على أبيه بالعتق.
وإن مات رجل وخلف ابنتين فأقرتا لرجل أنه أعتق أباهما لم يثبت له بذلك ولاء، فإن لم يكن للميت من يرث الباقي عن الثلثين، وكانتا عدلتين حلف معهما واستحق الفاضل بمنزلة شاهد شهد بالعتق، وعلى قول أشهب يكون بيت المال أحق به 1 من المقر، وإن ماتت واحدة منهما بعد ذلك أخذ الفاضل عن أختها، وإن ماتت الأخرى أخذ جميع ما خلفت -وإن لم تكن
عدلة- إذا حلف، وقيل: هو 2 لبيت المال، وهي بمنزلة من أقرَّ عند الموت بأن هذا أخوه، ولا وارث له أنه يأخذ ميراثه وإن لم يثبت النسب.
وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا قال عند موته: فلان مولاي وفلان أخي ولا يعرف ذلك منهما إلا من قوله قال: يرثه مولاه دون أخيه 3.
وفي العتبية لأصبغ: إذا قال: هذا مولى أبي 4 وهذا أخي -يُبَدَّى الأخُ بالميراث؛ لأن الإقرار بأن الأب المعتِق لا يُثْبِت ولاءَه، وكذلك الإخوة وهو إقرار كله، فبدَّى النسب 5.
وهو في هذا بخلاف قوله: "فلان مولاي، وفلان أخي"؛ لأن قوله: "مولاي" كالبينة، ولا يثبت النسب بقوله: فلان أخي، فيبدى الولاء لثبوته على النسب؛ لأنه لم يثبت، وإذا قال: مولى أبي 6، وفلان أخي لم يثبت واحد منهما، وهو إقرار كله، فيبدى بالنسب.
باب في (1) الاختلاف في الولاء
وإذا اختلف رجلان في ولاء رجل، وقال كل واحد منهما: أنا 2 أعتقته، ولا بينة لهما، فإن أقر المدعى عليه بالولاء لأحدهما كان مولاه، وإن قال: كلاهما أعتقني كان مولاهما جميعًا، وإن أنكرهما وقال: لم يتقدم عليَّ رِقٌّ -كان القول قوله، وإن قال: أنا معتَق لغيركما -كلف الإقرار لمن أعتقه، فإن سمّاه وادعاه المقَرُّ له كان مولى له دون هذين، وإن قال المقَرُّ له 3: لم أعتقه، أو قال الآخر 4: لا أسمي من أعتقني -لم يقبل قوله، وألزم أن يقر، فإن تمادى على الإنكار كان مولى 5 لهذين بعد أيمانهما بعضهما لبعض، وإن أقام كل واحد منهما بينة أنه أعتقه، وكانت إحدى البينتين أعدل -قضي به لأعدلهما، وسواء كان مُقِرًّا للآخر أو منكرًا لهما، وإن تكافئوا في العدالة كان تكاذبًا، فإن أقر لأحدهما كان فيهما قولان 6 فقال ابن القاسم: هما بمنزلة من لا بينة له ويكون الولاء لمن أقرَّ له.
وقال: قال 7 مالك: إذا تكافأت البينتان والحق في يد أحدهما فالحق لمن هو في يديه وإقرار هذا بمنزلة من الحق في يديه 8.1
وقال سحنون: لا يقبل إقراره، وهو بمنزلة الدار يدعيها رجلان ولا يد عليها لأحد منهما ويقيمان البينة، ويقر الذي هي في يديه أن الدار 1 لأحدهما فلا يقبل قوله.
وكذلك قال مالك 2 في المرأة يدعي نكاحها رجلان ويقيمان البينة 3.
قال الشيخ -رحمه الله-: كلا القولين فيه 4 نظر، وأرى: ألا يقبل قوله 5 في الولاء، ويقبل قوله 6 في الدار وقول المرأة 7 في النكاح؛ لأنَّ المعتق لا يصح أن يبقى ولاؤه لنفسه، وإذا لم يصح ذلك لم ينظر إلى قوله، ومن بيده الدار يصح بقاؤها له إذا ادَّعاها لنفسه، وإذا صحَّ أن تبقى لنفسه 8 صحَّ إقراره لغيره بها.
وأمَّا المرأة فإن أنكرتهما، وقالت: لم أتزوج واحدًا منهما، كان القول قولها، وإن قالت: تزوجت هذا دون الآخر، كان القول قولها وإن قالت: كلاهما تزوجني ولكن هذا الأول منهما... 9 يكون مولى لها، قياسًا على الدار يدعيها رجلان ويقيمان البينة ويتكافآن وهي بيد الثالث فقيل: تبقى لمن هي في يديه،
وقيل: تنزع من يده ويقتسمانها.
فعلى القول الأول لا يكون لواحد من هذين من ولاية شيء.
وعلى القول الآخر يكون مولى لهما، وإن قال: أنا معتق لفلان وادعاه فلان يختلف هل يكون مولى لمن أقر له أو لهما؟ وإن اعترف أنه مولى ولم يعترف لأحد بعينه كان مولى لهما 1.
