التبصرة للخميكتاب الضحايا

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (م) = نسخة مراكش رقم (112/ 1) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

كتاب الضحايا

باب (1) في سنة الضحايا وهل يأثم (2) تاركها، وفي أضحية الإنسان عن غيره

الأضحية سُنَّهٌ على كل حر 3 صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، مقيم أو مسافر، إلا الحاج وحده، ومن لم يحج من أهل منىً أو عرفة بمنزلة غيرهم من أهل الآفاق.
واختُلف في وجوبها، وهل يأثم 4 تاركها: فقال مالك في المدونة: لا أحب لمن كان يقدر على أن يضحي أن يتركها 5. ولم يوجبها.
وقال في كتاب محمد: هي سُنة واجبة 6. فعلى هذا يأثم 7 تاركها.
وقال ابن حبيب: إنه آثم 8. وهو12

قول ابن القاسم في المدونة إذا اشتراها، ولم يضح بها؛ حتى ذهبت أيام النَّحر أنه: آثم 1 ولا يُؤَثِّمه إلا أنها واجبة عنده من الأصل؛ لأن مجرد الشراء لا يوجبها.
وقال غير واحد من البغداديين: ليست بواجبة 2. واستدل من أوجبها بحديث أبي بردة - رضي الله عنه - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" 3. واحتج من لم يوجبها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ رَأَى هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَأْخُذ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ" 4. فجعل ذلك إلى إرادته، ورد هذا من قال بالوجوب.
قال: لأنه يصح أن يؤتى بمثل هذا في الواجب كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجمْعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" 5 وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأنه لا يختلف أن نفس هذا اللفظ: (من أراد)، و (من جاء)، لا يتضمن وجوبًا ولا ندبًا.
وإنما وجبت الجمعة بنص آخر 6 بالآية، وبما جاء في ذلك من الأحاديث، ولو لم يكن ذلك إلا قوله: "إذا جاء" لم تجب.

والقول إن الأضحية ليست بواجبة أحسن (1)؛ لأنَّ الذمة بريئة، ولا تعمر إلا بأمرٍ لا شك فيه من آية أو سُنة أو إجماع، وقد عدم جميع (2) ذلك.
وبين ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ" (3). ففرق بين حكمها عليه وعلى أمته، ولو كانت واجبة عليهم؛ لم يكن للتفرقة وجه.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة - رضي الله عنه -: "وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (4)؛ فإنه يريد أنها لا تجزئ عن تلك السُّنة؛ لأن لها صفة يؤتى بها عليها (5)، فمتى (6) أخل بها كان بمنزلة من (7) لم يأت بها، ولو أراد من كان في حجٍّ أو عمرة أن يتقرب بهدي جذع من المعز، لم يكن ذلك له.

فصل [في الاشتراك في الضحايا وما يجزئ منها]

ومن المدونة قال مالك: تجزئ الشاة الواحدة عن أهل 8 البيت، وأحب إليّ إذا كان يقدر أن يذبح عن كل نفس شاة 9.1234567

ولا يجزئ 1 عند مالك أن يشترك القوم في الأضحية، فيخرج كل واحد منهم جزءًا من الثمن؛ لأنَّ كل واحد منهم إنما ذبح بقدر ما ملك منها.
وأجاز أن يشرك أهله 2؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه ذبح شاة، وقال: "هَذِه عَنِّي، وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي" 3. وقال مالك في كتاب محمد: لا ينبغي أن يذبح أضحية عن نفسه وعن أجنبي تطوعًا، ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين في أضحية، وإن كانا أخوين، وله أن يدخل في أضحيته إن شاء أهله وولده ووالديه الفقيرين، وإن كانا مليين، وضحى عنهما؛ فعن كل واحد منهما شاة 4. وأما جده وجدته؛ فكالأجنبيين لا يضحي إلا عن كل واحد 5 بشاة، إلا أن تكون الجدة 6 زوجة الجد فيدخلها في شاة، كما لو بعثها إلى جده، فذبحها الجد عن نفسه وعن زوجته، قال ابن مُيسِّر 7: وذلك بإذن الجد 8. قال محمد: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار، الذين 9 يدخلهم الجد في أضحيته من 10 عياله 11.

قال ابن حبيب: وعلى الرجل أن يضحي عن أولاده الصغار الفقراء الذكور؛ حتى يحتلموا والإناث، حتى تزول نفقتهن عنه.
ولو كانوا أملياء؛ لم يلزمه ذلك عنهم، إلا أن يشاء، وليس عليه أن يدخل في أضحيته من بلغ من ولده وإن كان فقيرًا، إلا أن يشاء لسقوط نفقته عنه، فإن أدخله في أضحيته؛ أجزأ ذلك الولد، فقيرًا كان أو مليًّا إذا كان في نفقة أبيه أو في بيته، وكذلك الصغير.
قال: ولو أدخل في أضحيته من قد ضمَّه إلى عياله من أخ أو ابن أخ 1 أو قريب فذلك يجزئ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق له في السفر ونحوه من الأجنبيين في أضحيته 2. قال الشيخ - رضي الله عنه - 3: أضحية الإنسان عن غيره على خمسة أوجه: أحدها: أن يضحي عمن تلزمه نفقته لقرابة.
والثاني: أن تكون قرابة، وهو متطوع بالنفقة.
والثالث: أن يكون متطوعًا بالنفقة، ولا قرابة بينهم.
والرابع: أن تكون النفقة واجبة، ولا قرابة كالزوجة، ومن استأجره بنفقته.
والخامس: أن لا 4 يكون في نفقته 5، ولا قرابة.
= الجد.
قال محمد: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار، الذين يدخلهم الجد فى أضحيته من عياله، وهو كله رأي محمد".

