كتاب الأشربة
ذكر الله -عز وجل- الخمرَ في أربعة مواضع من كتابه:
بالإباحة، وبما يتضمَّن الكراهيةَ، والتحريمَ في وقتٍ دون وقتٍ، وبالتحريم جملةً من غير تخصيص لوقت.
فالأول: قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ.
. .﴾، ثم قال تعالى 1 ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 66، 67].
والثاني: قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219].
والثالث: قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].
والرابع: قوله -عز وجل-: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] الآيتين 2.
فتضمّنت الآية الأولى 3 الإباحة لوجوه:
أحدها: أنَّ القصد بها وبما قبلها من قوله سبحانه: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ
الجزء: 4 - الصفحة: 1609
فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5].
وما بعدها إلى قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: 81].
بيان نعمه عندنا، وما مَنَّ به وسخَّره لنا 4 وأباحه؛ فلم يدخل في ذلك 5 ما حرَّمه علينا، ومنعنا منه.
والثَّاني: أنَّه قرنه بالألبان، وعطفه عليها.
والثالث: أن 6 الآية مكية، وأجمع النَّاس على أنها كانت حلالًا بالمدينة ثُمَّ حُرِّمت، وأنها لم تكن محرَّمة ثم أُحِلَّت ثم حُرِّمت؛ فبان بهذا أن السكر منها لم يكن محرمًا، وأن هذا هو الصحيح من القول.
وقد اختُلِفَ في ذلك: فقيل: السَّكر: الخمر.
وقيل: النبيذ.
وقيل: ما كان شربه حلالًا كالنبيذ والخلِّ.
والصحيح: أنه ما يسكره، وقد عقلت العرب السُّكرَ ما هو، وبيَّن ذلك قول الله سبحانه ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ" 7. ولا حاجة بنا إلى حمل الآية على غير ظاهرها لما قررناه من أنَّ الآية مكيَّةٌ، وأنَّ الخمرَ لم تكن محرَّمة حينئذ، وإنما يحتاج إلى الخروج عند ذلك لو كان نزولها بعد آية المائدة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1610
وتضمَّنت الآيةُ الثانيةُ الإباحةَ؛ لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25].
قيل: المنافع: التلذذ بشربها، وأخذ الأثمان في بيعها، والربح لمن تجر بها.
وتضمنت الكراهةَ، وأنَّ الترك أولى، بقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219].
قيل: هو ما يدخل على من شربها مما هو مذكور في الآية الأخرى من العداوة والبغضاء، وتَصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ولم يحمل على التحريم وإن أدت إلى ذلك، ولا يجتمع التحريم والتحليل معًا بأمر واحد.
وتضمَّنت الآيةُ الثالثةُ إباحةَ الشرب دون السكر 8، ومنع الشرب الذي يسكر في وقتٍ يعلم أنَّه إذا أتى وقتُ الصلاة كان سكرانًا ولم يذهب ذلك عنه، وإذا كان بعيدًا من وقت الصلاة يعلم أنَّه يذهب عنه قبل وقت الصلاة 9 - لم يحرم، وقد كان الخطاب بالآية وإعلام الصحابة لها حين نزولها وهم عقلاء غير سكارى، وخوطبوا بما يفعلونه بعد ذلك.
وتضمَّنت الآية الرابعةُ تحريمها جملةً من غير تخصيصٍ لوقتٍ، قال -عز وجل-: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90، 91].
الجزء: 4 - الصفحة: 1611
فتضمنت التحريم من وجوه ثلاثة:
أحدها: المساواة بينها وبين الأنصاب التي كانت تُعْبَد، وهي محرَّمة بالإجماع؛ فكذلك الخمر.
والثَّاني: تسميةُ جميع ذلك رجزا، فعمَّها بهذا الاسم، ومخرج ذلك مخرج التعليل، وقد أخبر تعالى أن الرِّجْزَ مُحَرَّمٌ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: 145]
وقال: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]
والثَّالث: قوله -عز وجل-: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والنَّهي من الله -عز وجل- على الوجوب حتَّى يقومَ دليلُ النَّدب.
