النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 8) = نسخة القرويين رقم (369) 4 - (ق 9) = نسخة القرويين رقم (369)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وسلم تسليما
كتاب الصدقة والهبة (1)
باب ما جاء في الصدقة والهبة
2 نقل 3 الملك بغير عوض كالصدقة والهبة جائز 4، والصدقة ما أريد به وجه الله -عز وجل-، والهبة ما أريد به وجه المعطى، وكلاهما مندوب إليه وغير داخل في قول الله -عز وجل- 5: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. والأصل في الصدقة قول الله -عز وجل-: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، وفي الهبة قول الله -عز وجل-: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، فحض سبحانه على مكارم الأخلاق بتنزيله فمدحه 6 فأخبر أنه أقرب للتقوى، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو1
الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى...} [النور: 22].
وكان النبي - صلي الله عليه وسلم - يهب ويقبل الهبة (1). ووهب بعيرًا لجابر اشتراه منه (2) (3)، ولعبد الله بن عمر بعيرًا (4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ" (5). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (6).
فصل [ما يراعى في الصدقه]
ويراعى في ذلك ثلاث أحوال 7: حال المعطي، وقدر العطية 8، وفي من توضع، فأفضل ذلك حال 9 الصحة، لقول النبي - صلي الله عليه وسلم - وقد سئل: أي الصدقة123456
أفضل؟ فقال: "أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى 1 الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلفُلَانٍ كَذَا.
أَلا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ" 2.
وأما القدر فأفضله ما خلف غنى، لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]، قال محمد 3 ابن جرير الطبري: العفو الفاضل 4.
فأرشدنا الله -عز وجل- عندما سئل نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن القدر الذي يتصدق به أن يكون الفاضل عما يحتاجون إليه، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ...﴾، وفي البخاري ومسلم 5 قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" 6.
وقال كعب بن مالك: إن 7 من توبتي أن أنخلع من مالي.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" 1. وقال سحنون في العتبية: إن تصدق بجل ماله ولم يبق 2 ما يكفيه ردت صدقته 3. وقال مالك في كتاب محمد: يجوز أن يتصدق بجميع ماله 4، وقد فعله أبو بكر الصديق 5. والأول أحسن، للقرآن وللأحاديث المروية في ذلك 6، وأما صدقة أبي بكر - رضي الله عنه - فقد كانت لاستئلاف الناس واستنقاذهم من الكفر، وذلك حِيِنئذٍ واجب, ويستحب أن يتصدق من أنفس ماله، لقول الله -عز وجل-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وقياسًا على العتق 7، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل 8: أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عَنْدَ أَهْلِهَا" 9.
ويستحب أن يجعل ذلك في أقاربه ثم جيرانه وفي من يستصلح به نفسه، ويرفع به الشحناء، فأما 1 الأقارب فلحديث أبي طلحة، وقد تقدم 2، وقال النبي - صلي الله عليه وسلم - لميمونة وقد أعتقت خادمًا لها: "لَوْ أَعْطَيْيهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ" 3. فقدم العطية للأقارب على العتق، وقال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" 4. وقال مالك في كتاب محمد في من أحب أن يعتق عبدًا أو يتصدق به على ابني عمه وهما يتيمان فقال: يتصدق 5 به عليهما 6. وأما الجار فلقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - وقالت: يا رسول الله إن لي جارين،
فإلى أيهما أهدي؟ قال: "لِأَقْرَبِهِما مِنْكِ بَابًا" 1. وقال: "لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لجِارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنِ شَاةٍ" 2. وجميع هذه الأحاديث أخرجها البخاري.
باب في هبة المجهول والغرر
هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويستحب ألا يفعل إلا بعد المعرفة بقدره وصفته خوف الندم بعد معرفته به، فكره مالك في كتاب محمد أن يقول الرجل للرجل 1: اشترِ هذا الفرس وأحملك عليه.
ولا يدري كم يبلغ من الثمن، حتى يوقتا له وقتًا 2.
واختلف إن هو فعل ثم تبين أنه 3 على خلاف ما كان 4 يظن، فقال ابن القاسم في العتبية في من تصدق بميراثه من رجل 5 ثم تبين أنه خلاف ذلك إن له أن يرد عطيته، وكذلك 6 في كتاب ابن حبيب له رد عطيته 7. وقال محمد بن عبد الحكم: لا رجوع له 8.
وأرى أن يكون 9 له في ذلك مقال، فيرد الجميع تارة والبعض تارة من غير شرك، وتارة يكون شريكًا، فإن كان الوارث يرى أن الموروث دارا 10
يعرفها في ملكه فأبدلها الميت في غيبته بأفضل كان له أن يرد (1) جميع العطية إذا قال: كان قصدي تلك الدار.
وإن خلف مالًا حاضرًا ثم طرأ له مال لم يعلم به مضت العطية فيما علم خاصة (2)، وإن كان جميع (3) ماله حاضرًا وكان يرى أن قدره كذا فتبين أنه أكثر كان شريكًا بالزائد.
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك نصيبًا من داري، فليقر بما شاء مما يكون نصيبًا (4).
وهذا صحيح على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد فإن أقر بما لا يشبه أن يهبه مثله لمثله (5) لم يصدق ويعد نادمًا، فإن رجع إلى ما يشبه وإلا أعطاه الحاكم ما يشبه، وهذا مع دعوى المعطي النية (6)؛ فإن لم تكن له نية أعطي ما يشبه أن يعطيه لمثله.