فالأول: أضحيته عمن تلزمه نفقته مع القرابة وهم: الولد 1 إذا كانوا فقراء ذكورًا صغارًا وإناثًا بالغات، لم يدخل بهن أزواجهن 2، والأبوان إذا كانا فقيرين 3؛ فهؤلاء عليه أن يضحي عنهم.
ثم هو 4 بالخيار بين خمسة أوجه؛ بين أن يضحي عن كل واحد منهم بشاة، أو يشرك جميعهم في شاة، أو يدخل جميعهم في أضحيته، أو يدخل بعضهم في أضحيته ويشرك الآخرين في شاة، أو يضحي عن كل واحد منهم 5 ممن لم يشركه في أضحيته بشاة.
والثاني: إذا كان متطوعًا بالنفقة مع القرابة، كالولد والأبوين مع اليسر، وكالأجداد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، فكل هؤلاء إذا كانوا في جملته وفي نفقته؛ لم تلزمه الأضحية عنهم، وليس تطوعه بالإنفاق مما يوجب عليه الأضحية عنهم، وسواء كان الأجداد ومن ذكر بعدهم موسرًا أو معسرًا.
وإذا لم يكن عليه أن يضحي عنهم؛ فله أن يتطوع بذلك عنهم حسب ما تقدم في الفصل الأول، فيدخلهم في أضحيته أو بعضهم 6 أو يشركهم في أضحيته، وأيّ ذلك فعل فإنه تسقط به الأضحية عن المنفق عليه، وإن كان موسرًا ممن خوطب فالأضحية عن نفسه.
والثالث: إذا كان متطوعًا بالنفقة، ولا قرابة بينه وبينهم، فلا يجوز له أن

يدخلهم في أضحيته، فإن فعل؛ لم يجزئه، ولم يجزئهم.
والرابع: إذا كانت النفقة واجبة من باب المعاوضة، كالذي يستأجر أجيرًا بطعامه، فإن ذلك لا يوجب الأضحية، ولا يجوز أن يتطوع بأن يدخله في أضحيته.
ويجوز مثل ذلك في الزوجة خاصة، ولا يجب عليه 1 أن يضحي عنها؛ لأنَّ وجوب نفقتها من باب المعاوضة عن الاستمتاع، ففارقت نفقة الولد والأبوين، وعليها أن تضحي عن نفسها، وأجيز له أن يدخلها في أضحيته لمّا شملها اسم الأهل.
والخامس: إذا لم يكن المُضحَّى عنهم في جملة المُضَحِّي ولا في نفقته، فإنه لا يجوز له 2 أن يدخلهم في أضحيته، وسواء كانوا أجنبين أو قرابة، كالولد والأبوين تسقط نفقتهم عنه 3 ليسرهم، ولم يتطوع بالإنفاق عليهم، فإن فعل؛ لم يجزئه ولم تجزئهم، وعلى جميعهم الإعادة.
وقال ابن حبيب فيمن ولد له يوم النحر أو في آخر أيام النحر 4 وقد ضحى، فعليه أن يضحي عنه 5، وكذلك من أسلم حينئذ، فعليه أن يضحي عن نفسه، بخلاف الفطر 6.

باب في الصنف الذي يضحى به

الأضحية من الأنعام: الإبل والبقر والغنم دون الوحش، كان له نظير من النَّعَم 1 أم لا، وأفضلها الضأن ثم المعز.
واختُلف في الإبل والبقر، فقال أبو محمد 2 عبد الوهاب: البقر ثم الإبل 3؛ لأن المراعى طيب اللحم.
وقال ابن شعبان: الإبل 4 ثم البقر 5. وقال أشهب: الأضحية لمن كان بمنى بالإبل والبقر أحب إلينا من الغنم.
قال: وإن كنت لا أرى على من بمنى أضحية 6. واختُلف في ذكور كل صنف وإناثه: فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: الذكران أفضل 7. وقال في المبسوط في الهدي والأضاحي: الذكر والأنثى سواء.
قال: ومن الناس من يستحب الذكر في الأضاحي، وقاله في كتاب محمد.
واختلف في الخصيِّ: فقال في المختصر: الفحل أولى 8. وقال ابن شهاب في خصي الضأن: لا ينقصه الخصاء شيئًا 9. وقال ابن حبيب: الفحل السمين

أحب إليهم من الخصي السمين، والخصي السمين أحب إليهم من الفحل الهزيل، والفحل الهزيل 1 أحب إليهم من النعجة 2. فقصرت الاضاحي علي الأنعام لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أنه ضحى بالغنم والبقر والإبل، وبَّين لأمته أسنان ما يضحون به، ولم يرو عنه خلاف ذلك.
فروي عنه أنه ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ 3. وفي البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى 4. فأثبت في هذا الحديث 5 أنه كان يضحي بالصنفين، وقدمت الضأن لقول الله -عز وجل-: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: 17، 18]. قيل: فداه بكبش، وترك عليه في الآخرين سنة 6 يقتدى به فيها.
وهذا قول الحسن.
وقيل: ترك عليه الثناء الحسن.
وقدم 7 الذكرة لأنه ذبْحُ إبراهيمَ - عليه السلام -، ولم يرو عنه أنه 8 ضحى بأنثى 9. وأسنان الأضاحي مذكورة في كتاب الزكاة الثاني 10.

