التبصرة للخميصفحات 1316-1334

كتاب الحج الثالث

صفحات 1316-1334

أشهب، وقال: لا شيء عليهما 1. وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وطاووس وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي مثل ذلك: أن عليه أن يرسله.
قال ابن عمر: وإن ذبحه فعليه جزاؤه.
وقال أصحاب الرأي: إن لم يخل سبيله وباعه؛ فعليه جزاؤه 2. وهو أقيس.
ولا فرق بين الحلال يحرم وفي يده صيد، أو يدخل به الحرم، فإما أن يقال: لا شيء عليه فيهما؛ لأنه ملكه بوجه جائز.
أو يقال عليهما أن يرسلاه؛ لأن تمادي اليد بعد أن صار محرمًا بما عقد من الإحرام، أو بدخوله في الحرم كالابتداء.
وظاهر قول مالك المساواة، وربما فرق بينهما، بأن قال: إن شأن أهل مكة يطول وهم محلون في ديارهم.
وأما المحرم؛ فشأنه الأيام القلائل 3. وقوله في الموطأ غير هذا.
لأنه قال: لا يحل الصيد عند الضرورة، بخلاف الميتة 4. فكيف بمن هو قادر على أن يذبحه في الحل يأكله طريًا إذا أتى من ناحية التنعيم، وأبعده الجعرانة، وليس يتغير فيه.
ويجب على قوله أن يفرق بين المكي والطارئ الذي مقامه أيام حجه وينصرف، فيمنعه لهذا، ويبيحه للمكي.

فصل [في الاصطياد في حرم المدينة]

الاصطياد في حرم المدينة حرام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ" 1. واختلف إن تعدى وصاد، هل فيه جزاء؟ وهل هو ذكي؟ فقال مالك في المدونة: لا جزاء فيه 2. وقال أشهب في كتاب محمد في منع أكله: قال مالك: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه 3. وقال ابن القصار: قال ابن نافع وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: عليه الجزاء.
فعلى هذا يحرم أكله.
وهو أقيس، أن لا يؤكل، وأن 4 فيه الجزاء.

باب الجزاء على من قتل صيدًا عمدًا أو خطأً أو كان سببًا لقتله

الجزاء يجب على المحرم في الصيد إذا كان القتل عمدًا.
واختلف إذا كان خطأ أو سهوًا أو تكرر العمد، فقال مالك وغيره من أصحابه: في جميع ذلك الجزاء 1. وقال محمد بن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد، ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه فيما بعد أول مرة، إلا ما وعد الله في الآخرة، أو يعفو عنه.
قال: وهو نص في كتاب الله تعالى.
وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي ثور: ألا شيء فيما سوى العمد.
واحتج من نصر القول الأول في الناسي بعموم قوله ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ فهو متعمد للقتل، وإن نسي أنه في إحرام أو نسي تحريم ذلك، وفي المخطئ في الدية في الخطأ.
والحجة للقول الآخر: أن الأصل في قتل الصيد عدم الغرم، فلا يجب إلا فيما ورد فيه النص، ولأن مفهوم الآية توعد من أتى ذلك جرأة وقصد الانتهاك؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95].
وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] وهذا من مفهوم الخطاب.
ولا يتوجه مثل ذلك على المخطئ والناسي؛ يتوعد بالانتقام ويذوق وبال أمره.
ولأن الذمة بريئة، فلا يجب فيها شيء إلا بآية أو سنة أو إجماع.
ولأن الآية خرجت مخرج التغليظ والتوعد بالعقوبة، فلم يقس عليه الناسي قياسًا على من أفطر في رمضان؛ لأن

كليهما حق الله تعالى.
ولأنه شرط العمد، فلا يلحق غيره إلا بدليل.
فإن قيل: فقد أوجب الله الكفارة في قتل الخطأ، قيل: وأسقط عن المفطر ناسيًا الكفارة.
فبان بذلك أنه شرع يتبع حيث ورد.