فصل [في من قال: لكـ في مالي مائة دينار وليس في ماله وفاء]
ومن قال: لك في مالي مائة دينار، فلم يكن في ماله وفاء سقط الزائد، وإن قال: لك في ذمتي مائة دينار.
أُتبع بالباقي.123456
وقال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك عشرة أقساط من دهن جلجلان.
جاز وعليه عصره، فإن قال: أنا أعطيك 1 من غيره عشرة أقساط.
لم يعجبني 2.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يجبر على عصره.
والأول أصوب؛ لأنه وهب دهنًا لا جلجلانًا ودفعه دهنًا من غيره على 3 ثلاثة أوجه، فيجوز أن يعطيه مثل مكيلته 4 على وجه القرض ليعصر ويستوفي ذلك 5.
فإن ضاع 6 قبل العصر أو بعد العصر وقبل الكيل رجع على الموهوب له، ويجوز أن يدفع ذلك على وجه البيع ليبقي 7 له الجلجلان ليس أن يعصره ويستوفي؛ لأنها مناجزة من الآن، ولا يجوز ذلك 8 على وجه المبايعة ليقبض 9 ذلك بعد العصر.
ومن كان له على ميت دين فقال لورثته: وهبت ديني للميت.
أو أسقطته عنه.
اقتسم ذلك الدين الورثة على سهامهم، وإن قال: وهبت ديني 10 لكم.
اقتَسَموه بالسواء، الذكر والأنثى والزوجة، إلا أن يقول: أردت أن 1 يكون بينهم على سهامهم.
وقال محمد في رجل مات عن ولد وزوجة فاقتسما تركته ثم طرأت زوجة أخرى فقالت: قد صار إلي ميراثي.
أو 2: تركته لكما.
فذلك سواء يقتسمانه على المواريث 3، وينبغي إذا قالت: تركته لكما.
أن يقتسماه بالسواء 4.
وإن طرأ غريم آخر فإن كان الأول قال: وهبت ديني لكم، كان للورثة أن يضربوا بدين الأول ويأخذوا ما ينوبه، وقال محمد بن عبد الحكم: إن قال: أسقطت ديني عن الميت، لم يحاص الورثة بدينه، يريد 5 إذا كان الميت معروفًا بالدين، وإن لم يكن معروفًا بالدين 6 وكان الورثة فقراء حمل تركته 7 على الرفق بالورثة فيتحاصون به 8.
باب في الصدقة بالمشاع
ومن المدونة قال مالك في من تصدق بنصيبه من دار أو وهبه: ذلك جائز.
قال ابن القاسم: والحوز أن يحل محل الواهب يحوز 1، ويمنع مع شركائه، وكذلك إن وهب نصيبه من عبد 2 3.
واختلف إذا كان جميع الدار أو العبد للواهب فوهب نصف ذلك هل تصح العطية مع بقاء يد الواهب على 4 الموهوب له؟
واختلف أيضًا إذا وهب بعض ذلك لولده الصغير هل يحوز جميعه 5 لنفسه ولولده؟ فأجاز في كتاب محمد إذا تصدق بنصف عبده أو داره أن تبقى يده مع 6 المتصدق عليه، قال: ويكون العبد إن كان للخدمة يخدمهما جميعا 7 يومًا بيوم وعشرة أيام بعشرة أيام، وأجاز في موضع آخر شهرًا بشهر، قال: وإن كان من عبيد الغلة آجراه واقتسما إجارته 8.
وعلى هذا إن كانت الصدقة دارًا للسكنى سكناها شهرًا بشهر وسنة بسنة؛ لأنها مأمونة، وإن كانت دار غلة أو حانوتًا أو حمامًا آجراه واقتسما الإجارة.
وقال سحنون في كتاب ابنه: الصدقة باطلة، ولا تتم مع بقاء أيديهما عليها 1. وقد تقدم الاختلاف 2 في الرهن إذا رهن بعض ملكه، هل يصح أن يكون تحت أيديهما؟ والأول أحسن؛ لأن المتصدق عليه والموهوب له قد حاز نصيبه بالسكنى والكراء.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن تصدق على ولده الصغير، أو على يتيم يلي عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها حتى مات، فذلك جائز 3، ويكون شريكًا فيها، وله حظه فيها من النماء والنقصان.
وقال أيضًا: إن لم يفرزها بأعيانها أو يسميها 4 لم يجز.
قال 5: وأهل الإبل 6 يسمون الإبل والغنم كما يسمي أهل مصر الخيل لمشتريها 7.
قال ابن القاسم: فإن سماها جازت إذا عرفت بذلك، وإن كانت غائبة عن الشهود إذا كان في حجره 8.
وقال ابن القاسم أيضًا: يجوز إذا تصدق بعدة من خيله أو غنمه ويكون شريكا 9.
واختلف إذا وهب أو حبس على ولده الصغير وعلى أجنبي بعبد أو حائط، فلم يحز الأجنبي حتى مات المعطي، فقال مالك في المدونة 1: الحبس باطل قال: 2 ولا يعرف إنفاذ الحبس للأصاغر إلا بحيازة الأكابر، وقاله ابن القاسم.
وقال ابن القاسم 3: وكذلك إن وهب لولده الصغير ولأجنبي كبير، فلم يحز الكبير حتى مات الأب فالهبة باطل، وروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن نصيب الصغير جائز في الهبة والصدقة، وباطل في الحبس، قال: من قِبَلِ أن الصدقة تقسم، وقد قبض عليه من هو جائز القبض له، وأن الحبس إن أسلم إلى من يقبضه له أو للكبير لم تجز فيه قسمة 4.