فصل [في وقت الأضحية]

للأضحية وقت مبتدأ ومنتهى.
فمبتدأه بعد صلاة الإمام وذبحه بالمصلى، وآخره غروب الشمس من اليوم الثالث.
فإذا غربت خرج وقت الأضاحي.
ولم يختلف المذهب فيمن صلى مع الإمام أنه مخاطب بالاقتداء به، وأنه لا يذبح إلا بعد ذبحه، فإن ذبح قبل ذلك؛ أعاد 1. واختلف في خمسة مواضع: أحدها 2: إذا لم يبرز الإمام أضحيته إلى المصلى، هل على الناس أن يمهلوا حتى يذبح؟ والثاني: من لم يصلِّ معه وهو معه في البلد، فذبح بالتحري، ثم تبين أنه ذبح قبله.
والثالث: أهل البوادي، هل هم مخاطبون بالاقتداء بالإمام، وكيف إن أخطؤوا بعد القول أن عليهم أن يقتدوا به.
والرابع: إذا زالت الشمس، هل الذبح في بقية ذلك اليوم 3 أفضل، أو يؤخر إلى الغد؟ والخامس: إذا ذبح ليلًا بعد ليلة النحر، هل يجزيه ذلك أو لا؟ فقال محمد: إذا لم يبرز الإمام أضحيته 4، وذبح في منزله، فذبح رجل قبله؛ لم يجزئه، إلا أن

يتوانى 1 الإمام بعد انصرافه، فمن ذبح بعد القدر 2 الذي لو لم يتوان لفرغ من الذبح، فإنه يجزئه 3. وقال أبو مصعب: إذا أخطأ الإمام فلم يذبح بالمصلى، أو ترك تركًا يجاوز ما يذبح فيه الإمام، فيكون من ذبح مصيبًا 4؛جائز له ذبيحته 5. وهذا أحسن، وليس على الناس أن يمهلوا إلا بقدر ذبحه، لو ذُبح بالمصلى.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كَانَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالُمصَلَّى 6. ومن ذبح بالتحري ممن لم يُصلِّ مع الإمام، ثم تبين أن ذبحه كان قبل ذبح الإمام؛ لم يجزئه.
وفي التفريع لابن الجلاب: إنه يجزئه، قال إذا لم يبرز الإمام أضحيته، قال: يؤخر الناس قدر انصرافه وذبحه، فإن توخى 7 أحد وذبح، ثم تبين أنه ذبح قبله؛ أجزأه 8. واختلف في أهل البوادي على أربعة 9 أقوال، فقال مالك في المدونة:

يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم 1 وذبحه، فإن تبين لهم أنهم أخطؤوا أجزأهم 2. وقال في كتاب محمد: لا يجزئهم.
وقال ربيعة في كتاب ابن حبيب: إن كانوا بحيث ليس 3 إمام يقتدى به، فمن ذبح بعد طلوع الشمس، أجزأه، ومن ذبح قبل طلوعها؛ لم يجزه 4. وهو قول عطاء.
وقال أصحاب الرأي: في أهل السواد طلوع الفجر.
ولا أرى أن يجزئ ذلك من كان مع الإمام في المصر؛ لأنهم مخاطبون بالصلاة معه، فيعلمون ذلك بالمشاهدة ليس بالتحري.
وأما أهل البوادي؛ فتجزئهم، ولم يبعد 5 من قال: إنهم 6 غير مخاطبين بالإمام بحال؛ لأن الحديث إنما ورد فيمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورأى مالك أن من بعده من الخلفاء ومن يقيمونه 7 بالبلدان مثل ذلك 8، لا يتقدمون بالذبح.
والمصلّي بالناس العيد ثلاثة: أمير المؤمنين 9 كالعباسيّ اليوم.
والثاني: من أقامه لذلك في بلده أو عمله على بلد من بلدانه.
هذان لا يُتقدمان بالذبح.
والثالث: من كان سلطانًا 10 من غير أن يقيمه أمير المؤمنين 11 فهذا لا

يجب الاقتداء به (1) إن صلى لنفسه، ولا بمن أقامه للصلاة.
وإذا لم يجب الاقتداء به، صاروا كأهل البوادي الذين لا إمام لهم (2). فعلى قول مالك يتحرون أقرب الأئمة إليهم ممن أقامه أمير المؤمنين.
وعلى قول ربيعة يجوز لهم الذبح (3) إذا طلعت الشمس.
وعلى قول أبي حنيفة إذا طلع الفجر.

