النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071)
كتاب التجارة بأرض الحرب (1)
باب التجارة إلى أرض الحرب، وما يجوز أن يباع فيها وهل يعاملون بالريا؟ وهل يباع اليهودي من النصراني، أو صغار أهل الكتاب إذا كانوا نصارى، أو المجوس من النصارى واليهود؟
السفر إلى أرض الحرب على ثلاثة أوجه:
فإن كان يكره من سافر إليهم على فعل ما لا يجوز؛ من التقرب إلى آلهتهم أو لأصنامهم، أو على شرب خمر أو زنا- لم يجز السفر إليهم.
وإن كان لا يكره على شيء من ذلك، ولكن يناله بذلة وصغار- لم يجز أيضًا.
والأول أشد، وهو في كلتيهما مستجرح.
وإن كان سفره إليهم كسفره إلى أرض المسلمين، إنما يؤخذ بمغارم عما يأتي أو ما يخرج به- كان الأمر أخف، وألا يفعل أولى، ولا نبلغ به الجرحة، وكذلك السفر إلى مصر وإن كان سلطانها كافرا وأتباعه، فلا يؤدي ذلك إلى جرحة من سافر إليها.1
فصل [لا يباع لاهل الحرب شيء مما يتقوون به في حروبهم]
قال مالك: ولا يباع لأهل الحرب شيء مما يتقوون به في حروبهم، من كُراع أو سلاح أو خوثي 1 أو نحاس 2. وقال ابن حبيب -في أهل العهد وتجار الحربيين-: يمنعون من حمل السلاح والحرير والحديد والنحاس، والأدم والخيل والبغال والحمير، والغرائر والأخوجة والزفت والقطران، والشمع واللحم والسروج والمهامز، والبسط والكتان والصوف، والطعام من القمح والشعير.
يريد: في الطعام في مثل الشدائد، يرجى تَمَنُّعُهُمْ أن يتمكن منهم 3. وأما الحرير والصوف والكتان والملابس فالأمر فيه خفيف، ولا يَتَّجِر إليهم بما كان من العبيد من دينهم، وإن قدموا إلينا لم يباعوا منهم؛ لاطلاعهم على عورة بلاد المسلمين، وهو في النساء أخف.
واختلف في مبايعة أهل الكتاب، وأهل الحرب بالدنانير والدراهم، فمنع ذلك في المدونة تنزيهًا لاسم الله سبحانه 4. وقال ابن كنانة: يمسها اليهودي والنصراني قديمًا وحديثًا، لم يعب ذلك من أهل العلم علمناه أحد.
وأباح مالك الاستنجاء بالخاتم فيه اسم الله، ومنعه ابن القاسم 5. فعلى قول مالك في
الخاتم يبيح الدراهم، وعلى قوله في الدراهم يمنع الخاتم.
والمنع أحسن، لحديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ" 1، ولقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: 28].
فللمسجد حرمة ولأسماء الله تعالى حرمة.
وقال الحسن: لا تصافحوهم للأمة 2. وقال ابن القاسم: لا يتعمد المسلم إلى مراباة النصراني بدار الحرب 3. قال عمد: وليتصدق بقدر ما أربى، وكذلك ما خان، إن لم يقدر على رد ذلك على من خانه 4. وقوله في الخيانة حسن.
وأخذ أموالهم في أرض الحرب على ثلاثة أوجه: فيجوز أن تؤخذ على وجه السرقة والغصب والقهر، ولا يجوز أخذ ما ائتمنوه عليه ولا خيانتهم 5، ويختلف في أخذها بوجه البيع دينارا بدينارين نقدًا أو إلى أجل، فمنعه في المدونة.
وعلى قول عبد الملك يسوغ له إمساكها، قياسًا على الزنا بنسائهم.
وقال ابن القاسم: يحد 6. وقال ابن الماجشون: لا حدّ عليه.
فعلى هذا لا يرد ما أربى عليه.
وجعل ابن القاسم ملكه ملكًا حقيقيًّا، ومراباته ربًا، ووطأه زنًا.
وذهب عبد الملك إلى أنه لما جاز أن يأخذ تلك الرقبة ويملكها قهرًا، فإن لم يقدر إلا على أخذ المنافع بالإكراه، أو الطوع للاستخدام أو بالوطء- لم يكن عليه شيء.
وعلى قوله يجوز له أن يتمسك رباه عليه؛ لأنه كان له أن يأخذ منه بغير ربا، إن قدر على ذلك.
وإن دخلوا إلينا بأمان لم يجز سرقة أموالهم، ولا الزنا بنسائهم.
واختلف في قطع من سرق منهم.
فقال ابن القاسم: يقطع (1). وقال أشهب: لا يقطع.
فصل [في بيع المسلم عبده النصراني البالغ من نصراني]
يجوز للمسلم أن يبيع عبده النصراني -إذا كان بالغًا- من نصراني.
واختلف في بيعه من اليهودي، فأجازه محمد، ومنعه ابن وهب وسحنون في المستخرجة، للعداوة التي بينهم 2. وهو أحسن.
ولا يجوز أن يضربهم.
واختلف في بيع صغار النصارى من النصارى، وفي بيع المجوس والصقالبة والسودان من النصارى، فقال مالك في المدونة: تمنع النصارى من شراء صغار النصارى 3، وقال في العتبية: فإن بيعوا منهم فسخ البيع 4. وقال محمد: لا بأس أن يبيع المسلم عبيده النصارى من أهل الكتاب، وإن كانوا صغارًا.
وقال1
أشهب في كتاب الجهاد من كتاب محمد: وقال مالك- في المدونة في التجار ينزلون بالرقيق من الصقالبة فيشتريهم أهل الإسلام، ثم يبيعونهم مكانهم من أهل الذمة، قال: ما علمته حرامًا وغيره أحسن منه 1. وقال- في العتبية في الصقالبة والسودان مثل ذلك: ما علمت حرامًا، ولا يعجبني، فإن بيعوا منهم فسخ البيع إن كانوا صغارًا، وإن كانوا كبارًا فلا بأس من بيعهم منهم قال: لأن الصغار يجبرون والكبار لا يجبرون 2. وقال محمد: فإن فعل بيعوا ما لم يدن بدين.
وأرى أن ينقض البيع، وإن دانوا بدين؛ لأن من هو في يده متعد في شرائه، وفي تعليمه الكفر، ومعلوم إذا صار بعد ذلك إلى مسلم-أسلم، واستنقذ من الكفر، ومحمل قول مالك وابن القاسم في الإجبار أنه بالتهديد والضرب ونحوه من غير قتل، ولو كان ذلك بالقتل ما حل البيع؛ لأن المشتري قد دخل على ما لا يدرى، هل يجبر أو يقتل؟ ولأنه لا يخلو ذلك العبد من أن يكون اشتري من السبي، ليكون قد استحياه الإمام، فلا يجوز قتله بعد ذلك، أو نزل ول أحط من أهل الحرب، فباعه مِنْ أحد من المسلمين، فكذلك لا يحل قتله، فإن كانت أمة فذلك أبين؛ لأن النساء لا يقتلن إذا لم يسلمن.
وقال أصبغ فيمن اشترى عبدًا مجوسيًّا من المجوس الذين بالعراق، قد سُلِّمُوا على مجوسيتهم: فهذا لا يجبر على الإسلام، وإنما يجبر الذي يشترى من السبي.