فصل [في أنواع الأشربة]
الأشربةُ أربعٌ: محرمٌ، وهو المسكر.
وحلالٌ، وهو ما لا يسكر، ولا صار إلى حالة يُشَكُّ في سكره، ولم يُصنع على صفةٍ يُسرع إليها السكر.
ومختلف فيه بالمنع والكراهية، وهو ما صنع على صفة يسرع إليها السكر 10 كالخليطين من البُسر 11 والتمر وغيرهما، مما يكون كل واحد منهما خمرًا بانفراده.
الجزء: 4 - الصفحة: 1612
ومختلفٌ فيه: هل هو حكم الخليطين أو جائز؟ وهو أن يجعل في النبيذ ما يسرع به، ولا يكون بانفراده مسكرًا، مثل: عكر النبيذ 12 والتُّرْبَة، وما يكون الإسراع من الوعاء: كالدُّبّاء 13 والمُزفَّت 14، وكالخليطين من الخلِّ، وما 15 يصنع للخلِّ.
والمُسكر على وجهين: مجمعٌ على تحريمه، ومختلفٌ فيه: فالأوَّل: عصير العنب، والثَّاني: مطبوخه، وعصير غيره ومطبوخه.
فقول مالك وجميع 16 أصحابه 17، والشافعيّ وأصحابه أنَّ جميع ذلك حرامٌ 18.
وهو قول الصحابة - رضي الله عنهم - والصدرِ الأوَّلِ، قال القاضي أبو الحسن ابن القصار: هو قول عمر، وعليّ، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة.
وهذا هو الصحيح من القول، لورود النصِّ، ولوقوع اسم الخمر عليه، ولأنَّه إجماع الصحابة، وللعلة الجامعة بينه وبين الخمر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1613
والمجمع عليه بالنص قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ" 19. وقال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" وسئل عن المِزْرِ يُعْمَل من الشعير والبِتْع يُعْمَل من العسل فقال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" 20.
وقد كان السبب في جوابه - صلى الله عليه وسلم - السؤال عن الأجناس التي تسكر، لا عن القَدْر من القلة والكثرة.
وهذه الأحاديث أخرجها مسلمٌ في صحيحه، ووافقه في الحديث الآخر البخاريُّ والموطأ 21.
وقال أنس - رضي الله عنه -: حرمت الخمر، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خمرنا البُسْرُ والتمر.
وقال أيضًا: إِنَّ الخُمْرَ حُرِّمَتْ، وَمَا كانَت لنا خَمْر غَيْر فَضِيخكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخ، وَإِنِّي لقَائِمِ أَسْقِيها أَبَا طَلْحَة وَأَبَا أَيُّوب وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ إِذْ جَاءَ رَجُل وَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمْ الخَبَر؟ فَقُلْنَا: لَا.
فَقَالَ: إِنَّ الخَمْر حُرِّمْت، فَقَالَ: يَا أَنَس، أَرِقْ هَذ الْقِلَال، فَمَا رَاجَعُوا 22 فِيهَا، وَلا سَأَلُوا عَنْهَا.
اجتمع على هذا الحديث الموطأ والبخاري
الجزء: 4 - الصفحة: 1614
ومسلم 23. وإن اختلفتْ ألفاظُه فالمعنى فيه واحدٌ، وقد اجتمعتْ هذه الأحاديث عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ذُكِرَ من الصحابة - رضي الله عنهم -: على أن هذه الأشياء يقع عليها اسم الخمر، وامتثلوا إراقته بمجرد النَّهي عن الخمر.
وثبت عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نهى عن أَنْ يُنْتبَذ الزَّهْوُ 24 وَالتَّمْرُ جَمِيعًا 25.
ولم يختلف أن ذلك خيفة أن يسكر، فلو كان يجوز شربُ قليله لمَا منع أن يُنبذا، ولأجاز أن يُنبذا جميعًا، ثم يشرب منهما بعد أن يصير مسكرًا قليلًا قليلًا وقتا بعد وقت 26. وفي البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خَطَبَ على المنبر، فقال: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالحنْطَةِ وَالشَّعِير وَالْعَسَلِ، وَالخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ 27.
