ينقضه كان القضاء بمال أو غيره.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: إن كان القضاء بمال نقضه، وإن كان بإثبات نكاح أو فسخه لم ينقضه 1. وعلى هذا لا ينقضه إذا كان بإنفاذ 2 حكم 3 عتق أو ردة أو بحد أو قتل أثبته أو أبطله.
وقيل: أما ما كان من باب المتروكات فليس بحكم بخلاف غيره، من أن يحكم للإنسان بمال أو ما أشبه ذلك، فإن حكم بإثبات نكاح أو إثبات عتق، ثم تبين له غير ذلك، كان له أن ينقضه، ورأى أن الأول ليس بحكم؛ لأنه إنما وجدهما على شيء فتركهما عليه.
والقول الأول أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ كَانَ له أَجْرَانِ، وإنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطأَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ" أخرجه البخاري ومسلم 4.
فأطلق عليه مع وجود الاجتهاد الخطأ، وإذا كان ذلك لم يجز البقاء عليه.
وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية وقال لأميرها: "وإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلاَ تُنْزِلُهمْ عَلَى حُكْمِ الله، وَأَنْزِلُهمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أتصِيبُ حُكمَ الله فِيهِمْ أَمْ لاَ؟ " 5. وهَذا إذا تبين أن الاجتهاد الأول وهم، وأنه خارج عن الأصل الذي كان ظنه منه وقاسه عليه.
وأما إذا كان للأول وجه، والذي تبين له الآن أشبه، لم ينقضه 1. وقال سحنون: إذا كان ذلك رأيه يوم حكم لم ينقضه، وإن لم 2 يكن ذلك رأيه وإنما وهم أو نسي ورأيه خلف نقضه.
3 وهذا راجع إلى قول ابن عبد الحكم، وقال مطرف -في كتاب ابن حبيب-: إذا شهد الحاكم على فسخ حكمه الأول، ولم يذكر أنه رجع عن الأول إلى ما رآه أحسن، ولا فسر أمرا فسخه به، قال: فلا أراه فسخا يفسخ به الأول إذا كان صوابا غير نحتلف فيه، حتى يخلص 4 ما يوجب فسخ الأول، أو يرجع إلى ما هو أحسن، إلا أن يقول تبين في أن الشهود شهدوا بزور 5.
وقال ابن الماجشون: إشهادهم 6 على الفسخ يكفيه 7، إذا كان مأمونا ولم يقل إلا أني رجعت عن الأول، ثم هما على رأس أمرهما، ولو قال مع الفسخ وقضيت للآخر، لم يجز قضاؤه ومضى الفسخ؛ لأنه لا يقضي حتى يضرب 8 المقضي عليه الآجال والحجج 9.
فصل [في الحكم بشهادة البينة على شهادة غيرها]
واختلف إذا حكم القاضي بشهادة بينة، شهدت على شهادة غيرها، ثم أتى المنقول عنهم ذلك فأنكروا وقالوا: ما أشهدناهم بشيء.
هل يكون ذلك رجوعا منهم وينقض الحكم، ويكونون أحق بشهادتهم أو لا يكونون ولا 1 يعد رجوعا، ولا ينقض الحكم؟
قال محمد -في رجلين نقلا عن أربعة أنهم أشهدوهم 2 على فلان بالزنا فلم يحد الناقلان 3، حتى قدم 4 الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم- قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف، ويسلم الاثنان؛ لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف 5. فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعا.
وقال مالك -في كتاب ابن حبيب، في رجلين نقلا عن غائب، فحكم بشهادتهما مع يمين صاحب الحق، ثم قدم الغائب فأنكر الشهادة-: فإن الحكم ينقض ويرد 6، ورآه أحق بشهادته من اللذين نقلا عنه ونقض الحكم، وقال مطرف وابن القاسم: الحكم ماض ولا غرم عليه ولا على الناقين، قال: ولو قدم قبل الحكم بها، كان أحق بشهادته 7. فرأيا أن الأمر فيه بعد الحكم
مشكل، هل يرجعا أو كان الوهم من قبل الناقلن فلم ينقض الحكم، ولا 1 أغرم الناقلين 2، فعلى قولهما وقول مالك لا يحد الأربعة، ولا يعد قولهما 3 الآن رجوعا، وعلى قول محمد يغرم المنقول عنه الشهادة المال.