يريد: بغير قتل 3.
وقال ابن القاسم- في العتبية في الروم يقدمون بعبيد من مجوس الصقالبة: يمنعهم الإمام من بيعهم من اليهود والنصارى، صغيرهم وكبيرهم؛ لأنهم يصيرون إلى دين من ملكهم، فإن اشتروهم بيعوا عليهم، ما لم يدينوا بدين مَنْ ملكهم؛ لأنهم لم يكونوا يجبرون على الإسلام إذا ملكهم المسلمون (1). وأجازه ابن عبد الحكم في كتاب محمد، وإن كان صغيرًا إذا كان بيد حربي، ألا يمنع من بيعه من أهل الكفر (2). والأول أحسن.
فصل [في شراء النصراني العبد المسلم والأمة المسلمة]
وقال مالك في النصراني يشتري العبد المسلم والأمة المسلمة: يمضي البيع ويباعان عليه 3. وقال في كتاب ابن حبيب: يفسخ البيع ويعاقبان 4. وأصل سحنون في كل بيع حرام أن البيع غير منعقد، وهو بيع القبض على ملك البائع ومصيبته منه، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يفسخ البيع، كان باعه النصراني لمسلم وتداولته الأيدي يفسخ، ويرادون الأثمان، وإن هلك عند النصراني ولم يبعه، كانت عليه القيمة.
ومحمل قوله في رد البياعات، أن ذلك عقوبة؛ لئلا يعود لمثل ذلك، ولو كان البيع عنده لا ينعقد، كما قال سحنون لم12 = المجوس الذين بالعراق قد أقروا بين المسلمين على مجوسيتهم، فليس عليه أن يجبره على الإسلام.
وانما ذلك فيما يشترى من السبى من الصقالبة ونحوهم من المجوس.
يضمن قيمته.
وأرى إن كان المشتري ممن يظن أن له ملكه- أن يمضي البيع بالثمن ويباع عليه، إلا أن يقوم المشتري بالعيب فيرده؛ لأنه يقول: ظننت أن ملكي يثبت عليه، وإن كان عالمًا أنه لا يجوز شراؤه وكان فاسدًا؛ لأنه دخل على أنه غير ممكن منه، فإن فات مضى بالقيمة وبيع عليه.
وقال ابن القاسم في النصراني يسلم عبده ثم يرهنه: أنه يباع، ويقضى للغريم ثمنُه، إلا أن يأتي النصراني برهن ثقة يجعل مكانه 1. وقال سحنون: يعجل ثمنه للمرتهن، وإن أتى برهن آخر 2. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن رهنه بعد إسلامه ليس رضى بتعجيل الدين، ورهنه دليل على أنه أراد البيع بعد انقضاء الأجل، إلا أن يكون المرتهن غير عالمٍ بإسلامه، فيكون بمنزلة من عرض رهنًا وأراد ألا يعجل الحق وإن عز؛ لأن ثمنه بدلًا منه، وإن أسلم بعد أن رهن - بيع، ولم يعجل ثمنه إذا أتى بالرهن مكانه.
باب في المسلم يشتري الخمر من النصراني أو يبيعها وفي النصرانيين يسلمان أو أحدهما وقد عقدًا ربًا، أو أسلم في خمر، أو له ثمن خمر
وقال مالك في المسلم يشتري خمرًا من النصراني: يكسرها على المسلم، ولا أدعه يردها على النصراني، ويتصدق بالثمن على النصراني حتى لا يعود 1. قال ابن القاسم: فإن قبض الثمن لم ينتزع منه 2. وقال سحنون: ينتزع وإن قبضه، ويتصدق به 3. وقال ابن حبيب: إن قبضه ترك به، وإن لم يقبضه لم يقض له به، وكسرت الخمر على النصراني إذا قبضت أو أبرزها، وإن لم يقبض، ويتصدق بالثمن في موضعين: إذا لم يقبض وكان معينًا، أو قبض ولم يقبض الخمر، وإن لم يكن معينًا لم يتصدق به 4. وأرى أن يدرك ذلك قبل أن يتقابضا، ولم يعين الثمن ولا الخمر، نقض البيع بينهما وعوقب المسلم والنصراني، إن لم يغرر بجهالة، وإن كان معينين ولو تقابضا تصدق بالثمن على المسلم، وكسرت الخمر على النصراني، وكذلك إن قبض الخمر ولم يسلم الثمن، ولو دفع ولم يقبض الخمر وكان الثمن قائمًا- جاز أن يقبض وينتزع الثمن، فيتصدق به، ويكسر الخمر على النصراني.
واختلف إذا فات الثمن فقال مالك: لا ينتزع 1. وقول سحنون: إنه ينتزع- أبين 2. وكذلك إن كان المسلم هو البائع للخمر من النصراني، فإن عين الخمر والثمن، كسرت الخمر على المسلم، إذا كانت بيده أو قبضت ولم يفت، ويتصدق بالثمن على النصراني إن دفع أو لم يدفعه وكان معينًا، إلا أن يعذر بجهالته.
واختلف إذا فاتت الخمر عند النصراني، فقال محمد: اختلف فيه قول مالك، فمرة قال: لا يؤخذ من النصراني.
ومرة قال: يؤخذ؛ فيتصدق به 3.
قال ابن القاسم: وهو أحب إلينا 4. قال محمد: لا يؤخذ منه، وإن كان أخذ رد عليه، وأغرم خمرًا مثل ما أخذ، فيكسر على المسلم 5. ولو أخذ منه الثمن لكان قد أجيز له شراؤها.
والأول أحسن.
وأَخْذُ الثمن ليتصدق به بعد فوت الخمر أولى من أن يغرم مثلها.
وقال ابن القاسم في مسلم اشترى من نصراني جارية بخمر فحملت أو أعتقها: ذلك فوت، وللنصراني على المسلم قيمة الجارية 6. قال سحنون: ويؤخذ الخمر من النصراني، أو مثلها إن كان أتلفها فيهراق.
وأرى إن كانت قائمة أن تهراق على المسلم، ويدفع القيمة للنصراني وإن فاتت، والصدقة بالقيمة أولى من إغرامه
المثل، وإنما يغرم المثل في أحد القولين إذا كانت في ملكه، وإلا لم يكلف شراؤها، وأخذ منه الثمن الذي تشترى به فيتصدق به.
فصل [في بياعات أهل الكفر إذا انعقدت على حرام ثم أسلموا بعد القبض]
بياعات أهل الكفر إذا انعقدت على حرام من الربا أو خمر أو غيره، ثم أسلموا بعد قبض الثمن والمثمون- ماضية.
واختلف إذا أسلما بعد قبض أحدهما، هل يفسخ أو لا؟ مثل أن يسلم دينارًا في دينارين، أو درهمًا في خمر، أو يبيع خمرًا بثمن إلى أجل.
فذهب مالك وابن القاسم إلى أن ذلك مفسوخ، فيرد رأس المال إذا أسلم في ربًا أو غيره، ويسقط ثمن الخمر 1. وقالا في نصراني تزوج نصرانية ثم أسلما قبل الدخول، وبعد قبض الخمر: لا يدخل بها على ذلك الصداق؛ لأنه ثمن للخمر.
وقال عبد الملك: يدخل بها.