فصل في تَسَبُّبِ المحرم في القتل

1 واختلف إذا لم يقتله المحرم عمدًا ولا خطأ، ولكنه كان سببًا لقتله، هل عليه الجزاء؟ وذلك في سبع مسائل: إحداها: إذا ضرب فسطاطًا، فتعلق بأطنابه صيد، فعطب.
والثاني: إذا فر الصيد لرؤيته، فعطب.
والثالث: إذا نصب شركًا لسبع أو حفر له بئرًا، فعطب فيه صيد.
والرابع: إذا دل على صيد حلالا أو حراما، فقتله.
والخامس: إذا أعان حلالًا أو ناوله سوطًا أو رمحًا، فقتله.
والسادس: إذا أمر غلامه بإرسال صيد، وظن أنه أمره بقتله.
والسابع: إذا قتله في يده حلال.
فقال ابن القاسم فيمن ضرب فسطاطه، فتعلق به صيد، فعطب: لا شيء عليه 2. وذكر ابن الجلاب عنه: أن عليه الجزاء 3. ولا وجه لهذا.
وقال: إن رأى الصيد محرمًا، ففزع منه، ففر 4 فانكسر من غير أن يفعل به شيئًا: عليه

الجزاء 1. وقال أشهب: لا شيء عليه 2. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا شيء عليه، إلا أن يكون من المحرم حركة يفر لها 3. يريد: على حركة الصيد، وأما حركته لشغله فلا، ولا تكون حرمة الصيد أعلى من حرمة آدمي.
ومثل هذا لا يتعلق بفعله عليه شيء لآدمي إن عطب، وكذلك الصيد لا جزاء عليه.
وقال ابن القاسم فيمن نصب شركًا للذئب أو للسباع مخافة على غنمه أو نفسه، فعطب فيه صيد: عليه الجزاء؛ لأن مالكًا قال فيمن حفر في منزله بئرًا لسارق أو عمل شيئًا يتلف به السارق، فوقع فيه غيره: ضمن ديته 4. وقال أشهب: إن كان موضعًا يخاف على الصيد منه؛ فعليه الجزاء، وإلا فلا 5. وهذا أحسن: ألا شيء عليه إذا كان موضعًا لا يخاف علي الصيد منه.
وإن كان يخاف عليه، ونصب ليدفع الذئب أو السبع عن غنمه، أو يدفع السبع عن نفسه، ويقدر على صرفه بغير ذلك: عليه الجزاء.
وإن كان لا يقدر على صرفه إلا بذلك؛ كان عليه الجزاء على أصل مالك فيمن اضطر إلى الصيد: أنه يأكل الميتة، فإذا لم يبح ذلك له في صيانة نفسه؛ لم يجز في صيانة المال.
وأرى أن يمنع إن خشي تلف الشاة والشاتين، وإن كان يخشى تلف الشيء الكثير؛ جاز أن ينصب لتغليب أحد الضررين.
وقال مالك: إن دل

المحرم حلالًا أو حرامًا على صيد، فقتله المدلول؛ فليستغفر الله الذي دله، ولا شيء عليه 1. وقال في كتاب محمد: إن دل حرامًا أو حلالًا، وأعانه بأن ناوله سوطًا أو عصًا أو قوسًا؛ فهو آثم، لا جزاء عليه.
وقال عبد الملك لا شيء على الدال وإن كان محرمًا ودل حلالًا أو حرامًا.
وقال أشهب: إن دل حرامًا فقتله؛ فعلى كل واحد جزاء.
وإن دل حلالًا فقتل؛ فليستغفر الله، ولا شيء عليه، وكذلك إن ناوله سوطًا 2. وذكر ابن شعبان عن ابن وهب: إن دل محرم حلالًا؛ فداه أحب إليَّ.
وقال أشهب: يفديه.
وهو قول الليث وعطاء.
قال ابن وهب: وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه -. وقال مالك فيمن أمر غلامه أن يرسل صيدًا كان في يده، فظن أنه قال: اذبحه، فذبحه: على سيده الجزاء.
وعلى العبد إن كان محرمًا الجزاء، ولا يضع عنه خطؤه الجزاء.
قال: ولو أطاعه فذبحه؛ كان عليهما الجزاء 3. والقياس: ألا شيء على السيّد، كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد، وليس من السيد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. فإن أمره فذبحه كان على السيد جزاؤه؛ لأن العبد مع سيده في معنى المكره.
وإن لم يكرهه؛ وعلى العبد جزاءً آخر إن كان حرامًا.
وقال في المحرم بيده صيد، فأمسكه لمن قتله: عليه الجزاء.
وعلى القاتل إن كان حرامًا جزاء آخر.
وإن كان حلالًا فلا