الجزء: 4 - الصفحة: 1615
يريد: أن الخمرَ كانت في عهد النَّبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخمسة، فكانت عامة خمورهم من التمر، ومن العنب قليلًا، وباليمن من الحنطة والشعير ومن العسل وهو البتع.
ثم قال: "وَالخمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ".
يريد: أنَّه ليس بمقصور على هذه الخمس التي كانت، وأن العلة الشدة، وما يخامر العقل.
ولم يختلف أن عصير العنب قبل الشدة، وبعد أن اشتد، ثُمَّ تزول عنه الشدة، فيصير خلًّا حلال، وأن تحريمه فيما (1) بين هذين إنما كان لوجود الشدة.
فإذا كان التحريم معلَّقًا فيما يكون من العنب بوجود الشدَّة، وساقط بعدهما- وجب أن يلحق به كلَّما وجدت له الشدَّة؛ لأنها علة التحريم ووجود الحكم.
فصل [في صفة ما يحل من الأشربة]
كلُّ شراب ليس بمسكر، ولم يصنع على صفةٍ يسرع إليها الإسكار، ولا صار إلى حالة يشك فيه: هل يسكر أم لا حلالٌ.
ولا خلاف في ذلك، ثُمَّ هو فيما يندب إليه من تعجيل شربه وتأخيره مختلف: فإن لم تمسَّه 29 النَّارُ فإنه يستحب ألا يؤخَّر عن ثلاثة أيام من يوم انتباذه؛ لحديث ابن عباس، قال: "كَانَ رَسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ اليَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِث، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ".
أخرجه28
الجزء: 4 - الصفحة: 1616
مسلم 30. وقد روي عنه أنه كان يهريقه في دون هذه المدة.
ويعتبر في ذلك النبيذ في نفسه والوقت الذي ينتبذ أو ينقع فيه، فليس فضيخ 31 البُسْر كالتَّمر، ولا التَّمر كالعنب، ولا العنب كالزّبيب، ولا الصيف فيما يخشى منه السكر كالشتاء والربيع، وإنما يراعى كل واحد منهما في نفسه، فإذا كان الغالب من مثل ذلك النبيذ أو النقيع في مثل ذلك الزمن وتلك المدة أنه لا يسكر، ولا صار إلى حالة يشك فيه- حلال.
وإن مستْه النَّار ولم يبالغ في صنعته، وكان يخشى منه أن يكون مسكرًا- نُظِر أيضًا إلى الحالة التي يؤمن ذلك فيها في ذلك الوقت.
واختُلِفَ إذا غلا؛ فلم يمنع ذلك في الكتاب، ولا كرهه، وقال: حده ما لم يسكر 32. وقال ابن حبيب: كرهه بعض الصحابة إذا غلا 33.
وهو أحسن، وليس القول: إن حدَّه ما لم يسكر؛ بالبيّن، إذا كان لا يعرف ذلك إلا بالاختبار؛ لأنه لا يدري في وقت الاختبار: هل يشرب حلالًا أو حرامًا؟ إلا أن يقدر على معرفة ذلك بدلائل من غير شرب، وإن بُولغ في طبخه حتَّى صار إلى أن يؤمن السكر منه- جاز شربه وإن طالت المدة.
واختُلِفَ: هل له حَدٌّ يؤمن ذلك منه إذا بلغه؟
فقيل: إذا ذهب ثلثاه، وبقي الثلث- فإنَّه لا يسكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 1617
وقال مالك: حدّه إذا طبخ فلم يسكر، قال ابن القاسم: ولم يلتفت إلى ثلثين من ثلث 34.
وقال ابن حبيب: لا يجوز إلا باجتماع وجهين:
أن يذهب ثلثاه في الطبخ، ويوقن أنّه لا يسكر.
وقال محمد: أكثر ما يعرف من العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه إلا ثُخِن وخلَّ، ولم يسكر 35. قال: وليس ذلك في كل عصير، ولا في كل بلد 36.