يريد: لأن الخمر قبضت في وقت كان عندهم كالدراهم في شرعهم، وهي البضع وهو مما يجوز قبضه في الإسلام.
وقال محمد فيمن باع خمرًا بثمن إلى أجل، ثم أسلم قبل قبض الثمن: على المشتري أن يدفع الثمن 2. وهذا مثل قول عبد الملك، فأمضيا العقد بينهما.
وقال سحنون في السليمانية: إذا أسلم في خمر، فأسلما قبل قبضها أن لا شيء لمن أسلم فيها، وهي مصيبة نزلت به 3. وهذا يصح على القول لإمضاء عقودهم، فماذا أمضى
العقد لم يكن له رأس المال، وإنما له خمر، فوافق في ثبوت العقد، وخالف في الغرم عن الخمر، لتغليب أحد الضررين، فيكون عليه ما يسد مسده.
واختلف أيضًا إذا تزوجها بخمر، فأسلما بعد الدخول وقبل قبض الخمر، فقيل: لا شيء على الزوج.
وقيل: عليه صداق المثل.
ومن أمضى العقد الأول لم ير عليه شيئًا، ويكون مصيبة نزلت بها؛ لأن الذي لها خمر، ولو غرمت لكسرت عليها.
وعلى قول محمد بن عبد الحكم يكون لها قيمتها، وكذلك إن أسلم دينارين- يكون له أن يقبض الدينارين على قوله، أو أسلم دينارًا في دراهم، فله أن يقبض الدراهم، فإنه يمضي العقد، فما كان لا يصح ملكه في الإسلام- أسقط الغرم فيه عن المطلوب، وما كان يصح ملكه وهي الدنانير والدراهم- جعل له قبضها، وإن كانت ثمنًا عما لا يحل.
واختلف إذا أسلم أحدهما بعد تسليم القول بالفسخ، إذا أسلما جميعًا، فقال ابن القاسم: يفسخ ذلك أيضًا، بمنزلة إذا أسلما جميعًا، ووقف فيه مالك إذا تعلق به حق النصراني، فقال: إن أسلم الذي له الديناران- كان له رأس ماله، وإن أسلم الذي عليه الديناران خفت أن أظلم النصراني 1. وفي كتاب محمد: إذا أسلم دينارًا في دراهم فأسلم الذي له الدراهم- أخرج النصراني الدراهم فاشترى منها دينارًا، فإن لم يوف الدراهم لم يكن له غيره، وإن فضل فضل كان للنصراني 2. فأمضى العقد الأول، ولم يفسخه في حق النصراني.
على قول ابن القاسم يفسخ، ويرد الدينار الذي أسلم، وقال: إن أسلم في خمر، فأسلم الذي عليه الخمر- رد رأس المال.
وإن أسلم الذي له الخمر، فلا أدري؛ لأني إن أمرته برد رأس المال ظلمته، كان أعطيته الخمر أعطيته ما لا يحل 1.
ففرق بين السؤالين، وفسخ ذلك إذا أسلم الذي عليه الخمر؛ لأنه لا يقدر على أدائها إن كانت في ملكه؛ لأنها تكسر عليه، ولا يجوز له شراؤها إن لم تكن في ملكه، فصارت ضرورة.
وإن أسلم من له 2 الخمر، قال النصراني: هذه الخمر التي تستحق قبلي، لا أغرم غيرها وتكسر عليك.
وقد اختلف في الموضعين جميعًا، فقال محمد بن عبد الحكم: إن أسلم الذي عليه الخمر غرم قيمتها للنصراني.
ورأى إسلامه بمنزلة من استهلك لنصراني خمرًا فعليه قيمتها.
وقال ابن الماجشون: إن أسلم من له الخمر لم يكن له شيء، لا رأس مال ولا غيره، مثل قول سحنون إذا أسلما.
وقول مالك أحسن، وأخذها من النصراني فتهراق أولى من تركها عنده.
وإن أقرض أحدهما الآخر خمرًا، ثم أسلما- لم يكن للمقرض شيء؛ لأنه = على رأس المال بإسلام من أسلم منهما.
وقيل عن مالك إن أسلم المطلوب فعليه ديناران.
وقيل: إن مالكا توقف فيه، قال: ولو كان دفع إليه دينارا في دراهم إلى أجل، فأسلم الطالب، فلتؤخذ الدراهم من النصراني فيصرف بها دينارا، فإن لم يف، لم يكن له غير ذلك.
وإن كان فيها فضل، رد الفضل إلى النصراني، وإن أسلم المطلوب رد الدينار الذي قبض على النصراني.
إن كان في يد المستقرض خمرٌ أريقت عليه، وإن لم تكن عنده لم يجز له شراؤها، وعلى قول محمد بن عبد الحكم له قيمتها اليوم.
واختلف إذا أسلم أحدهما فقال ابن المواز: إن أسلم المسلف فلا شيء له، كان أسلم المتسلف فلا شيء عليه 1. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن استقرض خمرًا أو خنزيرًا: فعليه قيمتها، كان أسلم المسلف فأحب إلي أن يؤخذ الخمر فيراق والخنزير فيقتل 2.
باب في بيع أرض الصلح وأرض العنوة وإذا هودن أهل أهل الحرب ثم أغار عليهم غير من هادنهم، هل يشتريهم من هادنهم وما أشبه ذلكـ؟
يجوز لأهل الصلح بيع أرضهم، بقوا على دينهم أو أسلموا، إذا لم يجعل عليها في حين الصلح خراج.
واختلف عن مالك إذا كان عليها خراج، فأجاز مرة بيعها، ومرة وقف وأبى أن يجيب فيها بشيء، وقال أيضا: لا ينبغي لمسلم أن يبتاع أرضًا عليها جزية 1، وأجاز ابن القاسم وأشهب بيعها 2.
واختلف في الخراج فقال ابن القاسم: الخراج على البائع، وسواء باعها من مسلم أو ذمي، كان أسلم البائع سقط خراجها، وإن شرط البائع خراجها على المشتري كان بيعًا مكروها؛ لأنه لا يدرك قدره ولا منتهاه.
وقال أشهب: الخراج على المشتري ولا يجوز شرطه على البائع.
يريد: لأن الغالب من أهل الكتاب أنهم لا يسلمون، فهو لا يسقط ولا منتهى له، فكان كونه على المشتري أحوط؛ لأنه إن بقي على البائع فافتقر أو غاب أو مات، وأصابت الأرض لم يؤخذ شيء، فكانت الأرض تصيب والخراج غير مؤدى، فكان هذا أحوط، وإن شرط على البائع مضى على القول الآخر، وإن لم يشترط على واحد ودخلا على ما يوجبه الحكم، وهما لا يعرفان- كان البيع فاسدًا قولًا واحدًا.
واختلف عن مالك في أرض العنوة، فمرة قال: لا تقسم 1. ومرة قال: لا بأس بقسمتها 2. ولا خلف أنه إن قسمها الإمام أن فعله ماض ولا يرد، فإن رأى وَقَفَها للأبد، وكانت حبسًا ينتفع بمنافعها، بإجارة وبغير إجارة.