وأرى أن يرد الحكم؛ لأنه أولى بشهادته، ولا يغرم الناقلان؛ لأن الأمر مشكل، هل صدق أو كذب؟ فلا يغرمان بالشك، والأمر في المنقول عنهم 4 في الزنا، أبين أن لا حد عليهم؛ لأن قولهم وقول الناقلن في معنى التكاذب، فقول الأربعة أقوى 5 من قول الاثنين.
باب في القاضي يقضي بقضية ثم يقرأنه تعمد فيها جورًا أو أنه أخطأ
وقيل لابن القاسم -في القاضي يقول بعد الحكم بالرجم والقطع والضرب-: حكمت بجور.
قال: قال مالك: ما تعمد الإمام من جور على الناس، فإنه يقاد منه 1. يريد لأنه كالجائر لمن أمره، وإن لم يباشر ذلك بنفسه، ويقتص من المأمور أيضا 2، إذا علم أنه حكم بجور، أو كان معروفا بذلك ولم يكشف عن صحة حكمه.
وقال أصبغ: إن كانت القضية بمال، غرم الحاكم للمحكوم عليه 3 ما أهْلَكَ، وهو 4 كإقرار الشاهد بعد الحكم بالزور، ويعاقب فيما أقر به من جور، ويعزل ولا يولى أبدًا، ولا تقبل شهادته أبدًا، وإن أحدث توبة كشاهد الزور 5.
وأرى إن كان الحاكم معدما، أن لا شيء للمحكوم عليه على المحكوم له؛ لأنه لا يصدق الحاكم أنه تعمد الجور، إلا أن يكون معروفا بذلك.
ويختلف إذا أقر بالعمد بعد الحكم وقبل القصاص، أو قبل أن يؤخذ المال، إن كانت القضية بمال.
فقال ابن الماجشون -في المجموعة-: إن أقر بجور وهو حاكم فله (1) أن يرجع ما لم يفت (2). يريد ما لم يفت القصاص ولا أخذ المال.
وقد اختلف في هذا الأصل فقال ابن القاسم وأشهب -في البينة ترجع بعد الحكم وقبل القصاص، وقبل إقامة الحد-: ترد (3) ولا يقتص لحرمة القتل والقطع، وسواء كان القطع في سرقة أو قصاص (4).
قال محمد: وإن كان بكرا أقيم عليه حد الزنا بخلاف الرجم (5)، وعلى هذا يجري الجواب إذا رجع الحاكم.
واختلف هل من حق المحكوم له أن يتم له الحكم بذلك؟ يريد (6) فإن كان القضاء بمال أمضى ولم يرد، بخلاف القتل والقطع، وهذا إذا كان ظاهره العدالة، وإن كان غير عدل لم يمض (7) شيء من ذلك.
فصل [في القاضي يقرأنه أخطأ]
واختلف إذا قال بعد القصاص: أخطأت، فقال ابن القاسم وأشهب: ذلك على عاقلة الإمام، إذا كان الثلث فصاعدا 8. وقال سحنون: ذلك في ماله1234567
ولا تحمل العاقلة الإقرار، قال: وقد قيل: لا شيء عليه 1. يريد أنه هدر، وقد تقدم ذلك في كتاب الرجم.
ويختلف إذا أقر بالخطأ بعد القضاء، وقبل أخذ المال، هل يمضي الحكم ويغرم هو أو عاقلته أو لا يمضيه وكذلك إن كانت قضية بمال وأقر بالخطأ بعد أن قبض المقضي له بالمال.
يختلف هل يغرم الحاكم؟ وإن أقر بعد الحكم وقبل أخذ المال يختلف هل يأخذ المحكوم له بالمال أم لا؟
باب في نظر القاضي في أقضية من كان قبله ونقضها
القضاة ثلاثة: عدل عالم، وعدل مقلد، وغير عدل.
فإن كان عدلًا عالمًا، كانت أحكامه على المضي.
قال ابن حبيب: ولا يعترض فيها إلا على وجه التجوز، كان عرض عارض فيها بخصومة، وأما على وجه الكشف والتعقب فلا، وإن مسألة الخصم ذلك، إلا أن يظهر له خطأ بين لم يختلف فيه، فقد يذكر الوجه الذي بنى عليه الحكم، فيوجد قد خالف نصًا، من آية أو سنة أو إجماع، قال: وإن كان عدلا جاهلا فإن أقضيته تكشف، فما كان صوابا أمضى، وما كان خطأ لم يختلف فيه 1.
