باب فيمن ظاهر من أمته ولا مال له غيرها أو يملك نصف عبد هل يجزئه الصوم؟
وقال مالك فيمن ظاهر من أمته: ولا شيء له غيرها لم يجزئه الصوم وهي تجزئه إن أعتقها عن ظهاره، فإن تزوجها حلت له 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: يجزئه 2 عتقها على القول إن العودة العزم على الإمساك، وإنه إن طلق بعد 3 ذلك أو مات لم تسقط عنه الكفارة، ويجزئه أيضًا على القول إنه إذا ابتدأ الكفارة والزوجة في العصمة وأتمها بعد انقضاء العدة إنها تجزئه، وهو قول ابن نافع 4، ولا تجزئه على القول إن من شرطها أن تكون في موضع يستبيح به الإصابة؛ لأنَّ عتقها خلاف العزم على الإصابة، فلا يجزئه العتق لهذا الوجه، ولا يجزئه الصوم؛ لأنه مالك لرقبته، ولو ظاهر عن أمِّ ولده أو مدبرته ولا شيء له غيره لأجزأه الصوم؛ لأنَّ العتق فيهما وضع خدمة أو إسقاط حق في إصابته، ومن كان له دار يسكنها، ولا فضل فيها لم يجزئه الصوم ولا الإطعام إن كان عاجزًا عن الصوم.
وقال ابن القاسم: فيمن أعتق نصف عبد -يريد: ولا شيء له غيره 5 - وصام شهرًا لم يجزئه، وإن أعتق نصف عبد وأطعم ثلاثين مسكينًا أو صام
شهرًا وأطعم ثلاثين مسكينًا لم يجزئه 1. واختلف قوله في كفارة اليمين بالله هل يجوز له أن يجمع بين الكسوة والإطعام فيطعم خمسة ويكسو خمسة؟ فمنع ذلك في كتاب النذور 2، وأجازه في كتاب محمد 3، وهو أحسن؛ لأن كل واحد منهما يسد مسد الآخر مع الاختيار.
باب في صفة الكفارة عن الظهار
كفارة الظهار ثلاثة أصناف: تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، حسب ما ورد به القرآن 1. والعتق يصح بأربعة شروط: أن تكون الرقبة مؤمنة سالمة من العيوب التي لها قدرٌ وبالٌ، ليس فيها عقد حرية، ويصح للمكفر ملكها بعد الشراء، وقبل العتق 2، فهذه جملة متفق عليها، فإن انخرم شيء من ذلك لم يجزئ، وفي بعضها اختلاف، والكافر 3 على ضربين: كتابي كبير قد عقل دينه، فذلك غير جائز؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ شرط في العتق على القتل مؤمنة 4، وإذا كان مطلق ومقيد من جنس واحد رُدَّ المطلق إلى المقيد، وقد أفهمنا الله عزَّ وجلَّ آنه لا يتقرب إليه في الواجب بعتق أعدائه أو من يجعل له زوجة وولدًا تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا لا إله غيره ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا 5. واختلف إذا كان ممن يجبر على الإسلام كالمجوسي صغيرًا كان أو كبيرًا أو ممن لا يعقل دينه من أهل الكتاب، فقال مالك في الأعجمي: غيره أحب إليَّ
منه وإن لم يجد غيره أجزأه 1. وقال ابن وهب وأشهب: لا يجزئه 2، واستشهد بحديث السوداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بعتقها إلا بعد معرفة أنها مسلمة 3، وهو أحسن إذا كان بالغًا أو غير بالغ إلا أنه يعقل دينه؛ لأنه في حين العتق كافر، وليس جبره على الإسلام في المستقبل، وإسلامه مما يخرجه عن أن يكون وقت العتق كافرًا، وإن لم يعقل دينه أجزأه لأنه ليس بكافر.
واختلف في الكتابي الصغير، فقال ابن القاسم: يجزئه.
وعلى قول ابن وهب وأشهب: لا يجزئه 4.
وقال أبو مصعب: من ولد من النصارى مملوكًا للمسلمين فهو على فطرة الإسلام 5. وقال ابن حبيب: إن ولد في ملك المسلمين لم يجبر، وإن سبي وليس معه أبوه فهو كصغير المجوس 6. وهذا عكس ما قاله أبو مصعب.
وحكي عن مالك أنه قال 7: إن أعتق عن واجب بحدثان ملكه لم يجزئه ولم
يصلَّ عليه، وإن ارتفع عن حدثانه 1 ذلك وفوره، وقد تشرّع 2 بشريعة الإسلام وزياه بزينة 3 الإسلام، وإن لم يبلغ الفهم أجزأه عتقه عن الواجب، ويصلي عليه 4.
وقال ابن الماجشون: إن لم يكن معه أبواه 5 في الابتياع ولم ينته أن يتدين بدين 6، وابتاعه مسلم فله حكم المسلمين في العتق، والصلاة، والموارثة، والقود، والمعاقلة 7.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما من كان صغيرًا وليس معه أبوه، فالأمر فيه بين 8 أن يجزئه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنْصِرَانِهِ" 9، فأخبر أنه على غير اليهودية ولا النصرانية حتى يهود وينصر.
وكذلك أرى إذا كان الأب عبدًا والأم أمة، وإنما يكون له حكم الأب إذا كان
للأب ذمة، وذلك إنما يصح في الحُر، فإذا كان الأب مسبيًا فليس له أن يقول: ليس لكم أن تعلموه غير ديني؛ لأنه لا ذمة له، فيطالب بالوفاء بها، وكذلك من ولد في ملك مسلم، كل هؤلاء يجزئه إذا لم يعقل دينًا؛ لأنه ليس بكافر، ولا في حكم الكافر، ولو تزوج عبد نصراني أمة نصرانية لم يكن له مقال في دين ولده إذا كانت الأم ملكًا لمسلم، وكذلك إذا كان الأب حرًا، والأم أمة، وهو ظاهر قول أبي مصعب، وإنما تنعقد له الذمة في (1) ولده إذا كان الأبوان حرين.
فصل [فيما يمنع الإجزاء من العيوب في العبيد وما لا يمنع]
والعيوب خمسة: عيب يمنع العبدَ السعيَ والقيامَ بنفسه؛ لأنها زمانة أو في معنى الزمانة لما تعطل من الانتفاع بنفسه 2، فذلك غير جائز كالعمى والقعد وزوال العقل 3 والفالج، وإن كان ببعض الجسد كالشلل وقطع اليد والأصابع وما أشبه ذلك مما يعطل اليد أو يضعفها 4 أو يفسد استعمالها.