وإن أوقفها ليرى رأيه فيها في المستقبل- جاز، ويعطي الآن منفعتها هبة أو بكراء، حتى يرى وجهًا لقسمتها، وإن تركت لأهل العنوة، الذين افتتحت عليهم على وجه العون، ليس على وجه الملك- لم يبيعوها، كان مات لم يورث عنه، وإن أسلم لم يكن له وما خلا أهله عنه كالعنوة، فإن رأى الإمام قسمتها قسمها، وإن رأى أن يوقفها وقفها، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قسم خيبر على السهمين 3. وقال عمر: لَولا أَنْ يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَمْ أَدع قَرْيَةً أَفْتَتِحُهَا إِلا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ 4. أخرجه البخاري ومسلم.
فسلم عمر - رضي الله عنه - أن القسم جائز لم ينسخ، ولأنه إذا أجاز أن يعيد على الجيش بعض الخمس على وجه النفل؛ جاز أن يخمس ما سوى الأرض، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً 5. قال ابن شعبان: وأجمعوا على أنه لم يجعلها فيئًا، كما فعل بغيرها.
وقال مالك: فأرض مصر وديارها لا تباع (1). يريد: لأنها وقفت على وجه الحبس؛ فلا تباع رقابهم.
وقال ابن القاسم في المنتخبة: قال مالك: إذا أسلم أهل العنوة أخذ منهم دنانيرهم ودراهمهم وعبيدهم وكل ما لهم (2).
فصل [في شراء من سبي من أهل الحرب ممن لم يهادنهم]
وقال مالك في قوم من أهل الحرب سبوهم: فلا يجوز أن يشتروا منهم 3. وأجاز ابن شعبان أن يشتريهم من هادنهم، إذا أغار عليهم غير من هادنهم.
وإذا جاز أن يشتروهم إذا أغار عليهم من المسلمين من لم يهادنهم، كان اشتراؤهم ممن أغار عليهم من أهل الحرب أبين.
وعَقْدُ أمير المؤمنن عَقْدٌ على جميع أهل الإسلام حيث كانوا، وعَقْدُ عماله -إذا كان قد عمل كل واحد على ناحية- يصح على عمله دون عمل غيره، إلا أن يكون جعل له ذلك.
وأما من غلب على بلد أو عمل، ولم يعمله أمير المؤمنين، فذلك بَيِّنٌ أنه لا يصح عقده إلا على الموضع الذي غلب عليه، والسنون الكثيرة والقليلة إذا استووا سواء.
وقال مالك: إذا صولح أهل الحرب على مائة رأس في كل عام، فأعطوا أولادهم- لم يجز، فإن الصلح لهم ولأبنائهم، إلا أن يكون الصلح السنة والسنتين؛ فلا بأس أن يؤخذ أبناؤهم ونساؤهم 4.12
وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز أن يؤخذ أبناؤهم ولا نساؤهم، وإن كانت الهدنة العام والعامين أو إلى غير مدة، إلا أن يكون شرطوا ذلك.
وقال ابن حبيب: وسواء علم أهل مملكة البطريق بما شرط أو لم يعلموا (1)، ولا بأس أن يصالح أهل الحرب، على أن يبعثوا في الجزية من شاؤوا من أولادهم ونسائهم ومن قهروه من كبارهم، إذا كان شرط بطارقتهم، قال: وإن قدم بأمان من لا هدنة بيننا وبينهم فلا بأس أن يشتري منهم صغار أبنائهم، ونسائهم أمهات أولادهم.
فصل [في إسلام العبد النصراني إذا باعه نصراني لنصراني في مدة الخيار]
وإذا باع نصراني من نصراني عبدًا نصرانيًّا بالخيار ثلاثة أيام، فأسلم العبد - لم يفسخ البيع.
قال ابن القاسم: ويقال لمن له الخيار: إن شئت أخذت، وإن شئت رددت.
فإن أخذ بيع عليه، وإن رد بيع على الأول.
قال: لأنه كان حلالًا بيعهما، وإن كان المشتري مسلمًا فأسلم العبد لم يكن فوتًا، قال: والمسلم بالخيار بين أن يسلم أو يرد 2. وظاهر قوله أنه على خياره في بقية أيام الخيار، وهذا محتمل أن يكون لما تقدم من حق المسلم، أو لأنه يجيز إن أسلم العبد قبل البيع، أن يبيعه من مسلم بالخيار ثلاثة أيام، وأن لا يضيق عليه فيجبر على البيع بالحضرة، بخلاف أن يكون الخيار للبائع؛ لأن بقاء الخيار للكافر ولاء على المسلم.
ويختلف إذا كان الخيار للبائع فأسلم، هل إمضاؤه كبيع مبتدأ فيمنع؟1
أو إنما يمضيه بالعقد المتقدم فيجوز؟ وأستحسن ألا يمكن البائع من إمضائه للكافر، فإن فعل مضى.
وقال ابن القاسم: فيمن باع أمة على أنه بالخيار، ثم اشترى ولدها في أيام الخيار- ليس له أن يمضي البيع في الأم فإن فعل رد البيع إلا أن يجمع بينهما، بخلاف أن يكون الخيار للمشتري، فيشتري البائع الولد، وبناء المسألة في البائع على أحد القولين أنه كابتداء بيع.
باب في تفرقه الولد من أحد أبويه أو غيرهما من الأقارب في البيع
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ فَرَّقَ بينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامةِ" 1. وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي في مسنده.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" 2. والتفرقة بين الأم وولدها ممنوعة في البيع بهذه الأحاديث، ولا خلاف في ذلك.
واختلف في التفرقة بين الأب والولد، فقال مالك وابن القاسم: لا بأس به 3. وذكر محمد عن بعض أهل المدينة مَنعْ ذلك.
وهو أحسن، قياسًا على الأم، وإن كانت الأم أعظم في الموجدة، فمعلوم أن الأب يدخل عليه من ذلك ما تعظم فيه المشقة، وهو كالأم، وقد يكون بعض الآباء أشد.
ولم يختلف المذهب في جواز التفرقة بين من سوى هذين من الأقارب، كالأخ والجد والجدة والخالة والعمة.
واختلف في وجه منع التفرقة بين الأم والولد، فقيل: ذلك لحق الأم، لئلا قوله عليه كما في الحديث.
وقيل: ذلك لحق الولد في الحضانة، والأول أحسن.
ولو كان ذلك لحق الولد في الحضانة لم يفرق بين الصغير وبين كل مَن الصبي متعلق به في الحضانة، كالجدة والخالة والعمة، وتسليمهم ذلك دليل على أن النهي لما يختص بالأم من الموجدة، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك لتغليب أحد الضررين؛ لأن المضرة التي تدخل على الأم في التفرقة أعظم من ما يتزيد البائع من الثمن في بيعها على الانفراد.
فصل [في الوقت الذي إذا بلغه الصبي جازت التفرقة]
واختلف في الوقت الذي إذا بلغه الصبي جازت فيه التفرقة على أربعة أقوال: فقال مالك: إذا أثغر ولم يعجل به الانفراد.
وقال ابن القاسم: إذا استغنى عن الأم، وعرف ما يؤمر به وينهى عنه 1. وقال الليث وابن وهب: إذا بلغ عشرين سنة 2. وروى ابن غانم عن مالك أنه قال: إذا احتلم 3 وقال محمد بن عبد الحكم: لا يفرق بينهما أبدًا 4. والقول أنه يتربص به إلى البلوغ أحسن؛ لأن الموجدة حينئذ وإن لم تذهب فتخف، وهذا موجود في الحرة إذا غاب عنها ولدها وهو صغير، لم يكن موقعه عندها بمنزلة إذا كان كبيرًا.