وقال مالك في كتاب محمد 5: إن حاز ذلك الأب من العبد 6 لابنه وعرف أنه أفرزه 7 ومنع 8 نفسه من منافعه جاز نصيب الابن.
قال: والحبس والصدقة في ذلك سواء 9.
ولا خلاف في نصيب الكبير أو الأجنبي أنه باطل إذا لم يحز ذلك وبقي في يد الأب، وإنما الاختلاف في نصيب الصغيرة فأجيز وأبطل، وأجيز مرة في الصدقة وأبطل في الحبس.
وكل هذا راجع إلى الاختلاف في هبة المشاع، هل يصح أن تبقى في 1 يد المتصدق والمتصدق عليه جميعًا؟
وعلى 2 القول بجواز ذلك يصح نصيب الصغير؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز كانت يد الأب معه على تلك الهبة أو الحبس فهو حائز لولده، وبطل نصيب الأجنبي، لعدم الحوز، وعلى القول ألا يصح في هبة المشاع بقاء يد المعطي مع المعطى يبطل الجميع؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز لرفعت يد الأب عن الجميع، وجعل جميع ذلك على يد الأجنبي، أو يجعل معه من يحوز للصغير فكان بمنزلة من تصدق على صغير ولده على أن لا يحوز 3 له وأن يكون الحائز له فلانًا فلم يحز فلان حتى مات الأب، فإن الحبس يرجع ميراثًا بخلاف الصدقة؛ لأن الأجنبي لو قام بالحوز في الصدقة لقال له الأب: أنا أقاسمك أو أبيع معك لولدي، ولا ترفع 4 يدي؛ لأنه أمر لا يتأخر.
وألحق مرة الصدقة بالحبس ورأى أن من حق الأجنبي أن يكون جميعها 5 على يديه، أو على يدي أجنبي يقاسمه.
باب فيمن باع عبدًا (1) بيعًا فاسدًا ثم وهبه
قال ابن القاسم في من باع عبدًا بيعًا فاسدًا ثم وهبه: فإن لم يفت أخذه الموهوب له ورد البائعُ الثمنَ 2، وإن فات لم تجز الهبة فيه 3.
قال مالك: وإن أعتقه البائع جاز عتقه، إلا أن يموت البائع فلا يكون للموهوب له فيه 4 شيء وإن لم يتغير سوقه 5. يريد 6 وإن لم يعتق.
وقال محمد: هو أحق به، وإن مات الواهب إذا قام به قبل أن يفوت، وإن لم يقم حتى فات بيد المشتري فلا شيء له فيه 7.
وأرى 8 إذا وهبه قبل الفوت ورضي المشتري أن تمضي الهبة فيه 9 جاز وانتقض 10 البيع، وصار وديعة في يد المشتري، ولا ضمان عليه فيه 11 إن هلك أو حدث فيه عيب، فإن قال الموهوب له: أنا أحوزه لك، كان حوزًا ولم يبطله فلس ولا موت، وإن لم يقل ذلك جرت على القولين 12 في هبة الوديعة،1
فقيل: تبطل، وقيل: تصح؛ لأنه لا يد للواهب عليها 1، وإن تمسك المشتري ببيعه ولم يرضَ 2 بِنِقْضِهِ ولا بإمضاء الهبة حتى فات مضى على حكم البيع إذا كان مختلفًا في فساده، وإن كان مجمعًا على فساده مضت الهبة؛ لأن البيع لم ينقل الملك، وإنما نقل الضمان على أحد القولين.
وإن وهبه بعد أن فات ولم يعلم البائع بفوته، أو علم وجهل أن 3 ذلك يمنع الرد، لم تصح الصدقة 4، وإن علم فوت العبد أو 5 أن الحكم ألا يُرد حمل على أنه واهب للقيمة، وإن مات العبد قبل الهبة أخذ القيمة؛ لأنه لا يجهل أحد أن ذلك فوت، وإن كان ذلك فالقصد هبة قيمته، فيصح وإن لم يقبض كهبة الدين.
باب فيمن وهب (1) عبدًا بعد أن رهنه (2) أو أجره أو أعاره أو أودعه أو غصب منه
قال ابن القاسم في من ارتهن عبدًا ثم وهبه: يجبر الواهب على أن يفتكه ويأخذه الموهوب له 3.
وقد قيل في هذا الأصل: ليس عليه أن يعجل الدين إذا حلف أنه لم يرد التعجيل، ويكون المرتهن بالخيار بين أن يرضى بخروجه من الرهن ويمضي هبته أو يبقيه إلى الأجل، فإن حل والواهب موسر قضى الدين وأخذه الموهوب له، وإن كان ممن يجهل أن الهبة لا تصح إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك ولم يجبر على تعجيل الدين 4 قولًا واحدًا.
قال محمد: ولو وهبه قبل أن يحوزه المرتهن وقبضه الموهوب له 5 كان أحق به إن كان الواهب موسرًا ولم يعجل للمرتهن حقه؛ لأنه فرط في حيازته، وإن كان معسرًا كان المرتهن أولى 6 به، إلا أن يكون وهبه لثواب، وإن وهبه ثم قاما 7 قبل أن يحوزه واحد منهما، فإن كان موسرًا جازت الهبة وكان أحق به من المرتهن، وحكم للمرتهن بتعجيل حقه، فإن 8 أعسر بعد ذلك أتبعه بحقه12
ورآه بمنزلة من وهب ثم وهب فحاز الثاني أنه أحق من الأول (1). وقال ابن القاسم في هذا الأصل: الأول أحق، وإن كان الرهن شرطًا في أصل عقد البيع (2) أو القرض، فذلك أبين أن يقوم بحقه فيه ويقبضه.