شيء عليه.
وإن لم يمسكه له وإنما أمسكه ليرسله، فإن كان القاتل حرامًا كان الجزاء على القاتل وحده.
وإن كان حلالًا كان على الممسك الجزاء.
والقياس: ألا شيء عليه؛ لأن القتل من غيره؛ لأنه لم يتعد إذا كان 1 أمسكه ليرسله.
وإن لم يرد إرساله كان عليه الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في إمساكه.
وإن نازعه فيه محرم، فمات بينهما؛ كان على كل واحد منهما جزاء.
وإن نازعه حلال؛ كان على من كان بيده الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في منازعته له، وقد كان عليه أن يمكنه منه فيرسله.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان قتله في يده حلال في الحرم؛ كان على كل واحد الجزاء، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته، والجزاء على المحرم وحده 2. قال محمد: على القاتل القيمة ما لم يكن أكثر من الجزاء، فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول كنت أقدر على السلامة بإطلاقه، فعليك ما أدخلت عليّ بقتله 3. وليس هذا قول أشهب، وقد تقدم قول أشهب في العتبية: أنه إن ذبحه بعد ما حل وأكله فلا شيء عليه 4. وإنما احتج أشهب في هذا لقول بعض أهل العلم: أن له أن يمسكه الآن، وبعد أن يحل.
وإن كان إنما يتبعه لأجل ما أدخله فيه؛ لم يرجع إلا بالجزاء قل أو كثر.
وقد ذهب مالك وابن القاسم في هذا السؤال وفي غيره، في الجماعة تجتمع على قتل صيد: أن على كل واحد منهم الجزاء كاملًا 5. قياسًا على الكفارة في قتل الخطأ إذا قتل جماعة رجلًا: أن على كل

واحد الكفارة كاملة.
وقال بعض أهل العلم: على جميعهم جزاء واحد؛ لأن كفارة هذا ديته فأشبه الدية في قتل الخطأ.

فصل [في إرسال المحرم صيدًا]

وإن أخذ المحرم صيدًا في الحل، وأرسله في الحرم في موضع يعيش فيه؛ فلا شيء عليه.
قال أشهب: وإن أخذ صيدًا من الحرم، فسرحه في الحل، فإن كان مما ينجو بنفسه فلا شيء عليه، وإن كان مما لا ينجو بنفسه فعليه الجزاء 1. ومن رمى من الحل صيدًا في الحرم فقتل لم يأكل، وعليه الجزاء 2. واختلف إذا رمى من الحرم صيدًا في الحل، فقال مالك وابن القاسم: عليه الجزاء 3. وقال أشهب وابن الماجشون: لا جزاء عليه، ويؤكل 4 قال ابن القاسم: وكذلك، إن رمى من الحل صيدًا في الحل، ومر السهم بالحرم؛ لم يؤكل، وعليه الجزاء 5. وقال أشهب: يؤكل، ولا جزاء عليه.
وكذلك، إن أرسل كلبه؛ فهو في هذا بمنزلة من أرسل سهمه، ولا جزاء في جميع 6 ذلك 7. وأن يؤكل أحسن؛ لأن المنع لما يكون من الصيد في الحرم ليس مما