والقول أنه من وجه الحضانة ضعيف، وقد تقدم وجه ذلك.
واختلف إذا رضيت الأم بالتفرقة، وأن يباع ولدها دونها، أو تباع هي دونه، فقال في كتاب محمد: لا يفرق بينهما (1). وقال في مختصر ابن عبد الحكم في كتاب الوصايا وغيره: لا بأس به (2). وهذا أيضًا راجع إلى الخلاف المتقدم، ومن جعل ذلك لحق الحضانة لم يصحَّ رضاؤها؛ لأنه إسقاط لحق الولد، وعلى القول أنه حق الأم؛ لئلا قوله- يصح رضاها، وبه آخذ إذا علم صحة رضاها، وأنها غير مكرهة ولا خائفة ولا مختدعة.
واختلف في الحرة تخالع على أن تسلم ولدها، فقال مالك وابن القاسم: يجوز ذلك (3). وجعلاه حقًّا للأم.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: والشرط باطل، ويبقى في حضانتها.
فصل [فيما إذا وكع البيع على التفرقة بغير رضا الأم]
واختلف إذا وقع البيع على التفرقة من غير رضى الأم، وبيعت الأم وحدها أو الولد، فقيل: البيع صحيح ويتعلق به حق لآدمي.
وقيل: البيع فاسد يتعلق به حق لله تعالى 4.
وأرى إن كان المتبايعان عالمين أنهما مطالبان بالجمع، أن يكون فاسدًا؛ لأن المشتري دخل على أنه متعذر الملك يوم اشتراه، ومأخوذ ببيعه من البائع، أو يشتري منه الأم، أو يبيعاه جميعًا، أو يرد البيع فيكون الثمن سلفًا، وجميع هذه123
الوجوه توجب الفساد، فينقض البيع إن لم يفت، وإن فات بحوالة أسواق فما فوق مضى بالقيمة، وهو قول مالك، وابن عبدوس في القيمة، ثم يجبران على الجمع 1، وإن كان أحدهما أعلم بالحكم، جرى على الخلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد وإن كانا لا يعلمان أنهما مطالبان بالجمع كان بيعًا صحيحًا، يتعلق به حق البائع أو المشتري، فالمشتري يقول: اشتريت ما يرى أنه يتقرر ملكي عليه، وإذا كنت مجبورًا على أن أبيعه من البائع، أو أجنبي أو أشتري الأم وأنا غير راغب فيها، كان ذلك عيبًا عليَّ في شرائي، والبائع يقول: بعت الولد وأنا أظن أن بيعه يصح، فإذا كنت مأمورًا بأن أبيع ما بقي في يدي من المشتري أو أجنبي، كان ذلك عيبًا عليَّ، فله أن يأبى من ذلك كان رضي المشتري بالجمع.
وإن فات الولد في يد المشتري بعيب، كان الخيار للمشتري دون البائع، فإن أحبها أمسك ورجع بقيمة عيب الجمع، يقال: بكم قيمة هذا؟ على أن المشتري مطالب بالجمع، وعلى أنه مطالب بذلك أن لو كان يجوز البيع، فيسقط من الثمن عن المشتري ما بين القيمتين، ثم يجمعان، وإن أحب أن يرده ويرد قيمة العيب الحادث، على أن العيب فيها بالتقويم، وعلى البائع أن يقوم لحقه في العيب، ما لم يفت الولد بعيب، ومثله إذا دخلا على الوجه الفاسد، وفات البيع بحوالة أسواق، غرم المشتري قيمته على المطالب بالجمع؛ لأنه أبخس في القيمة، ولا يقوم على أنه غير مطالب فيضر المشتري، وإن لم ينظر في ذلك حتى مات المبيع، أو الباقي في يد البائع لم تتعين القيمة؛ لأن القيمة إنما تعتبر على الحالة وقت وقع القبض، وإن كان داخلًا على الوجه الصحيح، ثم مات الولد أو الأم، لم يكن للمشتري رد ولا مقال؛ لأن عيب الجمع قد ذهب،
وإن لم ينظر في ذلك حتى بلغ الولد حد التفرقة، لم يرد البيع ويسقط حكم الجمع ووقت العيب، وإن دخل على الوجه الفاسد لم تعتبر القيمة.
فصل [فيما إذا كانا على الكفر وهما لمسلم باع أحدهما من نصراني أو كانا لنصراني فباع أحدهما لمسلم]
وإن كانت الأم والولد لمسلم وهما على الكفر، فباع أحدهما من نصراني، أو كانا لنصراني فباع أحدهما من مسلم أجبر على الجمع، وكان بمنزلة إذا كانا لمسلم فباع أحدهما لمسلم.
وأرى إذا كانا لنصراني أن يجبر على الجمع؛ لأنه من التظالم ومضرة على الأم ألا قوله على ولدها، وبمنزلة لو ضربها أو أساء إليها، فرفعت إلينا فإنه يرفع الضرر عنها، ولو قدم حربي بعبيد ففرق بين الأم والولد في البيع، لم يعرض له ولا يشتري ذلك منه مسلم، فإن فعل أجبرا على الجمع؛ لأنه حكم بين النصراني والمسلم، وإن باع ذلك من ذمي لم يعرض له.
فصل [في شروط الجمع بين الأم والولد]
الجمع على ثلاثة أوجه: تارة يكون من شرطه أن يجمعا في ملك، وتارة في حوز.
وثالث: مختلف فيه، هل يكون في ملك أو حوز؟ فإن وجد الأم والولد في يد مالكين وكانا في أيديهما ببيع، أو لا يعلم بأي وجه صارا إليهما، بمعاوضة أو بهبة جمعا في قول مالك، كان جمعهما في حوز لم يقبل منهما؛ لأن رغبة كل واحد من السيدين أن يبين بملكه، وبعث له أو يسافر، فإن أراد ذلك لم يمتنع عليه الآخر؛ لأن رغبته مثل ذلك والولد لا يعرب عن نفسه، وقد يتحيل من
يريد ذلك فلا يعلم به، إلا أن يفوت به، فإذا جمعا في ملك سلما من ذلك ورفعت المضرة عن الولد.
واختلف إذا كانا في أيديهما بهبة أو صدقة أو وصية، أو أحدهما ببيع والآخر بهبة أو صدقة أو وصية، فقال مالك: إن جمعهما في حوز جاز (1). وقال في كتاب محمد: يجمعان في ملك، أو يباعان.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا كان الشمل واحدا، مثل الولد والوالد والزوج والزوجة والإخوة، يكون شملهم واحدًا ودارهم واحدة، جاز الجمع في حوز (2). وهذا أحسن والقول يجمعان في ملك أحوط، وقد مضى وجه ذلك، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يبيع أحدهما على أنه لا يسافر به مشتريه.
فصل [في عتق أحدهما مع بيع الآخر]
وإن كانا لمالك واحد فأعتق أحدهما، جاز بيع الآخر ويجمعانهما في حوز، وإن أعتق الولد لم يكن له أن يخرجه عن أمه، كان باعها شرط على المشتري كونه معها وعندها، كان سافر بالأم سافر به معها، ويكون الكراء على المشتري، ويشترطان عليه في حين البيع نفقته، وهذا قول مالك في المدونة 3 ولم يذكر مدة النفقة، وقال في كتاب البيوع الفاسدة: السنة.