باب الدعوى في الولاء
وإذا أعتقت أمة وهي ذات زوج فأتت بولد بعد العتق لأقل من ستة أشهر أو ظهر بها حمل لأقل من ثلاثة أشهر -كان قد 1 مسَّه الرق وولاؤه للمعتق، وإن ولدتْ لأكثر من ستة أشهر أو ظهر بها حمل لثلاثة أشهر -حمل على أنه محدث بعد العتق، وإن اختلف السيد والزوج في تقدمه على العتق كان القول قول 2 الزوج، ولو صدق الزوج السيد لم يقبل قوله؛ لأن ذلك إقرار على غيره وهم مواليه، وأما مع وجود الزوج أو وجود عصبة فلا يقبل ذلك؛ لأن النسب مقدَّم على الولاء، والأب الوارث، تقدم العتق 3 أو تأخر، فبان بهذا أن إقرار الزوج على غيره وهم موالي الأب.
واختلف هل يوقف الزوج عنها عندما تعتق حتى يعرف أنها حامل 4 أم لا؟ فقال مالك في كتاب محمد: لا يمنع ولا يكف 5 عنها 6. يريد: ويعمل على 7 ما يتبين من الأمر 8.
وقال في المختصر الكبير: يكف عنها حتى يتبين هل بها حمل أم لا 1 لمكان الولاء.
وقال أيضًا في التي لها ولد من غير زوجها فهلك ذلك الولد: يوقف عنها الزوج لمكان الميراث.
وعلى القول الأول لا يوقف 2 ويعمل على ما يتبين من الأمر 3. والوقف في السؤالين أحسن؛ لأنه لا يقطع إذا أتت به لستة أشهر فأكثر أنه محدث، والوضع لهذا القدر من النادر، والوضع المستمر تسعة أشهر فأكثر، وإنما يراعى ستة أشهر إذا تقدّمت حيضة؛ وأما إذا لم يكن استبراء فلا وجه لحمله على النادر من الحمل، وأيضًا فإنه يحتمل أن تكون إصابة في أول النهار وأعتقت في آخره، فلا يكون في مرور الستة أشهر دليل على أنَّه لم يكن قبل العتق، فكان الواجب وقفه عنها 4 لدفع هذه الشبهة.
باب في مراتب (1) الأولياء في الولاء وميراث النساء من (2) الولاء
الابن أولى بولاء من أعتق أبوه، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم أبو المعتِق، ثم بنوه وهم الأخوة، ثم بنو الإخوة، ثم جد المعتِق، ثم بنوه وهم عمومة المعتِق، ثم بنو العمومة.
وقال مالك مرة: الجد مقدَّم على بني الإخوة، ثم رجع عنه 3.
واستدل ابن الجهم على أن الأخ أولى من الجد فقال: لو كان الجد أولى لكان بنوه أولى من بني الأخ، ولأن بنات الأخ محرمات وإن سفلن وليس كذلك بنات بني الجد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الولاء يؤخذ 4 بالبنوة والأبوة، والبنوة مقدمة على الأبوة، فإذا عدم بنو المعتق كان أبوه، فإذا عدم أبوه كان بنوة 5 الأب أولى من أبوته كما كان ذلك 6 في بنوة المعتق نفسه، والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب والاخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق 7 وابن الأخ أولى من العم، والعم الشقيق أولى من العم للأب، وابن العم الشقيق أولى من ابن 8 العم للأب.12
واختلف إذا كانا ابني عم أحدهما أخ للأم، فقال مالك وابن القاسم في المدونة (1): هو كرجل من العصبة لا فضل للأخ للأم (2). وقال أشهب في كتاب محمد: الأخ للأم أحق؛ لأنه أقعد بالرحم مثل ما لو ترك المعتِق أخًا لأب وأم، وأخًا لأب -كان الشقيق أولى، ومثل ما لو ترك ابني عم، أحدهما (3) لأبيه وأمه -كان أحق به (4). يريد: أن هذا أحق؛ لأنه زاد مؤنة (5).
فصل [في ميراث النساء من الولاء]
ولا يرث النساء 6 من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو 7 ولد من أعتقن من ولد الذكور خاصة 8، ذكرًا كان ولد هذا الذكر أو أنثى.
قال الشيخ: المرأة في الولاء على وجهين:
فأما ما أعتقه غيرها، أبوها أو ابنها أو أخوها فلا حق لها فيه؛ لأن الولاء بابه التعصيب، ولا تعصيب لها في ذلك.
