كتاب اللقطة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 4 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370)
الجزء: 7 - الصفحة: 3189
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
كتاب اللقطة
باب في اللقطة وتعريفها والحكم فيها بعد التعريف
الأصل في اللقطة والضوال حديث زيد بن خالد الجهني قال: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة فقال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا".
قال: فضالَة الغنم؟ قال: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ".
قال: فضالَة الإبل؟ قال: "مَالَكَ وَلهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا" 1.
فهذه ثلاثة أقسام: فالقسم 2 الأول: يأخذها ليحفظها إلى ربها، والثاني: يأخذها لنفسه على وجه الملك، والثالث: يتركها ولا يعرض لها.
فأجاز أخذ العين لما كان تسرع إليه اليد ولأنه مما يخفى لآخذه، ولم يكن له أن يأخذه لنفسه لأنه لا يخشى عليه الفساد ويَخِفُّ تكلف 3 حفظه، وكذلك كل ما يغاب عليه من سوى العين.
الجزء: 7 - الصفحة: 3191
وأجاز أخذ الشاة على وجه الملك؛ لأنها إن تُركت هلكت وأكلها الذئب فلم ينتفع بها صاحبها، ويشق نقلها، فكان انتفاعه بها أولى، وكذلك كل ما يخاف فساده إن ترك وَيُشق نقله.
ومنع أن يعرض للإبل لا على وجه الحفظ ولا على وجه الملك؛ لأنها لا تسرع إليها اليد لما كانت لا يغاب عليها، ولا يخاف عليها الوحش بالحجاز، وهي تستقل بنفسها لعيشها.
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث في اللقطة، فقال في بعض طرقه: "خُذْهَا وَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ أَتَى صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ" (1)، وقال أيضًا: "عَرِّفْهَا سَنهً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ"، وهذه الألفاظ مترددة بين البخاري ومسلم (2).
فصل [مسائل وأحكام اللقطة]
الكلام في اللقطة من ستة أوجه: أحدها: هل أخذها مباح أو مستحب أو واجب أو ممنوع.45
الجزء: 7 - الصفحة: 3192
والثاني: موضع التعريف وصفته.
والثالث: الأمد الذي تعرف إليه.
والرابع: الوجه الذي تستحق به.
والخامس: ما يصنع بها بعد السنة إن لم يأت صاحبها.
والسادس: إن أتى بعد البيع أو الصدقة بها.
فأما أخذها فمستحب وواجب ومكروه وممنوع، وذلك راجع إلى حال الملتقط وإمام الوقت والناس الذين هي فيهم، وقدر اللقطة، فإن كان الواجد لها مأمونًا ولا يخشى سلطان الموضع إن أنشدها أن يأخذها 6 وهي بين ناس لا بأس بحالهم ولها قدر، كان أخذها وتعريفها مستحبًا، وهذه صفة الحال حين 7 سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "خُذْهَا"، ولأنه أحوط لصاحبها خوف إن تركت أن يأخذها من ليس بمأمون.
وإن كانت بين ناس 8 غير مأمونين كان حفظها واجبًا؛ لأن حفظ أموال الناس وألا تضيع واجب، وقد نهى الله -عز وجل- عن إضاعة المال، وهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولأن في تركها معونة على أكلها.
وإن كان السلطان غير مأمون ومتى أنشدت وعرفت أكلها مُنع مَن وَجَدَها أن يعرض لها، وكذلك إن استفتى عن ذلك من ليس بمأمون ويخشى أن يستفزه الشيطان بعد أخذها أمر أن لا يقربها، وكل ذلك إذا كان لها قدر 9.
الجزء: 7 - الصفحة: 3193
وإن كانت حقيرة كره له أخذها؛ لأن الغالب فيما لا قدر له ألا يبالغ في تعريفه، ولا يحفل به آخذه، وهذا عقد هذه المسألة.
وقد اختلفت الروايات في ذلك، فاستحب مالك في العتبية في الدنانير والدراهم أن يأخذها 10.
وقال أبو إسحاق 11 ابن شعبان.
ينبغي أن 12 تترك اللقطة ولا تؤخذ.
وهذا مثل قول مالك في المدونة في الكساء: أَحْسَنَ حين رَدَّه 13.
وقوله في الآبق إن كان لمن لا يعرفه: فلا يقربه إلا أن يكون لأخ أو لجار أو لمن يعرف، قال ابن القاسم: وإن لم يأخذه فهو في سعة، وكان مالك يستحب له أن يأخذه 14. يريد: بعد أن يكون لمن يعرف.
ومحمل قوله: ألا يقربه إذا كان لمن لا يعرفه على أن سلطان الموضع غير مأمون.
قال مالك في العتبية: فإن عرفه فلم يجد من يعرفه يخليه خير من أن يبيعه فيهلك ثمنه ويؤكل، أو يطرح في السجن فلا يوجد من يطعمه 15.
وقال: لا أحب لمن وجد لقطة أن يأخذها إلا أن يكون لها قدر 16.
وقال في الدلو والحبل: إذا كان في طريق وضع في أقرب المواضع إلى ذلك المكان يعرف فيه، وإن كان في مدينة انتفع به وعرفه، وإن تصدق به كان أحب
الجزء: 7 - الصفحة: 3194
إلي، فإن جاء صاحبها كان على حقه (1).
فصل [في موضع تعريف اللقطة]
تعرف اللقطة في الموضع الذي التقطت فيه، وفي المواضع التي يجتمع الناس إليها، ودبر الصلوات على أبواب المساجد والجامع إذا كان يجلس إلى الحلق فيسأل ولا يرفع صوته؛ للحديث: أن رجلًا نَشَدَ ضالة في المسجد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ وَجَدْتَ" 18.
وقال أشهب في مدونته: تعرف في موضع وجدت فيه، وعلى أبواب المساجد اليومين والثلاثة، وما أشبه ذلك، ثم تعرف تمام السنة عند من حضر وينشر ذكرها عند من لقي، وإن وجدها في طريق بين مدينتين عرفها في تينك المدينتين.
واختلف عن مالك هل يسمي جنس اللقطة إذا أنشدها، وألا يسمي أحسن، ويلفف ذكرها مع غيرها 19، وإن أفرد فلا بأس؛ لأن ذكر الجنس بانفراده لا يقوم بنفسه حتى يضم إليه ذكر أشياء تدل على صدقه.