فصل [فيمن نحر قبل الفجر]

وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يضحى يوم النحر، ولا بعده؛ حتى تستقل الشمس، وتحل الصلاة 4. وقال أصبغ 5: ليس ذلك عليه في اليوم الثاني أن ينتظر قدر صلاة الإمام.
يريد: بالأمس، ولكن إذا حلت الصلاة 6، ولو ذبح في اليوم الثاني والثالث إذا طلع الفجر؛ جاز.
وأجرى الذبح في هذين اليومين على الهدايا 7 أنه يجوز النحر إذا طلع الفجر، واختلف إذا زالت الشمس من اليوم الأول والثاني.
فقال ابن حبيب: يؤخر الذبح في بقية ذلك اليوم حتى يضحي في اليوم الذي يليه، وتستقل الشمس، فإن لم يضح حتى زالت الشمس من اليوم123

الثالث، فإنه يؤمر أن يضحي ما بينه وبين غروب الشمس 1. وقال محمد: أفضل هذه الأيام اليوم 2 الأول 3. ولم يفرق بين أوله ولا آخره، وكذلك اليوم الثاني يكون جميعه أفضل، وهو أحسن 4؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت؟ فقال: "لاَ حَرَجَ".
قال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: "انْحَرْ وَلاَ حَرَجَ" 5. فأمره بالنحر، وإن كان قد أمسى وصار إلى آخر النهار، ولم يأمره أن يؤخر ذلك إلى الغد.
وقياسًا على الرمي أنه يرمي في آخر ذلك اليوم، ولا يؤخره إلى الغد.
واختُلف فيمن ذبح ليلًا، فقال مالك: لا يجزئ ذلك في هدي ولا أضحية، قال: وإنما ذكر الله -عز وجل- الأيام في كتابه، ولم يذكر الليالي 6، فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].
قال ابن القاسم: وأخبرني من أثق به أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "مَنْ ضَحَّى بِاللَيْلِ فَلْيُعِد" 7. وقال أبو الحسن بن القصار: روى عن مالك فيمن ضحى ليلًا أنها تجزئ.
ويجزئ 8 على هذا

الهدي إذا نحر ليلًا 1. وقال أشهب في مدونته: يجزئه الهدي ولا تجزئ الأضحية.
قال: ألا ترى أن 2 من نحر أضحيته قبل الإمام وهو من أهل القرى التي بها الأئمة يعيد، وإن نحر هديه قبل الإمام إذا طلع الفجر لم يعد.
قال: وأما قول الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)﴾ [الحج: 28]، فإن الليالي معها.
وكل هذا لاختلاف فيما سوى ليلة النحر، وأما ليلة النحر 3 فلا خلاف أنَّه من نحر تلك الليلة أو ذبح لم يجزئه؛ لأن الوقت لم يدخل بعد، وكذلك الليلة الرابعة لا يضحى فيها؛ لأنَّ الوقت قد خرج، وليس صبيحتها من أيام النحر.

باب فيمن يتولي النحر والذبح، وفيمن وكَّل نصرانيًّا أو يهوديًّا علي ذلكـ (1) أو من ذبح لإنسان بغير أمره

وُيستحب أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه قُربة لله سبحانه، فكان عمله لها أفضل من الوكالة عليها، فإن عجز عن ذلك؛ وكل من له دين وصيانة.
قال مالك عن داود بن الحصين: كان الناس ينتخبون لذبائحهم صالح ما 2 يجدون.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن 3 وكل من يُضيّع صلواته؛ استحب له الإعادة للاختلاف فيها.
هل هي ذكية 4 أم لا 5؟ واختُلف إذا وكل نصرانيًّا أو يهوديًّا، فقال في المدونة: لا يجزئه 6. وقال أشهب في مدونته: يجزئه 7. وهو أحسن على تسليم القول: إن ذكاتهم لملك1

المسلم ذكاة؛ لأن القربة لا تفتقر إلى نية الذابح، وهي موكلة 1 إلى نية المتقرب، ولو كان على رجل جزاء صيد أو نسك من أذى، فأمر رجلًا أن يذبحه، ولم يعلمه لما يذبحه لأجزأه ذلك.
وإنما يفتقر الذابح إلى نية الذكاة خاصة، وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: "ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل" 2. إلا أن يغيب عنه، ويوكله على التقرب بها.
فلا يجوز له 3؛ لأنه لا تصح منهما قربة، ولو جعل لهما أن يوكلا مسلمًا، فإن أعلماه أنها أضحية أو هدي، ونوى ذلك الذابح؛ أجزأته.
وإن لم يعلماه ونويا 4 تلك القربة كانت ذكية، ولا تجزئ.
والاستحباب لا يجتزأ 5 به؛ ليخرج من الخلاف، فقد قال مالك مرة: إنها غير ذكية 6. وإذا كان الذابح يهوديًّا أبين؛ لأن شحمها محرم 7 على أحد القولين وأن الذكاة تتبعض فيكون صاحبها مُضحيًا ببعض شاة.