وأما ما أعتقته فهي تجري فيه مجرى ما لو كان المعتق رجلًا، فكل موضع12345
يكون فيه الولاء للمعتق إذا كان رجلًا يكون لها فيه 1 الولاء، وكل موضع يسقط فيه 2 حقه يسقط حقها، فإن أعتق رجل أو امرأة عبدًا كان لهما ولاؤه وولاء ولده -ذكورهم وإناثهم- وولاء ولد ولده 3 الذكور -ذكورهم وإناثهم- ولا شيء لهما 4 في ولاء ولد الإناث، ذكرًا كان ولد البنت 5 أو أنثى، فإن أعتقا أمة كان لهما ولاؤها دون ولدها، فإن ولدت تلك الأمة ولدًا -ذكرًا كان أو أنثى- كان ولاؤهم لمعتق زوجها، فإن لم يخلف معتق الزوج من يجر الولاء أو كان زوجها حرًّا لم يتقدم عليه ولاء لأحد 6 -كان ولاؤهم على قول مالك في المدونة لبيت المال 7. وعلى قول محمد يعود الولاء لمعتق الأم، وعله هذا يعود الجواب في قوله أن لهن ولاء من أعتقن، وأن لهن ولاء المعتق الأسفل، وسواء كان المعتق الأسفل ذكرًا أو أنثى، ويفرق الجواب في ولاء 8 الأسفل، فإن أعتق رجل أو امرأة عبدًا أو أمة ثم أعتق ذلك العبد المعتَق أو الأمة عبدًا أو أمة كان ولاؤهم 9 للمعتِق الأعلى 10، يرثهم 11 الأعلى إذا عدم المعتِق
الأسفل (1). فإن كان للمعتَق الأسفل أولاد نظرت، فإن كان المعتَق (2) الأسفل عبدًا جرَّ ولاء أولاده لمعتِق معتِقه -ذكورهم وإناثهم- فإن كان (3) الأسفل أمة كان ولاء ولدها لمعتق زوجها، ذكورهم وإناثهم، ولم (4) تجرهم إلى من أعتقها ولا لمن أعتق من أعتقها (5).
فصل [في ولاء ولد الزنى والملاعنة]
وإذا أعتق رجل أو امرأة أمة فأتت تلك الأمة بولد من زنى أو تزوجت فلاعنت بذلك الولد -كان ولاء هذين الولدين لمعتق الأم، وتجرهم الأم إلى مولاها ومولاتها 6، وهم في ولد الزنى واللعان بخلاف ولد الحلال الثابت النسب؛ لأنه في الحرام ينسب إلى مولى الأم 7 كما ينسب الولد الحلال إلى مولى 8 أبيه، ويعقل عنه قوم أمه كما يعقل عنه 9 في الولد 10 الحلال قوم الأب ومواليه، وإذا كان ذلك فإنه يبدأ بالنسب، وهي الأم وولدها، فترث الأم والولد الواحد أو الولدان النصف، والباقي لمواليها؛ لأن لها مع الولد12345
الواحد الثلث، وللولد الواحد 1 السدس؛ لأنَّه أخ للأم، ولها مع الولدين السدس، ولهما الثلث، والباقي لموالي الأم، وإن ولدت الملاعنة توءمًا أحرز الباقي منهما المال دون العصَبة؛ لأنه يرث من قِبَلِ الأب والأم، فتأخذ الأم الثلث والباقي له، وإن كان هناك ولد آخر أخذت الأم السدس، وأخذ الآخر 2 الذي لم 3 يولد مع الميت السدس، والباقي للذي ولد معه.
باب في الميراث بالشك
وقال ابن القاسم في رجل ماتت زوجته وابنه منها ولا يدرى أيهما مات قبل الآخر 1: إنه لا ميراث بين الأم والابن، وميراث الابن للأب وحده، وميراث الأم للزوج والأخ بعد أيمانهما، وكذلك إذا نفست به واستهل ثم ماتا، الأم والابن، ولا يدرى أيهما مات أولًا لا ميراث بينهما 2.
قال مالك في العتبية: وإن شهد النساء أن الأم ماتت أولًا حلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء واستحقوا ميراثه من أمه لأنه مال.
قال أصبغ: ونظيرها شهادتهن أنه ذكر 3. يريد: أنه يختلف فيه؛ لأنها شهادة على غير مال والمستحق به مال 4؛ لأنَّ التاريخ في تقديم موت أحدهما على الآخر ليس بمال، والذي يستفاد بالشهادة مال، فعلى قول أشهب لا يحلف وارث الصبي معهن، ويحلف المنكر للشهادة، ويبرأ إذا ادعَى عليه العلم أو أشبه أن يكون عنده من ذلك علم، وإن لم يُدَّعَ عليه علم ولا كان عنده من ذلك شبهة لم يحلف 5 ولم يرث أحدهما الآخر.
واستحسن إذا لم تقبل شهادتهن أن يكون الزائد على ميراث أنثى بينهما نصفين؛ لأنَّ الأمر مشكل هل هو ذكر أم أنثى؟
ولو مات رجل حر عن زوجته وهي أمة وأعتقت، ولم يُدْرَ هل كان العتق قبل موت الزوج أو بعده لم ترثه؛ لأنه ميراث بشك، والأصل العبودية، فإن قالت الزوجة تقدم عتقي وصدقها المعتق لم ينفعها ذلك، وإن شهد شاهد بتقديم العتق حلفت واستحقت على قول مالك وابن القاسم، ولم يكن ذلك لها على قوله أشهب، وإن كان السيد عدلًا حلفت معه على القول الأول 1؛ لأنه لا يجر بشهادته منفعة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن شُقَّ جوفُهُ أو مِعاه أو ذُبح فهو كذلك حتى مات ولده أيرثه؟ قال: أما المذبوح فلا يرث وأما المشقوق الجوف ففي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حجة في ذلك قيل له: فإن قتله رجل آخر في تلك الحال أيقتل به؟ قال: لا 2.