وهو مخير بين أربع: بين أن يعرفها بنفسه، أو يرفعها إلى السلطان إذا كان عدلًا ولا يتشاغل عن تعريفها، أو إلى مأمون يقوم مقامه فيها، أو يستأجر عليها من يعرفها.17
الجزء: 7 - الصفحة: 3195
فجاز له أن يعرفها دون الإمام للحديث، وأجاز في المدونة أن يرفعها إلى السلطان 20، وأجاز ابن القاسم في العتبية أن يدفعها إلى مأمون يعرفها 21، وأجاز أبو إسحاق 22 ابن شعبان أن يستأجر عليها منها، يريد: إذا لم يلتزم تعريفها أو كان مثله لا يلي مثل ذلك.
وإن أمسكها سنة ولم يعرفها ثم عرفها في الثانية فهلكت ضمنها، وإن هلكت في السنة الأولى ضمنها، إذا تبين أن صاحبها من الموضع الذي وجدت فيه.
وإن كان من غيره وغاب بقرب ضياعها ولم يقدم في الوقت الذي ضاعت فيه لم يضمن.
وإن ردها إلى موضعها وكان أخذها ليتأملها أو صاح لمن يمر بين يديه ألكم هذه، فقالوا: لا، فردها لم يكن عليه شيء.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إن أخذها بنية التعريف ثم ردها ضمن 23.
وقال ابن القاسم: إن ردها بعد أن مكثت في يديه ضمن 24. وظاهر قوله: إن ردها بالقرب لم يضمن.
وقال أشهب في مدونته: لا يضمن، وإن مكثت في يديه، قال: وقد قال عمر للذي وجد البعير بعد أن عرفه أرسله حيث وجدته، فأخذ مالك بهذا مرة أنه يرسله 25، وقال مرة: يبيعه السلطانُ ويجعل ثمنه في بيت المال 26، وقال في
الجزء: 7 - الصفحة: 3196
المدونة في الآبق: إن أرسله ضمنه (1). وقال في العتبية: أرى أن يرسله إذا لم يجد من يعرفه خير من أن يبيعه فيهلك ثمنه أو يطرح في السجن فلا يجد من يطعمه (2). فأما القول أنه يلزمه تعريفها إذا نوى ذلك فليس بحسن؛ لأن النية لفعل الخير لا توجبه، والإيجاب أمر زائد على النية، وكذلك إذا رده بالقرب فلا شيء عليه على القول إن أخذها ليس بواجب.
فصل [كيفية استحقاق اللقطة]
واختلف في الوجه الذي تستحق به اللقطة، فقال في المدونة: إذا عرف العفاص والوكاء 29.
وقال ابن القاسم أيضا 30 وأشهب: إذا عرف العفاص والوكاء والعدد 31.
وقال أبو إسحاق 32 ابن شعبان: إذا عرف العفاص والوكاء وما شدا عليه.
يريد: العدد والسكة إن كانت دنانير، وإن كانت دراهم السكة والوزن.
وقال أشهب أيضًا: إن عرف العفاص والوكاء دون العدد أو العفاص والعدد ولم يعرف الوكاء أو عرف الوكاء ولم يعرف ما سواه أجزأه ويحلف،2728
الجزء: 7 - الصفحة: 3197
فإن نكل لم تدفع إليه، وإن عاد إلى أن يحلف 33. فأجاز أن تدفع بوجه واحد وهو الوكاء.
وعلى هذا تدفع إذا عرف العفاص وحده أو العدد، ولا أرى ذلك لأنه مخالف للحديث، ولأنه ليس الغالب ألا يعرف الإنسان مما سقط له إلا هذا القدر وهذه ريبة، ولو وصف الباطن وهي السكة والعدد دفعت إليه، وحمل على أنه نسي ما سوى ذلك لأن الباطن لا يعرفه إلا المالك.
واختلف إذا استحق قبضها بالصفة هل يحلف، وأرى اليمين استحسانًا 34، فإن نكل دفعت إليه، وليس قول أشهب في هذا بالبين لأن الحديث ليس فيه يمين، وإن وصف بعضًا وأخطأ بعضًا فوصفه بغير صفته لم تدفع إليه، ولو رجع فوصف ثانية لم تدفع إليه؛ لأن ذلك حدس وتخمين.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا وصف تسعة أعشار الصفة وأخطأ في واحد لم تدفع إليه إلا في معنى واحد أن يذكر عددًا فيوجد أقل، فإن أشهب قال: يعطى، وقال: أخاف أن يكون اغتيل فيها 35.
ولو ادعاها رجلان واتفقت صفتهما اقتسماها بعد أيمانهما، فإن نكل أحدهما كانت لمن حلف.
قال أشهب: وإن نكلا لم تدفع إليهما.
وأرى أن يقتسماها؛ لأن يمين أحدهما للآخر من باب دعوى التحقيق، فإن نكل أحدهما 36 كانت لمن حلف، وإن نكلا اقتسماها لتساوي دعواهما ولم يمنعاها لإمكان أن يدعيها ثالث، وإن زاد أحدهما صفة قضي له بها، مثل: أن يصفا
الجزء: 7 - الصفحة: 3198
العفاص والوكاء، ويزيد أحدهما العدد أو العدد والسكة.
واختلف إذا اختلفت صفاتهما فوصف أحدهما الباطن، العدد والسكة، والآخر الظاهر، العفاص والوكاء، فقيل: من وصف العفاص والوكاء أحق بها للحديث.
وقيل: يقتسمانها.
وهو أبين لأن كليهما يريد أخذها بالدليل، ودليل من عرف الباطن أقوى، فهو إن لم يرجح به ويكون أحق فلا يكون أدنى منزلة، وإن أخذها أحدهما بالصفة ثم أتى آخر فوصف مثل الأول قبل أن يبين بها ويظهر أمرها قسمت بينهما، وهذا هو الصحيح من القول، وإن ظهر أمرها لم يقبل قول الثاني، وإن أقام الثاني البينة انتزعها من الأول إلا أن يقيم الأول بينة فيقضى بها لأعدلهما، فإن تكافئتا سقطتا وبقيت للأول بالصفة.