وعيب لا يمنع السعي وهو يسير، ولا يخشى تناميه، فذلك جائز كالمرض الخفيف وقطع الأنملة والجذع من الأذن، وذهاب بعض 5 الأسنان والصمم الخفيف، والعرج الخفيف 6.
وعيب يسير شأنه التنامي لجميع الجسد كبداية الجذام والبرص، فاختلف1
هل يجزئ أم لا؟
فقال ابن القاسم في الجذام والبرص 1: لا يجزئه جملة، ولم يفرق بين قليله وكثيره، وقال أشهب في البرص الخفيف: يجزئ 2. وراعى حالة العبد وقت العتق، وإن كان مما 3 يتنامى بعد ذلك، وعلى هذا يجزئ إذا كان في بداية الجذام، ويقاس عليه من كان به بداية السل وشبهه.
وعيب كثير يعم الجسد كالجذام والبرص فهو غير جائز، وإن لم يمنعه السعي، وقاله ابن حبيب في السل 4، والمراد 5 أنه لا يجزئ.
وعيب كثير يخص بعض الجسد ولا يؤثر في العجز عن السعي ولا يخشى تناميه كالعور والصمم والعرج والخصاء، فاختلف هل يجزئه أم لا؟ لأن له قدرًا، ولا يمنعه من السعي، فقال في المدونة في العور: يجزئ 6.
وقال في كتاب محمد: لا يجزئ 7، والعور شين كثير 8 أذهب عضوًا شريفًا مقدرًا من الحر بنصف الدية إلا أنه لا ينقص من السعي، وقال في الصمم والعرج البين: لا يجزئ 9.
وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ 10.
وفي الخصاء ثلاثة أقوال: فكرهه في المدونة 1، وقال أيضًا: لا يجزئ، ولو كان خصيًا غير مجبوب ما أجزأ، وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ 2 الخصي 3.
ويختلف في الأخرس والذاهب الأسنان وأشراف الأذنين.
فقال ابن القاسم: لا يجزئ 4، وعلى قول أشهب يجزئ لأنه عيب يختص ببعض الجسم ويؤمن تناميه، ولا يمنع السعي، وقد قال في الصمم إنه يجزئ، وذهاب أشراف الأذنين أخف.
واختلف في المجنون، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئ 5.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان يجن في كل شهر مرة يجزئ، ورأى أن القدر الذي يجن فيه يسير في جنب الصحة؛ لأنه جزء من ثلاثين إن كان يجن يومًا وليلة، أو جزء من ستين إن كان يجن أحد الزمانين وما أبعد في القول.
واختلف في المريض، فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع 6. وفي المدونة في الأبرص يجزئ إذا كان خفيفًا ولم يكن مرضًا 7، فرأى أنَّ المريض يمنع الإجزاء.
يريد إذا كان بيّنًا، ولا يجزئ المقطوع الأصبعين واختلف في الأصبع
الواحد 1، فقال ابن القاسم: لا يجزئ 2. وقال غيره: يجزئ 3.
وقال ابن الماجشون في كتاب محمد: يجزئ، وإن كانت الإبهام 4 وليس بالبين، وإن كان الخنصر وما والاه رأيت أنه يجزئ.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأصابع مختلفة المنفعة، فإن كان الذاهب قد أذهب معظم الانتفاع باليد أو كثيرًا منها لم يجزئ، وإن كان معظم الانتفاع قائمًا أجزأ، وأما 5 الأصبعان من يد أو رجل فهو يوهنها ويقبح شأنها 6 فلا يجزئ، ولو كان أحدهما من يد والآخر من رجل أجزأه 7 فوجه منع الإجزاء إذا كان العيب له قدر وَبَالٌ 8 ولا يمنع السعي قياسًا على الهدايا والضحايا؛ لأن جميعها قرب يتقرب بها إلى الله تعالى، ولا يتقرب إليه بمعيب، ووجه الإجزاء أنَّ المقصود من بني آدم الدين والصلاح ولا يلزم على هذا أن يجزئ ذاهب اليد ولا الرجل، ولا ما أشبه ذلك 9؛ لأنه معتق لبعض عبد.
فصل [فيمن أُعتق بحكم]
عتق من فيه عقد حرية ولم يتم كأم الولد والمعتق إلى أجل والمعتق بعضه غير جائز، كان ذلك ملكًا للمعتق أو لغيره، وكذلك المدبر والمكاتب إذا كان المعتق هو الذي 1 عقد التدبير والكتابة؛ لأنه وضع خدمة أو وضع مال 2.
واختلف إذا اشتراهما فأعتقهما فقيل: العتق مردود، ولا يجزئ، وقيل: العتق ماضٍ، ولا يجزئ؛ لأنه عتق مختلف فيه، فيمضي ولا تبرأ الذمة به، وقيل: يمضي العتق ويجزئ، وأرى أن يجزئ المكاتب إن بيعت رقبته برضاه؛ لأن رضاه بذلك تعجيز 3 منه لنفسه، ولا يجوز أن يبيع بغير رضاه؛ لأنه على كتابته وعتقه وضع مال، ويجزئ المدبر لقوة الخلاف فيه، وللحديث أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - باع مدبرًا 4.
واختلف فيمن له شرك 5 في عبد فأعتق جميعه وهو موسر، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجزئه، وعليه نصف قيمته.
قال: وذلك لأنَّه ليس لشريكه أن يأبى ذلك.
وقال أصبغ: لا يعجبني 6، وقال ابن القاسم في المدونة: من أعتق نصفه ثم اشترى النصف فأعتقه عن ظهاره لم يجزئه إذا كان
حين العتق معسرًا، قال: وحيث إنه لو 1 كان 2 موسرًا وقوَّم عليه؛ لأنه قوَّم عليه بحكم 3، وقال في العتبية: إذا أعتق نصفه عن ظهاره ثم أعتق النصف الثاني عن ذلك الظهار أجزأه، وإن لم يعتقه فرفع إلى السلطان خبره، فإن أعتقه أجزأه وإلا أعتِقه عليه 4 السلطان 5. وهذا اختلاف قول.
ولا فرق بين أن يكون جميعه له أو يكون شركة بينه وبين غيره فلا يجزئه على ما قال في المدونة 6؛ لأنه عتق بحكم، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه وإن كان جميعه له 7 فراعى ابن القاسم الخلاف لقول من قال: إن الاستكمال مع اليسر مندوب إليه، ويلزم على قوله أن يجزئ، وإن كان شركة بينه وبين آخر وقوّم عليه نصيب شريكه، وكذلك إذا كان معسرًا فأيسر ثم اشترى النصف الآخر، وأعتقه عن ظهاره فيجزئه وهو في هذا أبين من الموسر؛ لأن عتقه إذا أيسر فاشتراه باختيار منه 8، وفي اليسر المتقدم بالجبر، وأمَّا إن أعتق جميعه فأرى أن يخير الشريك فإن أجاز عتقه مضى بالقيمة يوم كان أعتق وأجزأه، وإن ردَّ الشريك عتق نصيبه وأعتق بالحكم يوم يقام عليه لم يجزئه على قوله في المدونة.
