التبصرة للخميصفحات 3522-3533

كتاب الصدقة والهبة

صفحات 3522-3533

بينهما؛ لأن 1 العطية الثانية على شك هل ذلك 2 لرأي حدث، أو لأنه كان المراد من الأول؟ على أن الصواب في العطية الواحدة إذا جاوزت الثلث أن يرد 3 الزائد، إلا أن تفيد مالًا فلا تمنع من إحداث العطية، ولو قيل لها أن تعطي جميع الفائدة كان صوابًا؛ لأنها إنما منعت من أكثر من الثلث فيما كان قبل التزويج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تتزوج المرأة لأربع لمالها..." 4 الحديث، والفائدة لم تتزوج لأجلها، ولا زيد في الصداق لأجلها، وقد يكون له في ذلك مقال: إذا كانت الفائدة بميراث عن أبيها، وزيد 5 في الصداق، ليسار الأب لما يرجى منه، وإن تزوجها بصداق فقيرة، أو صار لها ذلك بصدقة أو هبة 6 من أجنبي، أو بميراث عن أخ، أو ولد لم يكن له فيه مقال.
واختلف في حمالتها بأكثر 7 من الثلث، فقيل: لا يجوز 8؛ لأنها هبة.
وقال عبد الملك في كتاب محمد 9: تجوز.

وهو أحسن إذا كان المتحمل به موسرًا، فإن توجه الغرم عليها لعدم الناض أو لغيبة مال رجعت متى تيسر القضاء من المتحمل به، وإن كان فقيرًا جاز ذلك من الثلث، وسقط الزائد 1.

باب في ما (1) يعتصر من الهبات

الاعتصار يصح في الهبات دون الصدقات، ويراعى في الاعتصار أربعة أوجه 2: أحدها: من له الاعتصار من أب أو أم 3 أو جَدِّ 4. والثاني: هل يعتصر بعد فوتها؟ والثالث: ما يتعلق بها من حق لغير الموهوب له من 5 غريم أو زوج أو زوجة؟ والرابع: الوقت الذي يعتصر فيه من الصحة والمرض، فإن كانت الهبة من الأب، والابن غني وهي قائمة، ولم يتعلق بها حق لغريم أو زوج أو زوجة والمعطي والمعطى صحيحان، جاز الاعتصار، فهذه جملة متفق عليها.
والاعتصار يصح من الأب، واختلف في الأم والجد والجدة، فقال مالك وابن القاسم: للأم أن تعتصر 6. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن حازها الأب لم تعتصر؛ لأنها لا تعتصر ما ولايته إلى غيرها 7.1

وكذلك إن لم يكن له أب ولم يكن في ولايتها، وإنما يرى ذلك لها إذا لم تخرج العطية عن يدها والولد 1 في ولايتها.
والأول أحسن؛ لأن الأب يعتصر ما وهب لولده 2 الكبير بعد قبضه منه، وأما الجد والجدة فروى ابن القاسم عن مالك أنهما لا يعتصران، وروى عنه أشهب في كتاب محمد أن ذلك لهما؛ قال: لأنه يقع عليهما اسم أب ويدخل في مجمل الحديث 3. ووجه الأول أن الهبة انتقلت إلى ملك الموهوب له بالقبض، فلا يُزال ذلك إلا بنص لا شك فيه أو إجماع.

فصل [في حدوث العيب في الهبة هل يمنع الاعتصار أم لا؟]

تعتصر الهبة وإن تغير سوقها بزيادة أو نقص، واختلف إن حدث بها عيب، هل يمنع الاعتصار؟ والقول: إنَّ ذلك له 1. أحسن؛ لأن مضرة ذلك العيب 2 على الواهب، وإن زاد فكان صغيرًا فكبر أو هزيلًا فسمن كان فوتًا، إلا أن يكون الأب هو المنفق على العبد وبماله نَمَا، فلا يكون فوتًا، وهو قول محمد.
وكذلك إن كانت أمة فزوجها فله أن يعتصرها على أحد القولين؛ لأن التزويج عيب، وإن ولدت كان له أن يأخذ الأمة دون ولدها والزوجة بحالها؛ لأن الزوجية عيب، فلا تفيت، والولد إنما بمال السيد؛ لأن الزوج المنفق على الزوجة والسيد المنفق على الولد، إلا أن يعتصره بفور الولادة.
وقال مالك في كتاب المدنيين في من وهب جارية فولدت: له أن يعتصرها 3، ولم يبين 4، هل ذلك من زوج أو زنا.
واختلف إذا وطئها الابن فقال مالك وابن القاسم: ذلك فوت.
وقال يحيى بن عمر: إن غاب عليها وادعى أنه وطئ كان فوتًا 5. وقال المخزومي في كتاب محمد: له أن يعتصر، وإن وطئها 6.