وقال ابن الماجشون: إذا جاء رجل فوصف أو أقام البينة، فقال الملتقط: دفعتها لمن وصفها ولا أعرفه، ولم يشهد عليه، ضمنها؛ لأنه فرط إذ دفع بغير بينة 37. يريد: إذا لم يعلم دفعها إلا من قوله، ولو علم أنها أخذت منه بصفة لم يكن عليه شيء، وإن لم يشهد عليه ولا عرف الآن من هو.
وقال سحنون: إذا وصف سكة الدنانير لم يعط لذلك حتى يذكر علامة وكاء 38 أو سقاء.
وقال يحيى بن عمر: يأخذه لذلك 39. يريد: إذا كانت دنانير البلد سككًا، فان كانت سكة واحدة لم تدفع إليه قولًا واحدًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 3199
فصل [في صفة تصرفه في اللقطة]
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في اللقطة: "عَرِّفْهَا سَنهً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وإِلَّا فَشَأنْكَ بِهَا" 40، وقال أيضا في البخاري ومسلم: "فَإِنْ لَمْ تُعْترَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ" 41، وفي النسائي: "فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ" 42، فأباح له أن يتصرف فيها لنفسه بعد الحول.
واختلف في صفة تصرفه فيها، فقال مالك: لا أحب أن يأكلها وليحبسها أو يتصدق بها، فإن جاء صاحبها أداها إليه 43. وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: يكره أن يأكلها غنيًّا كان أو فقيرًا، فإن أكلها جاز.
يريد: ولا تنتزع منه إن لم يجئ صاحبها.
وقال ابن شعبان: له ذلك إن كان غنيًّا بمثلها.
وقال ابن وهب في العتبية: إن كانت قليلة وكان فقيرًا أكلها، فإن أتى صاحبها أداها إليه 44. والذي يقتضيه قول ابن القاسم في المدونة أن له أن يستمتع به غنيًّا كان أو فقيرًا، والذي يقتضيه قول أشهب أن ذلك له إن كان غنيًّا.
واللقطة أربع: العين، والعروض، والحيوان، والطعام.
فإن كانت عينًا
الجزء: 7 - الصفحة: 3200
جاز له التصرف فيها حسبما تقدم، وفيه جاء الحديث.
واختلف في العروض إذا باعه، فقال ابن القاسم: البيع جائز وإن بيع بغير أمر السلطان، وإن جاء صاحبها لم ينقض البيع 45.
وقال أشهب له أن ينقض البيع، وإن فات كان له الأكثر من القيمة أو الثمن.
وله بيع الحيوان والآبق بعد الحول فليس عليه أن يتكلف أمره أكثر من السنة، وإن كان طعامًا لا يخشى فساده بعد السنة جاز بيعه عند ابن القاسم، ولم يجز عند أشهب، وإن خشي فساده من سوس أو غيره جاز البيع وإن لم تتم السنة، فأجاز ابن القاسم بيع العروض، وحمل الحديث أنه بعد السنة في حكم من يئس منه، وعلى هذا يكون له أن ينفقها إن كانت عينًا موسرًا كان أو فقيرًا، وحمل الحديث على العين خاصة لما كان لا ضرر على صاحبه في إنفاقه، وإذا لم يجز في العرض لم يجز أن ينفق العين إلا أن يكون موسرًا بها فيضمنها 46 إن أتى صاحبها.
وكذلك الصدقة بها تجوز على القول الأول 47 وإن كان الملتقط فقيرًا، ولا تجوز علا القول الآخر إلا أن يكون غنيًّا، يشهد.
للأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "فشأنك بها", وقوله: "فأنفقها"، فعم، ولم يقل إذا كان قادرًاً على الأداء، ويشهد للقول الآخر قوله "فَأَدِّهَا إِلَيْهِ"، فإذا كان مطالَبًا بالأداء فلا يباح لمن كان عاجزًا عنه، والأول أبين لقوله - صلى الله عليه وسلم - "فذلك مال الله يؤتيه من يشاء".
وقال ابن القاسم: إذا تصدق بها ثم جاء صاحبها، فإن كانت قائمة بأيدي
الجزء: 7 - الصفحة: 3201
المساكين فله أخذها، وإن أكلوها لم يضمنوها 48، وقال في الدمياطية في الذي يلتقط الثوب أو السيف فيتصدق به فيبيعه المساكين ثم يأتي صاحبها وهم قد أكلوه: أنه يرجع على الذي اشتراه من المساكن ويرجع الذي اشتراه 49 من المساكين على الذي تصدق به عليهم.
وقال أشهب في مدونته: إن كانت بأيدي المساكين ولم يدخلها نقص لم يكن لصاحبها إلا أخذها، وسواء تصدق بها عن نفسه أو عن صاحبها، وإن نقصت كان بالخيار بين أن يأخذها بنقصها ولا تباعة له على الملتقط أو يضمنه قيمتها، فإن ضمنه قيمتها، وكان قد تصدق بها عن صاحبها كان للملتقط أن يرجع فيها فيأخذها، وإن تصدق بها عن نفسه لم يرجع فيها، وإن أكلها المساكين كان لربها أن يضمنهم إياها، فإن كان قمحًا فأكلوه غرموا مثله أو حيوانًا باعوه غرموا ما باعوه به إن شاء ربها، وإن شاء أخذ الملتقط بقيمتها يوم تصدق بها عن نفسه أو عن صاحبها 50.
ولا تخلوا الصدقة بها من ثلاثة أوجه: إما أن يتصدق بها عن صاحبها أو عن نفسه، أو ليكون صاحبها بالخيار، فإن تصدق بها عن صاحبها وهي عين وكانت قائمة بأيدي المساكين لم يكن لصاحبها إلا أن يأخذها، وإن تصدق بها عن نفسه وهو موسر لم يأخذها وكان له أن يغرمها الملتقط، وإن كان ليكون صاحبها بالخيار وهو موسر، فكذلك أيضا ليس له أن يأخذها وهو بالخيار بين أن يكون له أخذها أو يغرمها الملتقط، وإن كانت عرضا وهو موجود بأيدي
الجزء: 7 - الصفحة: 3202
المساكين كان الجواب على ما قاله أشهب، وإن باعوه وغاب به المشتري عاد الجواب إلى ما تقدم في العين فيكون مقاله مع الملتقط، وإن لم يفت لم يكن له أخذه على قول ابن القاسم كما لو باعه الملتقط لنفسه إلا أن يكون أعطاه للمساكين صدقة عن صاحبه.
