التبصرة للخميصفحات 302-341

كتاب الصلاة الأول

صفحات 302-341

مسلمة، والأول أحسن؛ لأن الثياب فيها ضرب من الترفه وموضع الصلاة إنما هو التواضع والخضوع والتذلل.
وكره الصلاة على ما لا تنبت الأرض كالصوف، فإن فعل أجزأته صلاته، وأكره 1 الصلاة على حصر السامان مما عظم ثمنه، والتواضع لله تعالى أفضل.
ويباشر بكفيه 2 الأرض أو ما يسجد عليه ويبرزهما عن كميه، ويحسر العمامة عن جبهته 3، فإن سجد على كور العمامة البارز عن جبهته، لم تجزئه صلاته، وإن سجد على ما علا جبهته وكان كثيفًا لم تجزئه، وإن كان شيئًا خفيفًا أجزأته 4. وقال ابن حبيب: إن كان كثيفًا لم تجزئه، وأعاد ما كان في الوقت إذا مس أنفه الأرض.
وقال محمد بن مسلمة: لا ينبغي أن يسجد على ثوبه الذي على جسده ولا على يديه وهما في كميه حتى يفضي بهما إلى الأرض؛ لأنه كأنه سجد على الأرض بغير وجهه ويديه.
= الثوب إلا من حر أو برد كتانا كان أو قطنا).

باب في صلاة المريض والصلاة في المحمل

وإذا كان بالمصلي ما يمنعه 1 من الركوع والسجود دون القيام والجلوس، فإنه يستفتح الصلاة قائمًا فيقرأ ثم يومئ للركوع ثم يجلس ثم يومئ للسجود 2. وإن كان يشق عليه إذا استوى قائمًا أن يجلس صلى جميع صلاته قائمًا 3، ويومئ للركوع والسجود، وإن كان يقدر إذا صلى جالسًا على السجود صلى جالسًا، وليس كالأول إذا كان عاجزًا عن الركوع والسجود، فكان الواجب أن يأتي بالقيام ولا يخل به، وفي المسألة الثانية فيمن هو قادر على أن يأتي بالسجود، فهو إن أتى بالقيام أخل بالسجود، وإن أتى بالسجود أخل بالقيام، فكان الإتيان بالسجود أولى؛ لأنه مجمع عليه أنه فرض، والقيام مختلف فيه هل هو فرض أو لا؛ ولأن السجود أعظم أركان الصلاة؛ لأنه يعفر وجهه في الأرض 4، وهو أقرب حالات العبد إلى الله عز وجل إلا أنه يستفتح الصلاة قائمًا ويومئ للركوع، ثم يجلس ويسجد، ثم يتم صلاته جالسًا.
وإن 5 كان لا يقدر إذا قام أن يقرأ إلا بأم القرآن وحدها فعل ذلك وصلى قائمًا وركع، ثم يجلس ويسجد، ثم يقوم فيركع؛ لأن الركوع فرض مجمع عليه،

والإيماء ليس بركوع في الحقيقة، والقراءة مختلف فيها، ولا يصلي جالسًا ليقرأ بأم القرآن وسورة؛ لأن القيام فرض، وقراءة السورة ليست بفرض، فإن كان يقدر على القيام دون القراءة- صلى جالسًا وقرأ، وإذا أومأ للسجود يومئ بيديه إلى الأرض، وإن كانت صلاته جالسًا فعل في الركوع مثل ذلك؛ يجعل يديه على ركبتيه في حين إيمائه إلى الركوع، فإذا رفع أزالهما، فإذا أومأ للسجود جعل يديه على الأرض، وإذا رفع جعلهما على ركبتيه، والإيماء بالرأس والظهر جميعًا 1. واختلف هل يجزئه ما يكون إيماء مع القدرة على أكثر منه أم لا؟ وقال في الكتاب 2: إذا صلى 3 قائمًا يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع 4. فكان في هذا بيان أنه ليس عليه أن يأتي بغاية مقدرته.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن رُفِعَ إليه شيء فيسجد عليه قال: إذا أومأ إلى حد طاقته وسجد على ما رفع إليه أجزأه، وإن سجد عليه وهو يطيق 5 من الانحطاط إلى الإيماء أكثر من ذلك فسدت صلاته.
وهذا راجع إلى الاختلاف في الحركة إلى الركوع والسجود هل هما فرض 6، مقصودتان في أنفسهما أو ليستا بفرضٍ، وأن الفرض الركوع والسجود؟ فقيل: إذا سلم من ركعتين 7 وانصرف- أنه لا يرجع إلى الجلوس، ولم يجعل الحركة إلى القيام فرضًا.
فعلى القول إنه فرض في نفسه أتى بأكثر

المقدور 1 عليه، وعلى القول الآخر ليس ذلك عليه.
وإن رفع إليه وسادة أو غيرها لم يسجد عليها، ولا خلاف في ذلك، واختلف في ذلك إن فعل، فقال في الكتاب 2: تجزئه صلاته 3. وقال أشهب في مدونته: لا تجزئه، إلا أن يكون أومأ برأسه.
وتقدم قول مالك أنه لا تجزئه إلا أن يومئ غاية ما يقدر عليه.
قال الشيخ -رحمه الله-: والقياس ألا يجزئه شيء من ذلك إذا كانت نيته ذلك الإيماء خاصة حتى ينوي في حين إيمائه الأرض فيقصدها بالإيماء، فإذا كانت نيته الإشارة إلى الوسادة التي رفعت إليه دون الأرض- لم تجزئه؛ لأن المراد بالإيماء إلى الأرض أن هذا مطيع غير مستكبر عما دعي إليه من ذلك، ويؤيد ذلك قول مالك أنه يحسر العمامة عن جبهته في حال إيمائه.
واختلف في صفة جلوسه في موضع القراءة، فقال في الكتاب 4: تربعًا 5. وقال محمد بن عبد الحكم: بلغني عن كبار أهل العلم وخيارهم أنهم إذا صلوا جلوسًا يتوركون 6 ويثنون أرجلهم على نحو الجلوس بين السجدتين.
وذكر عن محمد بن المنكدر وابن أبي حازم وربيعة أنهم كانوا يفعلون مثل ذلك إذا صلوا النفل.