يريد: لأن الوطء ليس بزيادة ولا نقص، ولم يتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، فأشبه لو قبض منافع العبد، والأول أحسن إن كانت من العلي لأنها لمثل ذلك توهب إلا أن تكون من الوخش فهو أخف 1. ولو كانت أرضًا فغرسها أو بناها كان فوتًا، وإن كانت دارًا فانهدمت لم يكن فوتًا 2، ولو هدمها الابن لأشبه 3 أن يكون فوتًا؛ لأنه أخرج في ذلك ثمنًا، إلا أن يعتصر العرصة وحدها.
وذكر سحنون عن ابن القاسم في من وهب لولده الصغير دنانير فصاغها له حليًّا، فليس له أن يعتصر؛ لأنه أحالها عن حالها، قال: بمنزلة ما 4 لو اشترى له 5 بها جارية، ثم أراد اعتصارها 6، وليس السؤالان 7 سواء إذا كانت الإجارة على الصياغة منها؛ لأن عين الهبة موجود ولم ينمِّها الولد 8 بماله، فإذا اشترى له بها جارية كانت هبته 9 وهي الدنانير صارت لبائع الجارية، والذي في يديه غير الهبة فذلك فوت.

فصل [في ذكر بعض موانع الاعتصار]

وإن دُويِنَ الابن أو تزوجت الابنة 1 لأجل تلك الهبة أو مرض الأب أو الابن امتنع الاعتصار.
وقال محمد: يمنع الاعتصار إذا داينه الناس لأجلها 2. يريد: وإن لم يداين لأجلها لقلتها أو لأن الابن موسر 3 فإنها تعتصر.
وأرى أن يعتصر إذا استدان وعنده وفاء بدينه؛ لأن الولد لو أراد أن يهب تلك الهبة لم يكن للغريم مقال، وإنما يمنع الاعتصار إذا تعلق للغريم بها حق، وكذلك إن لم يكن عنده سوى الهبة، ثم اشترى سلعة للتجارة؛ لأن الابن موسر بالقضاء، وإن كانت المداينة لطعام يأكله أو ثياب يلبسها امتنع الاعتصار؛ لأن المداينة لأجل الهبة، وليكون القضاء منها، وكذلك الصداق إن لم يتزوج لتلك 4 الهبة؛ لأنها قليلة أو كثيرة وهو بين اليسار، كان له أن يعتصر، إلا أن تكون كثيرة 5، ولولا هي لم يُتَزَوَّجْ إليه، وإن كان يُرغب فيه 6 لأجلها ولو لم تكن له لم 7 يمتنع التزويج فإن له أن يعتصرها 8.

وقال ابن دينار في كتاب ابن حبيب: له أن يعتصر من الابن بعد التزويج ولا يعتصر من الابنة.
قال من قبل أن الابنة دخلت فيما لا مخرج لها منه ولا إليها 1 والابن له مخرج إن قامت قال لها: إن شئت قطعت اللسان الذي تكلميني به ففارقتك 2. قال الشيخ -رحمه الله- 3: وهذا صحيح؛ لأن تزويج الابن لمكان الهبة بخلاف الابنة 4؛ لأن للابن إذا كان موسرًا بالصداق، أن يتصدق بتلك الهبة، فلا حق لها 5 فيها، وليس كذلك الابنة 6؛ لأن للزوج أن يمنعها من مثل ذلك، وإن كانت الهبة قدر ثلث مالها كان له أن يعتصر.
قال محمد: إن مرض الأب أو الابن امتنع الاعتصار 7. وروى أشهب في كتاب محمد 8 عنه 9 أن للأب أن يعتصر وإن كان مريضًا.
وقال أيضًا: لا يعتصر؛ لأنه حينئذٍ يعتصر لغيره، وإن كان الابن هو المريض فلا أدري.
وقال ابن نافع: للسيد أن يعتصر 10 مال مدبره وأم ولده في مرضه، وإن