وقال 3 في كتاب محمد في من أنفذت مقاتله يقتل به 4 الثاني ويؤدب الأول.
وقال أشهب: يقتل الأول 5.
فعلى قول ابن القاسم إذا ذبح ورثه الابن وإن مات الابن قبله، وإذا أنفذت مقاتله ولم يذبح ورث الأب الابن.
باب في ميراث الحملاء
قال مالك: كل بلاد افتتحت عَنْوة ثم سكنها المسلمون ثم أسلم أهل تلك الدار، فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية كما كانت العرب حين أسلمت، وأما كل قوم تحملوا فإن كان عددهم يسيرًا لم يتوارثوا بذلك إلا أن تكون لهم بينة عادلة على الأصل مثل الأسارى من المسلمين يكونون عندهم 1. وأجاز في كتاب السرقة 2 شهادة من دخل إليهم بتجارة 3. واختلف في العدد الذي يكتفى به إذا لم تكن عدالة فقال ابن القاسم في العتبية: العشرون إذا شهدوا يتوارثون بهم 4، وقال سحنون: لا يتوارثون بهم 5. قال الشيخ: دعوى الحملاء المناسبة على ثلاثة أوجه: أبوة، وبنوة، وأخوة وغيرها من الأقارب، فاختلف في البنوة هل يكتفى في ذلك بقول الأب: "هذا ولدي" من غير شهادة، فقول مالك أنه يقبل قوله؛ لأنه قال في كتاب أمهات الأولاد في من كان مقيمًا في بلد فيقدم بالغلام محمولًا وقد ولد في أرض الشرك مثل الصقالبة والزنج فقال: هذا ابني، وقد علم أنه دخل تلك
البلاد أنَّه يقبل قوله، فإذا قبل قول من دخل إليهم كان قول من هو منهم ومقيم معهم أولى 1.
وقال أبو الحسن بن القصار والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في كتاب الفرائض من المعونة 2: لا يقبل منه 3.
والأول أحسن، والمعروف في الولد أنه يقبل ممن 4 استلحقه إذا كانا طارئين، وإذا قال: "ولد ولدي" كان على التفسير الذي تقدم في الجد.
وإن قال: "أخي أو ابن أخي أو ابن عمي" لم يقبل منه 5، وها هنا يفتقر إلى الشهادة كما قال، فإن شهد مسلمون كانوا عندهم أو اثنان ممن أسلم منهم وعدلوا- جازت شهادتهم، وإن شهد اثنان منهم عدلان 6 وشهد المشهود له 7 للشهود جرت على قولين: فإن لم تكن عدالة فالعدد الكثير كما قال ابن القاسم وجميع هذا إذا كانت الدعوى والموت بفور القدوم، وأما إن طالت المدة وهم يتناسبون على ذلك ولا أحد ممن قدم ينكر ذلك عليهم ولا ممن يقدم من الموضع الذي قدموا منه، فإن ذلك يصير حوزا ويتوارثون به، وإن لم تكن شهادة كما 8 قال في الطارئ يدعي نسبًا ويطول زمانه، وهو يزعم ذلك ولا
ينكره أحد: إن طول المدة تثبت له نسبه، ويحد من قطعه منه.
فصل [فى ميراث رجل مات عن ولدين مسلم ونصراني]
وإذا مات رجل عن ولدين مسلم ونصراني، وادعى كل واحد منهما أن أباه كان على مثل دينه ولا بينة لهما حلفا 1 واقتسما ميراثه نصفين، وإن أقر المسلم أن أباه كان نصرانيًّا وادَّعى أنه انتقل إلى الإِسلام عند الموت- حلف النصراني أنه لم يَزُل عن دينه وكان الميراث له دون المسلم، إلا أن يصلي عليه المسلمون ويدفن عندهم بحضرته ولا ينكر ذلك 2، فيسأل عن عذره في ذلك 3، فإن قال النصراني: كان مسلمًا ثم مات على النصرانية- كان المال للمسلم بغير يمين؛ لأنه على قوله مرتد، والمال لجماعة المسلمين على قوله، وهو مدَّعٍ لغيره، فلا يقبل قوله لأنه غير عدل، وهذا إذا قال: أسلم بعد أن كبرت، وأما إن قال: أسلم وأنا صغير كان النظر في بقائه على الكفر 4. واختلف إذا لم يعلم أصله هل يرجح بصلاة المسلمين عليه؟ فلم ير ابن القاسم في المدونة ذلك وقال: ليس الصلاة 5 شهادة 6. وقال مطرف وابن الماجشون 7 في كتاب ابن حبيب: إنه 8 إذا كان ذلك
بحضرة النصراني كان ذلك (1) قطعًا لدعوى النصراني (2). وهو أبين إلا أن يعلم من النصراني أمر يعذر به في السكوت؛ لأنه ليس من العادة صلاة المسلمين على الكافرين ولا دفنهم عندهم، ولو صلى عليه النصارى ودفنوه عندهم بحضرة المسلم كان ميراثه للنصراني، وهو ها هنا أبين من صلاة المسلمين عليه، وإن قال كل واحد منهما: لم يَزُل عن ديني، كان المال بينهما نصفين على (3) حسب ما تقدم.