يكون في الحل.
وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فأتبعه حتى قتله في الحرم؛ لم يؤكل.
ولا جزاء عليه إن أرسله على بُعْدٍ مِنَ الحَرَم، وإن كان قريبًا فعليه الجزاء 1. وكذلك إن أدخله الحرم ثم أخرجه فقتله، فهو بمنزلة ما لو قتله في الحرم؛ لأنه قد كان له الأمن لما دخل.
ولم يؤكل بحال، ويفترق الجواب في الجزاء.
قال: إن أرسله عن قرب كان عليه الجزاء، وإلا فلا.
واختلف فيما قرب من الحرم، هل له حكم الحرم؟ فرأى مالك وابن القاسم القرب والبعد سواء 2. فإن أرسل قرب الحرم فأخذ فيه قبل أن يدخل الحرم- أكل، ولا شيء عليه.
وقيل: له حكم الحرم؛ فلا يؤكل، وعليه الجزاء.
وإن أرسل على بعد من الحرم؛ فأخذه بقرب الحرم؛ لم يؤكل، ولا جزاء عليه.
والأول أحسن، وإنما تتعلق الأحكام بالحرم، فأما حلال في حل فلا.
ومن رمى صيدًا من الحل والصيد في الحل، ثم تحامل فمات في الحرم، فإن أنفذت مقاتله في الحل كل 3. واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل 4. وقال أصبغ في كتاب محمد: لا يؤكل، ولا جزاء عليه 5. وقول أشهب أبين؛ لأن موته كان من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلًا، وليس بمنزلة من

ضرب رجلًا فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر.
فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين، وهذه ضربة واحدة، وهي التي قتلت.
واختلف فيمن أرسل على ذئب في الحرم، فأخذ صيدًا، فقال ابن القاسم: عليه الجزاء.
وقال أشهب: لا جزاء عليه (1). وهذا أبين، ولو لزم من أرسل على ذئب في الحرم الجزاء للزم المحرم إذا أرسل على ذئب في الحل (2)، فأخذ صيدًا؛ لأنه غرر أيضًا على قوله.
وإنما أرسل هذا على ما رأى، والشأن أن الكلب إنما يأخذ ما أرسل عليه.

فصل [في جرح المحرم الصيد]

وإذا جرح المحرم صيدًا ثم نجا بنفسه، فإن أنفذ مقاتله؛ كان له حكم الميت، وفيه الجزاء.
وإن أصاب منه موضعًا الغالب حياته؛ لم يجب جزاؤه.
وإن أشكل أمره لاحتمال حال الجرح، أو لأنه لا يعلم كيف كان؛ ففيه قولان: فقال محمد: عليه الجزاء 3. ولم يعتبر صفة الجرح.
وفي المدونة قال مالك: من جرح صيدًا وهو محرم، فغاب الصيد وهو مجروح؛ فعليه الجزاء كاملًا 4. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أصابه ما يموت به فليوده، وإلا لم يوده 5. وهذا أقيس؛ لأن الأصل براءة الذمة، وأنه على الحياة حتى يثبت هلاكه.
والأول استحسان، وأخذ بالأحوط.12

ويستحب أن يؤخر الجزاء؛ لإمكان أن يكون لم يعجل له الموت.
فإن أخرج جزاءه فرآه حيًا بعد طول، وما يرى أنه كان يموت منه لم يبق تلك المدة؛ لم يكن عليه شيء.
وإن كان ذلك بقرب، ولم يرتفع الشك؛ استحسن له أن يخرجه بعد أن يمهل، ولا يعجل بذلك.
واختلف إذا علمت حياته، وكان قد أبان له عضوًا، أو شأنه فقال ابن القاسم في المدونة لا شيء عليه 1. وقال في كتاب محمد: عليه ما نقصه 2. وقاله أشهب.
وهو أحسن؛ لأنه منهي عن أن يصيبه بأذى وغيره، وقد جعل الله عقوبة من أتلف النفس الجزاء أو القيمة، فيقاس تلف الأعضاء عليه، فيغرم قيمة ما أتلف أو أفسد.
وقال مالك في محرم صاد طيرًا فنتفه، ثم حبسه حتى انسل فطار: فلا شيء عليه 3. قال محمد: يضعه في موضع ينسل فيه، ثم عليه جزاؤه 4. وقال ابن حبيب: يحبسه حتى يعود ريشه, ثم يرسله, ويطعم مسكينًا، فإن غاب قبل أن ينسل وخيف عطبه؛ فليوده 5. ويختلف على هذا إذا جرح صيدًا فلم يستطع النجاة، هل يحبسه حتى يبرأ، أو يرسله ويغرم جزاءه؟ فمان حبسه لم يغرم الآن شيئًا.
فإن رئ بغير شين؛ فلا شيء عليه.
وإن بقي به شين؛ غرم ما نقصه.