قال الشيخ: وهذا كالأوَّل، أنَّه إن كان هناك علامة يعلم 37 بها من غير شرب، وليس أن يجرب في الشرب، وقول محمد: إنَّه ليس ذلك في كل عصير ولا في كل بلد- أحسن 38؛ لأنَّ الأعناب تختلف، وبعضُها أكثرُ عسلية وأقوى، وبعضها قليل العسل، وبلدان حارة فهي تزيد في حفظه وتقويته، وبلدان باردة فيحلله 39 الهواء مع البقاء.
وهذا في عصير العنب.
وأمَّا الزبيب والتمر فيجتهد فيهما أيضًا، وليس يحدّ بثلث ولا غيره؛ لأنَّ الذي تكلَّم عليه القومُ 40 عصير العنب الذي الماء فيه مخلوق، وإنما يقع التبعيض 41 بالنار من الماء المخلوق فيه، وهذا يلقى عليه الماء
الجزء: 4 - الصفحة: 1618
فينظر إلى العادة في مثله على قدر الماء الذي يضاف إليه، ومثل هذه الأشربة التي تعمل من السكر للأدوية، وقد جرت عادة عند الذين يعملونها أنها (1) إذا بلغت حدًّا أُمِن عليها إذا بقيت أن تسكر.
فصل [في الأنبذة المنهي عنها]
ثبت عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - "أنَّه نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا" 43، وفي حديث آخر: "أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَالزَّهْو وَالرُّطَبُ جَمِيعًا" 44. فتضمَّن هذا الحديث منع الجمع بينهما، وإن كان يشرب بالحضرة.
وفي كتاب مسلم، قال 45: "مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ، فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، أَوْ تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا" 46. فالبُسْرُ والرطب والتمر والعنب والزبيب والعسل لا يجمع منها اثنان في الانتباذ؛ لأن ذلك مما يسرع بالسكر.
واختُلِفَ: هل ترك ذلك واجبٌ ويعاقب إذا فَعَل، أو مستحبٌّ ولا شيء عليه؟42
الجزء: 4 - الصفحة: 1619
فقال محمد في كتاب الحدود: إنا لنرى فيما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخليطين وغيره من الأنبذة الأدب الموجع لمن عرف ذلك وارتكب النهي تعمدًا 47.
وقال أبو محمد عبد الوهاب وغيره: إن خلط فقد أساء، وإن لم تحدث الشدة المطربة؛ جاز شربه 48.
واختلف في عكر النبيذ والتربة والعجين والدقيق والسَّوِيق وما أشبه ذلك مما يسرع في السكر، فأراد رجلٌ أن يجعله في نبيذه، فأجازه مالكٌ مرة 49، ومنعه أخرى، وبإجازته أخذ ابن القاسم 50.
والمنع أولى، وإليه رجع مالكٌ؛ لأنَّ ذلك الذي 51 يجعل في النبيذ وإن لم يكن نبيذًا بانفراده، فإنه أمنع 52 للعلة الجامعة، وهو الإسراع.
وإن صنع القمح على صفةٍ إن تُرِك صار منه مسكرًا لم يخلط بنبيذ الزبيب والتمر قولًا واحدًا.
قال ابن القاسم: ولا يخلط العسل بنبيذه فيشرب 53.
ورآه 54 بمنزلة الخليطين من التمر والزهو، ولا يجوز على هذا أن يلقى
الجزء: 4 - الصفحة: 1620
التمر في نبيذ التمر ولا الزبيب في نبيذ الزبيب.
قال: ولا بأس أن يأكل الخبز بالنبيذ.
وكره أن ينقع الخبز في النبيذ أيامًا ثم يشربه، كما كره أن تجعل الجذيذة 55 في النبيذ 56.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا خير في الخليطين من الخلِّ، والخلُّ والنبيذ في ذلك سواء 57. وقاله سحنون.
وقيل لسحنون: فلو جعل الزبيب في إناء، والتين 58 في إناء، فلما أدركا فصار خلًّا، خلطا؟ قال: لا خير فيه.