فصل [فيمن قال: إن اشتريت فلانا فهو حر فاشتراه وأعتقه عن ظهاره]
وإن قال: إن اشتريت فلانًا فهو حر، فاشتراه وأعتقه 1 عن ظهاره- لم يجزئه 2، وقال محمد: فإن قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري أجزأه 3.
فإن اشترى أباه فأعتقه عن ظهاره أو نوى ذلك قبل الشراء لم يجزئه؛ لأنه معتق عليه بنفس الشراء، فإن كان عليه دين فأذن له غرماؤه أن يشتريه ويعتقه عن ظهاره- أجزأه، وكذلك إذا اشتراه 4 بغير إذنهم، فأذنوا له أن يعتقه عن ظهاره؛ لأن الدَّين يمنع من عتقه، 5 فإذا صحَّ ألا يعتق وأن يباع 6 للغرماء- صحَّ إذنهم في عتقه عن الواجب.
وإن أعتقه عنه أجنبي بغير أمره أجزأه على قول ابن القاسم 7، وأبوه وغيره في ذلك سواء؛ لأنه لم يملكه ولم يعتق عليه، ويختلف إذا كان بأمره، فقيل في هذا: الأصل كأنَّه ملكه لما كان بأمره، فلا يجزئه.
وقيل: يجزئه؛ لأنه لم يملكه.
وقد اختلف فيمن زوج عبده ثم أعتق السيد ذلك العبد عن زوجته
بأمرها، هل ينفسخ ذلك 1 النكاح، ويكون ذلك ملكًا منها له قبل العتق أو لا ينفسخ؟
قال محمد: ولو اشتراه وصي فأعتقه لأجزأه عن الميت من رقبة واجبة أوصى بها، ما لم يكن الميت هو الذي أوصى بشرائها؛ لأنه لو اشتراه 2 هو نفسه لم يجزئه، وليس هذا بالبين، وأرى أن يجزئه؛ لأنه لا يعتق على ميت، وليس 3 بمنزلة ما لو اشتراه هو قبل موته.
ولو قال: اشتروه ليخلص من ملك فلان، لإساءته إليه، ولا تعتقوه- لم يعتق؛ لأنه لا يعتق على ميت، وإذا جاز أن يبقى رقيقًا صحَّ أن يوصي بأن يعتق عن ظهاره.
واختلف إذا صحت العودة من المظاهر ثم كفر عنه غيره، فقيل: تجزئه الكفارة كانت بأمره أو بغير أمره.
وقيل: إن كانت بأمره أجزأته، وإن كانت بغير أمره لم تجزئه.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا تجزئه، وإن كانت بأمره، وقال ابن القاسم فيمن أعطته زوجته رقبة يعتقها عن ظهاره منها لم يجزئه إذا كانت العطية بشرط 4 أن يعتقها 5، والأول أصوب، لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علينا رجل 6 ونحن بمنى بلحم بقر 7، فقلنا: ما هذا؟ فقالوا: ذَبَحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عن أزواجه البقر 1. وكنا قد تمتعن، فذبح 2 عنهنَّ عن المتعة بغير أمرهنَّ.
ولحديث ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، إنَّ أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت أفأحج عنها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ " قال: نعم، قال: "فَاقْضِ دَيْنَ اللهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ".
أخرجه البخاري 3.
فجعل فعله قضاء، وإن كان بغير وكالة، واختلف إذا اشترى عبدًا بشرط العتق ليعتقه عن ظهاره، فقال مالك وابن القاسم 4 في المدونة: لا يشترى بشرط العتق؛ لأنها ليست برقبة تامة، وفيها شرط يضع من ثمنها 5.
وقال ابن كنانة في شرح ابن مزين: إن كان جاهلًا لم يؤمر بالإعادة.
وقال ابن القَاسم: إن كان عالمًا أن ذلك لا ينبغي له لم يجزئه، وإن كان لا وضيعة في ثمنها، وإن كان جاهلًا ولا وضيعة في ثمنها أجزأه، وإن كان فيه وضيعة لم يجزئه 6.
وقال ابن القصار فيمن قال لرجلٍ: أعتق عبدك عني عن كفارتي،
فأعتقه- أجزأه 1، وسواءٌ كان بجعل جعله له مثل أن يقول: أعتقه عني ولك ألف درهم 2، أو بغير جعلٍ الجميع 3 جائز.
وهذا أصوب 4 على أصل ابن القاسم؛ لأنَّه إذا أجزأ، وهو كله هبة بغير عوض، فأحرى 5 إذا كان بيعًا ولم يكن في الثمن وضيعة، وأحرى 6 إذا اجتمع فيه هبة وبيع، فالمحاباة هبة، والبيع ما سواها، ومن أعتق عبده عن ظهاره على مال فإن كان المال 7 في يدي العبد جاز؛ لأنَّه انتزاع 8، وكذلك إن أعتقه على أن يؤخره به إلى أجل جاز؛ لأنه كان قادرًا 9 على أن ينتزعه 10، فتركه في يديه، وتأخيره به معروف من السيد، وزيادة خير 11 وإن كان العبد معسرًا بالمال لم يجز؛ لأنَّ تلك المبايعة باعه نفسه بما جعل عليه، ولا يصح أن يبيعه نفسه ويعتقه 12 عن ظهاره، ولو وضع عنه المال بعد ذلك لم يجزئه؛ لأن العتق يَرِد على وجه المبايعة.
باب في صيام المظاهر ومن لا يتابع صومه اختيارًا أو لمرض أو نسيان
الصوم عن الظهار شهران متتابعان حسب ما ذكر الله سبحانه 1 في كتابه، فمن أتى به متفرقًا متعمدًا لم يجزئه، وإن كانت التفرقة عن مرض أجزأه.
واختلف إذا كانت عن نسيان أو خطأ في العدد أو جهل بالحكم فقال في كتاب محمد في النسيان: لا يجزئه.
وعلى هذا لا يجزئه إن كانت التفرقة عن جهل، وقال مالك في المدونة فيمن صام ذا القعدة وذا الحجة جاهلًا يظن أنه يجزئه، قال: يجزئه 2، وعلى هذا يجزئ الناسي، ومن أخطأ العدد فداخل في الناسي.
وقال محمد بن عبد الحكم: المرض والنسيان سواء يجزئه.