قال الشيخ -رحمه الله-: وهذا أحسن؛ وهي الجلسة التي رضيها 1 الله لعباده، وهي أقرب إلى التواضع، وهي جلسة الأدنى بين يدي من فوقه، والتربع جلسة الأكفاء.
وإذا لم يستطع المريض الصلاة جالسًا إلا مستندًا جاز ذلك؛ قال مالك: ولا يستند لجنب ولا لحائض 2. لأنهما -عنده- في حكم النجس، ولذلك منعا المسجد.
وروي عن ابن القاسم إن أمسكته الحائض أعاد في الوقت 3. بمنزلة من صلى بنجاسة، ويجوز ذلك على قول محمد بن مسلمة؛ لأنهما عنده في حكم الطاهر، وأجاز لهما دخول المسجد، واستشهد لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المُؤْمِنُ لا يَنْجُس" 4. وإن لم يستطع فمضطجعًا، واختلف هل يبتدئ بالجنب أو بالظهر، فقال في المدونة: يصلي على قدر ما يطيق من قعود، فإن لم يستطع فعلى جنبه أو على ظهره 5. وقال محمد بن المواز: يبتدئ بالجنب الأيمن، فإن لم يستطع فبالأيسر، فإن لم يستطع فعلى ظهره يجعل رجليه إلى القبلة ورأسه إلى الشمال، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 6 وأصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال سحنون: يصلي على جنبه كما يجعل في لحده.
فإن لم يقدر فعلى ظهره.
قال ابن

حبيب: قال ابن القاسم: يبتدئ بالظهر قبل الجنب 1. قال: وهو وهم.
واستشهد من قال: يبتدئ بالجنب بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. قال: ذلك في المريض والخائف، وجعل المعنى في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: 103] أي: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة.
لأنه يصح أن يؤتى بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل.
وقيل: المعنى: فإذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله باللسان، وهو قول السدي، وهو ظاهر قول الحسن.
وحمل قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: 103] على الماضي وعلى الذكر باللسان، وهو الحقيقة في الموضعين من الآية.
وقد ورد القرآن أن تُعْقَب الطاعة بالذكر في الحج والصوم والصلاة 2، والآية محتملة للوجهين جميعًا، وإذا كان ذلك 3 - سقط الاحتجاج بها على قول ابن القاسم، ولم يحمل قوله على الوهم، بل هو أشبه باستقبال 4 القبلة.
ولا يحتج على هذا بوضع الميت في قبره؛ لأنه انقطع عمله، وإنما يضطجع

ضجعة النائم، إلا أنه يستحب له أن يكون على جنبه الأيمن.

فصل [فيما يعرض للمريض يريد الصلاة]

وقال محمد بن عبد الحكم: إذا خاف معاودة علة تضر به إن قام- سقط عنه القيام.
وقال فيمن لا يملك خروج الريح منه إذا قام: سقط عنه القيام 1 ويصلي جالسًا.
وقال ابن القاسم في الكتاب: إذا كان لا يستطيع السجود لرمد بعينه أو قرحةٍ بوجهه أو صداع يجده فإنه يومئ للسجود 2. واختلف في الذي يقدح الماء من عينيه ويصلي مستلقيًا، فمنعه ابن القاسم في الكتاب 3 وقال: إن فعل أعاد في الوقت وبعده 4. وأجاز أشهب أن يصلي مستلقيًا على حاله 5. وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب فيما قرب كاليوم وشبهه، وكرهه فيما طال أو كثير من الأيام، وقال: ولو كان يستطيع أن يصلي جالسًا ويومئ برأسه في الأربعين يومًا لم أر به بأسًا 6.

وفرق مالك وابن القاسم بين الجالس والمضطجع؛ لأن الجالس يأتي بالعوض عن الركوع والسجود- وهو الإيماء بالرأس يطأطئه، والمستلقي لا يأتي بعوض وإنما يأتي عند الركوع والسجود بالنية من غير فعل.
ومن افتتح صلاته قائمًا ثم عرض له ما منعه القيام- أتمها جالسًا، وإن افتتحها جالسًا ثم ذهب ما منعه القيام- أتمها قائمًا (1).

فصل [في الصلاة في المحمل]

ولا تجوز صلاة الفرض في المحمل إذا كان قادرًا على أن يأتي بها في الأرض على أتم من ذلك، كالذي يصلي قاعدًا وهو قادر -إذا كان على الأرض- على القيام، أو مضطجعًا وهو قادر على الجلوس، أو يومئ للسجود مع القدرة -لو كان بالأرض- على السجود.
وقد اختلف إذا تساوت الحال وكان عاجزًا عن القيام والسجود، أو كان لا يستطيع الجلوس في الأرض فصلى في المحمل على تلك الحالة جالسًا يومئ للركوع والسجود، أو كان لا يستطيع الجلوس فصلى 2 مضطجعًا- فكره مالك 3 ذلك في الكتاب 4. وإن كان شديد المرض لا يستطيع الجلوس.
فأجازه في العتبية إذا كان لا يستطيع الجلوس، ومنعه إذا كان يقدر 5.1

وقال ابن حبيب: إذا كانت الحال واحدة صلاته بالأرض (1) وعلى الدابة إيماءً فليس عليه أن ينزل بالأرض وليصل على دابته أو في محمله إذا وقفت الدابة واستقبلت القبلة.
وذكره عن ابن عبد الحكم (2)، وفي العتبية عن مالك مثل ذلك.
وقال مالك: لا يجوز أن يصلي في المحمل راكبًا حتى لا يقدر أن يصلي بالأرض جالسًا (3).

فصل النفل يشتمل على ما يشتمل عليه الفرض

النفل يشتمل على ما يشتمل عليه الفرض من القيام والقراءة والركوع والسجود، والأفضل أن يأتي به على حسب ما يفعل في الفرض؛ يقوم ويقرأ ويركع ويسجد، ووإن يسقط القيام فيصلي قاعدًا، ولا يسقط القراءة، وهو بالخيار في الركوع بين أن يقوم ليومئ به، وله أن يومئ به وهو جالس.
واختلف في السجود هل يأتي به إيماءً مع القدرة على السجود بالأرض، فقال ابن القاسم في العتبية: لا يومئ للنافلة إلا من علة 4. وأجازه ابن حبيب وقال: إذا صلى جالسًا فإن شاء سجد، وإن شاء أومأ من غير علة 5.123

والقول الأول أحسن؛ لأن الجلوس للسجود كالقيام للركوع، ولو صلى النافلة قائمًا وهو صحيح- لم يجز له أن يومئ للركوع وهو قائم، فكذلك لا يومئ للسجود وهو جالس للسجدة الأولى ولا الثانية.