فصل [في ميراث رجل مات عن ولدين مسلم ونصراني أقام كل واحد منهما بينة على أنه مات على دينه]
واختلف إذا أقام كل واحد منهما بينة على دعواه فقال ابن القاسم: يقضى بأعدلهما فإن تكافأتا كان المال بينهما.
وقال غيره: إذا تكافأتا كان المال للمسلم 4.
قال الشيخ: لا تخلو البينة من ثلاثة أوجه: إما أن تشهد بما لم يزالوا يعرفونه من دينه، أو بما مات عليه، أو إحداهما بما لم يزل عليه والأخرى بما مات عليه، فإن كانت الشهادتان أنه لم يزل على 5 ذلك 6 حين موته ولا123
يعرفونه انتقل عنه - كان تكاذبًا، يقضى بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا، وكان الميراث بينهما نصفين بمنزلة من لم تشهد له 1 فيه بينة.
وإن كانت الشهادتان بما مات عليه فقالت إحداهما: نشهد أنه مات على الإسلام، وقالت الأخرى: على النصرانية، ولا علم عندهما بما كان عليه، وقال كل واحد من الولدين: لم يزل دينه على ما شهدت لي البينة به- قضي بأعدلهما أيضًا، فإن تكافأتا سقطتا واقتسما المال نصفين.
وإن كان معروفًا بأحد الدينين أو أقر بذلك الولدان كان فيها قولان، فقيل: ذلك تكاذب كالأول، يقضى بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا وبقي على ما كان يعرف به من إسلام أو نصرانية.
وقيل: يقضى بشهادة من نقلته عن الحال الأوّل؛ لأنها زادت حكمًا، فإن كان قَبْلُ نصرانيًّا كان المال 2 للمسلم، وإن كان مسلمًا كان المال لبيت مال المسلمين؛ لأنه ارتداد، وإن شهدت إحداهما أنه لم يزل يعرف على كذا ولم يُدْرَ ما مات عليه، والأخرى بما مات عليه ولا يُدرَى ما كان عليه قبل ذلك- قضي بشهادة الأخيرة 3، إن كان إسلامًا للمسلم، وإن كان كفرًا فلبيت المال.
قال أصبغ ولو كان معهما أخ صغير فقال: كلاهما مقرٌّ له بالنصف- فله النصف 4 كاملًا، ويجبر على الإِسلام ولهما النصف بعد أيمانهما 5.
قال سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا واقتسما ماله.
1.
قال الشيخ: أصل قولهم أن يكون المال بينهم أثلاثًا، فإن خلف الميت ستين دينارًا كان لكل واحد من الأولاد عشرون دينارًا؛ لأنَّ المسلم يقول: المال بيني وبين أخي الصغير نصفين، والنصراني غاصب لنا، والغصب عليَّ وعليه على قدر أنصبائنا من المال 2؛ فما خلص منه كنا فيه سواء.
ويقول النصراني مثل ذلك، وذلك يؤدي إلى تساويهم فيه.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد 3 كل واحد حتى يكبر الصغير، فيدعي مثل دعوى أحدهما 4، فيأخذ ما وقف له من سهمه ويرد إلى الآخر ما وقف من سهمه.
وإن مات قبل أن يبلغ الحلم 5 حلفا واقتسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يُعرفون فهم أحق بميراثه، ولا يردون شيئًا منه إذا كبر الصغير فادعى مثل دعواهم، وإن لم يكن ورثة أقر الميراث فإن بلغ الصبي فادعاه كان له 6.
باب في ميراث (1) المرتد وهل يكون له ماله (2) إذا راجع الإسلام وهل تمضي أفعاله في ماله (3) في حال ارتداده
وإذا ارتد المسلم حيل بينه وبين ماله، قال ابن القاسم في كتاب محمد: وينفق عليه منه في الأيام الثلاثة التي يستتاب فيها ولا ينفق منه على عياله ولا على ولده 4.
فإن راجع الإِسلام كان له ماله 5. وقال في المبسوط: لا يرد إليه.
ورأى 6 أنه كافر قدر عليه لا عهد له فلا شيء له في ماله.
وإن لم يراجع الإِسلام كان ماله 7 لجماعة 8 المسلمين، ولا يرثه ورثته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ" 9. وإن ارتد إلى النصرانية وله ولد أو أخ نصراني لم يرثه؛ لأنه دين لا123
يقر عليه، ولا تضرب عليه الجزية فيه 1 فيجمعه وإياهم جزية واحدة.
واختلف إذا ارتد في المرض فقال في المدونة: لا يورث 2.
وقال في كتاب ابن حبيب: لا يورث إلا أن يتهم أن يكون أراد منعهم الميراث.