يريد أنه تتعقب من وجه الفقه، إلا أن يعلم أنه لا يحكم، إلا بعد مشاورة أهل العلم.
وأرى إذا كان يحكم برأيه، من غير مطالعة لأهل العلم، أن يرد من أحكامه ما كان مختلفا فيه؛ لأن ذلك كان منه تخمين وحدس، والقضاء بمثل ذلك كله 2 باطل.
قال: وإن كان جائرًا في أحكامه- لم تجز أقضيته كلها، وعلى من ولي بعده أن يردها كلها 3 صوابًا كانت أو خطئًا؛ لأنه لا يؤمن أن يُظْهِرَ العَدلَ والصَّوابَ، وباطن أمره الجور، إلا ما عرف أن باطن أمره كان صحيحًا 4.
وقال أصبغ: إذا كان ممزوجًا فيه هذا وهذا فأرى أن يجوز من أقضيته 1 ما عدل فيه ولم يسترب، وينقض منها ما تبين فيه جور أو استريب، ويعمل فيها بالكشف كما يصنع 2 بأقضية الجاهل، وإلا لم تنفذ الأحكام اليوم.
3 وقال مالك: إذا قضى القاضي بما اختلف الناس فيه، ثم تبين له أن الحق في خلافه - كان له أن ينقضه، وليس لمن ولي بعده نقضه 4.
قال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ليس ذلك في كل ما اختلف فيه من الآثار والرأي، فإن كان في ذلك في سنة 5 قائمة- كان للثاني نقضه، وإن كان الحديث مختلفًا فيه و 6 في معناه مثل حديث العُمْرَى، فحكم بحديث ابن شهاب لا ترجع للذي أعطاها، فإنه يمضي، ولا أرى أن يحكم به ابتداء، لحديث القاسم: ما أدركت الناس يقضون 7، إلا وهم 8 على شروطهم.
قال: وما كان من باب الترك لما فعل الفاعل، أو إمساك عن الحكم لغيره 9، مثل ما جاء من الحنث بالطلاق 10 قبل النكاح، والعتق قبل الملك، ونكاح المحرم، والحكم بالقسامة، فحكم حاكم بإمضاء النكاح والعتق 11، وأقر
العبد 1 وأقر نكاح المحرم، ثم رفع إلى من يرى خلف ذلك، فإنه يحكم به، ولا يمنعه من ذلك ترك الأول، ورأى أن الترك ليس بحكم 2.
وقول ابن القاسم في كتاب النكاح: أن ذلك حكم، قال: ولو فسخه 3 الثاني لكان خطئًا 4 في قضائه.
وهو أحسن؛ لأن الأول حكم على الزوجة أنها في عصمة الأول، وأنها حلال له، وأثبت ملك السيد للعبد، وأسقط مقال العبد، وأباح له إن كانت أمة أن يصيبها.
وقال محمد: إذا حكم القاضي بالشاهد مع اليمين في حق 5، ثم ولي بعده قاض، ففسخه -كان للثالث أن ينقض فسخ 6 الثاني.
قال: وهذا عظيم أن يرد ما حكم به 7 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلي ومن مضى من التابعين والأخيار، قال: وإن قال الأول: لا أحكم بشاهد ويمين، ثم ولي آخر ممن يرى الحكم 8 بالشاهد واليمين- كان ذلك له.
قال: وليس حكم الثاني يفسخ كحكم الأول 9. يريد: أن الأول من باب الترك، وقد تقدم قول ابن القاسم أن الترك حكم، إلا أن الأول ها هنا حكم بخلاف النص، قياسًا على من تبين يقين
الخطأ، وكذلك إذا صلى قبل الوقت، أو توضأ بماء نجس 1، ثم علم بعد ذلك، تلزمه الإعادة، وقياسًا أيضًا على القبلة إذا أخطأها 2.
وإن كان حلف المدعى عليه على تكذيب الشاهد -كان حكمًا لا شك فيه، إلا أنه حكم بخلاف النص، فللثاني أن ينقضه.