فصل في سقوط القيام على من خاف معاودة مرض إن قام

واختلف في المتنفل مضطجعًا على ثلاثة أقوال: فأجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة 1 وهو ظاهر المدونة، وفي النوادر: المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري للصحيح 2، واحتج بحديث عمران بن حصين قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى مُضْطَجِعاَّ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ" أخرجه البخاري 3. وقوله: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ" دليل على أنه قادر على القيام.
ويجوز لمن ابتدأ جالسًا أن يتم قائمًا، ولمن ابتدأ مضطجعًا أن يتم جالسًا وقائمًا.
ولا ينبغي لمن ابتدأ قائمًا أو جالسًا أن يتم مضطجعًا 4. ومن ابتدأ قائمًا فأراد أن يتم جالسًا فعلى ثلاثة أوجه: فإن كانت تلك نيته- جاز ذلك، وإن كان التزم القيام لم يكن له أن يتم جالسًا، وإن كانت نيته أن يكملها قائمًا ولم يلتزم ذلك- كان فيها قولان: فأجاز

ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب 1، والإجازة أحسن؛ لأن الإحرام لا يتضمن التزام القيام، وإنما يتضمن التزام ما لا يجوز أن يعمله بعد عقد الإحرام، مثل أن يريد أن يقطع من ركعة، ويجوز أن 2 يحرم على أنه بالخيار بين أن يصلي قائمًا أو قاعدًا، وإذا كان ذلك لم يلزمه القيام بمجرد الإحرام.
وقال مالك: إذا مدّ المصلي قاعدًا رجليه طلب الراحة أرجو أن يكون خفيفًا 3. قال الشيخ -رحمه الله-: وليس بحسن مع الاختيار.
والتنفل في السفر إذا كان يقصر 4 في مثله الصلاة بخلاف التنفل في الحضر في الوجهين؛ فيجوز أن يصلي على الدابة وهو غير متوجه للقبلة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّه كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ إِلى القِبْلَةِ، فَإِذَا كَبَّرَ تَوَجَّهَ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ" 5. وقال مالك: إذا أومأ للسجود يرفع العمامة عن جبهته 6. وأرى أن يومئ إلى الأرض لا إلى الراحلة.

فصل لا يشترط الاستقبال للخائف في الفرض ولا للمسافر في النفل

وقال مالك فيمن خاف على نفسه السباع وغيرها: فإنه يصلي على دابته حيث توجهت به، واستحب أن يعيد إن أمن في الوقت ولم يره بمنزلة العدو 1. وقال المغيرة: وإن صلى على دابته خوفًا من العدو يعيد ما دام في الوقت.
وكل هذا استحسان، ولا شيء عليه إن لم يعد.
قال الشيخ: وأرى أن ينظر هل هو على يقين من زوال ذلك قبل خروج الوقت، أو على إياس، أو شاك- حسبما مضى في التيمم؟ ويستحب له إذا كان يرجو انكشاف ذلك قبل خروج الوقت أن يؤخر إلى آخر الوقت المختار.
ولا يتنفل المسافر وهو ماش، وليس بمنزلة الراكب 2؛ لأن الراكب كالجالس، وتنفل الجالس جائز، والماشي منشغل بنفسه بما يضاد الصلاة من تصرفه وسعيه في أمور دنياه، والآخر يسار به على بعيره أو في المحمل أو في السفينة، وذلك لا يتأتى في الصلاة 3.

باب في إمامة الجالس

واختلف في إمامة المريض جالسًا بالجواز والمنع، واختلف بعد القول بالإجزاء هل يصلي الناس خلفه قيامًا أو جلوسًا، فمنع مالك ذلك مرة وقال: إن نزل به -وهو إمام- أمر حتى صار لا يستطيع أن يصلي إلا وهو جالس استخلف ورجع إلى الصف 1. وقال مطرف وابن الماجشون: إن صلى بهم أعاد من ائتم به وإن ذهب الوقت 2. وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز إمامة الجالس وهم قيام 3، وأجاز ذلك أشهب في مدونته وقال أحمد بن المعذل: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم إن جلسوا معه لم آمن أن يكون مخالفًا لما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ائتم به أبو بكر وائتم الناس بأبي بكر - رضي الله عنه - 4، وإن قاموا كان خلافًا لما جاء أنهم صلوا معه جلوسًا 5،

فأحب إلي أن يعتزل الإمامة.
وروي عن أبي هريرة وجابر وأسيد بن حضير وقيس بن قهد - رضي الله عنهم - 1 أنهم قالوا: يصلون خلفه جلوسًا.
وبه قال أحمد بن حنبل والأوزاعي.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس قال: ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسًا، فصرع عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، ثم قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا 2، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا..." 3 الحديث.
والحديث الثاني: حديث عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا ثَقُلَ بِهِ مَرَضُهُ قَالَ: مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، ثم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَجَاءَ المسْجِدَ فَجَلَسَ إِلى جَنْبِ أَبي بَكْرٍ، فَصَلَّى قَاعِدًا وَقالو بَكْرٍ وَالنَّاسُ قِيَامًا، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - والنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ" 4. وفي حديث آخر قالت: "يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّاسُ بِصَلاَةَ = 1/ 309، في الصلاة باب ائتمام المأموم بالإمام، من كتاب الصلاة، برقم (412).

أَبِي بَكْرٍ"، أخرجه البخاري ومسلم 1. وفي مسلم: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا يَقْتَدِي بِصَلاَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 2. والثالث: ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: "لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا" 3، ولم يثبت 4 وإذا لم يثبت هذا الحديث، وثبت نسخ حديث أنس بحديث عائشة- كان الصواب جواز إمامته، ويصلي الناس خلفه قيامًا.
واختلف في إمامة المريض للمرضى 5 وأن تجوز أحسن.