قال: لأنَّ كل ذلك من أمر الله تعالى، لا يستطيع العبد دفعه، وهو أبين، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "حُمِلَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" 3.
فسوَّى بين النسيان والاستكراه، والاستكراه لا يسقط التتابع، وكذلك النسيان، وقياسًا على الصلاة أنه لا خلاف أن الواجب أن يأتي بها متتابعة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سلَّم من صلاته 4 من ركعتين، ثم قام إلى خشبةٍ
معروضةٍ في المسجدِ، فكلِّم على قصر الصلاة، فكانت منه مراجعة، وفي بعض الروايات أنه دخل إلى بعض حجره 1، ثم بنا على ما تقدم، من صلاته 2، وأما إن جهل فابتدأ الصوم في ذي القعدة وذي الحجة، فالصواب أن يبتدئ، بخلاف الناسي 3؛ لأنَّ هذا متعمد، أو لو جهل رجل أعداد الصلاة وظنَّ أن الظهر ركعتان، فصلاها على ذلك 4 فلما سلَّم وتكلم أُعْلِمَ أنها 5 أربع- لم يجزئه أن يبني على ما صلى أربعًا 6.
ولو ابتدأ صيامه في شوال، ثم مرض ذا القعدة، ثم صح ذا الحجة- أجزأه أن يبني على ما تقدم؛ لأن المرض أخره إلى ذي الحجة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صام عن ظهارين فواصل أربعة أشهر، ثم ذكر يومين لا يدري من أي ظهاريه، صام يومين يصلهما 7، وأتى بشهرين 8.
وقال عبد الملك بن حبيب 1: إن وصل الكفارتين ثم ذكر يومين كان أفطرهما ناسيًا أو خطأ فأقل ما يجزئه 2 يوم يصله بالشهرين الأخيرين، ثم يأتي بشهرين؛ لأن أكثر ما عليه أن يكون يوم من آخر الكفارة الأولى، ويوم من أول الثانية 3.
وقال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا ذكر يومًا من أول صومه، وكان قد وصل الصوم 4 الأول بالثاني، فعلى أصل عبد الملك- يكون أول يوم من الشهرين الأخيرين تمامًا للأوليين، قياسًا على قوله فيمن سلم من ركعتين من الظهر، ثم أتى بركعتين نفلًا إنها تجزئ عن الظهر؛ لأنه لم يرفض النية الأولى، وإنما أحدث نية ظنًّا منه أنه وفَّى بالأولى، وكذلك هذا أحدث نيةً ظنًّا منه أنه وفىَّ الصوم الأول، فيجزئه الأول، ويكون النقص من الثاني، فإن ذكر في آخر الثاني وَقَبْلَ أن يأخذ في الفطر- أتى بيوم يصله بشهرين وأجزأه.
ويختلف إذا ذكر بعد أن أخذ في الفطر هل يأتي بيوم أو يستأنف صومه، على الخلاف في الناسي، وإن كان عين صومه عن كل امرأة صام يومًا عن الأولى، وحلت له، وأمسك عن الثانية، وإن لم يكن عين أمسك عنهما حتى يصلح الآخر، وعلى قول ابن القاسم يكون النقص من الأول، ثم 5 يختلف في استئنافه، والقول: إن النسيان لا يسقط التتابع أحسن، وقد تقدم، فلا يكون عليه إلا قضاء يوم، وإن ذكر ذلك اليوم في تضاعيف صومه الثاني- جرت على
قولين، هل يتم ما هو فيه، ثم يصوم ذلك اليوم الأول، أو يبتدئ بالذي نسي، بمنزلة من ذكر صلاة وهو في صلاة؟
وأرى أن يتم الثاني ثم يقضي الأول، ولو رجع إلى تمام الأول لرأيت أن يرجع إلى تمام الثاني، ولا يستأنفه؛ لأنه لم يتخلل الثاني فِطرٌ 1، وإنما تخلله صوم وقربة لله سبحانه، وفي كتاب ابن حبيب نحو ذلك 2 فيمن صام شعبان وشوال أنه يجزئه 3، وإن تخلله رمضان.
وفي ثمانية أبي زيد مثل ذلك فيمن نسي ركعة، ثم ذكرها بعد أن تلبس بصلاة، قال: يأتي بما نقص، وإن طالت صلاته الثانية؛ لأنه كان في قربة، بخلاف أن يكون ذلك القدر 4 في غير صلاة.
فإن قال: لا أدري من أي الصومين ذلك اليوم، وكان قد أخذ في الفطر بعد انقضاء الشهرين الآخرين- استأنف صوم الأربعة الأشهر، على القول: إن النسيان يسقط التتابع 5 إذا كان قد عين الصوم عن كل امرأة، وإن لم يكن عين فعلى القول أن النسيان لا يفسد التتابع فإن عين صام يومين، وإن لم يعين صام صومًا ينوي به الباقي في الذمة.
ولو قيل فيمن عين: إنه يجزئه يوم، لكان وجهًا؛ لأنه ينوي به الذي أسقطه منهما، وكذلك على القول إنه يفسد بالنسيان، يصح أن يأتي بشهرين، وإن كان
عين وينوي به الذي أفسد منهما.
وكل هذا ما لم يصب، فإن وطئ فسد صومه عن إحداهما؛ لأن صومه عن واحدة صحيح، ثم يوقف عنها حتى يكفر كفارة أخرى، ومن أكل في نهاره بعد أن بيت الصوم- قضى يومًا، وواصله بصيامه، وأجزأه، ولم يستأنف؛ لأن بعض أهل العلم قال: إن صوم ذلك اليوم صحيح لا يجب قضاؤه، وقياد المذهب أن يكون بمنزلة من بيّت الفطر؛ لأنه لم يختلف قول مالك وأصحابه إنه صوم فاسد يجب قضاؤه فلا يحتسب به 1.
وإن وطئ المظاهر الزوجة التي ظاهر منها ناسيًا أو عامدًا في ليل أو نهار في شهري صيامه- بطل صيامه، ووجب استئنافه، لقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وكذلك إن أطعم بعض المساكين، ثم أصاب؛ فإنه 2 يستأنف، ولا يجوز الوطء قبل استكمال الإطعام، كما لم يجز في العتق والصيام؛ لأن الإطعام إن أتى به جملة كان كالعتق، أو متفرقًا كان كالصيام.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتابه: إن وطئ قبل أن يتم الإطعام أحب إلي أن يستأنف، وأظنه قال ذلك مراعاة لما قال الثوري إنه يجوز له أن يطأ قبل أن يطعم، وقد اختلف عن الثوري في ذلك 3.