وذكر ابن شعبان في ذلك 3 قولين: الميراث والمنع.
قال الشيخ: لا يخلو المرتد في المرض من ثلاثة أوجه: إما أن يقتل عليها، أو يعاجله الموت قبل ذلك، أو يرجع إلى الإِسلام ثمَّ يموت مسلمًا، فإن قتل لم يرثه ورثته، ولم يتهم أحد في مثل هذا، وإن عاجله الموت قبل أن يقتل نُظِرَ إلى ورثته، فإن كانوا ولدًا وممن يعلم منهم 4 القرب إليه لم يرثوه، وإن كانوا أباعد وممن يعلم منه 5 أنَّه بينهم وبينه عداوة وشنان- حُقَّ أن يقال: إنهم يرثونه.
وإن راجع الإِسلام ورثه على قوله في المدونة إن ملكه لا يسقط عن ماله 6، وعلى قوله: إنه لا يعود إليه 7 تقوى التهمة فيمن بينهم وبينه عداوة أن يظهر ذلك ثم يعود إلى الإِسلام، فيموت مسلمًا ويمنعهم ماله.
فصل [فى هل تمضي أفعال المرتد في ماله في حال ارتداده؟]
واختلف في المرتد في الصحة هل يكون مطلق اليد في ماله وتمضي أفعاله فيه حتى يحجر عليه أو يكون محجرًا عليه بنفس الارتداد؟ وهذا إذا قتل على ردته، وإذا راجع الإِسلام مضت أفعاله التي كانت قبل الحجر.
واختلف هل تمضي إذا كانت بعد الحجر عليه 1 وذلك أن يبيع أو يشتري أو يهب أو يتزوج؟
فقال ابن القاسم في كتاب محمَّد: ما تداين به 2 قبل أن يحجر عليه يلزمه، وما تداين به 3 بعد أن حجر عليه فهو هدر إن قتل على ردته، وإن هو تاب ورجع إلى الإِسلام 4 لزمه.
ولم ير 5 ردته حجرًا حتى يحجر عليه.
قال سحنون: ما أعرف هذا وردته حجر وهو بالردة ممنوع من ماله 6.
ووافق أشهب ابن القاسم أن الردة ليست بحجر وأن أفعاله بعد الردة ساقطة إن قتل، وخالفه إن رجع إلى الإِسلام، وقال: ما أحدثه بعد الحجر من بيع أو شراء أو عتق فباطل سواء قتل أو رجع 7 إلى الإِسلام 8.
وقال ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة إذا تزوج المرتد في حال ارتداده يهودية أو (1) نصرانية ثمَّ راجع الإِسلام لم يقر على نكاحها (2). وقال سحنون في كتاب ابنه نكاحه هذا (3) جائز، قال: ولو تزوج مسلمة في حال ارتداده وهي عالمة بارتداده (4) وأصابها- كان صداقها في ذمته، فإن رجع إلى الإِسلام أخذته من ماله، وإن قتل على ردته لم يكن لها شيء (5).
فصل [فى توبة الزنديق وميراثه]
وأما الزنديق فإنه لا يخلو من خمسة أوجه:
إما أن يأتي تائبًا قبل أن يظهر عليه 6، أو يظهر عليه فتشهد البينة عليه 7 ويقر ويتمادى على ما كان يعتقده، أو يتوب عندما شُهِد عليه 8، أو يتمادى على الإنكار والتكذيب بالبينة، أو شُهِد عليه بعد موته.
وأحكام هذه الوجوه ثلاثة: قبول التوبة، والقتل إن لم تقبل التوبة، والميراث.
فإن أتى تائبًا قبل أن يظهر عليه قبلت توبته، ولم يقتل.12345
وإن ظهر عليه فاعترف 1 ولم يرجع قتل ولا يورث.
وإن اعترف وتاب أو كذب البينة وتمادى على الجحود قتل، ولم تقبل توبة هذا، ولم ينظر إلى جحود الآخر.
واختلف في الميراث عنهما 2 على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة: يرثه ورثته من المسلمين 3.
وقال أيضًا: لا يرثونه، وميراثه فيء لجميع المسلمين، وبه قال المغيرة وأشهب وابن عبد الحكم وابن نافع وعبد الملك وسحنون، قالوا: سبيل ماله سبيل دمه 4.
وقال ابن القاسم: إن اعترف وتاب لم تقبل توبته وقتل ولم يرثه ورثته، وإن جحد فقتل أو مات قبل أن يظهر عليه ورثوه.
وفي كتاب محمَّد لمالك فيمن اعترف أن أباه مات على الزندقة أو أنه كان يعبد الشمس قال: لك أن ترثه 5. وهذا أشد ما روي في هذا, لاعتراف الابن علي الأب أن أباه 6 كان كافرًا.
وقال سحنون في منع قبول توبته إذا ظهر عليه أنه إنما يقتل الزنديق على ما يُسِرُّ، وما أظهر لا يدلّ على ما يسره؛ لأنه كذلك كان 7.