وقال محمد بن المواز: إلى وقت إثغاره.
يريد لأنه وقت التفرقة.
وفي كتاب محمد: إن على من أعتق صغيرًا نفقته، لعجزه عنها 4، والقياس لا شيء عليه، وتكون مواساته على من12
بذلك البلد والسيد أحدهم، فإن كان بيت مال أنفق عليه منه، فإن باع الأم فأخرجها من حوزه ترك الولد في حضانتها إن كان صغيرًا لا خدمة له، وإن كانت له خدمة كان مبيته عندها، ويأوي إليها في نهاره في وقت لا يحتاجه سيده لخدمة، فإن باع الولد بشرط على المشتري كونه عندها، وللمشتري أن يسافر به وتتبعه أمه حيث كان، وإن أعتق جزءا من أحدهما، أو جزءا من كل واحد منهما، ثم أراد البيع جمعا في ملك ويباع الرقيق منهما على الجزء الذي لم يعتق صفقة واحدة، كان أعتق أحدهما إلى أجل جاز بيع الرقيق منهما، مع خدمة الآخر إذا كان أجل العتق وأمد التفرقة سواء، أو كان أجل العتق أقل، فإن كان أبعد لم يكن عليه أن يبيع من الخدمة إلا ما قابل أمد التفرقة خاصة، ويشترط على المشتري نفقة المخدم تلك المدة، كان أعتق الولد في وقت لا خدمة فيه، لصغره إلى أجل لا يبلغ فيه الخدمة شرط على المشتري للأم نفقة الولد ما بينه وبين أن يبلغ أجل البيع، وإن كان أجل العتق ينقضي قبل ذلك، مثل أن يكون أمد العتق سنتين والإثغار لخمس، شرط نفقته خمس سنين؛ لأنه لو كان معتقًا بتلا أنفق عليه إلى الإثغار، وإن كان أمد العتق يتأخر إلى أن يبلغ الخدمة، بيع من الخدمة إلى ما يقابل مدة التفرقة وهذا للضرورة؛ لأنه لا يجوز لو لم يبع الأم أن تباع الخدمة، إذا كان لا يشرع في قبضها إلا إلى الأجل القريب، وإن كاتب الأم بيعت الكتابة مع رقبة الولد، وكذلك إن كاتب الولد، وإن دبر الأم أو الولد، لم يكن له بيع من لم يدبر؛ لأن ذلك تفرقة وبيع الخدمة لا يجوز، وكذلك إن أولد الأم وكان لها ولد قبل ذلك، لم يمكن من بيعه؛ لأن مشتريه يحب أن يظعن به، وليس على البائع أن يترك أمه يبيعها.
فصل [فيما إذا جنت أمة وولدها وهما لملكـ واحد]
وإن جنت أمة وولدها وهما لملك واحد، جاز للسيد أن يسلم الجاني بانفراده، ثم يجمعانهما في ملك واحد، يريد يشتري أحدهما من الآخر، أو يبيعانهما من ثالث بعد أن يقوم كل واحد بانفراده، وعلى القول بجواز جمع السلعتين يجوز وإن لم يقوما، ولم يرد ابن القاسم أن يجبرا على أن يشتري أحدهما من الآخر فقط، وإنما الحكم في الذي يجبران عليه أن يبيعهما ويقسم الثمن 1، إلا أن تطوع أحدهما أن يشتري من الآخر، وإن كانت الأمة لرجل وولدها لعبده، أجبرا على جمعهما في ملك أحدهما، أو يبيعانهما من رجل واحد؛ لأن العبد مالك إن أعتق تبعه ماله، وعلى قول مطرف وابن الماجشون يجوز أن يجمعاهما في حوز؛ لأن الشمل واحد 2، ولا بأس أن تكون الأمة وولدها شركة بين رجلين على أجزاء متفقة أو مختلفة.
واختلف إذا كانت الشركة في أحدهما، فقال ابن القاسم -في أمة حامل بين رجلين دبر أحدهما ما في بطنها-: إذا خرج تقاوماه، فإن صار للذي لم يدبر كان رقيقًا، فأجاز ملكه لأحدهما 3، ومنعه سحنون وهو أقيس، وقد يكون قصد ابن القاسم الكلام على حكم التدبير خاصة، أو يكون ذهب إلى ما ذكره ابن حبيب إذا كان الشمل واحدًا 4، وإلا فباب التفرقة موجود، إذا أراد من له الملك في أحدهما السفر به.
ومن اشترى أمة وولدها صفقة واحدة ثم وجد
بأحدهما عيبًا، كان بالخيار بين أن يقبلهما أو يردهما، وليس له أن يرد المعيب بانفراده، فإن رضي البائع والمشتري برد المعيب وحده، بعد معرفتهما بما ينوبه من الثمن، ثم يجمعانهما في ملك جاز، وإن جهلا أنهما مطالبان بالجمع، فقال المشتري: أنا أرد السالم وأسترد المعيب ولا أقوم بعيب.
كان ذلك له، أو قال البائع: لو علمت لم أقبل المعيب، فإما أن تأخذ الجميع أو ترد.
كان ذلك له، وإن اطلع على العيب بعد أن حدث عنده عيب بالمعيب أو بالسالم، كان بالخيار بين أن يتمسك بالجميع ويرجع بقيمة العيب، أو يردهما ويرد قيمة العيب الحادث، ويرجع بجميع الثمن، وإن كان اطلاعه على العيب، بعد أن بلغ الولد حد التفرقة، كان له أن يرد المعيب بانفراده، وقال محمد- فيمن اشترى رمكة ومعها مهر فوجد به عيبًا فأراد رده بقيمته-: فإن كان مستغنيًا عن أمه رده وحده، إلا أن يكون أكثر ثمنًا منها وفيه الرغبة، فلا يكون له إلا أن يردهما جميعًا (1)، فمنع من رده بانفراده إذا كان غير مستغن عن أمه؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاكه.
فصل [في الأمة تباع على خيار ثم يشتري البائع ولدها في أيام الخيار]
وقال ابن القاسم -في الأمة تباع على خيار ثم يشتري البائع ولدها في أيام الخيار-: إن كان الخيار للبائع لم يكن له أن يمضي البيع، وإن كان للمشتري كان له أن يمضي 2. ويجري في المشتري قول آخر، أنه يمنع من القبول قياسًا على القول فيمن اشترى جارية حاملًا فولدت في أيام الخيار، فقال ابن القاسم1
في العتبية: الولد للبائع، وللمشتري أن يقبل الأم، قال: لأن أصل البيع كان جائزًا، ثم يجمعانهما في ملك ولا ينقض البيع، وقال أصبغ: ينقض البيع إن لم يجمعا بمنزلة من ابتدأ شراء على تفرقة (1). وكذلك إذا كان الخيار للبائع، فله أن يمضي البيع قياسًا على قول ابن حبيب إذا جنى على العبد في أيام الخيار (2)، ثم قيل: إن الجناية للمشتري.