فإن أصاب غير التي ظاهر منها نهارًا عامدًا بطل، كما لو أكل عامدًا، ويختلف إذا وطئ ناسيًا؛ هل يجزئه، أو يستأنف حسب ما تقدم إذا أكل ناسيًا؟
فصل [في عجز المظاهر عن الصوم]
عجز المظاهر عن الصوم يبيح الكفارة بالإطعام، وذلك على وجوه: المرض وضعف البنية، والمتعطش الذي لا يستطيع معه الصوم، ويختلف إذا كان في زمن حر، ولو كان في زمن برد لقدر على الصيام، فعلى قول ابن القاسم: لا يجزئه الإطعام، ويصبر حتى يصير إلى زمن البرد فيصوم، قياسًا على المريض يطول به المرض، ولا يجد ما يشتري به رقبة- أنه يصبر حتى يصح، ولا يجزئه الإطعام.
وعلى قول أشهب: يجوز له الإطعام، وليس عليه 1 أن يصبر إلى زمن البرد، وإن كان في سفر لم تجزئ الكفارة بالإطعام، وسواء ظاهر في السفر، أو الحضر ثم سافر، وهو في ذلك بخلافه في صوم 2 رمضان، لقوله سبحانه في المظاهر ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [المجادلة: 4]، وهذا مستطيع، وأباح الله عز وجل الفطر في رمضان إذا كان في السفر وإن كان مستطيعًا، وقد ينعكس الجواب في المقيم، فيتوجه الخطاب بصوم زمضان دون المظاهر 3؛ لأن هذا شهر، وهذا شهران، فقد يعجز عن متابعة شهرين، ولا يعجز عن متابعة 4 شهر.
وأما المريض فهو على أربعة أوجه: قريب البرء، وبعيده، مُؤْيَس 5 من البرء، ومشكوك فيه، فإن كان البرء قريبًا، لم يجزئه الإطعام، ويجوز 6 ذلك مع
اليأس 1. واختلف إذا كان يرجى بَعْدَ بُعْدٍ أو شك فيه، فقال ابن القاسم: لا يجوز له الإطعام.
وأجازه أشهب 2، وهو أبين، لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ وهذا غير مستطيع، ولا يعترض هذا بقليل المرض؛ لأن القليل 3 في معنى العدم، وهذا إذا كان مشكوكًا فيه أبين، وقد أباح الله الصيام لمن لم يجد رقبة، وإن كان مشكوكًا فيه هل يوسر؟ وليس يقطع على الفقير أنه لا يوسر بمثل ذلك، وقد يكون موسرًا ببعض ثمن الرقبة، أو يكون له ثلاثة أرباع رقبة، ولا يملك غيرها فيجوز له الصوم مع رجاء اليسر لذلك القدر الذي عجز عنه.
باب في قدر الإطعام في الظهار وجنسه ومن يجوز له أن يُطْعم ومن يجوز له أن يأخذ تلك الكفارة
1
اختلف عن مالك في قدر الإطعام على ثلاثة أقوال، فقال في المدونة: يطعم مدًّا بمد هشام لكل مسكين 2. وقال 3 في كتاب ابن حبيب: مُدَّين بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - 4. قال ابن القصار: مُدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - 5. وقال ابن الماجشون: إن غدَّى وعشى أجزأه وجعله مثل كفارة اليمين بالله تعالى 6. وهذا مثل ما عند ابن القصار.
واختلف في قدر مد هشام، فقال ابن القاسم في المدونة: هو مدان إلا ثلث بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - 7. وقال ابن حبيب: هو مد وثلث.
ذكر البغداديون عن معن بن عيسى أنه مدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - 8.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أوجب الله سبحانه ثلاث كفارات:
كفارة اليمين بالله تعالى وهي مقيدة بقول الله سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]، وفدية الأذى، وهي مقيدة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مُدَّانِ
لِكُلِّ مِسْكِينٍ" 1.
وكفارة الظهار، وهي مطلقة، فَرَدَّهَا مرة إلى فدية الأذى؛ لأن الزوجة محرمة لما عقد من الظهار، فلا تباح إلا بما لا شك فيه، وهو أعلى الكفارات، وهي فدية الأذى، وَرَدَّهَا مرة إلى كفارة الأيمان؛ لأن الأصل في الذمة البراءة، فلا يلزم إلا ما لا شك فيه، ولم يردَّها في القول الثالث إلى شيء من 2 هاتين الكفارتين، وراعى أعلى الشِّبَعِ، ورأى أن يجزئه مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، لوجوه:
أحدها: أن الأصل براءة الذمة، فلا يلزم إلا ما لا شك فيه.
والثاني: إذا كان اثنان مطلق ومقيد 3 من جنس، رد المطلق إلى المقيد، وَردُّ الظهارِ إلى كفارة الأيمان أشبه؛ لأنها في معنى اليمين، وفدية الأذى ليست بيمين.
والثالث: أنه لم يختلف قوله في العتق عن الظهار: إنه لا يجزئ إلا مؤمن لما كان مقيدًا في آية القتل، فكذلك الإطعام، ومنها أن ذلك مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ أَعْطَى المُظَاهِرَ عِذْقًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي في مسنده 4.
فصل [فيما يجزئ في كفارة الظهار من الطعام]
واختلف في الجنس الذي يطعم، فقال في المدونة: من عيش أهل البلد 1. وقال في كتاب محمد وابن حبيب: من عيش المكفر 2.
وقال ابن حبيب: إلا أن يأكل الشعير بخلًا وشحًّا على نفسه 3 من غير ضيق، ومثله مستطيع على 4 القمح، فلا يجزئه 5.
والقول أن المراعى قوت المكفر أحسن، لقول الله سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، والخطاب يتوجه للمكفر وأهله 6، ويفترق الجواب في الإدام، فعلى القول: إنها مدان كفدية الأذى- يجزئه إن أخرج مدين تمرًا أو شعيرًا إن كان ذلك عيشه من غير إدام، وعلى القول إنه مُدٌّ بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج معه الإدام إذا كان يشبع أهل الموضع المد والإدام.
وإن كان يشبعهم دونه، وفي ريعه ما يؤتدم به أجزأه، وكذلك قوله في مد هشام -وهو الشبع الذي لا يعدله- 7 يخرج من كان عيشه الشعير أو التمر غاية شبعهم منه، وإن كان قوم 8 غاية شبعهم أكثر من 9 مد هشام زادهم ويكون عليه الإدام بعد
ذلك، وإن كان غاية شبعهم دون مد هشام لم يكن عليه أكثر من الشبع.