ورُوي عنه الجواز 59. وهو أحسن؛ فيجوز أن ينبذا معًا، وأن يخلطا بعد أن يصيرا خلًّا؛ لأن الحماية في هذا المعنى إنما وردت فيما يسرع إليه السكر والخلُّ يعمل على صفة لا يكون عليها 60 خمرًا؛ لأنه يكثر ماؤه، ويحرك باليد في كثير من الأوقاتِ فلا يصير خمرًا بحال وإن كان يعمل على الانفراد على صفةٍ يكون منها 61 خمرًا؛ لأنه يقلل 62 ماؤه، ولا يكشف حتَّى يتخلَّل، وكان يعمل من عصير العنب،
الجزء: 4 - الصفحة: 1621
فإن كان تمرُّ به حالة يصير فيها خمرًا لم يجز بانفراده، ولا يخلط بغيره.
وقد كان بعض أهل العلم يكره للمريض أن يخلط شرابين ثُمَّ يشربهما، مثل شراب الورد وغيره.
ولا أعلم لذلك وجهًا؛ لأن هذين لا يسرع إليهما السكر بالانفراد، وعلى الاجتماع فخرجا عن المعنى الذي كان النهي عنه.
وقال مالك في المدونة في الخمر ملكٌ لمسلم: فليهرقها، فإن اجترأ عليها فخلَّلها- أكلها وبئس ما صنع 63.
وقال عبد الملك بن الماجشون 64 وسحنون: لا تؤكل 65.
ولم يختلفوا أنها إذا صارت خلًّا من غير تعمّد ممن هي 66 في يده أنَّها تؤكل.
وقول مالك أحسن، ولا فرق بين أن تصير خلًّا من فعله أو غير ذلك؛ لأن التحريم لوجود الشِّدَّة المُطْرِبَة 67 والتحليل مع عدمها، وأظن عبد الملك ذهب في المنع لحديث أنس - رضي الله عنه -، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الخَمْرِ 68 تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: "لاَ" 69. أخرجه مسلم.
ومحمل الحديث أن ذلك حماية لئلا يتذرع 70 الناس إلى شربها، وليس أنَّها
الجزء: 4 - الصفحة: 1622
تكون حرامًا إن فعل، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدبغ جلد الميتة لينتفع به (1)، فلم يمنع ذلك؛ لأنه لا (2) يُتَّهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثُمَّ يتخذ جلدها، ويتهم أن يتخذ الخمر.
فصل [في ذكر ما نُهي عنه من نبيذ الأوعية]
ثبت عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الانتباذ في أربع: الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ، وَالمقَيَّرِ 73.
فالنقير: ما عمل من خشب.
والمُزَفَّت: ما عمل ما داخله بالزفت.
والمقير: ما عمِل بالقار.
والمنع في جميع ذلك حماية؛ لئلا تسرع بالشدّة، ثُمَّ نسخ ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ 74 لحُومِ الأَضَاحِي بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَنَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلاَ تَقُولُوا هُجْرًا" 75.7172
الجزء: 4 - الصفحة: 1623
قال مالك: إنما أُريد الانتباذ في هذه الأوعية؛ لأنَّها تسرع بوجود الشِّدَّة، ثُمَ وكلهم إلى أمانتهم فيها.
فأخذ مالك بالحديث الأول.
وأخذ ابن حبيب بالآخر، وقال: ما كان بين نهيه ورخصته فيها إلا جمعة 76. يريد: لم يكن المنع إلا جمعة، ثم نسخ.
واختُلف بعد القول بمنع الانتباذ في هذه الأوعية: هل يشرب ما نبذ فيها؟ فمنع ذلك محمد، وقال: يؤدب فيه، وفي الخليطين 77. وسوَّى بينهما في الجواب.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن سَلِمَ من الشدة فلا بأس 78. وهو أحسن، وهو في هذا أخف من الخليطين؛ لما رُوي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - من النص على 79 إباحته.
وقال ابن القاسم: قال مالك في الخمر تجعل فيها الحيتان، فتصير مُرِيًّا 80: لا أرى أكله.
وكرهه 81. وقال ابن حبيب: هو حرام.
