، فمنعه ابن القاسم ها هنا 1.
وقال ابن وهب: لا بأس به.
والاختلاف في ذلك راجع إلى مبايعته إياه، هل هي مبايعة في الحقيقة، أو انتزاع مال 2 من السيد، ويكون العِوَض 3 المأخوذ عن ذلك البيع كالهبة؟
وقال ابن القاسم فيمن أعتق عبده على عبد في يديه: إن ذلك 4 انتزاع، ولا رجوع للسيد على العبد متى استحق ذلك من يده أو اطلع فيه على عيب 5.
وقال في العبد يكاتب سيده على رهن: إنه ليس برهن، ولا مقال للعبد فيه متى فلس أو مات، قال: وإنما هو انتزاع من السيد بمنزلة ما لو أنه كاتبه على أن يسلفه العبد دنانير 6. ولم ير أن ذلك ربًا إذا كانت الكتابة على سلف.
وقال غيره: ليس ذلك بانتزاع.
على هذا يجري 7 الجواب إذا أخذ منه دينارًا ليدفع إليه عنه دراهم بعد
شهر، أو باعه دينارًا بدينارين، فعلى القول: إنه انتزاع يجوز ذلك، ولا شيء للعبد متى فلس السيد، وعلى القول الثاني: إنه ليس بانتزاع، فيحرم جميع ذلك.
وهو أحسن؛ لأن العبد عندنا مالك، وإذا كان مالكًا فقال السيد: أبايعك في هذا ولا أنتزعه منك كانت مبايعة حقيقة.
وإن كان على العبد دَيْنٌ امتنع الانتزاع، وجرى في جميع ذلك على حكم 1 البياعات، ويحرم فيما بينه وبين السيد ما يحرم بينه وبين غيره ممن ليس هو له بعبد.