فصل [فيمن ذبح أضحية غيره]

وإذا ذبح رجل أضحية رجل بغير أمره تعديًّا، وليس بولد ولا صديق، ولا ممن يقوم بأمره؛ لم يجزئه 1، وكان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، أو يأخذها وما نقصها الذبح.
واختُلف إذا ذبحها ولدٌ أو من هو في عيالة،، ابن القاسم: تجزئه 2 وقال أشهب في مدونته: لا تجزئه 3 وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لو أن جارًا لي انصرف من المصلى، فذبح أضحيتي إكرامًا لي، فرضيت بذلك؛ لم تُجز 4. وقال أيضًا: إذا كان لصداقة بينهما، أو وثق به أنه ذبحها عنه؛ أجزأته 5. فمضى ابن القاسم في ذلك على أصله فيمن أعتق عن إنسان بغير أمره عن كفارة يمين أو ظهار أنها تجزئه وهو في هذا أبين؛ لأنَّ ربها نواها قربة، وهو فيها على تلك النية إلى أن ذبحت.
والأصل في ذلك حديث عائشة، قالت: كنا بمنى، فدخل علينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ 6. وعن أشهب على أصله فيمن أعتق عن غيره بغير أمَره، أنه لا يجزئه وإذا لم يجزئ كان

له أن يضمن الذابح، فإن ضمنه أو دفع الفداء، وأخذها 1، لم تبع للاختلاف فيها أنها تجزئ، وان كان ذلك على وجه الخطأ؛ ذبح كل واحد أضحية صاحبه لم تجزئ عن أصحابها 2. واختُلف هل تجزئ الذابح إذا ضمن، فقال مالك وابن القاسم: لا تجزئ وقال أشهب: تجزئ وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الحج الثاني 3. ولو أمر ربها رجلًا يذبحها له، فنوى الذابح عن نفسه لأجزأت عن صاحبها.
وقد اشترى ابن عمر - رضي الله عنه - شاة من راعٍ، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها الراعي، وقال: اللهم تقبّل مني.
فقال ابن عمر - رضي الله عنه -: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل.
وقال أصبغ: لا تجزئه 4 والأول أحسن؛ لأن المراد من الذابح نيه الذكاة لا غير ذلك، والنية في القربة إلى ربها وقد تقدم ذلك.

باب في اختلاط الأضاحي قبل الذبح (1) وبعده والرؤوس عند الشواء

2 وقال ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الأضاحي 3، فلا بأس أن يصطلحا فيها؛ يأخذ كل واحدٍ واحدةً يضحي بها، وتجزئه 4. وقد قيل في رجلين اشتريا شاتين شركة 5، ثم اقتسماها: أن على من صارت له الدنية بدلها؛ لأنه عنده باع نصف الجيدة، وهذا ضعيف؛ لأنهما إنما 6 اشترياهما ليقسماهما، ولو كانت الشركة ليذبحا 7 جميعًا الجيدة؛ ما أجزأت.
وقال يحيى بن عمر في رجلين أمرا رجلًا يذبح 8 لهما، فاختلطا بعد الذبح، قال: يجزئان من الأضحية، ويتصدقان بهما 9، ولا يأكلان منهما شيئًا 10. وقال محمد بن المواز في رؤوس الأضاحي تختلط عند الشواء: أكره لك أن1

تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك.
قال: ولو اختلطت برؤوس الشواء؛ لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن، كمن ضمن لحم الأضاحي 1. وقد قيل: ليس له طلب القيمة، فعلى قول محمد؛ يجوز إذا اختلطت الشاتان أن يأكلاهما؛ لأنه إنما كره أكل الرأس: لإمكان أن يكون 2 الآخر تصدق به، ولم يأكله، فلا تأكل أنت متاعه.
وهذا استحسان، ولو حمل عليه 3 أنه تصدق به لم يحرم هذا على من أخذه؛ لأنه كاللقطة لطعام لا يبقى.
وإذا كان الشواء كان أشد 4 في الكراهية؛ لأن الشواء معروف، فيرده عليه، على القول أنه لا يصح أخذ العوض عن متاعه.

باب في الأكل والصدقة من الأضحية

أمر الله سبحانه وتعالى في الهدايا أن يؤكل منها، ويُتصدّق، فقال -عز وجل-: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36].
وأبان 1 النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الضحايا كذلك، فقال "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُمْسِكُوا مِنْ لحُومِ 2 نُسُكِكُمْ بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا" 3 فأباح الإمساك بعد ثلاث، وأثبت الصدقة فلم ينسخها، فقال: "ادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا".
واختلف المذهب هل يؤمر بامتثال الوجهين: الأكل، والصدقة حسبما في الحديث أم لا؟ فقال: له أن يأكل ولا يتصدق، أو يتصدق ولا يأكل.
فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يأكل ويتصدق، كما قال الله سبحانه.
ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله كان كأكله إياه ولم يتصدق، حتى يفعل الأمرين.
وقال ابن المواز: لو أكله كله 4 لكان جائزًا، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره 5.

والأول أحسن، فليس له أن يأكل ذلك كله، وقد كان الأصل: ألا يأكل منها شيئًا؛ لأنه قد جعلها لله سبحانه، وتقرب بها إليه؛ فلا يرجع في شيء جعله لله، كما لا يرجع فيما 1 جعله لله -عز وجل- صدقة، فأباح الله سبحانه أن يأكل منها، وأثبت الصدقة منها على الأصل 2، فلم يجز أن يأكل الجميع، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الضحايا في ذلك كالهدايا 3. ويكره أن يتصدق بالجميع؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نحر مائة من الإبل، ثم أمر أن يؤخذ 4 من كل واحدة بقطعة فطبخت، ليكون إذا أطعم من مرقها قد أكل من جميعها.
أخرجه مسلم 5. وقال ابن حبيب: وليس لما يؤكل، ولا لما يتصدق به حدٌّ.
ويجزئ منه ما قلّ 6. وقال ابن الجلاب: الاختيار 7 أن يأكل الأقل 8. ويستحب 9 أن يكون أول ما يأكله يوم النحر من أضحيته، قال ابن شهاب: يأكل من كبدها 10.