قال ابن القاسم: وإن وجد الطالب شاهدًا آخر- ضم إلى الأول وحكم 3 بهما 4. وهذا أحسن، وسواء كان الأول حلف المطلوب على تكذيب الشاهد أو لا؛ لأن المشهود له لم يمكن من اليمين مع الأول، ويصير الآن بمنزلة شاهد على طلاق أو عتق، فحلف الزوج أو السيد ثم وجد شاهدًا آخر، فلم يختلف أنه يضم إلى الأول، ويحكم بالطلاق والعتق؛ لأن الزوجة والعبد لم ينكلا عن اليمين مع الأول إن حكم القاضي بما عنده من العلم، قبل أن يلي أو بعد أن ولي، ولم يكن في مجلس الحكومة، أو كان 5 في مجلس الحكومة 6 فأقر أحدهما بشيء 7 قبل أن يتقدما إلى الحكومة، كان للثاني أن ينقضه.
واختلف إذا أقر بعد أن جلسا للحكومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم به 8. وقال ابن الماجشون وسحنون: يحكم به 9، ورأيا أنهما
حكماه فيما يكون من إقرار أو جحود، فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع، لا يقبل ما رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود، لم يحكم عليه بما يوجب الجحود عند مالك، وله ذلك على قول ابن الماجشون وسحنون، والأول أحسن، ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة.
واختلف إذا حكم فقال محمد: أرى أن ينقض حكمه بذلك 1.
يريد 2 ما كان هو قاضيا لم يعزل، فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه 3.
ومعنى قوله ينقضه هو إذا تبين له خلاف رأيه الأول 4. وقيل: لا ينقضه ولا ينتقل من رأي إلى رأي، ولو كان ليس من أهل الاجتهاد، ولم يكن حكمة الأول شيئا، وينظر إلى من يقلده الآن، فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينضه، وإن كان ممن لا يرى ذلك نقضه.
وأما إن كان من أهل الاجتهاد، ولم يتبين له رأي غير الأول لم ينقضه 5، إلا أن يتبين له أن ذلك يؤدي مع فساد قضاة اليوم، إلى القضاء بالباطل؛ لأن كلهم يدعي العدالة.
ويقول: اعترف عندي بكذا، فيجب عليه أن يرجع في قضائه، لما في ذلك من الذريعة إلى تلف أموال الناس والقضاء بالباطل، فيكون هذا ضربا من اجتهاد ثان غير التي حكم بها، وقال سحنون: إذا أتى القاضي كتاب قاض بما اختلف فيه الفقهاء،
وليس من رأي الذي أتاه الكتاب من عنده 1 - لم ينبغ له 2 أن يجيزه ولا ينفذه 3؛ لأن الأول لم ينفذ شيئًا، فلا ينفذ ما ليس 4 هو عنده بمعتدل.
وقال أشهب في المجموعة: إن كان 5 كتب للأول أنه حكم بما في كتابه- جاز لهذا أن ينفذه، وإن كتب بما ثبت عنده- لم يعمل هذا برأي الذي كتبه 6. ولا يختلف فيما ذكره إذا لم ينفذ الأول الحكم 7، وإنما الاختلاف إذا حكم الأول، وكتب إلى هذا أن يستخرج له 8 المال ممن حكم عليه، أو يمكن الزوجة من القادم بكتابه، فلم ير ذلك سحنون؛ لأنه يجبرهما على ما لا يراه 9 صوابًا.
ورأى أشهب أنه لما حكم الأول بذلك، ولم يجز لهذا أن ينقضه، ووجب للمحكوم له قبض المال، وأن يمكن الزوجة ولا يقدر على ذلك إلا بقاض، وفي وقوف هذا بطلان لحقه وجب عليه أن يقضي له 10.
باب (1) في الشهادة على الخط
الشهادة على الخط على أربعة أوجه: شهادة الرجل على خط نفسه.
وشهادته على خط غيره 2، عند غيبته أو بعد موته، أو كتاب 3 قاض وشهادته على خط غيره، بما تضمن إقراره واعترافه على نفسه بدين أو طلاق.
فأما شهادته على خط نفسه، إذا تضمنت شهادته على رجل بدين أو طلاق، فلمالك فيها ثلاثة أقوال: فقال -في المدونة-: إذا ذكر أنه خطه ولم يذكر الموطن 4، يؤديها كما علم ولا تنفع المشهود له 5. وقال -في كتاب محمد-: لا يؤديها، وروى عنه مطرف -في كتاب ابن حبيب أنه قال 6: إذا كان الرق نقيا لا محو فيه ولا تهمة ولا خيفة شيء فليؤدها 7 وبه أخذ مطرف قال: وعليه جماعة الناس قديما.
