ومحمل قوله على أن تلك عادة لهم، فأما اليوم فلا يقضى بذلك؛ لأنَّ الشأنَ بيعُ البطون بانفرادها.
وأرى إن سميا الناحية التي يقضى منها، فهو أحسن، وإن لم يسم قضى من المقدم والمؤخر، ولم يخص ناحية دون غيرها.
وإن أسلم في الرؤوس سمى الجنس ضأنًا أو معزًا أو بقرًا، والسن حملانًا (1)، أو ثنيانا (2)، أو غير ذلك.
والتسمية في الرؤوس آكد منها في اللحم؛ لأنه لا يسلم فيها بوزن، فكانت تسمية الصغير من الكبير آكد منها في غيرها (3)، ويسمي موضعه من الجودة والدناءة.
فصل [في السلم في صوف الغنم]
السلم في صوف غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان يأخذ في جزازها 4، أو كان تأخره الأيام العشرة والخمسة عشر 5، إذا كان القصد بتأخيرها أن يتعسل 6 لا ليتزيد.123
وإن كانت بغير أعيانها أسلم في وزن معلوم، ولا يسلم في جزز فحول أو غير ذلك؛ لأن وزن ذلك يختلف (1)، ولا بأس أن يسلم في عدد جزز إذا كان تحري كل جزة كذا وكذا، قياسًا على قوله في اللحم.
فصل [في السلم في الجلود]
السلمُ في الجلود جائزٌ 2، فإن أسلم في جلود المعز، جاز إذا وصف سعتها وسمنها، وهل هي ذكور أو خصيان، أو إناث؛ لأنَّ الأثمانَ تختلف لاختلاف ذلك، وإن كانت ضأنًا أو غيرها وصف بصفة ترفع الغرر منها.
واختلف فيمن اشترى جلود غنم أو بقر بأعيانها قبل ذبحها:
فقال مالك في كتاب محمد: إن كان ذلك لا يختلف وكان 3 متقاربًا فلا بأس، قيل: فإن جعله بالخيار حتى يفرغ منها وينظر إليها؟ قال: إن لم ينقد الثمن فلا بأس 4.
وقال أيْضًا: ما هو بالحرام البين وما يعجبني 5، وعسى أن يكون خفيفًا، وقد كان ناس يفعلون ذلك.
وقال أيْضًا: لا يعجبني مثل بيع لحمها.
وقال ابن القاسم: يفسخ، وإن فات جاز بيعها 6.1
وأرى إذا كان يختلف خروجها أن يكون فاسدًا إذا كان الخيار للمشتري وحده، وإن كان كل واحد منهما بالخيار، ولم ينقد، جاز، وإن اشتراها على أنها إن كانت على صفة كذا وكذا أخذها وإلا فلا بيع بينهما جاز إذا لم ينقد.
فصل السلم في الحيتان
1
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في الحيتان، فإنه يسمى الجنس ويسلم وزنًا أو قدْرًا 2. يريد بالقدر التحري بغير وزن.
ويسمي قدر السمك من الكبر والصغر؛ لأنه وإن كان بوزن فإن الكبار أثمن، فإن كانت النواحي التي يجلب منها ذلك الجنس يختلف في السن أو الطيب أو الثمن، فإنه يسمي الناحية التي يأخذ منها.
وكذلك السلم في الطير، فإنه يسمي 3 الجنس وموضعه من الصغر والكبر والسمانة 4، فإن أراد أن يأخذ بعد الأجل طيرًا غير جنس الذي أسلم فيه مما يحيى أو لا يحيى مذكور في كتاب السلم الثالث 5.
باب في ذكر السلم في المصنوعات
وقال ابن القاسم فيمن استصنع طستًا، أو قمقمًا، أو استنحت سرجًا: إن ذلك جائز إذا كان مضمونًا، وضرب الأجل، وقدم رأس المال ولم يكن يعمل من شيء بعينه 1.
ويفترق الجواب في المعين يشتريه ليعمله بائعه على ثلاثة أوجه:
فإن كان لا تختلف الصفة التي يكون عليها إذا صنع، جاز، كالذي يشتري القمح على أن يطحنه بائعه، والزيتون على أن يعصره فيأخذ منه كيلًا معلومًا، والثوب منه 2 على أن يخيطه.
وإن كان يختلف خروجه إلا أنه يعاد إلى حاله الأول، فتعاد صنعته، حتى يأتي على الصفة التي يشترط، جاز أيضًا، وذلك كالحديد، والنحاس، والرصاص، يقول: أشتريه منك على أن تعمل منه كذا وكذا، فهذا يجوز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرط أعاده مرة أخرى، حتى يصنعه على الصفة التي شرط، إلا أن يكون شراؤه جملة ذلك الرصاص، فلا يجوز؛ لأنه كلما أعيد نقص، فلا يقدر أن يعمل بالثاني إلا دون الأول.