فصل في الإمام يصلي على أرفع مما عليه من خلفه

وقال مالك في الإمام يصلي على أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب: تكون عليهم الإعادة وإن خرج الوقت؛ لأن هؤلاء يعبثون.
وإن كان يسير الارتفاع لم يكن عليهم شيء.
ولو صلى رجل في موضع مرتفع لنفسه فأتى رجل فائتم به لأجزأتهم الصلاة 1. وإذا أراد من في الدار التي بقرب المسجد أن يصلوا بصلاة إمام المسجد جاز ذلك إذا كان إمام 2 المسجد في قبلتهم يرونه ويسمعونه 3، ويكره ذلك إذا كانوا على بُعْدٍ يرونه ولا يسمعونه؛ لأن صلاتهم معه على التخمين والتقدير، وكذلك إذا كانوا على قرب يسمعونه ولا يرونه لحائل بينهم، أو لأنه ليس في قبلتهم؛ لأنهم لا يدرون ما يحدث عليه، وقد يذهب عنهم علم 4 الركعة التي هو فيها، فإن نزل جميع ذلك مضى وأجزأتهم صلاتهم.
وكذلك أهل المسجد يصلون فيه وفوقه، فإن كان الإمام في صحن المسجد ومن فوقه يرونه فلا بأس به إذا ضاق المسجد بمن مع الإمام، ويكره ذلك مع الاختيار؛ لأن السنة كون المأمومين خلف الإمام، وتكره 5 تفرقة الصفوف، فهو في هذا أشد 6.

ويكره إذا كان الإمام في بيت المسجد وآخرون فوقه، أو كان الإمام فوقه 1 وآخرون في بيته، ويستخف 2 ذلك مع الضرورة إذا ضاق الموضع بمن مع الإمام.
وكره مالك أن يصلي من في السفينة ومن على سقفها بإمام واحد، وليصل كل قوم بإمامهم، وأجاز مالك في جماعة السفن أن يصلوا بإمامة أحدهم إذا كانت السفن قريبة بعضها من بعض 3، ويستحب أن يكون الإمام من الذين في قبلتهم، وإن لم يكن فالصلاة جائزة، وكذلك أصحاب الأسواق، لا بأس أن يصلوا جماعة وإن كانوا على خلاف السنة من تفرقة الصفوف وفرقت بينهم الطريق؛ لأن هذه ضرورة.

باب في الإمامة في الصلاة ومقام المأمومين خلف الإمام

وإذا اجتمع جماعة للصلاة وتساوت حالهم قدّموا لأنفسهم من شاءوا منهم، وإن رجح أحدهم بحالةِ عِلْمٍ، أو صلاح، أو صيانة أو سن، أو حسن هيئة- كان أحق بالإمامة ممن سواه.
وإن اختلفت حالاتهم وكان لكل واحد منهم وجه يدلي به ولا يدلي به الآخر، فقيه، وعابد، وقارئ 1، وذو سن كان العالم أولاهم، ثم القارئ إذا كان مقرئًا 2 إمامًا في ذلك، ثم الصالح، ثم الأسن 3. وإن رجح رجلان بمعنى واحد، فإن رجحا بعلم فأعلمهما، وإن تقاربا في العلم فأصلحهما، وإن تقاربا في الصلاح فأسنهما.
وعلى هذا يجري الجواب في مقرئين وصالحين.
وأربعة الإمامة إليهم: الأمير، والأب، والعم، وصاحب المنزل، فإن اجتمع أب وابن كانت الإمامة إلى الأب، وكذلك العم وابن الأخ- الإمامة إلى العم.
وقال مالك في المستخرجة: وإن كان العم أصغر فهو أحق بالإمامة إلا بإذن الأب أو العم فيجوز أن يؤمهما 4. قال سحنون: وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثل ابن الأخ 5.

وعلى هذا يكون الابن أولى من الأب إذا كان عالمًا أو صالحًا والأب ليس كذلك.
وصاحب المنزل أحق بالصلاة وإن حضر من هو أفضل منه من فقيه أو صالح؛ أو ذي سن إلا أن يأذن، ويستحب له أن يقدم غيره ممن ذكرنا.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدًا 1. قال الشيخ -رحمه الله-: وإن كان منزلا 2 لامرأة كان الاستخلاف إليها، ويستحب لها أن تستخلف أحقهم بالإمامة لو لم يكن منزلها.
والأصل في هذه الجملة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ -عز وجل-، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إِسْلامًا وَلاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ" أخرجه مسلم في صحيحه 3. وفي رواية أخرى: "أَكبَرُهُمْ سِنًّا" 4. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأهم لأنه كان أفقههم، وإنما كان فقههم من كتاب الله سبحانه، وقدم المتفقه في كتاب الله تعالى على المتفقه في السنة؛ لأن القرآن أصل علم الله تعالى في أرضه على هذه الأمة.
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا

وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا" أخرجه البخاري ومسلم (1). وفي النسائي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا فَلاَ يُصَلِّيَنَّ بِهِمْ" (2).

فصل في إمامة الفاسق

اختلف في إمامة الفاسق، فقيل: الصلاة جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت.
وقيل: لا تجزئ 3، ويعيد من ائتم به في الوقت وبعده.
وقال أبو بكر الأبهري: المسألة على قسمين: فإن كان فاسقًا بتأويل 4 أعاد في الوقت، وإن كان فاسقًا بإجماع، كمن ترك الطهارة عامدًا، أو زنى أو شرب الخمر- أعاد في الوقت وبعده.
قال: وكذلك وجدته مسطورًا، ذكره القاضي أبو الحسن علي بن القصار عنه 5. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن تجزئ الصلاة إذا كان فاسقًا 6 بما لا تعلق له في الصلاة، كالزنا وغصب الأموال وقتل النفس، وكثيرًا ما يُرى من هؤلاء السلاطين12

التحفظ في أمور صلواتهم، ولا تجزئ إذا كان فسقه بأمر يتعلق بالصلاة كالطهارة، أو يخل بأمر من فروض الصلاة أو يشك فيه، أو وهو سكران.
ويختلف إذا شرب خمرًا ولم يسكر، فقال مالك 1 في كتاب محمد: يعيدون وإن ذهب الوقت؛ لأن الخمر في جوفه 2. يريد: لأن حكم ما في المعدة على غير 3 الطهارة، فصار مصليًا بنجاسة متعمدًا، في موضع من جسده، لم تدع إليه ضرورة.
وعلى القول أن عرق من يشرب الخمر نجس يكون جميع الجسد نجسًا، ويعيد ما قرب.
واختلف في إمامة القدري والألكن ومن يلحن ومن يقرأ بقراءة ابن مسعود، والصبي، والعبد، وولد الزنا، والخصي، والأقطع، والأشل، والمريض يصلي جالسًا، وفي إمامة المرأة للنساء 4. واختلف في الصلاة خلف أهل البدع والأهواء، فقال مالك: لا يصلى خلف القدري 5 الجمعة، ومن فعل ذلك أعادها ظهرًا.
ووقف مرة في إعادة الصلاة خلف القدري، وعلى هذا يصلي 6 الجمعة خلفه.
وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت 7.