قال: ولو ترك الناس الشهادة على خطهم، إذا لم يستنكروا شيئا من الكتاب، ما قام لأحد حق 8. قال ابن الماجشون: وهو الذي عليه أصحابنا كلهم، المغيرة وابن أبي حازم وابن دينار، قال: ولا يعلم السلطان أنه لم يعلم غير خطه، ويشهد بها تامة أن ما فيها حق 9، فمنع من أدائها خيفة أن1
يقضى بها، فيكون قد أعان على ما لا يراه صوابا.
وقال مرة: يوقفها 1، للاختلاف فيها 2؛ ولأنه لا يجوز أن يحكم بذلك، على من لم يحكمه وهو المشهود له؛ لأن المسألة تتضمن ثلاثة: شاهد ومشهود له ومشهود عليه، وإن أتاه الشاهد أو المشهود له 3 والمشهود عليه، فسألاه عن أدائها فقال: لا أؤديها، لكان حكما على المشهود له 4، وهو لم يستفته ولا حكمه، ومثله الرجل يحلف بالطلاق، ثم يكون 5 حنثه مختلفا فيه، فسأل الزوج المفتي 6 فكان الجواب عند المفتي: أن لا حنث عليه، جاز له على القول الأول، أن يفتيه بالبقاء وجواز الإصابة، وعلى القول الآخر لا يجوز له ذلك، إلا أن يجتمع الزوجان على تقليده وإلا كان حكمًا على الزوجة وهي لم تقلده، وكذلك لو استفتت الزوجة من يرى أنه حانث، فعلى القول الأول يجوز له أن يفتيها بالهروب والامتناع منه، ولا يجوز له 7 ذلك على القول الآخر، إلا بالاجتماع 8 من الزوجين، إلا أن يكون الاختلاف في ذلك، شاذا منافيا للأصول، فيجوز له 9 ذلك من غير رضى الآخر.
ورواية مطرف وابن الماجشون، في الشهادة على معرفة خطه أحسن، ومحمل قول مالك على ما كانوا عليه من الحفظ، وقد كان 10 كثير
منهم لا كتاب 1 له، وقد 2 قال مالك: حدثني ابن شهاب بأربعين حديثًا حفظتها، إلا ثلاثة أحاديث، فسألته أن يعيدها عليَّ فأبى، فقلت له: أما كان يعاد عليك الحديث؟ فقال: لا 3.
ولو وكل الناس اليوم على 4 حفظ الشهادة، لم يؤد أحد شهادة، ولتعطلت حقوق الناس، ومع أن الضرب على المخطوط نادر وخاصة في المغرب، فإن كانت الشهادة على الخط في غيبة الشاهد أو موته، أن هذا خطه وشهادته صحت الشهادة على الصحيح من القولين؛ لأنها ضرورة.
واختلف أيضا 5 إذا كانت على خط المطلوب، أو اعترافه 6 على نفسه.
فقال ابن المواز 7: ذلك جائز بمنزلة الإقرار، وأن الشاهد الواحد فيه، يجري مع يمين الطالب؛ لأنه بمنزلة اعترافه على نفسه، وذكر أنه مذهب مالك، وأنه لم يختلف فيه قوله 8.
باب في العدالة
العدالة شرط في قبول الشهادة، لقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ولقوله سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، ومحمل الشاهد الآن على غير العدالة، حتى يثبت أنه عدل، لقوله سبحانه ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 1، ومثله 2 أن الناس صنفان: رضًى، وغير رضًى، فوجب على القائم بشهادته، أن يثبت أنه من الصنف الذي هو رضى، ولأن الغالب اليوم من الناس 3 عدم الرضى والعدالة، فوجب حمل الناس على الغالب والأكثر، حتى يعلم غير ذلك، وأعلى منازل الشاهد، أن الأمر فيه مشكل ومتردد، بين العدالة وسقوطها وقد شرطت العدالة، فلا تجوز الشهادة مع الشك بوجود ذلك الشرط، إلا من اشتهر اسمه بالصلاح والخير فلا تطلب تزكيته، ويحمل على ما عرف به حتى يثبت غير ذلك، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاضي مكة، فقال: أما الاسم فاسم عدل، ولكن أثبت أنك صاحب هذا الاسم 4. يريد أنه لا يحتاج إلى تزكية 5. والعدالة تثبت بشهادة رجلين، إذا كان التعديل من القائم بالشهادة.
واختلف إذا كان ذلك بمسألة من القاضي، سأل من حضره بمسألة من
مكشفه، سأل من حضره أو مضى إلى من مسألة.