باب في الحكمين في الصيد وأصناف الجزاء وحكم جنين الصيد وبيضه وأين تخرج الكفارة

1 وقال مالك في الحكمين في الجزاء: يكونان عدلين فقيهين 2. يريد: فقيهين بما يحتاج إليه من ذلك.
فإن اختلفا لم يأخذ بقول أرفعهما، وابتدأ الحكم غيرهما.
قال في كتاب محمد: وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما 3. وجعله بمنزلة من أخرج الجزاء بقول واحد.
وإن اتفقا على خطأ بين، فحكما بما فيه بدنة أو بقرة بشاة؛ نقض حكمهما، وإن أخرج على ما حكما به لم يجزه.
وإن حكما بما فيه شاة ببدنة أو بقرة لم يجزه 4. والاستحسان أن يجزئ؛ لأنه أتى بما هو أفضل قطعًا.
وإن حكما بما فيه الطعام بالنعم لم يجزه.
وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من النعم ففعلا، ثم أراد أن ينتقل إلى الطعام؛ جاز 5. وقال ابن

شعبان: ذلك له قبل أن يحكما، فإن حكما له لم يرد الحكم 1. والأول أحسن؛ لأن الإيجاب إلى الذي أصاب الصيد، وليس رضاه مما يسقط التخيير الذي جعله الله تعالى.
والكفارة ثلاثة أصناف حسب ما جاء في كتاب الله -عز وجل- ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ...﴾ الآية [المائد: 95].
فالأولى النظير من النعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
قال مالك: ولا يجزئه في ذلك إلا ما يجوز في الهدي؛ الثني فصاعدًا، إلا الضأن فإن جذعها يجزئ 2. فإن لم يكن له نظير من النعم، أو كان وأحب أن يخرج الإطعام؛ أخرج قيمته بالموضع الذي أصابه فيه إن أصابه في عمارة، وإلا فأقرب موضع من العمارة ويقوم بالطعام من عيش ذلك الموضع.
وإن قوم بالدراهم، ثم اشترى به طعامًا أجزأه.
ويُقوّم على هيئته من الصغر والكبر على المستحسن من القول، ولا يراعى عند مالك الجمال ولا الفراهية 3. ويطعم على نحو ما يفعل في الكفارات: كل مسكين الوسط من الغداء أو العشاء.
وإن كان عيشهم القمح، وكان المد الوسط عندهم فهو.
وإن كان عيشهم الشعير أو التمر؛ قوم به، وأطعم كل مسكين الوسط مما 4 يكون غداء وعشاء.
صان أحب الصيام؛ لم يصم على عدد الأمداد، وإنما يراعى أعداد المساكين، فيصوم على عددهم، ويصوم على كسر المد يومًا.
والإطعام عن قيمة الصيد نفسه وليس عن قيمة نظيره من النعم وكذلك الصوم وهو عن الإطعام الذي هو قيمة الصيد.