فصل [فيما لا يجزئ في كفارة الظهار من الأطعمة]
قال ابن القاسم: ولا يجزئه الدقيق ولا السويق في كفارة الظهار ولا في صدقة الفطر 1 ولا في شيء من الكفارات، قال: فإن أطعم في الكفارات من 2 الذي هو عيشهم أجزأه 3. يريد 4: إذا أخرج الدقيق بغير ريعه، فإن أخرجه بريعه أجزأه، وقد 5 أحسن، إذ كفاهم مئونة الطحين 6، ومحمل قوله في السويق إذا لم يكن ذلك عيشهم، وقد قال: إن أطعم في الكفارات: من الذي هو عيشهم أجزأ 7، فدخل في ذلك السويق وغيره، وإنما اختلف 8 هل هو قوته أو قوت أهل 9 البلد؟ وإن أطعم مائة وعشرين مسكينًا نصف مد نصف مد 10 نظر هل ذلك قائم بأيديهم أو أفاتوه، أو غابوا 11 أو غاب بعضهم؟ فإن كان قائمًا 12 بأيديهم،
وعلم أنه من كفارة عن ظهار- انتزع من ستين منهم، وأكمل لستين، والانتزل بالقرعة؛ لأنه ليس أحدهم أحق بالانتزل من الآخر، وان أفاتوه أَكْمَلَ لستين منهم، ولم يُغَرِّم من أفات منهم 1 شيئًا، وإن غابوا استأنف الكفارة، وإن غاب بعضهم وأدرك بعضًا فإن أدرك 2 ثلاثين أكمل لهم 3، واستأنف ثلاثين.
وإن أدرك تسعين، وذلك قائم بأيديهم- انتزع من ثلاثين بالقرعة، وأعاده على ثلاثين، وأكمل الباقي.
وإن أطعم جميع الكفارة ثلاثين، ثم أدركهم وذلك بأيديهم- انتزع نصف ما أعطاهم 4، وأعطاه لثلاثين غيرهم، وإن أفاتوه أو غابوا أطعم ثلاثين.
قال ابن القاسم: فإن أطعم ثلاثين مسكينًا حنطة, ثم ضاق السعر، وصار عيش الناس في الشعير والتمر- أجزأه أن يطعم ثلاثين مسكينًا من الذي صار عيش الناس، قال: وكذلك إن أطعم ثلاثين مسكينًا الحنطة، ثم خرج إلى بلد عيشهم الشعير أو التمر، فأطعم هناك مما هو عيش ذلك البلد أجزأه, قال سحنون: إذا لم يتعمد الخروج لإرادة الكفارة, قال ابن القاسم: ولو أطعم ثلاثين مسكينًا ثم لم يجد عنده في بلادهم 5 غيرهم فليبعث به إلى بلد آخر 6.
قال في رواية العسال 7: إذا لم يحط عن نفسه مؤونة، وقد تضمنت هذه
الأسئلة أن الكفارة عن الظهار ليست على الفور، وأنه ليس المراعى عيش المكفر في نفسه 1. فإذا ضاق السعر عن الناس، وكان هو من أهل اليسار، ولم ينتقل عيشه عن القمح- أخرج شعيرًا، وعلى القول الآخر 2 يخرج القمح، وعكسه أن ينتقل عيش المكفر وحده إلى الشعير، فلا يجزئه على قول 3 ابن القاسم إلا القمح؛ لأنه عيش البلد 4 وعلى القول الآخر يجزئه 5 الشعير؛ لأنه قوته، وعلى القول الآخر 6 إن الكفارة على الفور لا يجزئه إلا الصنف الذي كان 7 يأكله أهل البلد أو يأكله أهله في وقت وجبت 8 الكفارة، فإن كان الأول أجود كان ذلك عليه وإن كان اليوم معسرًا، وإن كان ذلك أدنى أجزأه وإن انتقل حاله إلى ما هو أرفع 9، وقد تقدم قول ابن القاسم: إذا وجبت عليه الكفارة عن ظهار، وهو موسر فلم يعتق حتى أعسر، فصام ثم أيسر- إنه يعتق 10. وكذلك إذا خرج إلى بلد آخر، فعلى القول: إن الكفارة ليست على الفور،
يخرج من جنس البلد الذي خرج منه إلى بلد آخر، فعلى القول (1) إن المراعى قوت الأهل- يخرج قوت أهله الذي يأكلونه بالبلد الذي خرج عنه، إلا أن يخرج معه أهله، فيخرج من الذي يأكل أهله من البلد الذي هو فيه (2) الآن، وعلى القول: إنها على الفور- يخرج من الصنف الذي كان يخرجه لو لم يخرج وقت (3) حنث، وكذلك إذا لم يخرج، ولم يجد تمام المساكين، فإنه يبعث بالصنف الذي كان (4) يجب عليه ببلده.
فصل [فى صفة من يصرف له طعام الكفارة]
الإطعام يصرف إلى من كان حرًّا مسلمًا فقيرًا، لا يلزم المكفر الإنفاق عليه، فإن انخرم شيء من هذه الشروط الأربعة لم يجزئه، وإن دفعها 5 إلى عبد أو نصراني انتزعت إن كانت قائمة، وغرم مثلها إن كانت فائتة إذا أكلها أو صون بها ماله، وإن ضاعت بأمر من السماء 6 لم يغرم منها 7 إلا أن يكون عالمًا 8 أنها كفارة، وغر من1234
نفسه (1) وأظهر أنه حر أو مسلم (2)، فيغرمها النصراني، ويختلف في العبد هل تكون جناية في رقبته أو ذمته (3)؟ وإن أُعطيَتْ مكاتبًا أو مدبرًا أو أم ولد أو معتقًا إلى أجل- لم تجزئ، وقد تقدم ذلك في كتاب النذور بأتم من هذا (4).
فصل (5) [فيمن أخذ في الصيام ثم قدر على العتق]
وقال مالك في المظاهر: يصوم يومًا أو يومين، ثم يجد رقبة: فليعتق أحبّ إليّ، وإن صام أكثر من ذلك تمادى في صومه 6. وقال ابن الماجشون في كتابه 7: إن صام كثر صومه، ثم وجد رقبة، فأحب ترك الصوم- كان ذلك له، وإنما هو شيء تطوع 8 يزيده على نفسه, وهذا صحيح، ولم يمنع مالك أن يرجع إلى العتق إذا صام أكثر صومه, وإنما استحب إذا صام اليوم واليومين أن يرجع إلى العتق 9؛ كالذي يأمره بذلك، ويكره له التمادي، ولا يُوجَبُ ذلك عليه 10 فإذا صام ما له قدر وبال لم يكره له التمادي 11.12345
باب فيمن ابتدأ الصوم أو الإطعام (1) والزوجة فى عصمته, وأتمها بعد الطلاق في العدة أو بعد انقضائها
الكفارة قبل العودة غير جائزة، وبعد العودة وقبل الوطء جائزة.