باب في ولد الأضحية وصوفها ولبنها

وإذا خرج ولد الأضحية بعد ذبحها حيًّا 1 ذُبح، وكان حكمه على 2 حكم الأم.
واختُلف إذا ولدته قبل ذبحها، فقال مالك: إن ذبحه معها فحسن 3. وقال أشهب في كتاب محمد: لا أرى أن يُضحى به، ولا يحل 4. قال في مدونته: وليس ذلك مثل الهدي.
والهدي بمنزلة المُدَبَّرة، وولدها بمنزلتها.
يريد: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح.
وقد كان له بدلها، فكان الولد بمنزلة ما لو ابتدأ ملكه، فلا يجوز له أن يضحي بدون المسن.
ولو بَعُد ما بين الولادة والذبح؛ ما جاز له 5 أن يذبحه على وجه الأضحية.
واختُلف في لبنها، فقال ابن القاسم: إن لم يكن معها ولد، وأضرَّ بها؛ حلَبه وتصدق به 6. وإن كان معها ولد؛ كان 7 بمنزلة الهدي.
قال: وكره مالك لبن الهدي، وقد جاء في الحديث: أنه لا بأس 8 أن يشرب ما بعد ريّ

فصيلِها 1. وقال أشهب في مدونته: يصنع به ما شاء، وله أن يَحْرِمَه 2 ولدها 3. فخالف في الموضعين في سقيه لولدها 4؛ لأن من أصله أن لا يذبح ولدها معها 5، وأن له أن يبيعه 6 وأن له أن يشريه 7؛ لأنه لا تجب قربة إلا بالذبح.
وأما الصوف؛ فهو بعد الذبح على حكم اللحم ينتفع به ويهبه ولا يبيعه، وليس له أن يجزّه قبل الذبح؛ لأن فيه جمالًا لها، واتفق على ذلك ابن القاسم وأشهب.
واختلفا 8 إذا جزّه قبل الذبح، فقال ابن القاسم: ينتفع به ولا يبيعه 9. وقال أشهب: يبيعه 10. والأول أحسن؛ لأنه قد نواه مع الشاة لله -عز وجل-.
واستحب أن يبيع تلك الشاة إذا جزّ صوفها، ويشتري غيرها كاملة الصوف 11؛ لأن ذلك الذي فعل نقص من جمالها وبهائها.

فصل [في منع بيع شيء من الأضحية]

ولا يباع شيء من الأضحية بعد الذبح؛ لحم ولا جلد ولا صوف؛ لأنها صارت بالذبح قربة لله سبحانه.
ومن باع شيئًا من ذلك نُقض بيعه.
واختلف إذا فات، فقال ابن القاسم في العتبية: يتصدق بالثمن، ولو استنفقوه لم آخذه منهم 1. وقال سحنون: يجعل ثمن اللحم في طعام يشتريه فيأكله، وثمن الجلد في ماعون أو طعام 2. وقال محمد بن عبد الحكم: يصنع بالثمن ما شاء 3، ولابن القاسم مثل ذلك فيمن نذر هديًا للمساكين، وذبحه بعد أن بلغ محله.
قال: يستحب ترك الأكل منه، وإن أطعم منه غنيًا أو نصرانيًا لم يكن عليه شيء 4. والأصل في منع البيع حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بُدْنِه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وجلالها في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا.
وقال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم 5. وإذا لم يجز البيع، وغاب المشتري بالمبيع؛ تصدق بالثمن، كثمن أم الولد.

وإن كان حاضرًا؛ ردّ إليه، وانتزع منه المبيع، وإن أفاته تصدق بالثمن 1. واختُلف إذا تعدّى رجل على لحم أضحية، فحكم عليه بالقيمة، فاستحب أن يأخذ قيمته ويتصدق بها.
واستحبّ ابن القاسم: أن تُرد، ولا تُؤخذ منه 2. وكذلك السارق.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن دبغ جلد أضحيته بدباغ، فزعم أنه سرق منه، فقال: إن وثق به فلا يغرمه شيئًا، وإن اتهمه أغرمه القيمة، وتصدق بها 3. وأجاز سحنون أن يؤاجر جلد أضحيته، وكذلك جلد الميتة 4.