وقال سحنون في العتبية (1): لا إعادة على المأموم لا في وقت ولا غيره.
قال: وكذلك يقول جميع أصحاب مالك؛ المغيرة وابن كنانة (2) وأشهب قال: لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام (3). وقال محمد بن عبد الحكم: يعيد أبدًا.
وهذا مثل قول مالك؛ لأنه قال: لا تصلى خلفه الجمعة؛ لأن الجمعة فرض على الأعيان.
واختلف هل يكفر بمآل قوله، فمن كفره بذلك أوجب الإعادة بعد ذهاب الوقت، ومن لم يكفره لم ير الإعادة.
وقد تستحسن الإعادة في الوقت ليخرج من الخلاف.
وقد روي عن مالك أنه قال فيمن يقول بخلق القرآن: هو كافر، فاقتلوه (4). وروي عنه أن يوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب.
وسئل عن تزويج القدري فقال: لا يزوج (5)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]. وإلى هذا يرجع الخلاف المتقدم.

فصل الخلاف في إمامة الألكن

واختلف في إمامة الألكن، فروي عن مالك في المجموعة وفي المبسوط12345

إجازتها ابتداءً (1). وذكر إسماعيل القاضي -ولم أره في المبسوط- أنه قال: إن ذلك إذا كانت لكنته في غير قراءته.
وهذا بعيد؛ لأن اللكنة واللثغة تكونان طبعًا وخِلقَةً في الكلام لا تتغير لقراءة ولا لغيرها، ومع أنه لا يحتاج إلى السؤال عن إمامة من يحسن القراءة من أجل أنه لا يبين كلامه في غير قراءة، كما أنه لا يحتاج السؤال عن إمامة من يحسن القراءة إذا كان يلحن في كلامه من غير قراءة.
فهذا من الأمور البينة التي لا يسأل مالك عنها، ولا أعلمهم يختلفون أن صلاة من ائتم بالألكن ماضية (2) ولا إعادة على من ائتم به، وليس كالذي يلحن؛ لأنا نأمر من كان يلحن أن يصلي مأمومًا، ولا نأمر بذلك الألكن.

فصل في إمامة من يلحن

وفي إمامة من يلحن أربعة أقوال، فقيل: جائزة، وقيل: ممنوعة، وقيل: إن كان لحنه في أم القرآن لم يجز، وإن كان في غيرها جاز 3. وقال أبو الحسن ابن القصار: إن كان لا يغير معنى جازت إمامته، وإن كان يغير المعنى فيقول: "إِيَّاكِ نَعْبُدُ" و"أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ" 4 فيجعل الكاف للمؤنث والإنعام لنفسه- لم تجز إمامته 5. وقاله أبو محمد عبد الوهاب 6.12

قال: وأما الأعجمي الذي يلفظ بالضاد ظاء، والألثغ الذي يلفظ بالراء خفيف الغين طبعًا فتصح إمامته؛ لأنه ليس في ذلك إحالة معنى إنما هو نقصان حروف.
والقول بالمنع ابتداءً أحسن إذا وجد غيره ممن يقيم قراءته، فإن أم مع وجود غيره مضت صلاته وصلاتهم؛ لأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا، مع أنه لو سُلِّمَ أن ذلك ليس بقرآن لم تفسد صلاته؛ لأنه لم يتعمد كلامًا في صلاته.
وقد اختلف فيمن تكلم جاهلًا في صلاته هل تفسد صلاته؟ فكيف بهذا واللحن لا يقع في القراءة في الغالب إلا في أحرف يسيرة، ولو اقتصر المصلي على القدر الذي يسلم من اللحن لأجزأه.
ولا فرق بين ما يغير معنى أم القرآن؛ لأن القارئ لا يقصد موجب ذلك اللحن، ولا يعتقد من ذلك إلا ما يعتقده من لا لحن عنده.
ويختلف في الإتمام بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود، فمنعه في الكتاب، وقال: يخرج ويتركه ولا يأتم به 1. وروى ابن وهب عنه أنه قال: أقرأ ابن مسعود رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43، 44]، فجعل الرجل يقول: "طعام اليتيم"، فقال له ابن مسعود: "طعام الفاجر"، فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال: نعم، أرى ذلك واسعًا 2.

فعلى هذه الرواية يجزئ الائتمام به، وهذا موافق لقول ابن شهاب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" أخرجه البخاري ومسلم (1)، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الواحد لا تختلف في حلال ولا حرام (2)، وإليه ذهب ابن مسعود؛ أنه يجعل مكان الكلمة كلمة معناهما واحد.

فصل في إمامة الصبي

وفي إمامة الصبي ثلاثة أقوال، فمنعها في المدونة في الفرض والنفل 3، وأجازها في المستخرجة في النفل خاصة 4، وقال أبو مصعب: إن أمَّ في الفريضة مضت صلاة من ائتم به.
وقال أشهب في مدونته في إمامٍ أحدث فاستخلف صبيًّا فأتم بالقوم، قال: إن عقل الصلاة وأمر بها أجزأته، وأعاد من خلفه ما لم يذهب الوقت، فإن ذهب الوقت فلا إعادة 5 عليهم.
فمنع من إمامته في الفرض؛ لأنه غير مخاطب بالصلاة من طريق الوجوب، فكان المؤتم به مفزضًا خلف متنفل، ومنع من إمامته في النفل لأن عقده في12

حين دخوله في الصلاة غير لازم؛ بدليل أنه لو خرج من الصلاة قبل تمامها لم يكن عليه قضاؤها، بخلاف البالغ، وأجزأت 1 عنه في القول الآخر في الفرض؛ لأن عقده عقد ما لم يخرج منه، وهذا مما لا خلاف فيه.
وقد جاءت السنة في 2 حجه، وفي أمره إياه بالصلاة، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مُرُوهُمْ بِهَا لِسَبْع، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ" 3. فثبت بهذه الأحاديث أنه قد انعقدت عليه قربة، والحل أمر لم يأت بعد، وأنه مصلي الظهر إن كان في ظهر، ولا يقال: إنه مصل غيره، وإذا كان ذلك كذلك كانا في صلاة واحدة ظهرًا أو عصرًا لهما جميعًا.
ويؤيد ذلك حديث أبي 4 جميلة أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين، قال: "وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الحَيِّ: أَلاَ تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوا لِي قَمِيصًا".
ذكره البخاري في آخر المغازي: قال: "وَكَانَ أَبُو جَمِيلَةَ 5 أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الفَتْحِ" 6.