وإن كان ذلك مما لا 3 يختلف خروجه، ولا يعاد لهيئته الأولى لم يجز، كالثوب يشترط صبغه، والغزل يشترط نسجه، والعود على أن 4 يعمله
تابوتًا أو بابًا.
ولو كثر الغزل فاشترط أن يعمل منه ثوبًا وكان إن أتى من بعضه على غير الصفة، عُمل من نفسه 1 حتى يأتي على الصفة، لجاز.
واختلف فيمن استأجر أجيرًا ليأتيه بالغلة: فأجيز 2، ومُنع 3.
ويلزم على قوله في الأجير يأتيه بالغلة أن يجوز أن يشتري الثوب على أن يصبغه؛ لأن الأجير باع منافعه على أن يبيعها، والمشتري لا يدري ما يأتيه به.
وقد قيل أيضًا فيمن اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها: إنَّ ذلك غير جائز، وكأنه اشترى الثمن الذي تباع به، وكل هذا جائز على قوله في الأجير يستأجره ليأتي بالغلة: إنَّه جائز، وإذا جاز البيع؛ لأنَّ ذلك مما لا يختلف خروجه، أو كان يختلف ويعاد لهيئته فإنه يجوز إذا شرع في العمل، ويجوز تأخير رأس المال، ثم يجري حكمه فيما بعد ذلك على الجواب في بيع وإجارة.
فإن هلك ذلك القمح قبل طحنه، أو الثوب قبل خياطته، أو الحديد والنحاس قبل صنعته، وكان هلاكه ببينة، أو لم تكن بينة، ولم يكن البائع ممن انتصب لتلك الصنعة، وحلف على ضياعه، كانت مصيبته من مشتريه، وحط عن المشتري قدر الصنعة، الطحن 4 أو الخياطة، أو غير ذلك.
وإن كان ممن انتصب لتلك الصنعة ضمنه بالقيمة لا بالثمن الذي بيع به؛ لأن التمكين في المبيع قد تقدم، وإنما بقي لموضع الصنعة، ويكون على المشتري
ما ينوبه من الثمن، ويحط عنه ما ينوب الصنعة حسبما تقدم.
وأما الزيتون إذا كان على البائع عصره ليأخذ منه مكيله، فإن مصيبته من بائعه، وإن قامت البينة على ضياعه؛ لأن كل مبيع على الكيل مصيبته من بائعه حتى يكال.
ولو لم يسلم في الغزل على أن ينسج واشتراه على أنه إن خرج على ما وصفا 1 أخذه ونقد، وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز.
باب ما لا يجوز السلم فيه كالديار والأرضين والشجر والجزاف وتراب المعدن والصواغين
ولا يجوز السلم فيما لا يقدر على الوفاء به وإن كان معلوم الصفة، ولا فيما لا تحصره صفة وإن كان مقدورًا على الوفاء به.
فالأول: الديار والأرضون: لا يجوز السلم فيها؛ لأنهما إذا وصفا صفة معلومة ولم يذكر الموضع كان فاسدًا، لاختلاف أغراض الناس (1) في المواضع، وإن عين الموضع والمحلة لم يجز؛ لأن من شرط السلم أن يكون مثل ذلك المسلم فيه بذلك الموضع كثيرًا يُعرَضُ للبيع، ومتى كان قليلًا أو كثيرًا وإنما هو لغير البيع لم يجز، وكذلك البساتين.
وإن أسلم في عدد شجر تقبض بغير أرض، وكان ذلك الجنس يوجد شراؤه، ولا يتعذر الوفاء به عند محل الأجل جاز، وإلا لم يجز، وكذلك السلم في البناء بغير أرض: لا بأس به إذا وصفه وكان لا يتعذر الوفاء به، وبناؤه عند محل الأجل، وكان عند الذي يسلم موضع يضعه فيه، أو لا يتعذر بيعه حينئذ بذلك البلد ممن يبنيه عنده.
فصل [في السلم في تراب المعادن]
ولا يجوز السلم في تراب المعادن 2، ولا أن يُقرَض، ولا بيع المعين منه1
على الصفة، إذا كان غائبًا؛ لأنه لا تحصره صفة، ويجوز بيعه إذا كان حاضرًا مرئيًّا، قيل لمالك: إنه غرر ولا يعرف ما فيه؛ لأنه مختلط بالحجارة، قال.
قد عرف ناحيته وحزره 1.
واختلف في قسمته: فروى ابن القاسم عن مالك جوازه 2.
وقال يحيى بن عمر: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون أحد النصيبين أكثر، ولو جاز ذلك، لجاز سلفه.
وقال محمد بن عبد الحكم: قسمته أخف من قرضه؛ لأن التبر الواحد الغالب تساويه.