فصل [حكم اللقطة في الحرم]
وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار: حكم اللقطة في الحرم وغيره سواء، له أن يأخذها على حكم اللقطة ويمتلكها بعد ذلك، وله أن يأخذها ليحفظها على صاحبها حسب ما تقدم في غير الحرم، وبه قال أبو حنيفة 51.
وقال الشافعي: له أن يأخذها ليحفظها على صاحبها ويعرفها ما دام بمكة، فإن أراد الخروج سلمها إلى الحاكم، وليس له أن يتملكها إذا عرفها سنة 52، وهذا أبين للحديث والقياس.
فأما الحديث فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: "لاَ تَحِلُّ لُقَطتهَا إِلَّا لِمُنشِدٍ"، وقال: "إِلَّا لمُعَرِّفٍ" 53 اجتمع عليه البخاري ومسلم، ففرق بينها وبين غيرها، وأخبر أنها لا تحل إلا للتعريف لا لغير ذلك ولم يوقت للتعريف سنة ولا غيرها، وقال في غيرها: "تعرف سنة ثم شأنك بها"، ولو كانت مثل غيرها لم يكن للحديث معنًى.
الجزء: 7 - الصفحة: 3203
فأما القياس فإن الغالب من الناس إذا حجوا أن يرحلوا إلى أوطانهم، فربما عاد إلى الحج بعد العشر سنين والعشرين وأكثر وأقل فلم يكن مرور السنة دليلًا على اليأس ممن يطلبها، وغيرها من البلدان يتكرر الناس في السفر إليها في السنة مرارًا، فإذا عرفت سنة ولم تعرف غلب على الظن اليأس منه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3204
باب في لقطة الطعام
وإذا التقط طعامًا لا يدخر ويخشى فساده كالفاكهة واللحم، فإن كان في غير عمارة أكله ولا ضمان عليه إلا أن يكون في رفقة وجماعة فيكون له حكم الحاضرة.
واختلف إذا وجده في حاضرة، فقال مالك: يتصدق به أعجب إلي، فإن أكله فلا شيء عليه، والتافه وغيره سواء 54. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: يتصدق به ولا شيء عليه، وإن أكله ضمنه لانتفاعه به تافها كان أو غيره.
وقال أشهب في مدونته: إن كان في عمارة أو قربها باعه وعرفه، فإن جاء صاحبه كان له الثمن 55.
وأرى أن يفرق بين القليل والكثير، فما كان الغالب في مثله أن صاحبه لا يطلبه، وإنما يتفقده بالحضرة ثم يعرض عنه فلا شيء على واجده أكله أو تصدق به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في التمرة التي وجدها على الطريق "لَوْلاَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا" 56، وكذلك ما كثر من التمر، والغالب أنه لا يطلب مثله.
وما كان الغالب طلبه أبقي لصاحبه على الأصل في الأموال أنها لأربابها، وعلى واجدها حفظها، وليس من وجد حمل فاكهة كمن وجد شيئًا تافهًا، ولا
الجزء: 7 - الصفحة: 3205
من وجد سليخًا كمن وجد قطعة لحم، ولهذا قال مالك في الدلو أو الحبل: أن له أن ينتفع به، وإن تصدق به كان أحسن 57. لأنه وإن كان مما يدخر -أعني: الدلو والحبل- فالغالب ألا ينشغل 58 صاحبه بطلبه كالتمرة وهي مما تدخر ولا تطلب.
الجزء: 7 - الصفحة: 3206
باب في ضالة الغنم والإبل
لضالة الغنم خمسة أحوال: إما أن يجدها على بعد من العمارة وهو وحده أو معه الواحد والاثنان ومن لا حاجة له بشرائها، أو في جماعة يقدر على بيعها، أو في غير جماعة ومعه غنم، أو بقرب عمارة وقرية، أو في القرية نفسها.
فإن كان على بعد وحده أو مع من لا حاجة له بشرائها كانت لواجدها ولا شيء عليه إن جاء صاحبها، وفي مثل هذا جاء الحديث، وإن نقلها إلى الحاضرة بعدأن ذبحها كان له أكلها.
قال أصبغ في العتبية: له أن يأكلها وإن كان غنيًا ولحمها وجلدها مال من ماله، وليس عليه أن يعرفها إلا أن يأتي صاحبها وهي في يديه فيكون أحق بها -يريد: ويعطيه أجر نقلها- قال: ولو قدم بها حية عرفها وكانت كاللقطة 59. وهذا قول مالك في المدونة: وفي الغنم والبقر إذا التقطها رجل فأنفق عليها ثم أتى صاحبها فهي له، ويغرم ما أنفق هذا عليها 60. والقياس: ألا شيء له في الشاة، وإن كانت حية لأنه نقلها بعد أن سوغت له ملكًا، ولولا ذلك لم ينقلها.
وإن كان في رفقة باعها ووقف ثمنها لصاحبها، فإن أكلها ضمنها.
واختلف إذا تصدق بها، فقال مالك في المختصر: لا شيء عليه، قال: وليست المواشي كغيرها 61. وقيل: يضمنها.
وهو أحسن؛ لأن الأصل في الأموال أنها ملك لأربابها، ويجب حفظها لهم إلا ما ورد في الحديث مما يشق حفظه، وإن
الجزء: 7 - الصفحة: 3207
تركه لم ينتفع به صاحبه.
وإن كانت معه غنم ضمها إلى غنمه، قال مالك في المبسوط: يحبسها مع غنمه سنة أو أكثر، وله حلابها ولا يطلب به، فإن ذبحها قبل السنة اختيارًا ضمنها، وإن خاف عليها لم يضمن إلا أن يقدر على بيع لحمها (1).
وعلى قوله إن مرت بها السنة (2) أو أكثر جار له أكلها إن لم يجد من يشتريها منه، وهذا أحسن في الشاة والشاتين؛ لأنه لا ضرر عليه إن ضمها إلى غنمه، فإن كثرت وشق حفظها لم يكن ذلك عليه، وكان له أن يأكلها إن لم يجد من يشتريها منه، وتبقى الواحدة والاثنتان وما لا يشق حفظه.