فعلى قول ابن القاسم إذا اشترى شقصًا بالخيار، ثم بيع الشقص لآخر بتلا، فقيل: مشتري الخيار أن له الشفعة على مشتري البتل (3)، وأرى أنه قيل: كأنه لم يزل منعقدًا من الأول، وإذا أراد المتبايعان أن يجمعا بين الأم والولد، في ملك غيرهما في جميع الوجوه التي تقدمت، فلا يبيعان حتى يقوما كل واحد بانفراده، فيسلمان من المعاوضة بجمع سلعتين، فإن باعا قبل التقويم جرى على الخلاف.
فصل [فيما إذا قدم مسلم أو نصراني بامرأة ومعها صبي، فزعم أنه ولدها أو ادعت الأمة ذلكـ]
وإذا قدم مسلم أو نصراني بامرأة ومعها صبي، فزعم أنه ولدها أو ادعت الأمة ذلك، لم يفرق بينهما ولم يتوارثا، إلا أن يثبت.
كان قدم رجل بأمة وآخر بصبي فادعى أنه ولدها، وادعت الأم ذلك لم يفرق بينهما ولم يتوارثا إلا ببينة، وإن قدم رجل بأمة وآخر بصبي فادعت أنه ولدها، فإن سبيا أو اشتريا من بلد واحد جمعا بينهما، كان علم أنهما من بلدين لم يعجل في ذلك وكشف، وإن لم123
يعلم هل هما من بلد أو من بلدين؟ جمعا لأن مثل ذلك لا تلحق فيه تهمة ولا يخفى أيضًا أمرهما، فيما يتبين من حنان الأم وشدة وجدها عند وجوده.
وقد أجاز أشهب للمرأة أن تستحق الولد ويوارثها، إلا أن يعلم باطل قولها، وإن كانا ممن ولد في أرض الإسلام، فمن قامت من أرض الحرب أحرى أن تصدق.
باب في بيع المصراة من الإبل والغنم والبقر
ولا يجوز تصرية الماشية لبيع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخير النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ" 1.
واختلف في العمل بهذا الحديث، فقال ابن القاسم: فقلت لمالك: أيأخذ بهذا الحديث، يريد هل يرد معها صاعا؟ قال: نعم.
والأخذ بهذا الحديث رأي 2.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: ليس هو بالموطأ ولا بالثابت 3.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يؤخذ به، وقد جاء ما هو أثبت منه: "الخرَاجُ بِالضَّمَانِ" 4 5. والأول أصوب، لوجهين أحدهما: ورود النص -وهو
حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وغيرهم- أن ذلك اللبن مبيع؛ لأنه كان وقت البيع موجودًا مجموعًا ولم يبق إلا حلابه، وهو بمنزلة الثمرة إذا يبست ولم يبق إلا جذاذها، والصوف إذا تمَّ ولم يبق إلا جزازه، وإنما الخراج بالضمان فيما يحدث عند المشتري، وإذا كان ذلك فإن كان اللبن قائمًا وكان حلابه بفور الشراء، رد عينه ولا يغرم بالعوض عنه مع قيامه، وإن كان حلابه بعد ذلك لم يكن عليه رده؛ لأنَّ ما حدث في ضروعها بعد شرائها فهو للمشتري، فكان ذلك الموجود بعضه للبائع وبعضه للمشتري، ولا يدرى ما لكل واحد فيه، وعلى هذأ محمل قول مالك في المدونة، أنه لا يرده إذا كان قائمًا، أن ذلك إذا لم يحلب بحضرة البيع 1، ولهذا قال: له اللبن بما علف؛ لأن ما حلب بالحضرة لم يكن على العلف.
وقد قيل: في حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اللبن بصاع، إن ذلك لرفع التنازع؛ لأن الأصل أبدًا فيه مجهول، قال مالك: والصاع من عيش البلد 2. وإن كان عيشه قمحًا أو شعيرًا، كان عليه صالح من عيشهم، وذهب بعض أهل العلم إلى ألا يغرم الصاع، إذا كان السعر غالبًا، فقد يكوق قيمة الصاع نصف قيمة الشاة، فإن غرم المشتري قيمة أعلى ما يرى أنه كان فيها، لم يكن للبائع في ذلك مقال، وخصوا الحديث بالقياس؛ لأن الأصل في المتلفات أن يغرم قيمتها أو مثالها، ولا يحمل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزم المشتري فوق ما قبض.
= ويستغله ثم يجد به عيبا من كتاب البيوع، برقم (1285)، والنسائي: 7/ 254، في باب الخراج بالضمان، من كتاب البيوع،، برقم (4490)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يرد قيمة اللبن.
وحملوا الحديث أن الصاع كان ذلك الوقت قيمة اللبن.
واختلف إذا كان المبيع جماعة غنم، هل يغرم صاعًا واحدًا، أو لكل شاة صاع؟ وهذا أصوب، فإن كانت الغنم عدة، أكان لكل واحدة حكمها؟ والشاة المصراة والبقرة والناقة في ذلك سواء، يريد عن اللبن الذي بيعت به وهذا للحديث المتقدم وقد قيل ذلك لأن لبن الغنم وإن كان أقل فهو أجود ولبن الإبل أدنى وأكثر، فإذا علم المشتري أن الشاة مصراة قبل أن يحلبها، وأن ذلك ليس بعادة لها، كان له أن يردها قبل الحلاب، وله أن يمسكها ويحلبها ثم يختبرها، وينظر كيف عادتها؟ وهل تنقص التصرية اليسير أم لا؟ وكذلك إن علم بعد أن حلبه ما صريت، فهو بالخيار بين أن يرد الآن، أو يمهل حتى يحلبها ويعلم عادتها.
واختلف إذا حلبها الثالثة هل ذلك رضى؟ فقال في المدونة: إن جاء من ذلك ما يعلم أنه اختبرها قبل ذلك فهو رضى 1، وقال محمد: ذلك رضى.
وقال مالك في كتاب محمد: له أن يرد وإن حلبها الثالثة 2. وهو أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالخيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ".
أخرجه البخاري ومسلم 3، فجعل له الخيار إلى ثلاثة أيام، وإن تحقق قبله العيب قبل ذلك؛ لأن المشتري يريد أن يؤامر نفسه في ذلك، وهل يرضى بذلك العيب أو
يرد؟ ولأنه خلف إذا حلبها أول مرة اللبن الذي صريت به، أن لى أن يرد الآن؛ لأنه اشترى على أن ذلك عادة لها، وله ألا يعجل بالرد حتى يختبر حلابها، هل هو قدر يرضاه؟ وإن كان يعلم أنه لا يأتي بمثل الأول، وإن اشتراها وهو عالم بأنها مصراة من الأصل، لم يكن له رد إلا أن يجدها قليلة الدر دون المعتاد من مثلها، وإن بيعت وهي غير مصراة والبائع يعلم بحلابها، كان له أن يرد كمن باع صبرة وهو يعلم كيلها، وقد تقدم ذكر الاختلاف في هذا الأصل، في كتاب البيوع الفاسدة.
واختلف إذا اشتراها في غير إبان حلابها، ثم وجدها في إبان الحلاب تحلب دون حلاب مثلها، فقال ابن القاسم: ليس له أن يرد 1. وقال أشهب: ذلك له 2.
وقال محمد: أرى أن ينظر في ثمنها، فإن هي في كثرة ثمنها أن شحمها ولحمها لا يساوي ذلك، ولا يبلغه إن هي حملت بعد ذلك، كان له أن يرد متى علم أن البائع كان عالمًا بحلابها أم يخيره.