واختلف هل هي واجبة أو لا 2، وهل من شرطها أن يؤتى بها والزوجة في العصمة؟ فإن وطئ وجبت قولًا واحدًا، وصح أن يؤتى بها والزوجة في العصمة 3، وبعد أن تبتدئ في العدة وبعد انقضائها 4، فتجب وإن لم يطأها على أحد قولي مالك: إن العودة: العزم على الإمساك أو العزم على الوطء، وعلى هذا يصح ما ذكره محمد عنه أنها لا تسقط، وإن طلق أو ماتت قبل أن يطأ؛ فيجب أن يُكَفِّرَ بعد الطلاق وإن لم يرتجع، وأما على قوله: إن العودة الوطء: فلا تجب إذا عزم على الوطء ثم بدا له ألا يفعل، وإن طلق قبل الوطء 5 أو ماتت- لم يكن عليه شيء، وعلى هذا القول يكون من شرطها أن يؤتى بها والزوجة في العصمة، وإن كَفَّرَ بعد أن بانت منه لم تجزئه، لسقوط موضع العودة.1
واختلف على هذا القول في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا ابتدأ الصوم والإطعام قبل الطلاق، وأتم ذلك بعد الطلاق، وبعد انقضاء العدة.
والثاني: إذا لم يتم بعد انقضاء العدة، ثم تزوجها، هل يتم على ما كان من الإطعام 1.
والثالث: هل يبتدئ الكفارة -بالصوم أو الإطعام- 2 بعد الطلاق وهي في العدة من طلاق رجعي؟ فقال ابن نافع في المدونة: إذا ابتدأ الكفارة وهي زوجة فأتمها بعد الطلاق وبعد انقضاء العدة -تجزئه؛ لأنَّه ابتدأ وهى زوجة, وهو ممن له العودة.
وقال ابن القاسم: ليس عليه أن يتم الكفارة 3. ولم يقل: لا تجزئه إن فعل 4، وظاهر قوله 5 أنها تجزئه إن فعل، ولا تجب عليه 6 مثل قول ابن نافع.
وقال محمد: لا 7 تجزئه إذا أتمَّ في العدة من طلاق بائن أو بعد انقضائها 8. فإن تزوجها بعد ذلك، وكانت كفارته بالصيام- استأنفه؛ لأنَّ الصيام لا يكون إلا متتابعًا، وإن كانت بالإطعام أجزأه أن يتم على ما كان
أطعم عند مالك وابن القاسم وابن وهب، ولم تجزئه عند أشهب، وعليه أن يستأنف الكفارة، والأول أبين.
قال محمد: ولو كان الطلاق رجعيًا فأتم الكفارة في العدة- أجزأت عنه إن 1 ارتجعها بعد ذلك، أو تركها حتى بانت 2.
واختلف هل يبتدئ الكفارة وهي في عدة من طلاق رجعي؟ فقال مالك في كتاب محمد: يرتجع ثم يُكَفِّرُ.
قال أشهب: فإن كفر قبل أن يرتجع وقبل أن تبين منه فذلك جائز 3.
وقال أحمد بن المعذل 4: لا تجزئه الكفارة قبل أن يرتجع؛ لأن موضع الكفارة إنما هو أن يعود إلى الإمساك والإصابة، وهذه في العدة دانية تدنو من أجلها الذي يخرجها من يده، ولا يكون عائدًا إلا أن يرتجعها، قال: فإن ظاهر منها لزمه الظهار لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] فالمعتدة من نسائه، وفرق بين عقد الظهار والكفارة؛ لأنه كَفَّرَ قبل أن يُجْمِعَ على الإمساك وقبل أن يُجْمِع 5 على الوطء، ولو لم يطلق المظاهر وأجمع على الطلاق، وقال: أكفر الآن ثم أطلقها، فإن تزوجها بعد ذلك لم يكن على ظهار- لم تجزئه الكفارة إلا بعد عودة 6؛ لأن تلك لا تُعَدُّ 7 عودة، وفي عقد
الظهار في العدة نَظَرٌ؛ لأنها قبل أن ترتجع عليه كظهر أمه على قول مالك أنَّ الرجعة تفتقر إلى نيةٍ، وهذا هو الظاهر من قول أبي الفرج؛ لأنه قال فيمن قال لزوجته: أنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي: وقع عليه 1 الطلاقُ دون الظهار، ولم يفرق بين أن يكون مدخولًا بها أم لا.
وقال محمد 2 فيمن قال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم أخذ في الكفارة، فلم يتمها حتى قال: أنت عليَّ كظهر أمي، قال: يبتدئ الكفارة من الثاني وتجزئه.
قال: وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ، وقال محمد: إذا مضى يومان أو ثلاثة أجزأه لهما 3؛ لأنَّه قال: ما تفاوت منه، فإن بقي شيء يسير أتمه وابتدأ 4.
وقال أصبغ في العتبية: يلغي ما صام، ويبتدئ صوم كفارة واحدة، وسواء صام من الأولى يسيرًا أو كثيرًا 5.
والقول إنه يبتدئ، والقول إنه يتم ويبتدئ يرجع إلى شيءٍ واحد، وهو أنه بالخيار بين أن يبتدئ أو يتم ثم يبتدئ، وليس يريد: أنه يجب عليه أن يتم ثم يبتدئ، وقول أصبغ هو الأصل أن يبتدئ حيثما كان من صومه، وإن أتمَّ وابتدأ فقد 6 أحسن، وإليه يرجع القولان، وليس الخلاف إلا في موضعٍ واحد، وهو قول محمد: أنه إذا مضى أيسره أتم وأجزأه.
فصل [فيمن أعتق أربعة أعبد]
وإن أعتق أربعة أعبد عن أربع نسوة، كان الجواب على أربعة أوجه: فإن عين كل رقبة عن كل امرأة أجزأه.
وكذلك إذا لم يعين، ونوى واحدةً عن واحدةٍ، أجزأه 1. وإن أشرك في كل رقبة لم يجزئه.
واختلف إن أطلق 2 ولم يعين ولم يشرك، فقال ابن القاسم: يجزئه 3.
واختلف فيها عن أشهب هل يجزئه أم لا 4؟ وأن يجزئ أحسن؛ لأن القصد أن يعتق رقبة عن كل 5 امرأة ولا يشرك، وإن صام ثمانية أشهر، وعين كل شهرين عن امرأة أو نوى بكل شهرين امرأة واحدة ولم يعينها- أجزأه، وإن أشرك في كل يوم لم يجزئه، وإن أطلق ذلك- كان على الخلاف، ويختلف أيضًا إذا أشرك في كل شهر، وليس في اليوم الواحد فقيل: لا يجزئه ويستأنف جميع صومه.