وهذا الذي قاله صحيح؛ لأنه كان يبطن الكفر وينطق بالإيمان, وما زادنا
أكثر مما هو 1 عليه وهو النطق باللسان، ويدل على ذلك قول الله سبحانه في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]، وإذا لم يقبل قول المحارب بعد القدرة عليه: إني تائب، مع أنه كان يعلن ما يوجب حده 2 إلا أن تعلم 3 توبته بالأعمال الصالحة وما يدل على نزوعه عن ذلك 4 قبل الظهور عليه وأخذه- كان الزنديق ابن أنه لا يقبل قوله: إني تائب، إلا أن يظهر نزوعه قبل أن يظهر عليه، أو يعترف، وكذلك شاهد الزور إذا ظهر عليه فقال: إني تائب لا يقبل ذلك منه بحضرة ما ظهر عليه، فلا تجوز شهادته إلا بما 5 يظهر منه مما يفعله بعد ذلك، وليس بمجرد قوله: إني تائب، وأيضًا فإن الزنديق كان 6 يرى ذلك حقًّا وهو اجتهاده، وشاهد الزور كان 7 يعتقد ذلك باطلًا، فانتقال حاله إلى الصلاح والتدين دليل على انتقاله.
فأما ميراثه فاستدل من أوجبه لورثته بالمنافقين أنهم تُرِكُوا على ما كانوا يُظهِرُونَهُ من الإِسلام وأُجْرُوا على أحكام الإِسلام 8 في المناكحة والموارثة وغيرها، واحتج للمنع بوجوه:
فقيل: لأنَّ 9 ذلك مما يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، فترك سنةً، لئلا يقضي
حاكم بعلمه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي اللهُ تَعالَى عَنْ قَتْلِهِمْ" 1.
وقيل: علة ذلك لئلا ينفر الناس 2 عن الدخول في الإِسلام ويقال: إنه يقتل أصحابه، لا سيما بغير بينة وبما لم يعلمه غيره.
قال محمَّد بن المواز: ولو أظهروا نفاقهم لقتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - 3.
والاتفاق على نقل حكمهم اليوم عن الحكم الأول؛ لأنَّ الحكم فيهم اليوم القتل، ولم يكن تعرض لهم قبل ذلك بقتل، وإنما التنازع في الميراث، فإذا أجري عليه القتل بما شهد عليه من الكفر أجري على مثل ذلك في الميراث.
باب في توارث أهل الملل
توارث 1 أهل الملل على وجهين: ممنوع، ومختلف فيه، فالأول الميراث بين المسلم والكافر: فهو ساقط، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ ". أخرجه البخاري ومسلم 2.
والثاني: الميراث بين أهل الكفر إذا اختلفت أديانهم كالنصراني واليهودي والمجوسي، فقال في الكتاب 3: لا يتوارثون 4. وقال أيضًا: يتوارثون؛ لأنه كفر كله.
قال أصبغ: ثم رجع ابن القاسم عنه 5.
وروى أشهب عن مالك أنَّه قال 6 في الحديث: "إِنَّهُ لا يَتَوارَثُ أَهْلُ مِلَّتينِ" 7 إنما ذلك في أهل الإسلام وأهل الكفر.
قيل: أفيرث اليهودي النصراني؟! قال: لا أدري.
وقال ابن شعبان في ذلك قولان مدنيان 1 أحدهما 2 أنهما يتوارثان، لقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الإِسْلاَمُ مِلَّة والكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ 3. وهو قول الزهري وربيعة.
قال ابن المنذر: وهو قول الحكم وحماد وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأبي ثور.
باب في النصراني يموت ويختلف ورثته فى ميراثه أو يسلمون أو يسلم بعضهم قبل أن يقسم ميراثه
وقال مالك في النصراني يموت عن ورثة 1 نصارى فيختلفون في ميراثهم 2 ويرتفعون إلى حاكم 3 المسلمين: إنه بالخيار بين الحكم أو الترك، وإن حكم بينهم 4 حكم بحكم المسلمين 5.
يريد: إذا بين لهم أنَّه إنما يحكم بينهم بمنزلة ما لو كانوا مسلمين، فإن رضوا بعد البيان أن يحكم بينهم بذلك حكم بينهم، وإلا تركهم.
قال: فإن أسلم بعضهم حكم بينهم ولم يردوا إلى حكم النصارى، قال: ولم ينقلوا عن مواريثهم، وإن أسلم جميعهم ثمَّ اختلفوا حكم بينهم أيضًا 6.
واختلف قوله: هل يحملهم على مواريث النصارى أو مواريث المسلمين، ففرق في الجواب في المسائل الثلاث:
فجعله بالخيار إذا كان جميعهم على الكفرة لقول الله سبحانه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
[المائدة: 42].ولم يحكم بينهم بحكمهم لإخبار الله عز
وجل أنهم بذلوا ما أنزل الله سبحانه، ولأن ذلك منسوخ بشرعنا وقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما علم أنه لم يبدل.