وإن اشترط المشتري أنها تحلب كل يوم قسطًا، فوجدها تحلب دون ذلك رد إن شاء، ويفترق الجواب فيما حلب.
وإن اشترى على أنها إن كانت كذلك كانت له، كان الحلاب للبائع ردا وقيل لأنها على ملك البائع وإن اشتراها في ملكه على التصديق كان الحلاب للمشتري وله الردة لأنها كانت في ضمانه؛ لأن اللبن حدث في ملكه، فأشبه الحلاب الثاني من مصراة.
وقال محمد فيمن اشترى شاة مصراة، فوجد بها عيبًا من غير التصرية: لم
يرد عن اللبن شيئًا 1. وأرى أن ذلك شرعًا إذا كان العيب التصرية خاصة، وأرى أن يرد عوض اللبن الذي صرته له كالعيب إذا كان من سبب اللبن.
باب في احتكار الطعام وغيره إذا كان يشترى من الأسواق أو يجلب من بلد وهل يباع على أهله في الغلاء؟
الاحتكار إذا كان يضر بالناس إما لحاجة الناس إليه، أو لأن هذا يغلي السعر غلاء يضره غير جائز، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" 1، فإن كان لا يضر بالناس ولا يغلي سعرًا جاز، طعامًا كان أو غيره.
ومنعه ابن حبيب في الطعام والحبوب كلها، والقطنية والعسل والسمن والزيت واللبن والعلوفة، أضر بالناس أو لم يضر والأول أحسن، وفي ادخار الأقوات وقت الرخاء مرتفق وقت الشدة، ولولا ذلك لم يجد الناس عيشًا حين الشدة، ولو قيل: إن ذلك حينئذ مستحسن لم أعبه، ولا يمنع من يشتري من السوق الأعظم ليبيع بأطراف البلاد، وإن غلا السعر؛ لأن فيه مرتفقًا للناس.
وقال مالك في كتاب محمد: لم يزل ذلك من أمر الناس 2، وليس كل الناس يجد ما يشتري به في السوق الأعظم، وقال في الذين يشترون من الطحانين: يمنعون إذا أضر بالناس 3.
وأرى ألا يمنعوا وإن أضروهم في ذلك، بمنزلة الذين يشترون ليبيعوا في نواحي البلد؛ لأنهم لا يشترون للادخار، وإنما يشترون للناس، وكذلك الذين يشترون ليعملوه خبزًا، أو ليبيعوه لا يمنعون كان أضر، ومن اشترى ذلك ليخرجه إلى بلد آخر، لم يمنع وإن غلا السعر، إذا كان لا يضر بالناس، وإن
كان يضر منع، إلا أن يكون بالآخرين حاجة، ومن قدم بطعام لم يمنع من ادخاره، إلا أن يكون جهد وشدة فيؤخذ ببيعه.
وقال محمد: وإن كان في البلد طعام مخزون، فكان الغلاء واحتيج إليه، فلا بأس أن يأمر الإمام أهله أن يخرجوه إلى السوق فيباع 1.
وقال مالك فيمن احتكر في وقت يضر بالناس: اشترك فيه أهل السوق بالثمن الذي اشتراه به، كان لم يعلم ثمنه فبسعره يوم اشتراه 2. وأرى إذا طال أمر ذلك أن يمضي له ولا يرد.
باب في التسعير ومن حط السعر وأغلى أو أرخص
قال أنس: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا.
فقال: "إِنَّ الله هُوَ المسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ" 1. وهذا حديث حسن صحيح ذكره الترمذي في سننه.
والتسعير على وجهين: ممنوع وهو التسعير على الجالب وغيره، مما يباع على النداء وعلى مثل هذا محمل الحديث.
والثاني: التسعير على الذين يبيعون في الحوانيت.
واختلف هل يتركون على ما يبيعون به من غلاء، أو ينظر أشريتهم والربح المعتاد فيقصرون عليه، وقال مالك- في العتبية في السوق إذا أفسد أهله وحطوا من السعر: لا يسعر عليهم 2. يريد مثل أن يكون البيع رطل بدرهم فيبيعون نصف رطل وما أشبهه.
وقال أيضًا في صاحب السوق يقول للجزارين، ليشتروا على ثلث رطل بسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل من الإبل، وإلا فاخرجوا من السوق، فقال: إذا سعر عليهم على قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس، ولكن أخاف أن يقوموا من الأسواق.
قيل له: إن
صاحب الجزار أراد أن يسعره على صاحب السفن قال: بئسما صنع 1. ففرق بين هذين؛ لأن أصحاب السفن يبيعون على النداء، فلا سعر عليهم بخلاف أصحاب الحوانيت.
وإن اختلف بيع أهل السوق، في الصنف الواحد والصفة الواحدة، فإن كان الفريقان قريبًا من السواء في الكثرة، لم يعرض للدَّين يبيعون برخص، وينظر إلى الذين أغلوا، وإن كان السعر الذي يبيعون به، هو القدر الذي يبيعون لو سعر عليهم، لم يعرض لهم وترك كل قوم على ما يبيعون، وإن كان فوق ما يسعر به جرت على القولين، فعلى القول بمنع التسعير لا يعرض لهم، وعلى القول الآخر يمنعون من ذلك، ويردون إلى بيع الذين أرخصوا، إلا أن يكون التسعير فوق ذلك ودون ما أغلوا، فيرد إلى ما يسعرونه وليس عليهم أن يرخصوا حسب ما فعل الآخرون، وإن أرخص الأكثر وأغلى الاثنان والثلاثة، منع الذين أغلوا وأمروا أن يبيعوا بيع الآخرين أو يقاموا، وسواء باعوا على ما يباع به لو سعر عليهم أو لا؛ لأن في ذلك غرورا على المشتري؛ لأن المشتري يظن أن ذلك هو السعر الذي يبيع به أهل السوق، ولو علم غيره لم يشتر عليه.
وإن أرخص النفر اليسير، وباع الآخرون على ما يباع به، على أثمان ما شتروا به، لم يعرض لواحد منهم.
وقال ابن حبيب في الزيت والعسل والسمن والبقل والفواكه وشبه ذلك، مما يشتريه أهل السوق للبيع على أيديهم: فينبغي للحاكم إذا أراد أن يسعر، أن يجمع وجوه أهل ذلك السوق، ويستظهر على صدقهم بغيرهم، فيسألهم كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فإن رأى شططًا نازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سدادٌ حتى يرضوا به، دالن حط من ذلك قيل له:
إما بعت بسعر الناس وإما رفعت، ويؤدب المعاند لذلك ويحرج من السوق.
وأما جلب القمح والشعير وشبه ذلك من الأقوات، فلا يسعر عليهم ولهم أن يبيعوا على أيديهم كيف شاؤوا، وإن أرخص بعضهم تركوا إن قلوا، وإن كثروا قيل لمن بقي: إما أن تبيع مثلهم وإلا فارفع يدك؛ لأن فيه غرورا على المشتري.
قال: وكذلك كل ما يوزن أو يكال، وإن كان لا يؤكل ولا يشرب، ولا يفعل ذلك في العروض، ولا فيما لا يكال ولا يوزن 1.