وإن وجدت قرب قرية ضمها إليها وعرفها فيها، فإن لم يفعل وأكلها ثم تبين أنها لأهل تلك القرية ضمنها.
واختلف إذا كانت لغيرها، فقال أشهب في الدمياطية: لا شيء عليه.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يضمنها أكلها أو تصدق بها (3). ولم يفرق بين أن تكون لهم أو لغيرهم، وهذا أحسن، وقد تقدم وجه ذلك لأن الأصل بقاء الملك لأربابه.
وإن وجدها في قرية كان حكمها حكم الأموال في التعريف والحفظ.
فصل [حكم أخذ ضالة الإبل]
قد تقدم الحديث في ضالة الإبل أنها تترك ولا يعرض لها، واختلف626364
الجزء: 7 - الصفحة: 3208
السلف في أخذها، فمنعه عمر - رضي الله عنه -، وأجازه عثمان - رضي الله عنه - 65، قال ابن شهاب كانت في زمن عمر - رضي الله عنه - مُؤَبَّلَة لنتاج لا يمسها أحد حتى كان زمن عثمان - رضي الله عنه - فأمر بتعريفها ثم تباع، فإن جاء صاحبها أعطي الثمن 66. واختلف فيها عن مالك، فقال مرة: لا يعرض لها، ومن أخذها عرفها، فإن لم تعترف ردها حيث وجدها 67. وقال مرة في من وجد بعيرًا ضالًا: فليأت به الإمام يبيعه ويجعل ثمنه في بيت المال 68. قال أشهب في مدونته 69: يوقف ثمنه حتى يأتي ربه، وإن كان الإمام غير عدل خلي حيث وجد 70. فكان الحكم في الزمان الأول الترك لوجود النبوة والصحابة، ثم كذلك في خلافة عمر - رضي الله عنه - لعدل الخليفة وصلاح الناس 71، ثم لم تترك في زمان عثمان - رضي الله عنه - لعدل الخليفة وفساد الناس، ثم تغير الأمر ففسد السلطان والناس فرأوا 72 أن تؤخذ، ولا ترفع 73 إليه، وعلى هذا يجري أمرها اليوم؛ تعرف فإن لم يأت
الجزء: 7 - الصفحة: 3209
صاحبها بيعت، وإن خشي السلطان إن عرفت لم تؤخذ، وإن كان إنما يخشى عند عدم صاحبها إذا صارت ثمنا، أرسلت حيث وجدت ولم تبع، وإن كانت بموضع فيه السباع أخذت وعرفت؛ لأنه لا مشقة في بلوغها بخلاف الشاة، إلا أن يخاف عليها من سلطان الموضع متى عرفت فتترك فقد يعود صاحبها بقرب قبل أن تهلكها السباع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3210
باب في ضالة البقر والخيل وغيرها (1) من الدواب
يراعى في هذه أربعة أحوال: هل تؤخذ، وأمد التعريف إن أخذت، وبيعها، وإلى من يكون البيع؟ لمن أخذها أو السلطان؟.
فأما أخذها فيمنع إذا كانت في موضع رعي وماء لا يخاف عليها سباع ولا ناس، فإن انخرم أحد هذه الوجوه أخذت، وليس لهذه صبر عن الماء كالإبل.
فإذا أخذت عرفت حولًا إذا تكلف ذلك واجدها، ولم يلحق صاحبها في الإنفاق عليها في تلك المدة مضرة، فإن قدر على رعيها في أمن وحفظ وإلا أوجرت بقدر ما تحتاجه من النفقة في مأمون من الأعمال، فإن لم توفِّ الإجارة بعلفها أو قال واجدها لا أتكلف الصبر عليها، بيعت.
واختلف فيمن يتولى البيع، فقال مالك في المختصر: لا يبيع ضالة إلا الإمام 75.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: أحب إلي أن تدفع إلى الإمام إذا كان مأمونا إلا في ما خف من الشاتين والثلاث، ويشهر ذلك 76.
وقال ابن القاسم: إن باع الدواب بعد السنة بغير أمر السلطان ثم جاء صاحبها ولم تفت لم يكن له إلا الثمن 77.
وقال أشهب في مدونته: له نقض البيع وإن لم يقدر عليها لم يكن له إلا74
الجزء: 7 - الصفحة: 3211
الثمن 78 إذا بيعت خوف الضيعة بخلاف الثياب وما لا مؤنة في بقائه، فإن لصاحبه إذا فات الأكثر من الثمن أو القيمة.
وبيع الإمام 79 إذا كان مأمونا أحسن 80، فإن فعل 81 كان بيعه ماضيًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله فيها كالإمام، وأجاز أن تبقى عنده، ويكون هو المعرف لها، وأن يكون هو القاضي 82 فيها فيدفعها لمن يعرفها 83 دون الإمام، وإذا صح البيع صار حكم الثمن في وقفه والانتفاع به والصدقة حكم اللقطة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3212
باب في الدابة تقف على صاحبها والمتاع يتركه لهلاك دابته أو يطرحه في البحر خوف الغرق فيقذفه البحر أو يخرج منه
84
وقال مالك مرة في إبل اعترفها رجل وقد كان أسلمها، وقد أنفق عليها: له ما أنفق عليها إن أحب صاحبها أخذها وإن أسلمها فلا شيء عليه 85.
وقال ابن وهب: إن أسلمها في ماء وَكَلَإٍ فهو أحق بها.
فعلى قوله إن أسلمها في غير ماء ولا كلإ وما يرى أنه لا يعود إليها إلا وقد هلكت، ألا شيء له فيها، وتكون كالشاة.
وقال مالك في العتبية فيمن ماتت راحلته بفلاة فترك متاعه 86 فأخذه رجل فاحتمله إلى منزله: فصاحبه أحق به, ويغرم أجر حمله.
وقال في قوم طرحوا أمتعتهم خوف الغرق، ثم أخذها قوم من ماء البحر: أنها لأصحابها 87.
وذكر أبو إسحاق ابن شعبان عن الحسن أنه قال: إن أخرجها من ماء البحر فهي له، وإن قذفها البحر كانت لصاحبها.
وعن الليث والحسن بن صالح أنها لمن أخذها وإن قذفها البحر إلا أن يقول صاحبها كنت على الرجوع إليها، فيحلف ويأخذها.