فصل [في الرجل يؤاجر الرجل دابته أو يعيره إياها ثم يهبها لغيره]
وان أخدم عبده أو آجره ثم 3 وهبه مضت الخدمة والإجارة 4 على ما هي عليه ولم يدخلا في الهبة، بخلاف الرهن؛ لأن حق 5 المرتهن في الرقبة، وهي التي وهبت، فعليه أن يفتديها 6 ليتم هبته، وحق المخدم والمستأجر في الخدمة دون الرقاب، فإنما وهب ما لا حق فيه للآخر.
واختلف هل تصح هبة الرقاب مع تعلق حق المخدم والمستأجر؟ فقال مالك في المدونة: إذا أخدم الجارية سنين ثم قال بعد قبضها: هي لفلان بتلًا، فإن قبض المخدم قبض للموهوب له 7، وهي من رأس المال.
قال ابن القاسم: وكذا إذا أعار عبده ثم وهبه، قال: ولا يكون ما في الإجارة قبضًا إلا أن يسلم الإجارة معه، وفرق ما 8 بين السؤالين12
لأن 1 المخدم محوز عن ربه والمستأجر محوز له 2.
وخالف عبد الملك في المخدم وقال: لا يكون حوزًا إذا كانت الهبة بعد الإخدام، وإن أخدمه وتصدق به في فور واحد كانت العطية محوزة، وإن قتل كانت القيمة 3 لمن وهبت 4 له الرقبة.
وخالفه 5 أشهب في الإجارة، فقال 6 في كتاب محمد: هو حائز وإن لم يسلم الإجارة معه.
قال: وهو بمنزلة ما لو وهبه لمن هو 7 في يديه 8.
قال الشيخ -رحمه الله- 9: المخدم على وجهين، فإن وهب المرجع بعد انقضاء الخدمة ليس من 10 الآن لم يكن محوزًا؛ لأن المخدم يحوزه الآن لنفسه، وإن قتل 11 كانت القيمة لصاحبه 12 الأول، وإن جعل له الرقبة من الآن فإن كانت نفقة العبد على سيده لم تصح الهبة؛ لأنه إذا كانت النفقة على الواهب لم يكن محوزًا، وإن شرطها على الموهوب له كانت فاسدة؛ لأنه لا يدري هل يسلم لانقضائها 13، وإن كانت
نفقته قبل الهبة على المخدم صار كالعبد المغصوب؛ لأن الواهب رفع يده عنه، إلا أن يرضى المخدم أن يحوز له 1 فيجوز، بخلاف ارتهان فضلة المرتهن؛ لأن المرتهن حقه في الرهن وفي ثمنه، والمخدم حقه في منافعه 2 ليس في رقبته، فإذا حاز الرقبة للموهوب له جاز.
وإن كان العبد في الإجارة لم يكن محوزًا؛ لأن نفقة العبد على صاحبه، فإن أبقاها على نفسه لم يكن حوزًا، وإن شرطها على الموهوب له كانت هبة فاسدة؛ لأنه لا يدري هل تسلم لانقضاء الأجل، وإن كانت نفقته قبل الهبة على المخدم صار كالعبد المغصوب؛ لأن الواهب فليحذف رفع يديه عنه، إلا أن يسلم الواهب النفقة إلى الموهوب له ويكون هو 3 المتولي للإنفاق عليه، وإليه يأوي العبد فتصح الهبة.
وإن كانت الهبة دارًا أو ثوبًا أو ما لا يحتاج إلى نفقة فرضي الساكن أن يحوزها للموهوب له جاز، وإن لم يرض وقال: لا أحوزها 4. لم تصح الهبة، قال محمد: وإن قال المخدِم بعد أن أخدمه وحازه 5: إن مت فهي صدقة على فلان المخدم أو غيره جاز وكان من الثلث، قال مالك: وإن قال بعد الخدمة في مرضه: هو لفلان 6. كان من الثلث 7؛ قال: ومن حبس على رجل حياته، ثم قال: هو في سبيل الله.
وأسلمه إليه كان من الثلث 8، قال محمد: وأصل أشهب أنه من
رأس المال؛ لأنه مما لا يرجع إليه ولا إلي ورثته منه شيء.
ومن أودع عبدًا ثم وهبه ولم يعلم المودعَ لم يكن محوزًا، بخلاف المخدم؛ لأن المودعَ قبل العلم يحوزه لربه، والمخدم يحوزه لنفسه، وإن علم بالهبة وقال: أحوزه للموهوب له كان حوزًا، وإن قال: أُبقي على حوزه للواهب.
لم يكن محوزًا، وإن قال: لا أحوزه للأول؛ لأنه وهبه، ولا أرضى أن أحوزه للثاني، ولا أكون أمينًا له.
كان على القولين في المغصوب.
واختلف إذا وهب نصفه ورضي المودعَ أن محوز له نصفه، فقيل: ذلك حوز.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: ليس بحوزة لأن يده باقية عليه للأول، والقول الأول أحسن؛ لأنه أمين لهما، وقد رضي أن يمنع الواهب أو يمكنه من نصفه.
وإن وهبه وهو في يد غاصب كانت الهبة جائزة، بخلاف البيع، فإن انتزعه الموهوب له 1 في حياة الواهب صحت الهبة.