وإذا أسلم بعضهم لم يكن له خيار، وأجراهم على حكم مواريث النصارى 1؛ لأنه لا يحسن أن يُحَكَّمَ كافر في مسلم، لما في ذلك من الإذلال له، ولأنه لا يؤمن 2 أن يميلوا أو يحيفوا عليه -لمفارقته لدينهم- إلى من هو على دينهم، فكان على حاكم المسلمين أن يكشف عن مواريثهم فيحملهم عليها، وكذلك إذا أسلم جميعهم على القول أنهم يتوارثون وراثة النصارى وأنه يحكم بينهم بذلك 3، ولا يردون إلى حكم 4 النصارى؛ لأنه إذلال لهم.
وإن اختلفوا كيف المواريث عندهم كشف عن ذلك حتى يتبين له ثم يحكم.
وقد اختلف إذا أسلم جميعهم قبل أن تقسم 5 مواريثهم على ثلاثة أقوال: فقال مالك يقتسمون 6 على قسم النصارى، وقال معنى الحديث "أَيُّمَا دَارٍ أَدرَكَهَا الإِسْلاَمُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الإِسْلاَمِ" 7 في غير أهل الكتاب 8 مثل المجوس
والزنج، وأما النصارى فهم على مواريثهم، وبه أخذ ابن القاسم 1. وروى أشهب عنه: أنهم يقسمون قسم أهل 2 الإسلام إذا أسلم جميعهم، قيل له: فإن أسلم بعضهم؟ قال لا أدري 3. وقال ابن نافع في المدونة ومطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في الحديث: هو لأهل الكفر كلهم، أهل الكتاب وغيرهم 4. وقال ابن القاسم في العتبية في المجوس: إن كانوا أهل ذمة فأسلم أولادهم قبل أن يقسموا الميراث قسم على قسم الشرك، ثم قال: ألا ترى في الحديث 5: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتابِ" 6 إنما ذلك في المجوس من أهل الذمة 7. وينبغي على قول ابن القاسم أن يقول في النصراني الذي 8 لا ذمة له أنه يقسم ميراثه قسم المسلمين، وقد قال إسماعيل القاضي في 9 المرتد يموت على ردته: إنه لا يرثه من كان على دينه الذي ارتد إليه؛ لأنه لا عهد له، وإنما تركنا
المعاهدين يتوارثون ولم يعرض 1 لهم لأجل العهد.
وأما كل كافر لا عهد له فماله فيء إذا قدرنا عليه، فعلى هذا إذا أسلم ورثة نصراني لا عهد له ثم قدموا علينا- قسموا على قسم الإِسلام.
باب في إقرار الوارث بوارث
وقال ابن القاسم فيمن هلك وترك ابنين، فادعى أحدهما أختًا لم تحلف الأخت مع هذا الأخ ولا يحلف مع هذا الشاهد في النسب، ولكن يقسم ما في يد الأخ المقر على خمسة أسهم 1، فيكون 2 للمقر أربعة أسهم، وللأخت المقَرِّ بها 3 سهم، وإن خلف الميت ابنين فأقر أحدهما بزوجة أعطاها ثمن ما صار في يديه، وإن هلكت امرأة وتركت زوجًا وأختًا فأقر الزوج بأخ وأنكرته الأخت، فلا شيء على الزوج ولا على الأخت 4. يريد: أن الزوج له النصف في وجود الأخ وعدمه، وإنما يدفع المقِرُّ الزائد في يده قبل الإقرار إن كان في يده زائد، وإلا فلا شيء عليه ويكون نصيب من أُنْكِر عند من جحده 5، وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: نصيب 6 الذي جحد غصب على المقِرِّ والمقَرِّ له جميعًا، وليس هو على المقر 7 له وحده، فيقال ها هنا: للزوج إذا خلف الميت ستن دينارًا، نصيبك منها ثلاثون، ونصيبي عشرون، ونصيب الأخت عشرة، وفي يدها الآن بالإنكار ثلاثون فزادت 8 عشرين، وهي
من نصيبي ونصيبك؛ لأنَّ مقاسمتها علي غير جائزة؛ فيقسمان الثلاثين التي في يد الزوج أخماسًا، وكذلك إذا خلف الميت ابنين فأقر أحدهما بأخت فإنَّه يعطيها عشرة، وهي ثلث الثلاثين التي في يديه؛ لأنَّ له من تركة الأب سهمين ولها سهم، فالمغصوب عليهما جميعًا.
وهذا هو كان الأصل على قول 1 ابن القاسم: أن القسمة لا تجوز على الأخ 2، وإنما جازت 3 بذلك على أصل مالك في الوارث يقر بالدين أنه ليس عليه إلا قدر نصيبه 4، وإن كان الأصل لا ميراث إلا بعد الدين؛ لأنه لو أخذ له 5 بجميع ما أقر به في نصيبه لأدى ذلك إلى ألا يقر أحد بدين، وكذلك هذا لو جعل الغصب عليهما خيف ألا يقر أحد بمثل ذلك، وإذا أخذ منه الزائد وحده لم يجحد، ومما يبين ذلك أنه لو كانت التركة ديارًا 6 أو عبيدًا وغير ذلك فاقتسما ذلك لم يكن عليه عندهما سوى الزائد إن كان لا خلاف أنه لا يصح ذلك إلا باجتماع الشركاء 7.