وموضع القضاء في هذه الثلاثة مختلف، فموضع النظير من النعم مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وموضع الإطعام حيث أصاب الصيد وما يقاربه.
والصوم بحيث أحب من البلاد، إلا على القول أن الكفارة على الفور؛ فيؤمر أن يأتي به هناك، ولا يؤخره.
فإن تعدى وأخره؛ صام بحيث هو، ولا يرجع لأجله.
ويفتقر إلى الحكمين في فصلين هما: الجزاء من النعم، والإطعام.
فإن حكما بالإطعام وقدر ما يستحقه كل مسكين؛ لم يفتقر في الصوم إلى حكمين، وهو يصوم عن كل مسكين يومًا.
واختلف في هذه الجملة في أسنان النظير من النعم وفي موضع نحره.
وفي صفة القيمة إذا قوم بالطعام وكان صغيرًا هل يقوم لو كان كبيرًا أو ينظر ما يشبع لحمه، وفي جنين الصيد إذا خرج حيًا ولم يصرخ، وفي بيض الصيد إذا لم يكن فيه فرخ، وفي إفساد وَكْرِه إذا لم يهلك البيض.
وإذا أخرج القيمة بغير الموضع الذي قوم فيه، وفي قدر ما يغرمه عن الذر والنمل، وهل يحتاج في مثل ذلك إلى حكمين؟.
فأجاز عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنه -، وعطاء وغيرهم ما دون الثني من غير الضأن.
وذكر ذلك في الموطأ عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قضى في الغزال بعنزة، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة 1. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: في الأرنب حمل.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - وعطاء: في اليربوع جفرة 2.

وقال مجاهد: سخلة 1. وهذا لقول الله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95] فمن أوجب فوق ذلك كان مخالفًا للنص.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن حكما بمثل ما قضى به عمر مضى.
قال: ولا أقول في شيء قضى به عمر أنه يرد.
وقال مالك مثل ذلك في غير ما موضع، أنه إن قضى قاض بمختلف فيه؛ مضى، ولم يُرَدَّ وإن خالف رأيه.
وأما موضع نحره؛ فهو مخّير عند مالك بين أن ينحره بمكة, وإن شاء نحره بمنى إن كان ساقه في حج.
وقال أيضًا في الصيد: يقوم بطعام على حاله التي كان عليها حين أصابه وهو حي، وهو ظاهر قوله: إن قوم بدراهم 2. وقال محمد: يقوم إذا كان صغيرًا أو كان كبيرًا.
وذكر ابن اللباد رواية: أنه يطعم قدرما يشبع لحم الصيد.
وهذا مثل قول مالك في المدونة أنه: يقوم على قدره، ولا يقوم غيره (3). وهو أحسن؛ بقوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95].
فلا يلزمه أكثر منه, وليس مثل الدية؛ لأن تلك ورد الأمر فيها على التساوي بين الصغير والكبير.
وجعل الصيد موكولًا إلى النظير من النعم والقيم على الأصل، وفي الغرم على المتلفات، وهو إذا أخرج القيمة من الطعام أبين أن يخرج قيمته على صغره؛ لأن التعلق إذا أخرج النظير من النعم شبهه 3 لأجل الهدايا، ولا يعلق في القيمة = الحج، برقم (858).

بالطعام والدراهم أن يغرم فوق ما أتلف.
ويختلف إذا أخرج الطعام بغير الموضع الذي صاد فيه الصيد، فمنعه في المدونة، وقال: يحكم عليه بالمدينة، ويطعم بمصر!.
قال محمد: إن حكم عليه بمصر، فأطعم في المدينة؛ أجزأه حيثما كان (1). وأرى إن حكم عليه بدراهم، فاشترى بها بسعر الموضع الذي هو فيه؛ أجزأه، كان أرخص من الموضع الذي أصاب فيه الصيد أو أغلى.
وإن حكم عليه بطعام؛ لم يجزه أن يخرجه بموضع هو أرخص، ويجزئه إن كان أغلى كما قال محمد (2).

فصل [في نوع الصيد

3] وكل صيد يصح أن يخرج عنه القيمة بالطعام، يفترق في النظير من النعم على ثلاثة أوجه: فمنه ما له نظير في الخلقة والقدر.
ومنه ما يوافق في القدر دون الخلقة.
ومنه ما لا يوافق في الوجهين جميعًا، إما لصغر الصيد أو لعظمه.
فالأول: بقر الوحش: الجزاء عنه من البقر الإنسي.
وهذا موافق له في الخلق؛ فيخرج من الإنسي مثله في القدر، ما لم يكن الأول صغيرًا، فيرجع إلى الخلاف المتقدم.
والثاني: حمر الوحش: له نظير في القدر دون الخلقة، وهي البقر.
وكذلك12