كان الانتزاع حينئذٍ لغيره، وعلى هذا يكون للأب أن يعتصر في مرضه 1، وإذا امتنع الاعتصار لدين فقضي أو لنكاح فطلق الابن أو طلقت الابنة لم يعد الاعتصار.
واختلف إذا امتنع الاعتصار لمرض الأب أو الابن ثم برئ، فذكر ابن حبيب عن مالك أنها لا تعتصر، وقال المغيرة وابن دينار وابن القاسم وابن الماجشون: يعتصر 2. وهو أبين؛ لأن المنع إنما كان لأن الظاهر أنه 3 مرض موت، فإذا صح تبين لهم أنهم أخطأوا وأنه مرض لا يموت منه، ولو اعتصر في ذلك المرض ثم صح، ثبت وقد تبين أنه كان اعتصارًا صحيحًا 4، وقد قيل: إذا طلب الاعتصار في المرض، فمنع منه 5 ثم صح لم يعد الاعتصار.
وليس بحسن، والوجه ما تقدم، وأرى أن يكون اعتصاره موقوفًا، فإن 6 مات سقط, وإن صح ثبت، وقد تبين أنه كان اعتصارًا صحيحًا 7.

وإن كانت الهبة بعد التزويج أو بعد المرض أو بعد ما (1) داين الناس كان له أن يعتصر، وقال ابن الماجشون: ليس ذلك له (2). وليس بحسن، وقد يحسن مثل (3) هذا في المداينة خاصة إذا كان قصده أن يقضي منها دينه؛ فيكون للابن أن يمنعه من (4) ذلك.

فصل [في اعتصار الصدقة والصلة]

وقال عبد الملك وسحنون: إذا كانت العطية لصلة رحم لم تعتصر 5. يريد: أن المراد بمثل ذلك 6 وجه الله تعالى وامتثال ما أمر به من صلة الرحم، فعاد الأمر فيها إلى الصدقة؛ لأنه 7 إذا 8 أراد وجه الله -عز وجل- والثواب منه فهي صدقة.
واختلف في اعتصار الأب إذا كان الولد كبيرًا فقيرًا 9، فقيل: للأب أن يعتصر.
ومنع ذلك سحنون إذا كان الابن أو الابنة محتاجين، فقال: قد يكون الولد صغيرًا فيهبه لما يخاف عليه من الخصاصة، قال: وإنما يعتصر إذا كان1234

الولد في حجره أو بائنًا (1) عنه وله مال كثير (2). يريد (3): إذا كان في حجره يعتصر، وإن كان الابن فقيرًا؛ لأنه القائم به والمنفق عليه، فهو في معنى الموسر، إلا أن يخاف الأب أن يموت بغتة (4) فتلحقه خصاصة، أو يكون الولد قد قارب البلوغ، ويرى أن نفقته تزول عنه، فيقصد سد (5) ما يصير إليه، لئلا يلحقه عند زوال النفقة خصاصة.

فصل [في اعتصار الأم]

يصح الاعتصار من الأم 6 إذا كان للولد أب، وسواء كان الأب موسرًا أو معسرًا، أو الابن موسرًا 7، ويختلف إذا كانا فقيرين الأب والابن، قياسًا على اعتصار الأب من ولده إذا كان فقيرًا، ويصح اعتصارها مع عدم الأب إذا كان الابن موسرًا.
قاله أشهب في كتاب محمد، ولا يصح إذا كان صغيرًا فقيرًا؛ لأنها حينئذٍ على وجه الصدقة، ويختلف إذا كان كبيرًا فقيرًا، فعلى قول سحنون لا تعتصر، والمعروف من الذهب أنها تعتصر، وإن كان صغيرًا فقيرًا ثم أيسر قبل البلوغ أو بعدُ لم تعتصر؛ لأن المراعى حين العطية: هل كانت على وجه12345

الهبة أو على وجه 1 الصدقة 2. وإن كان له أب يوم العطية فلم تعتصر الأم حتى مات الأب كان لها أن تعتصر؛ لأنها لم تكن على وجه الصدقة، وفي كتاب محمد أنها 3 لا تعتصر 4. والأول أحسن؛ لأن المراعى وقت العطية 5 هل كانت هبة أو صدقة.
تم كتاب الصدقة والهبة والحمد لله حق حمده 6

جارٍ التحميل