واختلف إذا لم ياخذه حتى فلس الواهب أو مات، فقال ابن القاسم: الهبة ساقطة.
وقال أشهب ومحمد: هي ماضية 2. واختلفا 3 في تعليل 4 ذلك، فقال أشهب 5: لأنه ليس فيها حوز غير هذا.
يريد أنه 6 لا يقدر على أكثر من هذا.
وقال محمد: لأن 1 الغاصب ضامن، فهذا كالدين 2. وقول أشهب في هذا إنَّ الهبة ماضية أحسن؛ لأن الواهب رفع يده عنها ولا يقدر على أكثر من هذا، وليس كالدين؛ لأنه إنما وهبه عين المغصوب ولم يهبه قيمته 3.
باب في من وهب صوف غنمه أو لبنها، أو ما في بطنها، أو ما في بطن أمته أو ما تحمل به بعد
الهبة في جميع ذلك جائزة، ويراعى أربعة 1: صفة 2 الحوز، ومتى يجبر 3 الواهب على التحويز، وعلى من الرعي، وهل 4 تحمل الهبة على هبة عام، فإن وهب صوف غنمه وسلم الرقاب 5 كان حوزًا، وإن كانت الهبة بإثر الجزاز؛ لأن الصوف موجود الآن، فإن كان يتزيد إليه شيء آخر، فإن نما وتم أخذ ذلك الموجود يوم الهبة مع ما انضاف إليه، وان وهب لبن غنمه وفيها لبن فحاز الرقاب كان حوزًا لما فيها ولما يأتي بعد.
واختلف إذا لم يكن فيها لبن، فقيل: يجزئ حوز الرقاب؛ لأن الواهب قد رفع يده عن تلك الرقاب، وهو أكثر ما يقدر عليه الآن.
وقيل: ليس بحوز؛ لأن الموهوب غير موجود.
وقال ابن القاسم: إن وهب ما في بطن جاريته أو شاته فحوز الأمهات حوز للولد 6.
وقال أشهب: لا يكون حوزًا إلا أن يقبض الولد بعد الخروج.
قال 7: ألا ترى
أن العتق فيه 1 ليس 2 بحوز وقد تباع أمه في دين يستحدثه 3.
والأول أحسن؛ لأن الولد مقبوض، ولو استحدث دينًا بعد قبض الأمهات لم يبع 4 في دينه، ولأنه أكثر ما يقدر عليه.
وقد قال أشهب في العبد المغصوب: يوهب إنه حوز بالقبول 5 لما كان أكثر ما يقدر عليه.
ويختلف أيضًا إذا وهب ما تحمل أمته أو شاته في المستقبل، قياسًا على من وهب ثمارًا أو لبنًا لم يكن، محاز 6 الأصول، فإن وهب كل ولد تلده فقبض الأصول وفيها ولد كان حوزا لذلك الحمل وما تحمل به بعد ذلك، وكذلك إن قبضها فحملت بعد القبض ثم مات الواهب كان قبضه قبضًا لذلك الولد ولكل ولد تلده فيما بعد، قياسا على هبة الثمار والألبان إذا وهبت 7 سنين أن ذلك حوز للموجود ولما يأتي بعد، ويجبر على التحويز إذا كان الحمل أو اللبن موجودًا وظهرت الثمرة.
قاله ابن القاسم في الثمرة والزرع، وقاله في كتاب محمد في هبة حمل 8 الجواري والغنم، فيجبر في هبة اللبن على أن يسلم الغنم للموهوب له وفي هبة 9 ما في بطون الجواري والغنم على أن يجعلها على يد ثقة
حتى تضع (1)، وليس للموهوب له أن يقول: تكون على يدي.
لأن حاجته إليها مرة في وقت واحد، وهو في الإماء آكد لأنه لا يخلو (2) بهن، واللبن يحتاج إليه كل يوم، وكذلك الثمار، توضع الأصول على يدي ثقة، فإذا جاء وقت الانتفاع بها أخذ هبته (3).
وله أن يأخذ ما سقط منها من بلح أو غيره، وإن لم يكن حمل ولا لبن ولا ظهرت الثمرة لم يجبر الواهب على تحويز الرقاب.
فصل [في سقي النخل والنفقة على الأمة الموهوبين]
ويختلف في السقي والعلاج في النخل وفي النفقة على الأمة، فقال ابن القاسم في كتاب العرايا في من وهب ثمرة حائطه قبل طيبها: نفقتها 4 وعلاجها وزكاتها على الموهوب له 5.
وقال ابن حبيب: كل ذلك على الواهب 6. ويختلف في الرعي وفي النفقة على الأمة، قياسًا على النخل.
وقد اختلف في نفقة المخدم: هل تكون على المخدِم أو المخدَم، وقال محمد في من أوصى لرجل بصوف غنمه أو لبنها أو سمنها، ولآخر برقابها: كان رعيها123
ومؤنتها على الذي أوصي له برسلها 1 من اللبن أو السمن أو الصوف 2.
وأرى إن وهب في مرة واحدة لثلاثة نفر لأحدهم صوفها ولآخر لبنها ولآخر ما في بطونها، أن تكون النفقة والرعي 3 على جميعهم، ثم يختلف، هل يفض على عددهم أو على قيمة هبة كل واحد 4، فيصح أن يقال: على قدر ما لكل واحد.
قياسًا على القراضين إذا اختلف قدرهما 5، ويصح أن يقال 6: هم في ذلك 7 على السواء.
لأن كل واحد منهم لو انفرد كان عليه جميع تلك النفقة.