فصل في إمامة المرأة

إمامة المرأة الرجال غير جائزة، واختلف في إمامتها للنساء، فقال مالك 1 في الكتاب: لا تؤم المرأة 2. ولم يفرق، وروى عنه ابن أيمن أنه أجاز أن تؤم النساء، وهو قول الشافعي 3. وأجاز أبو ثور والطبري إمامتها الرجال والنساء 4. فأما إمامتها النساء فالصواب جوازها ابتداءً عند عدم من يؤمهن من الرجال، وذلك أحسن من صلاتهن أفذاذًا، ويكره مع وجود من يؤمهن من الرجال، فإن فعلن أجزأت صلاتهن لتساوي حالهن؛ ولأنه لم يأت أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنع إمامتهن.
وتمنع إمامتهن الرجال؛ لنقصهن عنهم، وقد اعتل للقول بالمنع بأن كلامهن عورة، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلهُا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلهُا" 5. وجميع هذا إنما تجيء منه الكراهة ولا يجيء منه عدم الإجزاء؛ لأنه لا يختلف أن صلاة أولهن صفًّا جائزة لا تجب إعادتها، وأنه لو

استمع إلى كلام امرأة وهو في الصلاة من غير أن تؤم- لم تفسد صلاته.

فصل في إمامة العبد

واختلف قول 1 ابن القاسم وعبد الملك وأشهب في إمامة العبد، فجعلها ابن القاسم على ثلاثة منازل: جائزة، ومكروهة، وممنوعة.
فأجاز أن يكون إمامًا راتبًا في النوافل وقيام رمضان، وإمامًا غير راتب في الفرائض، وكره أن يكون إمامًا راتبًا في الفرائض، وأما في السنن كالعيدين والاستسقاء والخسوف، فإن أمَّ في ذلك أجزأت صلاته ولم يؤمروا بإعادة، ومنع أن يكون إمامًا في الجمعة، فإن فعل لم تجز الصلاة وأعاد وأعادوا 2. وأجاز عبد الملك أن يكون إمامًا راتبًا في الفرائض، ويجوز على قوله أن يكون إمامًا في السنن، ومنع أن يكون إمامًا في الجمعة.
وأجاز أشهب إمامته في الجمعة وقال: لأنه إذا شهدها صار من أهلها 3. وقول ابن القاسم ألا يكون إمامًا راتبًا في الفرائض أحسن، والحر أولى، إلا أن يكون منقطعًا بالفضل والصلاح 4، ولم يكن في الجماعة مثله في الفقه والقراءة والصلاح 5، وأما الجمعة فإن الناس معه عند ابن القاسم في معنى مفترض خلف متنفل؛ لأنه مخير بين أن يصلي الجمعة أو الظهر، فلما كان دخوله

فيها بالتطوع: أشبه المتنفل.
وقول أشهب أنها تجزئه أحسن؛ لأنه وإن كان متطوعًا بالدخول فيها، فإنها فريضته، وتبرأ ذمته بها عن الظهر.

فصل في إمامة ولد الزنا، والخصي [والأقطع، والأشل]

وكره مالك إمامة ولد الزنا والخصي إذا كان راتبًا 1، وكره ابن وهب إمامة الأقطع والأشل إذا لم يقدر يضع يديه في الأرض 2. وأجاز ابن الماجشون في الواضحة إمامة الأقطع والخصي وإن كان إمامًا 3 راتبًا إن كان عدلًا 4، وأجازه أشهب في ولد الزنا 5، وغيره أحب إلي منه.
قال الشيخ -رحمه الله-: قول مالك في ولد الزنا أحسن؛ لأن ذلك مما يؤذى به، وأما الخصي فجائز إذا كان من أهل الخير والفضل.
ومنع إمامة الأشل والأقطع؛ لأن كل واحد منهما عاجز عما يحاوله من اغتساله من الجنابة ووضوئه وزوال النجاسة والتنظف من الوجه الآخر، وأمرهما في ذلك أضعف شأنًا من الصحيح، والصلاة أولى ما احتيط لها.
فقال ابن حبيب: يكره للرجل أن يؤم قومًا وهم له كارهون أو أكثرهم أو ذوو النهى والفضل منهم وإن قلوا 6.

وقال مالك: إذا كان فيهم من يخاف أن يكرهه فليستأذنهم (1). وقال مالك في العتبية في نصراني أمَّ قومًا في سفر ثم علموا به إنهم (2) يعيدون أبدًا (3)، ولا يقتل (4) بما أظهر من الإسلام.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب مثل ذلك في الإعادة، وقالا: يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولا حجة له إن قال: فعلته عبثًا أو مجونًا (5). وقال سحنون: إن كان في موضع يخاف على نفسه فدارى به لم يعرض له، وأعاد القوم، وإن كان آمنًا عرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يعيدوا، وإن لم يسلم قتل وأعادوا.
وقول مالك أحسن أنه لا يقتل، والقول قوله إن قال: فعلته عبثًا أو مجونًا (6)؛ لأنه قد أتى بما يشبه، ويعاقب ويعيد القوم.
وليس ذلك بمنزلة نصراني مقيم بين قوم يعرف بالنصرانية فأظهر الإسلام فإنه لا يعذر.