باب في موت الرجل عن أضحيته وأضحية المديان ومن تصدق عليه أو وهب بشيء من أضحيته ومن وجد بأضحيته عيبًا بعد الذبح

1 ومن مات عن أضحيته قبل الذبح؛ كانت ميراثًا 2، وجاز لهم بيعها.
وإن مات بعد الذبح؛ لم تُبع، ولم يقض منها دينٌ عن الميت، وأكل الورثة ذلك اللحم، وتصدقوا.
واختُلف في صفة أكله، فقيل: الذكر والأنثى والزوجة فيه سواء، حسب انتفاعهم به في حياة ميتهم.
وقيل: للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو أصوب.
ويلزم على القول الأول إذا كان الورثة عصبة ألا ينتفعوا منها بشيء؛ لأنهم لم يكونوا ينتفعوا منها في حياته، ويختص به الزوجة والابنة إن كانت، ولا يعترض 3 انتفاع الورثة على قدر المواريث، بكون الغرماء لا يدخلون فيه؛ لأنه مال لا يصح بيعه، وكما لو خلّف جلد ميتة قد دُبغ، أو غير ذلك مما يصح به الانتفاع دون البيع، فإن للورثة 4 أن ينتفعوا به دون الغرماء، وعلى قول سحنون يؤاجر الغرماء جلد الأضحية وجلد الميتة 5.

ومن اشترى أضحية وعليه دين؛ كان للغرماء بيعُها في دينهم 1 قبل الذبح، وليس ذلك لهم بعد الذبح، بمنزلة ما لو اشترى أمةً ليتخذها أم ولد، فلهم بيعها قبل الإيلاد، وليس ذلك لهم بعد الإيلاد 2؛ لأن ذلك جرت 3 العادة أن الغريم يفعله، وليس كالعتق إذا كان عليه دين.
وأجاز أصبغ لمن تصدق عليه بلحم الأضحية، أو وهب له؛ أن يبيعه 4. وفي كتاب محمد: المنع 5. والأول أحسن، وقد تُصدِّقَ على بَرِيرة - رضي الله عنها - 6 بشاة، فأعطت منها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأكله، فقال: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ 7. ولو كانت بعد انتقالها إلى المتصدق عليه 8 على الحكم الأول؛ لم يحل للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يأكل الصدقة 9. وإذا وجد بالأضحية عيبًا، لا تجزئ به بعد الذبح؛ لم يبع لحمها على أصل ابن القاسم؛ لأنها بعد الذبح بمنزلة الهدي بعد التقليد والإشعار، فيجد به عيبًا

مما لا يجزئ به فلا ينقض التقليد، ولا يرد العتق.
وقال أصبغ: يبيع ذلك اللحم.
وهو قول في العتق 1 أنه يردّ 2. وقول ابن الماجشون في الهدي يعطب قبل بلوغ محله: إن له أن يبيعه 3.

باب ما يستحب من الأضاحي وما يتقى من العيوب فيها

ويستحب أن تُستفره الأضحية؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ [الصافات: 107]؛ ولأنها قربة فيستحب أن تكون من أعلى المكاسب لقول الله -عز وجل-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وقياسًا على العتق في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أَعْلاَهَا ثَمَنًا" 1، ولقوله: "لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً، إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ" 2. وقال عروة بن الزبير - رضي الله عنه - لبنيه: يا بنيّ، لا يهدينّ أحدكم، ولا يضحين بشيء يستحي أن يهديه لكريمه 3، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له 4. وقال ابن 5 عمر - رضي الله عنهما -: فإن لله الصفاء والخيار 6. وتجتنب العيوب يسيرها وكثيرها، والسلامة أفضل.
فإن نزل؛ أجزأ إذا

كان يسيرًا، ولم يجزئ إن كان كثيرًا، والأصل في ذلك: حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فأشار بيده، وقال: "أَرْبَعٌ: الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهًا، والْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمُرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لاَ تُنْقِي" 1. واختُلف إذا كان العيب كثيرًا من سوى هذه الأربع، فالمعروف من المذهب في المدونة 2 وكتاب محمد وابن حبيب وغيرهما: أنه لا يجزئ؛ قياسًا على الأربع 3. وقال أبو الحسن ابن القصار وابن الجلاب وغيرهما من البغداديين: إنها تجزئ، وقصروا عدم الإجزاء على ما ورد في الحديث 4. والأول أحسن؛ لأن المراد اجتناب ما له قدر من العيوب.
والعيب على ضربين: عيب يكون بجميع الجسم، كالمرض والعجف، والجرب، والبشم، والهرم والجنون.

والثاني: ما يكون ببعضها بالعين والأذن والقرن والفم من ذهاب أسنان أو بكم أو نثر، وبالصدع والذنب 1 واليد والرجل.
فأما ما يكون بجميع جسدها من المرض والعجف البين- فقد أحكمته السنة.
واختلف في معنى: "التي لا تنقى"، فقيل النقى: الشحم، فإن لم يكن بها شحم لم تجزئ 2، وهو قول ابن حبيب، وقيل: التي لا مخ فيها؛ فعلى هذا إذا كانت في أول ذهاب شحمها، وهي قوية لم يَقِلَّ مخها تجزئ.
ولا تجزئ في الجرب البيّن؛ لأنه يفسد اللحم، ولا البشمة؛ لأنه يفسد لذلك لحمها أيضًا، وهي كالمريضة التي تشرف على الموت، إلا أن يكون خفيفًا.
وقال مالك في كتاب محمد 3: تجزئ الهرمة 4. قال أصبغ: ما لم يكن هرمًا بينًا 5. وأما الجنون، فإن كان لازمًا لم يجزئ، ولا يتقرب إلى الله -عز وجل- بمثل هذه، وإن كان يعرض المرة ثم يذهب، فذلك خفيف.