وإن كانت الهبة 8 واحدة بعد أخرى كان 9 القيام بها على الأول دون الآخرين على قول محمد؛ لأنه عنده إذا أعطاه 10 الصوف أو اللبن بانفراده وأبقى ما سوى ذلك لنفسه كان القيام به على المعطى له ولا شيء على الواهب وإن بقيت له تلك المنافع، فكذلك إذا أعطاها لقوم آخرين بعد الأول، والقياس أن يكون على الواهب إذا أبقى شيئًا من ذلك على نفسه بقدر ما يبقى.
وكذلك الرقاب تدخل في القبض، وليس كذلك العبد توهب خدمته؛ لأن منفعة العبد شيء واحدة وهي الخدمة، والغنم يراد منها الولد واللبن والصوف.
فصل [في محمل الهبة إذا كانت حاملا أو ذات لبن]
ومحمل 1 الهبة إذا كانت حاملًا أو ذات لبن على ما هو موجود، ويختلف إذا لم يكن شيء من ذلك فقال: وهبت لك لبنها أو صوفها أو ما تحمل، فهل تكون هبة على ما تكون حياة الغنم والجواري أو حياة المعطي؟
وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في هذا الأصل في كتاب الوصايا الثاني 2، وقال محمد فيمن أوصى لرجل بصوف غنمه أو لبنها أو سمنها، ولآخر برقابها فللموصى له ما 3 على ظهورها يوم مات الموصي، وما بقي في ضروعها وما في بطونها ما عاش المعطَى، فإن مات رجعت إلى من أوصى له بها، قال: وذلك إذا لم تكن حاملًا يوم أوصى، فإن كانت حاملًا فليس له إلا حملها ذلك 4.
وعلى هذا محمل قوله في الصوف واللبن على أنه حدث بعد الوصية.
وإن مات وهو موجود، ولو كان وقت الوصية وفيها 5 لبن أو عليها صوف قد تم، كان محمل الوصية على ما هو موجود.
باب فيمن وهب أرضًا حاضرة أو غائبة أو دينًا على حاضر أو غائب
قال مالك -رحمه الله- 1: ومن وهب أرضًا حاضرةً في غير وقت حرثها كان قول الموهوب له قد قبلت- كافيًا في الحوز.
وقال ابن القاسم: إن كان إبان حرثها فلم يحزها بطلت 2، والقياس أن تمضي ولا تبطل، إلا أن تعود يد الواهب عليها بحرث أو غيره.
وإن كانت الهبة بستانًا يغلق عليه أجزأه معاينة إغلاقه، ثم لا يضره إن لم يعمره، وتركه حتى درس، وهو بمنزلة من وهب دارًا فأغلقها الموهوب له ثم لم يسكنها؛ لأن الغلق حائل بين الواهب وبينها.
وقال ابن القاسم في من وهب أرضًا بإفريقية، والواهب والموهوب له بالفسطاط فقال: قد قبلت.
لم يكن حوزًا، وإن لم يفرط في الخروج 3. وقال أشهب: إن لم يفرط في الخروج فلم يخرج حتى مات فهو حوز.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك فيمن تصدق على ابنه البالغ بدار غائبة وجعل من يحوزها له فمات الأب قبل أن تحاز: فهي جائزة للابن 4.
ومحمل 5 قول ابن القاسم في الأرض على أنه لو خرج لأدرك حراثتها،
ولو كان يكون وصوله قبل إبان حرثها لم يضر إن لم يخرج الآن إذا خرج بعد ذلك في وقت يصل قبل حرثها 1؛ لأنها لو كانت حاضرة لكان حوزها بالقول "قد قبلت" بخلاف الدار.
ولو وهب رجل دينًا على رجل بإفريقية، والواهب والموهوب له بالفسطاط فقال: قد قبلت.
كان حوزًا.
قال: لأن الديون هكذا تقبض 2. يريد أنه لو كان الغريم حاضرًا لجاز بقبول الموهوب له، وإن لم يقبض الدين.
وإن كانت الأرض أو الدار على يدي رجل فوهبها لمن هي في يديه وهو حاضر فقبلها، أو لأجنبي فقال من 3 هي على يديه: أنا أحوزها له.
جاز، ولم يضر غيبة الأرض ولا الدار.
قال ابن القاسم: ولو استودع الرجل وديعة أو آجره دارًا أو أعاره عبدًا 4 وكل ذلك غائب فوهب ذلك المالك لمن هي في يديه، وكلاهما بالفسطاط، فقال الموهوب له: قد قبلت.
كان حوزًا 5.
وقال مالك فيمن وهب دارًا غائبة لابن له صغير في حجره جاز 6.
وقال ابن القاسم فيمن وهب لرجل دينًا له عليه فقال: قد قبلت.
فذلك قبض، وقد سقط الدين 7.
واختلف إذا افترقا ولم يقل: قبلت.
فقال ابن القاسم: الهبة ساقطة.
وقال أشهب في كتاب محمد: الدين لمن هو عليه إذا أسقطه عنه.
وإن لم يعلم بذلك حتى مات الواهب؛ لأنها وضيعة، قال: وقد قال مالك فيمن بعث بثوب صدقة إلى غائب وأشهد إنّ ذلك حوز 1، وإن لم يبلغ حتى مات، وإن وهب الدين لغير من هو عليه وأشهد له أو جمع بينه وبينه ودفع إليه ذكْرَ الحق فهو قبض، وإن لم يكن ذكر حق فالإشهاد يجزئ.