فصل في مقام المأموم من الإمام

ومقام المأموم من الإمام إن كان واحدًا- عن يمينه، فإن قام عن يساره أداره من خلفه، ورده عن يمينه، فإن كانا اثنين فأكثر قاما خلفه.
وحكم الصبي إذا كان ممن يعقل ويثبت في صلاته- حكم الرجل، إن كان123456

وحده أقامه عن يمينه، وإن كان معه آخر قاما خلفه، ومقام المرأة خلفهما 1 أبدًا، فإن لم يكن مع الإمام غيرها قامت خلفه، وإن كان مع الإمام رجل واحد وامرأة قام عن يمينه وكانت خلفهما، وإن كانا رجلين فأكثر قاما خلفه، وقامت 2 هي خلفهم، وسواء كانت المرأة أجنبية أو من ذوي محارمه أو زوجته أو أمته.
وقال مالك فيمن صلى لنفسه ثم أتى رجل فائتم به: إنها له صلاة جماعة 3. قال الشيخ -رحمه الله-: وكذلك الإمام تصير له 4 جماعة أيضًا، فلا يعيد في جماعة أخرى.

باب في إعادة الصلاة في جماعة ومن كان في صلاة فأقيمت عليه تلك الصلاة أو غيرها

ولمن صلى فذًّا أن يعيد تلك الصلاة في جماعة، وذلك في أربع صلوات: الصبح، والظهر، والعصر، والعشاء إذا لم يوتر، واختلف في المغرب وفي العشاء إذا أوتر، فقال مالك: لا يعيد المغرب، وأن أقيمت الصلاة وهو في المسجد فليخرج 1. وقال المغيرة: يعيدها.
وقال مالك في العتبية: لا يعيد العشاء إذا أوتر 2. وقال سحنون في المجموعة: فإن أعادها أعاد الوتر، وقال يحيى بن عمر: لا يعيد الوتر 3. وعلى قول المغيرة: يعيد العشاء ابتداءً وإن كان قد أوتر.
فمن منع إعادة المغرب قال: لأن الآخرة نافلة ولا يتنفل بثلاث.
وقال ابن القاسم: إن أعادها أضاف إليها رابعة لينصرف على شفع 4. يريد: إذا أعادها بنية النفل، ولو نوى رفض الأولى لتكون هذه فرضه- لم يشفعها؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى، فيخرج من الخلاف أن هذه تعود فرضه.
وقال أشهب في مدونته: إن صلى ركعتين وسلم رأيت ذلك واسعًا.
وأرى إن أعاد العشاء بنية النفل لم يعد الوتر، وإن أعادها بنية الفرض أعاد الوتر.

وينبغي إذا كان الوجه في المنع لأن الآخرة نافلة 1 ألا يعيد العصر ولا الصبح، وهو قول عبد الله بن عمر؛ قال في الموطأ: لا يعيد الصبح ولا المغرب 2. وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح ولا العصر.
ورأى 3 أن الآخرة نافلة، وإذا سلّم مالك وغيره من أصحابه أن له أن يعيد الصبح والعصر دل على أن الآخرة ليست بنافلة، وأن يعيد المغرب كما قال المغيرة، وهو أحسن؛ لحديث محجن قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ" 4، فعم، ولو كان ذلك في بعض الصلوات لبيّنه، ولم يجز تأخير البيان 5 في ذلك.
ولحديث معاذ كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه فيؤمهم 6، ولم يخص شيئًا من الصلوات، وفي بعض طرقه أنه كان يصلي المغرب ثم يؤم قومه 7. ولحديث الأسود قال: "شَهِدْتُ الصُّبْحَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّتِهِ بِمَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَأَى رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا، فَقَالَ:

مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا.
فَقَالَ: لاَ تَفْعَلاَ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُم نَافِلَةٌ" 1. أي: زيادة على الواجب، والذي يؤيد أن الآخرة فرض أنهم قالوا: إن صلى فذًا أعاد الآخرة في جماعة؛ ليدرك فضلها، قال أبو محمد عبد الوهاب: ليدرك فضل الجماعة على ما وردت به السنة 2. واحتج بالحديث: "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً".
وإن صلى في جماعة لم يعد، فلو كانت الآخرة نافلة لأعاد من صلى جماعة في جماعة بعد جماعة؛ لأن النفل لا يقف على عدد.
وقال عبد الملك بن حبيب فيمن صلى في جماعة: لا يعيد في جماعة إلا أن يكون التي صلى في جماعة بمكة أو بالمدينة أو بيت المقدس، ثم دخل المسجد الحرام أو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مسجد بيت المقدس فوجد الناس في الصلاة أو أقيمت تلك الصلاة، فإنه يؤمر أن يصلي معهم وإن كان قد صلاها 3 في جماعة، وذلك لفضل الصلاة فيها 4 على غيرها 5. قال: ولهذا استحب مالك لمن صلى في جماعة في غير هذه المساجد ثم دخل بعض هذه المساجد وهم فيها أن يصليها معهم، قال: ألا ترى أنه إنما أمر من صلى وحده ثم أتى مسجدًا وهم فيها أن يصليها معهم؛ لفضل الجماعة على

الفذ.
يريد 1 ليدرك فضل الجماعة السبع وعشرين درجة.
ويلزم على قوله أن لمن صلى في جماعة ثم أتى أحد هذه المساجد- أن يعيد فيها فذًّا؛ لأنه أعظم أجرًا.
وقال مالك فيمن أتى المسجد الحرام أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد صلى 2 أهله، وهو يطمع أن يدرك الجماعة في غيره- أنه يصليها فيه فذا ولا يخرج إلى جماعة في غيرها 3 قال: لأن الصلاة فيها فذًّا أعظم من الجماعة في غيرها 4. وهذا الذي قاله صحيح، ومحمل الحديث أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، أن ذلك إذا صُلِّيَتا جميعًا في مسجده أو جميعًا في غير مسجده، فأما إن صُلِّيَتْ إحداهما في غير مسجده، والأخرى في مسجده فإنها تضعف عليها بألف إذا صليتا جميعًا فذًّا أو جميعًا في جماعة، فإن صليت في غير مسجده فذًّا وصلاها آخر في مسجده جماعة فإنها تفضل 5 بسبع وعشرين ألف درجة 6.