وقال ابن حبيب فيمن صام شعبان ورمضان عن ظهاره، وأفطر يوم الفطر- إنه يتم صومه 6 في شوال ويجزئه 7. وعلى هذا يجزئ من ظاهر من
امرأة واحدة فصام أربعة أشهر، يومًا عن ظهاره، ويومًا تطوعًا حتى أتم؛ لأنه لم يخفف عن نفسه، ولم يتخلله ما يضاده بل أتى به على صفة هي أشق، وإن فعل ذلك جهلًا- كان أعذر مما قاله مالك فيمن صام ذا القعدة وذا الحجة.
وإن كان من أهل الاجتهاد، ورأى أن ذلك جائز- أجزأه، وكذلك الإطعام يجزئ إذا عين أو نوى رفع الاشتراك وإن لم يعين، ولا يجزئ إذا أُشْرِكَ في كلٍّ مسكينٌ.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن أعتق أربعًا عن الأربع أجزأه، وإن أعتق اليوم رأسين وغدًا رأسين لم يجزئه، وإن أعتق ثلاثة وأطعم ستين مسكينًا في مجلسٍ - لم يجزئه 1.
ومحمل قوله أنه أعتق رأسين عن الأربع ثم رأسين، أو أعتق الثلاثة عن الأربع ثم أطعم.
وإن ظاهر من امرأتين، ثم أعتق عنهما رقبتين، فعَيَّنَ واحدة عن إحدى المرأتين وأَبْهم الأخرى، حَلَّتِ التي عَيَّنَ، تقدمتْ أو تأخرتْ، ويفترق الجواب في التي أَبْهم، فإن تقدمت- سقط حكمها، وكأنه لم يُكَفِّرْ تلك الكفارة، وإن تأخرت- أجزأت عن التي بقيت، وإن لم يكن عين عنها؛ لأنه لما سقط الظهار عن الأولى بالتعيين 2 صار بمنزلة من لم يظاهر إلا عن واحدةٍ ثم أعتق.
وقال محمد: ولو نوى بالعتق واحدةً ثم نسيها لم يبالِ، وُيكَفِّر عن الباقية 3. يريد: قبل أن يصيب واحدة منهما بعتق رقبة، وينوي بها التي لم يعين.
وقال ابن القاسم: إن أعتق ثلاثًا عن ثلاثٍ، ولم يعين- لم تحل له 1 واحدة منهن حتى يعتق الرقبة الرابعة، وكذلك إن ماتت واحدة أو طلقها لم تحل واحدة من الباقيات حتى يعتق رقبة ولو صام ستة أشهر عن ثلاث ثم ماتت واحدة أو طلقها لم تحل له واحدة منهن حتى يصوم شهرين 2.
وإذا أشرك في كل شهرين، وليس في كل يوم- أجزأه على أحد القولين وسقط حظ الميتة من ذلك الصوم، وصام شهرًا ونصفًا، وإن أطعم عن ثلاث ثم ماتت واحدة أو طلقها-لم تحل له واحدة منهن حتى يطعم ستين مسكينًا.
وقال ابن القاسم فيمن ظاهر من أربع نسوة ظهارًا واحدًا ولم ينو واحدة 3 فكفَّر عن واحدةٍ: إنها تجزئه عن جميعهن، ويسقط الظهار عمن لم ينو 4 منهن، وإن جامع التي لم ينو الصيام عنها في خلال صومه- فسد الصيام عن التي نواه عنها 5. وهذا أحسن، أن يجزئ عن التي لم ينو الصيام عنها 6 إذا كان قد نوى العودة فيها.
باب جامع الظهار وما يحرم من المظاهر منها وما يحل
المظاهر فيما يحل له من زوجته ويحرم 1 ويكره- على ستة أوجه:
أحدها: الوطء.
والثاني: التقبيل 2 والمباشرة.
والثالث: المضاجعة.
والرابع: نظره إلى شعرها.
والخامس: نظره إلى وجهها.
والسادس: هل تخدمه أو تساكنه.
فأما الوطء فممنوع بالقرآن، قال مالك: يجب على المرأة أن تمنعه نفسها، وإن خشيت منه، حَالَ السلطانُ بينه وبينها 3.
واختلف فيما سوى الإصابة، فقال مالك في المدونة: لا يقبِّل ولا يلمس 4 ولا يباشر، ولا ينظر إلى صدرها ولا شعرها، حتى يكفر؛ لأنَّ ذلك لا يدعو إلى خير 5.
فجعل المنع من ذلك حمايةً وخوفًا أن يواقعها؛ فإنْ فعل فقبَّل أو باشر فلا شيء 6 عليه.
وقال ابن الماجشون: إن قَبَّلَ أو باشر في شهري صيامه 7 - قطع 8
التتابع 1. وجعله محرمًا، له حكم الوطء، وتتعلق به الكفارة.
ويختلف على هذا في المضاجعة، فعلى قول مالك يمنع حماية، وعلى قول عبد الملك يحرم ذلك عليه 2، وإن فعل كَفَّرَ إذا التقى الجسمان؛ لأنه يجد اللذة بذلك، قال مالك: ولا يرى شعرها، قيل: فوجهها؟ قال: قد ينظر غيره إلى وجهها 3.
وأجاز ابن القاسم في العتبية أن ينظر إلى شعرها، قال: ولا بأس أن تخدمه وتستتر منه 4.
وقال محمد: لا يلتذ منها بنظرة لشهوة.
فمنع مرة النظر إلى شعرها، وإلى وجهها على وجه التلذذ، حمايةً، وأجازه مرةً، بخلاف القُبْلَة؛ لأن الخوف على من لم يمس الجسم أخف ممن يمس، إلا لمن يعلم أنه يخشى على نفسه عند النظر من غير مماسة 5، فيمنع من ذلك، وأمَّا على قول عبد الملك إن المحرم الوطء وغيره، يحرم عليه النظر لشهوة، فإن فعل كَفَّرَ، ويمنع النظر بغير شهوة إلى الوجه، حمايةً أن يقع في اللذة، وقد يتخرج هذا على القول إن الظهار كان مكان الطلاق، فيمنع من كل ما يمنعه الطلاق،
وتجب 1 الكفارة بكل ما لا يباح إلا مع بقاء العصمة، وأجاز في المدونة أن يساكنها، وأن يكون معها في بيت 2. واجتناب ذلك أولى، وإن علم أنه أرادها أُخرج من جملة الدار قولًا واحدًا.
تمَّ كتاب الظهار, والحمدُ لله حقَّ حمد, صلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 3.