باب في حوز الأب صدقته لولده الصغير والوصي ليتيمه والأم لولدها
يصح حوز الأب في عطيته إذا كان صغيرًا أو كبيرًا سفيهًا ولابنته البكر أو الثيب السفيهة، وذلك في عطية العقار والعروض والعبيد وما أشبه ذلك 1.
واختلف في الدنانير والدراهم، فقال مالك: لا يجوز له إلا أن يضعها على يدي غيره 2.
قال محمد: وإن أشهد على طائفة عليها ثم كانت بيد الأب حتى مات لم يجز 3.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يجوز وإن بقيت عنده حتى مات إذا أشهد عليها 4 وكتب عليها، ختم عليها أو لم يختم، وإن ختم كان أقوى وأحسن، وهذا ما دامت عينًا، فإن اشترى له بها عقارًا أو تجارة وأشهد جازت للولد وسقط حكم العين، وإن كانت الصدقة عرضًا وأشهد الأب بها، ثم باعها فَصَارَتْ عينًا مضت لما كان الأصل ليس بعين.
وقال محمد: إن وهبه دينًا له على رجل فمات الأب قبل أن يقبضه لولده فهو نافذ، ولو قبضه ثم مات وهو في يده أو تسلفه بعد قبضه فهو نافذ 5. وجعل هبة الدين بمنزلة هبة
العرض، يصح الحوز قبل قبضه، وهو بعد القبض بمنزلة لو كان عرضًا فبيع بغبن، والقبض كالنضوض بالبيع.
وقال مالك فيمن تصدق على ولده الصغير بمائة دينار وأفرزها له ثم مات الأب كانت ميراثًا له، فإن أنفذها له الورثة ثم رجعوا وادعوا الجهل حلفوا على ذلك إن عرفوا بالجهل، ثم تكون ميراثًا.
قال ابن القاسم: يريد أفرزها (1) على يدي غيره (2).
وقال مالك: يحوز الأب هبته لولده الصغير إذا كانت كالطوق والسوارين، وهو كالعروض، وأما التبر ونقر (3) الفضة فكالعين تجري على الخلاف، وكذلك اللؤلؤ والزبرجد والحديد والنحاس والكتان وكل ما يكال من الطعام والزيت يختلف (4) فيه، كالعين، والجواز في جميع ذلك أحسن.
فصل [في حوز الأم هبتها لابنها]
ولا يصح حوز الأم ما وهبت لولدها من دار أو حائط أو غير ذلك مما يستقل 5. واختلف إن وهبته غلامًا فكان يخدمه، أو ثوبًا أو حليًّا، فكان يلبسه، فقال مالك في كتاب محمد في امرأة وهبت لولدها الصغير غلامًا 6 وهو معها1234
وللابن مال في يدي أبيه أو وصيه، قال: إن كان الغلام للخراج فليس بحوز، وإن كان يخدم الصبي وهو في ذلك مع أمه فأراه جائزًا.
وقال ابن القاسم وأشهب: ليس بحوز إلا أن تكون الأم وصية 1.
والأول أحسن؛ لأن إصراف منافع العبد في خدمة الصبي كإصراف خدمته في السبيل، وكالفرس يحبس في السبيل، فتنفذ منافعه في الوجه الذي حبس عليه أنه جائز، وإن كان يعود إلى يده، بخلاف النخل وما تنفذ غلاته وتبقى الأصول، فالعبد يخدم الولد والثوب والحلي يلبسه، فهو حوز، بخلاف الغنم والجواري، ويصح للوصي أن يحوز ما وهبه ليتيمه مما لو كانت الهبة فيه من الأب لصح حوزه له، وهو في ذلك بمنزلة الأب.
باب في الشروط في الهبات وما يجوز منها وما لا تصح الهبة لأجله
اختلف في الواهب يشترط على الموهوب له ألا يبيع ولا يهب أو يقول: إن بعتها فهي لي بغير شئ, أو الثمن بيع به، فقال مالك فيمن وهب هبة علي ألا يبيعها ولا يهبها: فالهبة غير جائزة 1.
وقال ابن القاسم في العتبية: أكرهه، فإن نزل مضى على 2 شرطه 3، وقال في كتاب محمد: يخير الواهب، فإن قبلها وإلا نقضت، وقال أشهب: ذلك جائز، وهو 4 كالحبس 5.
وأرى أن تجوز على ما شرط، فإن مات الموهوب له ورثت عنه؛ لأنها معروف، فيجوز أن يعطي الرقاب ينتفع بها من الآن، أو يعطي المنافع خاصة حياته ثم يعود إليه، أو يعطي المنافع حياته ثم يكون له المرجع بعد موته يقضي منه دينه، أو يأخذه ورثته.
واختلف إذا قال: إن بعتها فهي رد علي.
فقال مالك في العتبية: الهبة جائزة.
قال: لأنه ليس ببيع.
وقال ابن القاسم: ليست هذه الهبة بشيء.
وكذلك إن قال: إن بعتها، فأنا
أحق بها بالثمن 1. فعلى قول مالك تجوز الهبة والشرط لازم 2، وعلى قول ابن القاسم الهبة فاسدة.
وإن قال: إن مت أنت رجع العبد إلي، وإن مت أنا قبل كان لك.
فإنه يمضي على ما شرط، وكانت العطية قد تضمنت عُمرى ووصية، فإن مات المعطى قبل ردت إلى المعطي؛ لأنها عُمرى، وإن مات المعطي قبل 3 كانت في ثلثه.
قال ابن القاسم في العتبية: وسواء حيزت العطية 4 أو لم تحز؛ لأن الوصايا وما يرجع إلى الثلث لا يحتاج إلى حوز.