فصل حكم من صلى فذًّا تم أعاد في الجماعة تم تبين أنه كان في إحداهما بلا وضوء

ومن صلى فذًّا ثم أعاد في جماعة، ثم تبين أنه كان في إحدى الصلاتين على غير وضوء- كان الأمر في ذلك إلى نيته في حين إعادته الآخرة، هل دخل فيها بنية 1 الفرض، أو النفل، أو على أن ذلك إلى الله سبحانه؟ فإن كان نوى بالثانية النفل ثم تبين له أنه فيها على غير وضوء- بقي على الأولى، ولم يعد الأولى ولا الثانية، وإن تبين أنه في الأولى على غير 2 طهارة لم تجزئه الثانية وأعاد الأولى، وإن كان نوى بالثانية الفرض، ثم تبين أن الأولى على غير وضوء- أجزأته الثانية، وإن تبين أن الثانية على غير وضوء كان في إعادته الأولى قولان: فقيل: لا يعيدها لأنها لا ترتفض، وقيل: ترتفض ويعيدها.
وإن نوى أن ذلك إلى الله سبحانه؛ يجعل أيتهما شاء صلاته- لم تكن عليه إعادة، وسواء كان منتقض الطهارة في الأولى أو الثانية.
وقد وقع في نصوص هذه المسألة اختلاف، وهو ينصرف إلى هذه الوجوه، وقال مالك في المبسوط فيمن صلى في بيته ثم أتى المسجد فوجد الإمام جالسًا في الصلاة فكبر ودخل معه وجلس ثم سلم الإمام؛ لأنه كان في آخر صلاته قال: إن كانت نية هذا حين دخل مع الإمام 3 أن يجعلها فرضًا 4، وصلاته في

بيته نافلة، فعليه أن يتمها وأمرهما إلى الله سبحانه؛ يجعل أيتهما شاء صلاته، وإن لم يرد رفض الأولى لم يكن عليه أن يتمها (1) وقد أجزأت عنه صلاته في بيته (2).

فصل حكم من صلى ببيته ثم أتى المسجد فأقيمت تلك الصلاة فلا يتقدمهم فيها

وقال مالك في المدونة فيمن صلى في بيته ثم أتى المسجد فأقيمت تلك الصلاة: فلا يتقدمهم فيها، فإن فعل أعاد من خلفه؛ لأنه لا يدري أيتهما صلاته وإنما ذلك إلى الله -عز وجل- 3، فكيف تجزئهم صلاة رجل لا يدري هل هي صلاته أم لا 4؟! قال الشيخ -رحمه الله-: ولا تجزئهم أيضًا إذا نوى بها النافلة إلا على قول 5 من أجاز إمامة الصبي.
ويختلف إذا نوى بالثانية الفرض ورفض الأولى، فمن قال: إنها ترتفض- أجزأتهم صلاتهم خلفه، ومن قال: إنها لا ترتفض- لا تجزئهم إلا أن يتبين أن الأولى كانت على غير طهارة فتجزئهم؛ لأن الآخرة فرض.
وإن نوى أن ذلك إلى الله سبحانه ثم تبين له 6 أن الأولى على غير وضوء12

أجزأتهم أيضًا.
وقال محمد بن سحنون عن أبيه فيمن صلى في بيته ثم أعادها بالناس: فإنهم يعيدون وإن خرج الوقت ما لم يطل؛ لاختلاف الصحابة في ذلك.
ولا خلاف أنه يجوز أن يصلي متنفل خلف مفترض، واختلف هل يصلي مفترض خلف متنفل، والأصل في ذلك حديث معاذ أنه كان يصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي فيؤم قومه (1). فذهب مالك إلى أن صلاته كانت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بنية النفل.
وقال غيره: بل كانت صلاته خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بنية الفرض ثم يأتي فيؤم قومه (2) على وجه التنفل.
والأشبه أنه كان يصلي لتكون الأولى فرضه (3) ولا يترك صلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي بألف في غيره وخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجعلها نافلة ليكون فرضه أقل أجرًا.

فصل [فيمن ابتدأ صلاة في المسجد، فأقيمت عليه تلك الصلاة]

ومن كان في المسجد في صلاة الظهر وأقيمت عليه الظهر، فإن كان قد صلى ركعة أضاف إليها أخرى وسلم ودخل مع الإمام، وإن صلى ركعتين سلم، ودخل مع الإمام 4 أيضًا، وإن كان قد صلى ثلاثًا أتم الرابعة بنية123

الفرض ثم أعادها مع الإمام على أن ذلك إلى الله -عز وجل- 1. وإن أتمها بنية النفل أعاد بنية الفرض.
واختلف قول ابن القاسم إذا كان في المغرب فأقيمت عليه، فقال في المدونة: إذا كان كما افتتح الصلاة 2 أو صلى ركعة قطع، وإن صلى ركعتين أتم الثالثة وخرج 3. وقال أيضًا: إن صلى ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، كان صلى ركعتين سلم، وإن ركع الثالثة وأمكن يديه من ركبتيه أتمها وخرج 4. وقال أشهب: يرجع إلى الجلوس ويسلم من ركعتين ما لم يرفع من الثالثة 5. وعند ابن حبيب: إذا أحرم ولم يركع يتم الركعتين ويسلم 6. وإن كان في نفل ولم يركع فقال في المدونة: يقطع إذا كان ممن لا تخف عليه الركعتان 7. وقال عيسى: يتمها ركعتين، وإن كان قد صلى 8 ركعة أتم نفله ودخل مع الإمام ما لم يخف فوات الركعة مع الإمام فإنه يسلم ولا يتمها 9.

قال الشيخ -رحمه الله-: وكذلك أرى في كل ما تقدم أنه يتم ركعتين وإن كان في فرض، ما لم يخف فوات الركعة مع الإمام؛ فإنَّ ركعة من الفرض في جماعة مع الإمام أولى من تمام ركعتين ليكونا نفلًا.
وقال مالك في المستخرجة فيمن كان في الظهر فأقيمت عليه العصر: إنه إن كان يطمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام فعل وإلا قطع ودخل مع الإمام، ثم يستأنف الصلاتين 1. وقال ابن القاسم: إن كان صلى ركعة أتم ركعتين إلا أن يخاف فوات ركعة الإمام فليقطع.
وجعل الجواب مثل ما تقدم إذا كان في الظهر فأقيمت عليه الظهر 2. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطع ويتم صلاته التي هو فيها، ويخففها، فإن أدرك مع الإمام شيئًا صلى، وإن لم يدرك صلى لنفسه، فإن لم يكن دخل في الصلاة خرج من المسجد.
وهذا أحسن، ولا يخرج من التي هو فيها للعصر فيزيد الظهر فواتًا، إلا أن يكون إن خرج لم يقدر على صلاة الظهر حتى يمضي القدر الذي تنقضي فيه صلاة الإمام.

جارٍ التحميل