فقيل: لا يقبل أقل من رجلين، لأنها شهادة (1). وقيل: يقبل واحد؛ لأنه من باب قبول (2) الخبر.
والأول أحسن؛ لأن الناس قد دخلوا فيحتاط للشهادة، واستحسن إذا ثبتت العدالة من اثنين، أن يزيد البحث والكشف فلا يزيده ذلك إلا خيرا وإن ارتاب بأمر توقف وكشف.
فصل [في التجريح والتزكية سرًّا]
التزكية تقبل في السر، واختلف في قبولها علانية، فأجاز ذلك في الكتاب 3. ومنعه عبد الملك بن الماجشون 4. وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية، شيئا مما يعلمون خيفة العداوة، فإذا سئل سرا أخبر بغير ذلك.
وأما الجرح 5 فيقبل سرًا وعلانية، ولا يقبل التعديل بيسير المعاملة 6 والمخالطة، ويقبل ذلك في الجرح من غير مخالطة، فقد يصر به فيطلع منه أو يسمع ما يسقط عدالته، ويحتاج التعديل إلى ثلاثة أوجه: أحدها موضع المعدل من العدالة والمعرفة والبلد، والثاني: المخالطة التي بينه وبين المعدل.
والثالث: صفة الشاهد في التفقه والصدق.12
فأما المعدل فقال سحنون 1: لا يجوز التعديل إلا من المبرز الناقد الفطن، الذي لا يخدع في عقله، ولا يستزل في رأيه 2. وقال ابن كنانة: لا تقبل تزكية 3 الأبله، ولا من يرى تعديل كل مسلم يلزمه 4.
فأما المخالطة فإنه لا يقبل التعديل بيسير المخالطة؛ لأنه محتاج إلى معرفة ظاهره وباطنه، ولا يدرك ذلك إلا بعد طول المخالطة 5؛ لأن شأن الناس تزيين الظاهر 6 وكتمان عيوبه.
قال محمد بن المواز: لا يقبل 7 ذلك حتى تطول المخالطة، ويعلم باطنه كما يعلم ظاهره.
يريد يعلم 8 باطنه في غالب الأمر، ليس على أنه يقطع بذلك.
وقال سحنون: لا يزكي إلا من خالطه في الأخذ والإعطاء، فطالت صحبته إياه في السفر والحضر 9.
قال الشيخ: إذا علم منه بعد المخالطة اجتناب الكذب، واجتناب الكبائر والوفاء بالأمانة، جاز أن يعدله 10، وإذا قال المعدل هو عدل رضى صحت
العدالة.
واختلف إذا اقتصر على إحدى الكلمتين، فقال: عدل.
أو قال: رضى.
هل يكون ذلك تعديلا أم لا؟ والمسألة على وجهين: فإن قال إحدى الكلمتين ولم يسأل عن الأخرى، فهو تعديل؛ لأن العدل ممن يرضى للشهادة، والرضى عدل، وقد ورد القرآن بقبول شهادة من وصف بإحدى الكلمتين، وإن وصفه المعدل بإحدى الكلمتين فسئل عن الأخرى فوقف، كان ذلك ريبة في تعديله، ويسأل عن السبب في وقوفه، فقد يذكر وجها لا يقدح في العدالة ويذكر وجهًا يريب فتوقف عنه.
وقال في كتاب محمد: إذا قال اختبرته وعاملته فما علمت 1 إلا خيرًا، أو قال: إنه لرجل صالح فاضل، وهو ثقة لا يكون ذلك تزكية، حتى يقول: هو عدل، أو أراه عدلا 2.
قال الشيخ: إذا كان المسئول يعلم الوجوه التي تصح بها العدالة وعلم أن السؤال عن هذا الرجل، لتمضى شهادته، فقال ذلك فهي عدالة، وقد أخرج 3 البخاري ذلك 4 في باب العدالة في قول بريرة: (لا أعلم إلا خيرًا) 5. غير أن ضرب المسئول عن قوله عدل، أو رضى إلى هذا اللفظ اليوم ريبة وقد قال كذا 6.