وقال أصبغ: ليس له أن يحولها عن حالها 5.
يريد أنه أوجب الوصية كالمدبر، ولو قال: أهبك على إن مت أنا قبل رجع العبد إلي، وإن مت أنت قبل كان لورثتك.
كان على ما شرط.
وقال المغيرة في كتاب 6 المدنيين فيمن وهب أمة واشترط لنفسه كل ولد تلده فهو حلال جائز، وقد يهب الرجل الحائط ويشترط ثمرته، يريد اشتراط الثمرة السنة والسنتين، ولا يجوز فيما كثر 7، ويجوز 8 في الولد وإن طالت السنون؛ لأن المقصود منها المنافع والخدمة، وهي للموهوب له، والولد تبع
وليس بمقصود، وقد يكون أو لا يكون.
واختلف في من وهب أمة على أن يتخذها أم ولد، قال ابن القاسم: لا يحل وطؤها 1 على ذلك؛ فإن أدركها قبل أن يطأها الموهوب له كان الواهب بالخيار بين أن يمضيها بغير شرط أو يردها، فإن وطئها مضت للموهوب له وإن لم تحمل؛ لأنه على الوطء وطلب الولد أُعطيها، وقد طلب الولد للوطء، وكذلك إن حملت مضت له ولا قيمة عليه حملت أو لم تحمل، وليس كالتحليل في القيمة؛ لأنه لم يعط الرقبة، والموهوب له أعطي الرقبة 2.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إن علم بذلك بعد الوطء وقبل الحمل خير المعطي، فإن أمضاها بغير شرط وإلا ردها، ولو أفاتها المعطي 3 بعتق أو تدبير أو بيع 4 لزمته قيمتها؛ لأنها فاتت في غير ما أعطيت له.
وقال محمد بن عبد الحكم: الهبة جائزة، ويؤمر الموهوب له أن يفي بالوعد، وإن قال: لا أعطيها الولد.
أمر بذلك ولم ينتزع منه.
باب في صدقة أحد الزوجين على الآخر وفي صدقة الزوجه (1) على غير زوجها
وإذا تصدق الزوج 2 على زوجته بحلي أو بشيء مما يصلح للمرأة من الثياب وغيرها فحازته، أو تصدقت 3 عليه بعبد أو بشيء من لباسه فحازه، كان ذلك لمن تصدق به عليه 4.
واختلف إذا تصدق أحدهما على الآخر بشيء مما يشتركان في منفعته، كالخادم والفرس، وبقي تحت أيديهما ينتفعان به، فقال مالك: ذلك إلى الضعف ما هو 5. وقال ابن القاسم وأشهب: ذلك ماضٍ لمن تصدق به عليه 6.
وهو أبين 7؛ لأن كل واحد منهما لو اشترى ذلك من ماله لأبقاه على مثل 8 هذا ولم يختص بمنفعته.
وقال ابن القاسم 9: وإن تصدق عليها بدار فسكناها لم يكن حوزًا؛ لأن1
السكنى عليه، وإن مات فيها كانت ميراثًا، وإن تصدقت عليه (1) بها هي (2) كان حوزًا (3).
فصل [فيما يجوز من هبة المرأة وما لا يجوز]
هبة المرأة لغير زوجها بثلثها جائزة، واختلف إذا كانت بأكثر 4 من الثلث، فقال ابن القاسم: يرد جميع عطيتها إلا أن يكون الزائد الدينار والشيء الخفيف فيعلم أنها لم ترد الضرر.
وقال المخزومي: يرد الزائد على الثلث وحده 5. وهو أحسن، ومحملها على أنها فعلت ذلك لغير 6 ضرر، حتى يعلم أنها أرادت الضرر، وقد تفعل ذلك رجاء أن يمضيه الزوج، وكثير من النساء يجهل أن فعلها مقصور على الثلث.
واختلف إذا وهبت ثلثها إرادة الضرر، فقال مالك في كتاب ابن حبيب 7: يرد.
وقال ابن القاسم وأصبغ: يمضي 8. وهو أبين؛ لأنه مالها.
وقد اختلف في الوصية بالثلث على وجه الضرر، فقيل: ترد.
لقوله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12].
وقيل: تمضي.
والضرر ما زاد على الثلث.123
فصل [في ما إذا تصدقت بثلث مالها ثم بثلث الباقي]
واختلف إذا تصدقت بثلث ثم بثلث الباقي وَبَعُدَ ما بين الصدقتين، هل تمضي الثانية؟ فقال محمد 1: تمضي الصدقتان، ولها أيضا أن توصي بثلثها 2.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: ليس لها بعد ذلك في ذلك المال عطية إلا أن تفيد مالًا آخر 3. وهو أحسن، وقول 4 محمد يؤدي إلى أنها تنفذ جميع مالها بالعطايا مرة بعد أخرى.
واختلف إذا قرب ما بين الصدقتين، هل تمضي الأولى أو تردان جميعًا؟
وجعل أصبغ في كتاب ابن حبيب 5 المسألة على ثلاثة أوجه، فإن قرب ما بينهما مثل اليوم واليومين كان محمله محمل العقد الواحد، فيبطل الجميع، وإن كان بينهما 6 مثل ستة أشهر مضى الجميع، وإن كان مثل الشهر والشهرين مضى الأول دون الثاني، وهذا قوله: إذا أعتقت ثم أعتقت.
والعتق والصدقة سواء، وأرى أن تمضي الصدقة الأولى وإن قرب ما