الجزء: 7 - الصفحة: 3213
وأرى إن أرسل الدابة على ألَّا يعود إليها فأحياها هذا فأقام عليها كانت له بخلاف الشاة يوصلها حية؛ لأن هذه أسلمها صاحبها ولم يسلم الشاة، ولو علم ضمها إلى غنمه، فإن أخذها هذا بعد أن حييت ولم يعلم إلا بعد 88 أن ساقها كان ربها أحق بها، وإن تركها ليعود إليها وعلم أنه لا يعود إليها إلا وقد هلكت كانت لصاحبها كالشاة يأخذها ثم يجدها صاحبها قبل أن تذبح.
وإن كان متاعًا يشق نقله، وتركه صاحبه على ألَّا يعود إليه، وأخذه رجل ونقله، كان لمن أخذه؛ لأن صاحبه أباحه للناس لما مضى على ألا يعود، وإن تركه ليعود كان لصاحبه، ولهذا أجر حمله إلا أن يرجع صاحبه بدوابه يحمله فلا أجر له.
وأما المتاع يؤخذ من 89 البحر، فإن كان غرقهم في مرسى ومضى صاحبه ليعود لإخراجه كان له وإن تركه على ألا يعود كان لمن أخرجه، وهو في هذا أبين مما ترك في البر لأن هذا هالك لو لم يخرج، وهو كالشاة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ"، وإهلاك البحر لها كإهلاك الذئب مع ما يتكلف من المشقة للعطش عليه والخوف على نفسه حينئذ.
وإن قذفه البحر فنقله كان لصاحبه؛ لأنه فيه على وجهين، إما أن يكون لا يخاف عليه الفساد لو بقي فلم يكن لهذا أن يعرض له، أو يخشى فساده كالمتاع 90، فعلى من وجده أن يفتحه 91 وينشره ثم يدعه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3214
ولو مرَّ قوم في سفينة بمتاع قوم قد انكسروا وهو على الماء كان عليهم رفعه إذا كان مرورهم بريح لا يضرُّهم الإمساك لأخذه، وكذلك إن مروا بناس أحياء فعليهم أن يحطوا لرفعهم.
الجزء: 7 - الصفحة: 3215
باب في الآبق هل يؤخذ ليعرف؟ وهل يباع إن لم يوجد (1) صاحبه أو يسرح؟ وفي أمد تعريفه والنفقة عليه واستحقاقه بالصفة
اختلف في أخذ الآبق وفي تسريحه بعد أخذه؛ فأما أخذه، فقال مالك: إن كان لأخ أو لجار أو لمن يعرف أخذه، وإن كان لمن لا يعرف فلا يقربه.
قال ابن القاسم: إن كان لمن يعرف 93 استحب له أخذه وهو في سعة من تركه 94.
وقال أشهب في مدونته: إن كان سيده قريبًا فأَخْذُه أحب إلي، وإن تركه فهو في سعة، وإن كان بعيدًا فتَرْكُه أحب إلي، فإن أخذه فهو في سعة 95.
وأما تركه بعد أخذه، فقال مالك في المدونة: إن أرسله ضمنه 96. وقاله ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم 97.
وقال مالك في العتبية: إن لم يجد صاحبه أرسله خير من أن يبيعه فيهلك ثمنه أو يطرح في السجن فلا يجد من يطعمه 98.
فرآه في سعة من تركه بخلاف الثوب والبعير؛ لأن الثوب لا كلفة في حمله، وكذلك البعير لا يتكلف له نفقة والرعي يجزئه حتى يوصله، وفي العبد وجوه92
الجزء: 7 - الصفحة: 3216
تكلف النفقة والاحتراز منه، فقد يسرق متاعه ويفر بنفسه، وإن كان شريرًا خشي أن يقتله إن نام ويذهب، وإن قيده تكلف الكراء عليه.
وإن كان لمن يعرف وهو على الأميال اليسيرة من موضع أبق منه فلا سعة له في تركه إن لم يخف منه.
ومحمل قوله: إذا كان لمن لا يعرف ألا يقربه- أن ذلك لفساد الأئمة إن أنشده أخذه، ولا يخشى ذلك إن كان لمن يعرف؛ لأنه يبلغه إلى ربه بغير إنشاد.
وقال مالك في الآبق: يعرف سنة 99. يريد: إن كان له صنعة تقوم بنفقته ويعملها في موضع يعقل فيه، أو يكون إمام عدل ينفق عليه من بيت المال في زمن رجا 100 إن أتى سيده فغرم تلك النفقة لم تضر النفقة بثمنه.
فإن لم تكن له صنعة، أو لم يكن بيت مال، أو كانت النفقة تجحف بثمنه، أو قال واجده: لا أتكلف حفظه سنة، ويخشى عليه إن رفع إلى السلطان، بيع قبل السنة، وكان التعريف باقيًا.
وإن بيع بعد السنة فالقياس ألا يتصدق بثمنه حينئذ ولا ينفقه بخلاف اللقطة؛ لأن للقطة موضعًا يتفقدها فيه صاحبها، فإذا مضت السنة ولم يأت كان قد أبلى عذره، والآبق لا يدري صاحبه أين توجه فيخصه بالطلب، فلم تأت السنة من ذلك على ما تأتي عليه في اللقطة، وإنما السنة طول فيما يتكلف من أمره، ويوقف الثمن عنده أو عند أمين، ولو رفع ذلك إلى السلطان جعل الثمن في بيت المال أو على يدي أمين 101.
الجزء: 7 - الصفحة: 3217
فصل [في بيع السلطانِ الآبقَ]
وإن باع السلطان الآبق ثم أتى سيده وقال: كنت أعتقته أو دبرته، لم يقبل قوله (1).
واختلف إذا كانت أمة، فقال: كانت ولدت مني، ولا ولد معها، فقال ابن القاسم: يقبل قوله إن لم يتهم فيها (2). وقال أشهب: لا يقبل قوله، ولا يرد البيع كما لا يرد العتق.
وأرى أن يرد البيع بخلاف العتق؛ لأن الشأن في العتق إشهاره، فعدم ذلك يضعف قوله، وليس كذلك الإيلاد، وأيضًا فإن الحر لا يأبق، فلو أعتقه لم يأبق، وتأبق أم الولد، إلا أن يكون العبد لم يواجه بالعتق، فيصح أن يأبق، إلا أن الشأن أن يشهر عتقه.