فصل [في من يعدل الشاهد]
التعديل يقبل من جيران الشاهد (1)، وأهل سوقه وأهل محلته، ولا يقبل من غيرهم؛ لأن وقوفهم عن تعديله، مع كونهم أقعد به وأعلم بحاله ريبة في عدالته، فإن لم يكن فيهم عدل قبل من (2) غيرهم من سائر بلده، وإذا ثبتت عدالة (3) الشاهد، ثم شهد بشهادة أخرى، فإن أتى القاضي العلم بفضله وبروزه (4)، لم يكلفه التعديل ثانية، إلا أن يطول ما بين الشهادتين، فيسأل عنه، لإمكان أن يكون حدث منه شيء، كان لم يأته الخبر ببروزه كلف التعديل، وهو قول ابن كنانة وسحنون، وقال سحنون: يكلفه التعديل كما شهد، حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته، فإذا أكثر ذلك وتأكد لم يسأله التزكية في المستقبل (5). وقال مطرف وابن الماجشون: إذا عدل ثم شهد بعد ستة أشهر، فليس عليه استئناف التعديل، إلا أن يغمز فيه بشيء، أو يستراب (6) في أمره (7).
فصل [في شهادة الطارئ مجهول الحال]
العدالة تطلب من الشاهد مع القدرة عليها، فإن كان طارئا وتعذرت1234567
معرفة حاله وموضعه، من العدالة أو الجرح، وكانت شهادته في مداينة أو مبايعة، جرت 1 في الموضع الذي قدم 2 إليه لم تجز شهادته، وإن كانت مع عدم معرفة العدالة، بأمر جرى بين المتنازعين في السفر.
باب في التحريح
1
الجرح يسمع في الرجل المتوسط العدالة، ويسمع في الرجل المبرز في العدالة 2، المعروف بالصلاح والفضل، من باب العداوة أو الهجرة أو القرابة، أو ما أشبه ذلك.
واختلف هل يقبل فيها لجرح من وجه الإسفاه؟ فمنعه أصبغ في كتاب ابن حبيب.
وأجازه سحنون في العتبية، وقال: يمكن الخصم من تجريح الرجل البائن الفضل.
ولم يفرق بين جرحه بالإسفاه ولا غيرها 3.
واختلف بعد القول بقبول تجريحه، ممن يقبل ذلك على أربعة أقوال: فقال سحنون: لا يقبل ذلك إلا من الرجل المبرز في العدالة.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يجرح الشاهد ممن هو مثله وفوقه، ولا يجرح بمن هو دونه، إلا بالعداوة والهجرة، وأما بالإسفاه فلا 4. قال محمد بن عبد الحكم: إذا كان الشاهد بين العدالة، لم يقبل جرحه إلا أن يكونوا معروفن بالعدالة وأعدل منه، ويذكرون ما جرحوه به، فأما ما يثبت بالكشف عنه، فلا يقبل تجريحه لأهل العدالة البينة 5. وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه، بالإسفاه والعداوة 6.
قال الشيخ (1): وهذا أحسن؛ لأن الجرح مما يكتمه الإنسان من نفسه، فيطلع عليه بعض الناس، وهي شهادة وعلم عنده يؤديه، مثل سائر الشهادات، والاستحسان أنه (2) إذا كان الشاهد ليس بالمبرز، قبل جرحه من عدل من غير مراعاة له (3)، هل هو (4) مثله أو دونه؟ وإذا كان مبرزا قبل من مبرز كان أيضا مثله أو دونه.
ويسأل المجرح بماذا جرحه؟ فإذا ذكر وجها لا يمكن أن يخفى مثله عن الناس، ولا يشبه أن ينفرد ذلك بمعرفته، لم يقبل ذلك منه، وإن كان مما يخفى مثله، قبل من مجرحه وقلد ذلك.
فصل [هل يشترط أن يعلم الشاهد أو المشهود له بالمجرح]
ويستحب أن يكون التجريح سًرا ولا يعلن به؛ لأن في ذلك أذى للشاهد، ومن حق الشاهد والمشهود عليه أن يعلما بالمجرح، فقد يكون بينه وبين أحدهما عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة، أو غير ذلك مما يمنع التجريح.
ويختلف إذا كان أحدهما الشاهد أو المشهود له، مما يخاف ويتقى شره، هل يسمى المجرح أم لا؟ فقال سحنون: يعلم بالمجرح، ثم قال: دعني حتى أنظر 5. وقيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سًرا، وقد يقول المجرح أكره عداوة الناس، قال: نعم إذا كانوا عدولا 6.1234
قال الشيخ: قول سحنون أحسن، لفساد قضاة اليوم، ولو كان القاضي العدل المبرز واجتهد في وجوب الكشف، وهل بين الشاهد والمشهود له والمجرح عداوة، أو بين المشهود عليه قرابة، والمجرح (1) مبرز في عدالة، واجتهد في وجوب الكشف (2)، والآخر ممن يخاف متى أعلم، لرأيت ألا يعلم، وهذا (3) من تغليب أحد الضررين، وإذا علم الجرح أنه يعلم به مثل هذا الذي يخاف، لم يجرحه، وقد رأيت من تقبل شهادته، وليس من أهل الشهادة، ولا يجرحون خوفا منهم.