وقول مالك أحسن؛ لأنّ الشدة ذهبت بما طرح فيه وبطول الأمد، كما لو صار خلًّا بشيء طُرِح فيه وأفسد الشدة 82. ولا فرق بين أن يصير خلًّا بنفسه أو يطرح فيه شيء فيصير
الجزء: 4 - الصفحة: 1624
خلا أو مُريًّا؛ لأن تلك الأعراض قد ذهبت وأخلفتها أعراض غيرها.
وفي البخاري قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - فِي المُرِي: ذَبْحُ الخَمْرِ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ (1). يريد: أنه إذا طرح النينان وهي الحيتان، وجعل في الشمس حتى حولته حتى صارت مريًا؛ صار حلالًا، وصار ذلك فيه كالذَّكاة فيما كان حرامًا قبل الذَّكاة.
فصل [في ضرب الحدِّ في شرب الخمر وفي رائحتها]
قال مالك: كل ما أسكر من الأشربة كلها، وإن كان من حنطة أو شعير أو غير ذلك، فهو خمر يُضرب فيه ثمانين، وفي رائحته إذا شهد عليها أنها رائحة الخمر ثمانين 84.
قال الشيخ: الحدُّ يقام في الخمر بثلاث: معاينةُ الشرب إذا بَقِيَ ممَّا يُشرب ما يعلم أنَّه خمرٌ، وبالرَّائحة توجد منه من فِيهِ أنها رائحة الخمر، وإذا تقيأها.
قاله محمد 85.
قال 86: وقد جلد عمر - رضي الله عنه - في القيء، وقال: "لَا وَرَبِّكَ مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا" 87. وإن أشكل الأمر في الرَّائحة هل هي خمر أم لا، وعليه دليل 88 أنَّها83
الجزء: 4 - الصفحة: 1625
خمر لتغير عقله وتخليطه حمل على أنَّه خمر، وإن لم يكن دليل لم يحدَّ.
وقال عبد الملك بن الماجشون 89 في كتاب محمد: وقد يختبر بالقراءة التي لا شكَّ في معرفته إياها من السور القصار، وقد يستحسن عند الإشكال، فإن هو لم يقرأ والتاث 90 واختلط فقد شرب مسكرًا، وصارت حالته في ذلك شاهدًا عليه- فعليه الحدُّ، وإن كان في كلامه اختلاطٌ، وليس عليه رائحة خمر ولا شك فيها، لم يحدَّ 91.
قال أبو الحسن ابن القصار: وصفةُ الشَّهادة على الرَّائحة أن تكون 92 ممن شربها في وقت إما في حال كفرهما أو في إسلامهما، فحُدَّا، ثم تابا.
وسئل ابن القاسم عن الاستنكاه 93 أيعمل به؟ قال: نعم 94. وهو من رأس الفقه.
قال الشيخ: وقد أخرج مسلم في صحيحه: أَنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ أَنْ يُسْتَنْكَهَ مَاعِزٌ، هَلْ شَرِبَ خَمْرًا" 95.
ففيه دليلان: أحدهما: أن الرائحة يُقضى بها.
والثَّاني: أنَّ إقرارَ السكران غيرُ لازم.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا لم يدرَ ما تلك الرائحة جُلِدَ نكالًا،
الجزء: 4 - الصفحة: 1626
ذلك 96 على قدر سفهه 97.
الجزء: 4 - الصفحة: 1627
باب (1) في جَلْد من شرب الخمر وكيف (2) يجلد؟
الأصل في ذلك حديث عقبة بن الحارث - رضي الله عنه -، قال جيء بالنعمان أو بابن النعمان شاربًا، فأمر النَّبي - صلى الله عليه وسلم - مَنْ كانَ فِي الْبَيْتِ فَضَرُبوهُ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ 100. وقال السائب بن يزيد - رضي الله عنه -: كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ 101. فقال أنس - رضي الله عنه -: جَلَدَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ 102. وفي الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَدَ فِي الْخَمْرِ 103 أَرْبَعِينَ 104. تم كتاب الأشربة9899
الجزء: 4 - الصفحة: 1628