وبيعُ السيد لأمته ثم يعترف أنها ولدت منه وبيع السلطان- مفترقٌ؛ لأن بيعه بنفسه يتضمن إقراره أنها ليست بأم ولد، فقوله بعد ذلك كانت ولدت مني تكذيب لقوله الأول، فلم يقبل، وبيع السلطان لا يكذب قوله الآن لأنه لم يكن منه خلاف لقوله هذا.
فصل [في كيفية دفع الآبق والدواب والثياب إلى مدعيها وواصفها]
واختلف إذا حبس الآبق ثم أتى رجل فادعاه ووصفه هل يدفع إليه بالصفة من غير بينة؟ فقال ابن القاسم: يتلوم له في ذلك، فإن لم يأت من يطلبه102103
الجزء: 7 - الصفحة: 3218
دفعه إليه وضمنه 104. وقال أشهب: لا يأخذه بالصفة.
وإليه رجع سحنون، وقال: لا يدفع إلا ببينة طال مقامه أو لم يطل 105.
وإن اعترف لغيره بالرق كان لمن اعزف له بالرق دون من وصفه قولًا واحدًا، وإن اعزف لغائب كتب إليه، فإن ادعاه كان أحق به.
واختلف إذا أنكر العبد هذا المدعي ولم يقر لغيره وهو يقر بالعبودية، أو قال: أنا حر، وهو معروف بالرق، هل يكون لمن ادعاه؟ فأما الصفة 106 فأرى أن يدفع إليه إذا وصف صفة تخفى وليست بظاهرة.
وكذلك الدواب تدعى فإنه يختلف فيها هل تدفع بالصفة من غير بينة؛ لأنها مما يتصرف بها ويظهر صفتها؟ وأما الثياب فدفعها بالصفة أبين، والصفة فيها كالعفاص والوكاء في الدنانير.
قال ابن القاسم في المتاع يسرق بمكة فيدعيه رجل ويصفه: يدفع إليه، وإن لم تكن بينة 107.
واختلف في استحقاقه بشهادة البينة على الصفة، وفي رجوع المستحَق من يده على بائعه بالشهادة على الصفة أنه استُحِق من يده عبدٌ على صفة كذا.
فأجازه ابن القاسم في الوجهين جميعًا؛ فقال فيمن أتى يدعي عبدًا بكتاب قاضٍ أنه أبق له عبد على صفة كذا وشهادة الشهود فيه على الصفة: إنه يقضى له به 108. وإن استُحِق عبدٌ من يد رجل بشهادة بينة عرفت أنه ملكه، فأتى
الجزء: 7 - الصفحة: 3219
المستحَق من يده بكتاب القاضي باستحقاقه ومعه العبد موافق لصفة الكتاب، أو ليس معه العبد: قضي له بالثمن على البائع (1).
وخالف ابن كنانة في استحقاقه بالشهادة على الصفة، فقال فيمن أبق له غلام من مصر إلى الأندلس، فأتى بكتاب من قاضي مصر على الصفة أنه أبق له عبد ونعته ووصفه، وأثبت الكتاب عند قاضي الأندلس، فأنكر العبد أن يكون هذا سيده: فلا يأخذه بذلك إن ادعى العبد الحرية أو كان في يد من يدعيه لنفسه.
وأجاز ذلك إذا اعترف له العبد (2).
ومنع ذلك أشهب إذا أتى به المستحق من يده ومعه صفة موافقة لما في كتاب القاضي، إلا أن تشهد البينة أنه العبد الذي في الحكم، وأجاز المستحق بالبينة على الصفة، وفرق بين الموضعين؛ لأن الشهادة على الصفة إنما تجوز للضرورة، وهؤلاء الذين شهدوا على حكم القاضي قادرون على أن يشهدوا على عينه، وإذا كان العبد غائبًا قبلت الشهادة ها هنا على الصفة؛ لأنها ضرورة لا يقدر على غير ذلك.
وأرى إذا أغفل القاضي أن يشهدهم على عين العبد حتى خرجوا وبعدوا أن تقبل الشهادة على الصفة وتصير ضرورة.
واختلف هل يطبع في عنق العبد، والطبع أحسن.
فصل [في عتق الآبق وتدبيره وعتقه إلى أجل]
عتق العبد الآبق جائز لازم لسيده وكذلك تدبيره وعتقه إلى أجل، فإن109110
الجزء: 7 - الصفحة: 3220
جعل 111 الأجل من يوم أعتق ثم لم يقدر عليه حتى انقضى الأجل كان حرًّا، وإن وجده قبل ذلك خدمه بقية الأجل، وإن جعل 112 الأجل من بعد وجوده جاز واستؤنف الأجل من بعد وجوده.
وتجوز كتابته، ويوقف الأمر فيه، فإن وجده وكان قصده إجباره على المكاتبة كان مكاتبًا، وإلا كان العبد بالخيار بين القبول والرد، وفائدة، الكتابة الآن انعقادها على السيد، فإن قبلها العبد بعد ذلك لم يكن للسيد الرجوع.
وإن أعتقه عن ظهار وجب عليه جاز، ويمنع من زوجته حتى يعلم أنه كان حيًّا سالمًا من العيوب يوم أعتق فتحل 113.
وقال ابن حبيب: لا يجزئه إلا أن يكون صحيحًا يوم أعتق ويوم وجد، فإن كان صحيحًا يوم أعتق ثم اعتل أو سقيما ثم صح، لم يجزئه حتى يجتمع فيه الوجهان جميعا 114. والأول أحسن.
الجزء: 7 - الصفحة: 3221
فصل [في اشتراء العبد الآبق بأرض الحرب]
وإن أبق العبد إلى أرض الحرب فاشتراه 115 رجل بأمر سيده ثم هلك قبل وصوله كانت مصيبته 116 من سيده وغرم للمأمور ما افتداه به، وإن أعتقه الذي افتداه رد عتقه، وإن كانت أمة فوطئها فحملت كان زانيًا يحد وتؤخذ الأمة وولدها.
وإن اشتراه بغير إذن السيد فهلك أو أبق كان من المشتري، واختلف إذا أعتقه أوكانت أمة فحملت منه، فقال ابن القاسم: يمضي العتق والإيلاد 117.