والإيل.
واختلف الناس في النعامة، فقال محمد في كتابه: سمعت فيها بدنة.
وقال بعض أهل العلم: قيمة.
لأنها عنده لا يقارب خلق البقر، ولا يبلغ الإبل.
والجزاء عن الضبع والثعلب والظبي- من الغنم، فقال عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي عنز 1. لأن الظباء معز الوحش، فيجري في نظيرها من الإنس.
والثالث: الأرنب والضب واليربوع؛ لا نظير له لصغره، فيخرج عنه طعامًا، إلا على قول عمر ومن وافقه.
وكذلك إذا لم يكن له نظير لكبره كالفيل.
فقيل: يخرج عنه بدنة.
وليس بحسن؛ لأنها دونه.
وأرى أن يخرج قيمته طعامًا، أو قيمة ما يشبع لحمه طعامًا على القول الآخر.
ولا فرق بين عدم النظير لصغر الصيد أو لكبره، ويصح أن يخرج عن النظير من النعم إذا كان ذلك نظيره في القدر، ونقل عثمان - رضي الله عنه - الحكم في حمام مكة، فجعل فيه شاة 2. قال عبد الملك في كتاب محمد: فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
قال: وبذلك قال مالك، وليس مما يجوز فيه الصدقة، وإنما هو تغليظ من عثمان.
فنقل الحكم فيه في ثلاثة مواضع، أسقط التخيير، وجعل فيه شاة.
فإن لم يجدة فصيام عشرة أيام كالمتمتع، ولا يحتاج على قوله إلى حكمين.

وفي بيضةٍ عُشْرُ شاة، فإن لم يجدها صام يومًا مكانه (1)، وهو عُشْرُ الصيام كما أن الجزاء عنها بعشر الشاة.
واختلف في حمام الحرم، فقال في المدونة: فيه شاة (2). وفي كتاب محمد: فيه حكومة؛ لأن الأصل فيه وفي حمام مكة حكومة (3). فغلظ الحكم في حمام مكة لكثرتها واستئمانها؛ لئلا تسرع إليها أيدي الناس، فعلى القول الأول يخرج شاة بغير تحكيم (4)، وعلى القول بالقيمة: يحتاج إلى حكمين.
وقال في الدبسي والقُمري يصاد بمكة: إن كان عند الناس من الحمام؛ ففيه شاة (5). وأرى هذا إذا كثرت بالمكان، وإلا كان فيها حكومة.
ويبقى على الأصل في موجبها بالقرآن.

فصل [فى دية الجنين]

ودية الجنين: عشر دية أمه ما لم يستهل صارخًا 6، فيختلف هل يكون ما يكون في الكبير أو يقوم على حاله.
واختلف إذا تحرك بعد الخروج ولم يستهل صارخًا، فجعل ابن القاسم فيه عشر دية أمه.
وقال أشهب: فيه ديته بخلاف الآدميين.
واختلف في البيض على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: فيه عشر دية الأم،12345

كان فيه فرخ أو لم يكن (1). وقال أبو مصعب: في بيضة النعامة عشر قيمتها إن كان فيها فرخ، فإن لم يكن فصيام يوم.
وقال ابن نافع في العتبية: يصوم يومًا (2). ولم يراع هل فيها فرخ أم لا.
ويلزم مثل ذلك في الجنين.
وهذا نحو الاختلاف في جنين الأمة، هل فيه عشر قيمتها أو ما نقصها؟ وقال في كتاب محمد في جنين البهيمة: ما نقصها.

فصل [فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها]

وقال مالك فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها: يتصدق بشيء من طعام 3، قال في كتاب محمد: قبضة من طعام.
قال محمد: بحكومة، فإن أخرجت بغير حكومة؛ أعاد 4. فجعل هذه داخلة في النهي عن قتل الصيد، ويفتقر إلى الحكمين.
واختلف عن مالك في البراغيث، فقال مرة: يطعم عنها.
وقال أيضًا: لا يطعم عنها.
قال: بخلاف القمل 5. تم كتاب الحج الثالث والحمد لله وحده12

جارٍ التحميل