فصل [في العيوب بأجزاء الأضحية وما يعفى عنه]

وأما ما يكون ببعضها كالعور، فإن ذهب الانتفاع بتلك العين أو أكثره لم تجزئ.
وإن ذهب أيسر ذلك أجزأت، وكذلك إن ذهب الأكثر من كل عين لم تجزئ، فإن كان يسيرًا منهما أجزأت 1. وأما ما يكون في الأذن؛ فالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والسكّاء 2 والصمعاء التي لا أذنين لها.
فالشرقاء: المشقوقة الأذن.
والخرقاء: المثقوبة.
والمقابلة: ما قطع من أذنها من قبل وجهها.
والمدابرة: ما قطع من قبل 3 قفاها.
والسكاء: الصغيرة الأذنين.
قال ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء 4. وقال أهل اللغة: الأصمع: اللاصق الأذنين، وكل منهم فهو متصمع، ومن ذلك اشتقاق الصومعة، وقلب أصمع: ذكي 5. وكل هذه العيوب تُتَّقى، ولا تمنع الإجزاء عند البغداديين 6، وإن كان له قدر أو ذهبت أذناها جملة؛ لأنها خارجة عن الأربعة.
وعلى القول الآخر: لا تجزئ إذا ذهبت أذناها أو ذهب منها ما له بال، ويكثر شينها به فما كان دون الثلث فيسير، وما فوق الثلث فكثير.

واختُلف في الثُّلث، فقال ابن حبيب: هو كثير، كالثلث من الذَنب 1. وقال محمد: النصف كثير من غير أن أحدَّ فيه حدًّا 2. قال الشيخ:: والشق أيسر في الشين؛ لأن جميعها موجود، وليس ذلك في الشين 3 كزوال بعضها.
وأرى أن يجزئ، وإن بلغ الشق النصف.
وقد اختلفت الأحاديث في ذلك، فذكر النسائي عن أبي بردة - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، أكره النقص يكون في القرن والأذن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا كَرِهْتَهُ فَدَعْهُ، وَلاَ تُحَرِّمْهُ عَلَى غَيْرِكَ" 4. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 5 أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعيْنَ وَالأُذُنَ، وَلاَ نُضَحِّيَ بِشَرْقَاءَ وَلاَ خَرْقَاءَ وَلاَ مُقَابَلَةٍ وَلاَ مُدَابَرَةٍ 6.

وقد يحمل هذا على ما كثر من ذلك، والأول على ما كان يسيرًا.
وأما الفم؛ فإنها لا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان بكسر أو ما أشبه ذلك، قال ابن حبيب: ويجزئ إذا كان من إثغار 1. واختُلف إذا كان لكبر، فقال مالك في كتاب محمد: تجزئ 2. وقال ابن حبيب: لا تجزئ 3. والأول أبين.
واختُلف في السن الواحدة، فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بها 4. وقال في المبسوط: لا يضحي بها 5. ومحمل قوله على الاستحسان؛ لأنه من العيوب الخفيفة، وقال في البكماء: لا تجزئ.
والنتن 6 في الفم مما يُتّقى، وقال ابن فارس 7: الحمر 8 بالحاء غير معجمة: داء يصيب الدابة ينتن به فمها.
= برقم (2804)، والترمذي: 4/ 86، في باب ما يكره من الأضاحي من كتاب الأضاحي، برقم (1498)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وأما القرن؛ فقال محمد: لا بأس أن يضحي بمستأصلة 1 القرنين 2. وأجاز في المدونة إذا ذهب البعض، وكانت لا تدمي 3. ولم يراع قدر ما ذهب.
وقال ابن حبيب: لا تجوز الأضحية بعضباء، وهي المكسورة الخارج والداخل، وإن لم تدم.
وإن ذهب الخارج، والداخل صحيح- أجزأت 4. ولا أرى أن تجزئ إذا ذهب من ذلك ما يكثر له شينها 5، وليست كالجمَّاء 6؛ لأن ذلك لا يشينها.
وإن ذهب من ذلك ما لا 7 يشينها، وكانت تدمي 8 وتبين مرضها لذلك لم تجزئ.
وإن كان المرض الخفيف أجزأت.
وقال أشهب: إذا كانت تدمي تجزئ 9. يريد: إذا كان المرض خفيفًا.
وفي كتاب محمد: إذا يبس ضرعها فلا خير فيها، وإن يبس بعضه فلا بأس 10. وقال مالك 11 في كتاب محمد: إذا أوجب الأضحية، ثم نزل 12 بها عيب

مما لا يجوز في الضحايا؛ لم تجزئ وذلك جائز في الهدايا 1. ففرق بين السؤالين؛ لأنه مخاطب في الهدايا بأن تقدم الإيجاب فيها بالتقليد والإشعار عند الميقات، فلم يكن مخاطبًا بالسلامة من العيوب إلا حينئذ، والضحايا لا تجب إلا بالذبح فليس ما تطوع به من تقدمة الإيجاب في موضع لم يؤمر به فيه مما يسقط ما خوطب أن يأتي به 2 عند الذبح.
تم كتاب الضحايا 3

جارٍ التحميل