وقال أشهب: لسيدها أن يرد العتق ويغرم ما افتداها به، وإن حملت أخذها وحاسبه بقيمة الولد من الثمن.
وهو أصوب، وليس كون المستحَق لا يؤخذ إلا بعد دفع الثمن مما يخرجه عن حكم الاستحقاق، ولو كنت أقول أن ذلك فوت لرأيت على المعتق والواطئ فضل القيمة يوم أعتق أو أولد؛ لأنه أتلف ملك غيره بوجه شبهة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3222
باب في جُعْل الآبق والضوال
وإذا جاء بالآبق من ذلك شأنه كان له جعله على قدر عنائه وبُعْد موضعه، وما تكلف من استخراجه إذا كان في موضع أخفى فيه نفسه أو لا يستطيع غيره إخراجه، وقدر حال العبد فليس العبد الشديد 118 ومن يخاف كغيره، وقدر ثمنه وقد علم أن الجعل فيما كثر ثمنه بخلافه إذا قل.
وله على قول مالك جعله على أن نفقته على العبد داخلة في الجعل، ثم إن السيد بالخيار بين أن يفتديه بذلك أو يسلمه.
قال مالك وابن القاسم: وكذلك الدواب والأمتعة إن أتى بها من ذلك شأنه فلابد من 119 جعل مثله، وإن لم يكن ذلك من شأنه فلا شيء له 120.
وقال أشهب في مدونته فيمن ذلك شأنه: لولا فساد الناس وأنه يخشى على المسلمين ضيعة ما يصل إليهم إن لم يجعل في ذلك لمن أتى به، لم أرَ له شيئًا 121.
الجزء: 7 - الصفحة: 3223
وأرى إن لم يكن ذلك شأنه وكان خروجه لأجل هذا العبد والبحث عنه، وصاحبه ممن لا يتكلف طلبه بنفسه ولا يستغنى عن أن يجعل لمن يطلبه، أن يكون عليه الأقل من جعل هذا أو جعل من كان يخرجه لطلبه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3224
باب فيما يُلتَقَط من أموال أهل الجاهلية
وقال ابن القاسم فيما أصيب من أموال أهل الجاهلية على وجه الأرض: فيه الخمس.
وكذلك التماثيل يقذفها البحر ويعلم أنها من أموال أهل الجاهلية ففيها الخمس، وإن غُسل تراب على ساحل البحر فخرج منه الذهب كان كالمعدن فيه الزكاة 122.
فأما ما أصيب من أموال الجاهلية في فيافي أو بلد عفا ثم اختطه المسلمون فهو لواجده، وفيه الخمس 123.
ويفترق الجواب فيما يوجد في أرض عنوة أو صلح، وقد تقدم ذلك في كتاب الزكاة.
وأما ما يخرج من التراب إذا غسل، فإن كان ذلك معدنه كان فيه الزكاة، وإن كان من بقية أموال الجاهلية وكان ما يتكلف من غسله يسيرًا كان فيه الخمس، واختلف عن مالك إذا كثرت مؤنته هل يخمس، وقد تقدم ذلك في كتاب الزكاة، وإن كان من أموال المسلمين كان له حكم اللقطة، وإن كان شيئًا تأتي به السيول عن معادن الذهب صح أن يقال: فيه الزكاة، وأن يقال هو فائدة بخلاف ما أخذ من معدن يملكه.
وقد قال مالك في الزيتون الجبلي يرفع منه خمسة أوسق: هو فائدة 124 ولا
الجزء: 7 - الصفحة: 3225
زكاة فيه إلا أن يكون عمره بالعمل والحرث وتملكه قبل ذلك (1). وقد اختلف الناس في زكاة المعادن، فقال غير واحد: هو فائدة، وهو فيما تقدم ذكره أبين أن يكون فائدة.
فصل [في العبد يلتقط اللقطة]
وإذا التقط العبد اللقطة عرفها، وليس لسيده منعه؛ لأن التعريف يصح منه في حين تصرفه لسيده، ولا يقطعه ذلك عن تصرفه لسيده 126، ولسيده أن ينتزعها ويوقفها على يدي عدل لئلا يحلف عليها إن تلفت أو يتصرف فيها العبد، وإن كان غير مأمون كان أبين أن توقف على يدي عدل.
وقال مالك في العبد يلتقط اللقطة فيستهلكها قبل السنة: فهي في رقبته، وإن استهلكها بعد السنة كانت في ذمته 127. فجعلها قبل السنة جناية في الرقبة؛ لأن صاحبها لم يضع يده عليها، وبعد السنة في ذمته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السنة: "استنفقها".125
الجزء: 7 - الصفحة: 3226
باب فيمن سرق من دار أو حانوت ولم يغلقه فسرق منه آخر, أو حل (1) قيد عبد أو فتح عن طير
ومن سرق من دار غير مسكونة أو من حانوت وتركه مفتوحًا ثم سرق من ذلك آخر ضمن الأول سرقة الثاني، وإن أعاد غلقه لم يضمن، فإذا كانت الدار مسكونة لم يضمن وإن تركها مفتوحة وإن كان أهلها نياما، هذا قول مالك 129.
وكذلك إن كانت دواب فتح عليها فذهبت، فإن كان الموضع غير مسكون ضمن، وإن كان مسكونًا لم يضمن 130، وقال أشهب في مدونته: إن كانت مربوطة لم يضمن، وإن كانت مسرحة ضمن وإن كان فيها أهلها؛ لأنها تبادر للخروج.
وأرى أن يضمن وإن كانت مربوطة، وليس يكلها أربابها إلى الرباط وحده، وتحفظهم بالباب أشد، وهذا إذا خرجت بنفسها، وكذلك إن سرقت أو كانت ثيابًا فسرقها آخر فأرى أن يضمن الأول.
وإن حل قيد عبد أو فتح عن طير فذهب ضمن، وسواء كان العبد في دار128
الجزء: 7 - الصفحة: 3227
مع أهله أم لا؛ لأن العبد إنما يتوثق منه بالقيد ليس بالباب، وإن أمره أن يجعل طيرًا في قفص ويغلق عليه فنسي أن يغلق عليه لم يضمن، وإن تعمد ضمن 131، وبالله التوفيق.
تم كتاب اللقطة والآبق والضوال،
والحمد لله حق حمده
الجزء: 7 - الصفحة: 3228