فصل [هل يشترط تفسير الجرح وبيان أسبابه]
اختلف في قبول 4 الجرح جملة، من غير ذكر الوجوه التي يقع بها الجرح، على أربعة أقوال: فقيل: يقبل.
وقيل: لا يقبل 5. قال مطرف وابن الماجشون: إذا كانا ممن يعرف وجوه التجريح لم يكشفا عن غير ذلك، كان الجرح ممن هو ظاهر العدالة، أو ممن حاز بالتعديل 6. وقال أشهب -في المجموعة-: إذا كان الشاهد مشهورا بالعدالة، لم يقبل ذلك حتى يبينوا 7 جرحته ما هي؟ وإن لم يكن مشهورا بالعدالة، وإنما قبل بمن عدله قبل ذلك 8. وقال ابن كنانة: إذا123
كان 1 المجرحان مشهورين بالعدالة، لم يسألا، وإن كانا غير مبرزين فليسألا 2.
قال الشيخ: إن فهم عنهما الوجه الذي جرحا به، وإنه مما 3 لا يختلف فيه 4 أنها جرحة اجتزئ بذلك.
قال ابن شعبان: إذا قال إن ذكرت ذلك خفت أن أؤخذ به، قبل ذلك، أو أنه ساقط الحال مرة قبل.
قال سحنون 5: إذا قال هو رجل سوء غير مقبول الشهادة، هي جرحة ولا يكشفوا عن أكثر من ذلك 6.
قال الشيخ 7 وإن لم يقم 8 أمر بين، كان عليهما أن يذكرا تلك الجرحة، لوجوه:
أحدها: أن كثيرا من الجرح يختلف فيه، فذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك جرحة، وبعضهم إلى أنه 9 ليس بجرحة.
والثاني: أن يكون عند الشاهد من ذلك مخرج، فقد يسمع منه كلمة أو يرى فعلا له فيه تأويل، لا تسقط شهادته معه.
والثالث: أن في ذلك حقا للشاهد، لانتهاك عرضه، وللمشهود له في إسقاط حقه، فكان من حقهما الإعذار إليهما فيما يسقط حرمة هذا (1) وحق هذا وبيان كل وجه يمكن أن يكون لهما فيه منفعة.
فصل [في اختلاف الشهادة]
واختلف إذا اختلفت الشهادة، فعدله رجلان وجرحه رجلان، فقيل: يقضي بأعدلهما.
وقيل: يقضي ببينة التجريح.
قال الشيخ: الحكم في اختلافهما على ثلاثة أوجه 2: يقضي بأعدلهما تارة 3، وتارة بشهادة التجريح، وتارة بآخرهما تاريخا، تجريحا كان أو تعديلا، فإن كان اختلافهما عن مجلس واحد فقالت إحداهما: قال: كذا أو فعله.
وقالت الأخرى: لم يفعله 4 ولم يكن ذلك، أو قالت: كان في المسجد.
وقالت الأخرى: في غير ذلك، مما تسقط به شهادته.
قضي بأعدل البينتن؛ لأنه تكاذب، كل واحدة منهما تكذب الأخرى وإن كانت الشهادتان عن مجلسين مفترقين 5 متقاربين، قضي بشهادة الجرح؛ لأنه مما يخفيه صاحبه، فمتى اطلع من العدل على جرحة، أسقط ما كان عليه من الظاهر أنه عدل، وإن تباعد ما بين المجلسين، قضي بالآخر منهما، فإن تقدمت العدالة قضي بالجرح، وإن تقدم1
الجرح 1 قضي بالعدالة، وأنه انتقل عما كان علمته عليه 2 الأولى، إلا أن يعلم أنه كان في وقت علم منه 3 الجرح، حسن الظاهر حسبما هو عليه الآن، فيقضى بالجرح وإن كان متقدما.
فاعلم ذلك وبالله التوفيق 4.
تم كتاب الأقضية والحمد لله رب العالمين 5
بحمد الله تعالى وحسن عونه وتأييده ويمنه