ولا يجوز السلم في تراب الصواغين 3 ولا في سحيرة الذهب ولا كنك الفضة، ولا بيعه بالنقد بغير جنسه وإن كان حاضرًا؛ لأنه لا يدري ما فيه، فإن بيع رُد البيع إذا كان قائمًا، فإدْ فات عند مشتريه بأن خلطه بما لا يعرف قدره، أو بعثه لبلد آخر، أو باعه ممن خرج به، كان عليه قيمته على حاله لو كان يجوز بيعه؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، فإن عمله وصفّاه، فقد قيل: يكون ما خرج منه لبائعه، ويكون عليه أجرة المثل ما لم تجاوز الأجرة ما خرج منه، والقياس: أن يكون ذلك فوتًا، ويكون عليه قيمته كالأول.
فصل [في السلم جزافا]
ولا يسلم في الجزاف وإن كان مما يكال أو يوزن، لجهل ما يقضى.
وأجاز مالك أن يسلم في اللحم بغير وزن على التحري 1.
وأجازه ابن القاسم في الحوت أن يسلم فيه بالقدر بغير وزن، ومنع ذلك كله ابتداء أحسن إلا عند تعذر الموازين 2.
باب في سلم الحديد والكتان والصوف في جنسه والثياب بعضها ببعض
سلم الموزون من الحديد والصوف والكتان على ثلاثة أوجه: فإما أن يكونا غير مصنوعين أو مصنوعين، أو أحدهما مصنوعًا والآخر غير مصنوع، فإن كانا غير مصنوعين، لم يسلم أحدهما في الآخر وإن تباينا في الجودة.
وقال ابن القاسم: وإن كان أحد الحديدين يعمل منه السيوف، والآخر لا يعمل ذلك منه، أو كان أحد الصوفين يعمل منه السيجان العراقية والأسوانية، والآخر لا يعمل منه ذلك أبدًا، والكتان كذلك، وهذا حماية، لئلا يتذرع بما يتباين إلى ما يتقارب 1.
والقياس أن يجوز، وأصل المذهب أن كل ما يتباين اختلافه من الجنس الواحد، ويُقصد من أحدهما خلاف ما يقصد من الآخر: أن يجوز سلم بعضها في بعض، وليس كون ذلك مما يكال أو يوزن علة في المنع.
والحيوان والثياب يكون أصلُها واحدًا، ويجوز سلم أحدهما في الآخر، إذا اختلفت منافعهما، وقد قيل: إن 2 المنع؛ لأنه يمكن أن يعمل من الدنيء جيدًا إذا بولغ في عمله.
وقد نص ابن القاسم على خلاف ذلك، ومنع من أن يسلم الصوف في الصوف، وإن كان لا يعمل من أحدهما ما يعمل من الآخر أبدًا، فإذا صارا
مصنوعين، أو صنع أحدهما افترق الجواب 1.
فأما الحديد والنحاس وما يصح أن يعاد بعد الصنعة لهيئته فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
فأجاز مالك وابن القاسم إذا كانا مصنوعين أن يسلم سيفًا جيدًا في اثنين دونه، قال: بمنزلة فرس في فرسين 2.
ومنع إن كان أحدهما مصنوعًا والآخر غير مصنوع أن يسلم أحدهما في الآخر 3.
وأجازه في كتاب الثالث، وجعل الحكم فيه كالحكم في ثوب الكتان بالكتان، وقال: لا بأس بالثوب الكتان بالكتان نقدًا، ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدًا، ولا خير في الفلوس بالنحاس، إلا أن يتباين الفضل إذا كان عددًا 4.
فرأى أن الصنعة نقلته إذا عمل تورًا، فجاز من غير مراعاة لفضل، بخلاف الفلوس.
وحكى فضل عن يحيى أنه قال: لا بأس أن يسلف سيوفًا في حديد لا يخرج منه السيوف.
قال: مثل قوله في ثوب كتان في كتان، قال: ووافقني عليه أبو إسحاق البرقي.
ومنع ذلك سحنون فإن صنعا، وقال: وليس ضرب السيف صنعة تخرجه من الحديد؛ لأنه يعاد حديدًا.
والأول أحسن، وليس هذا مما يفعله ذو عقل أن يعيد السيف حديدًا، ولو فعله أحد عوقب؛ لأن ذلك من الفساد وإضاعة المال، وإن كان ذلك مبلغ عقله وتمييزه حُجر عليه.
وقد تقدم ذكر سلم الكتان في الكتان، فإن غزلا جاز أن يسلم أحدهما في الآخر إذا اختلفا، فيسلم قليلًا جيدًا في كثير رديء؛ لأنه لما غُزلا فات أن يُعمل من أحدهما ما يُعمل من الآخر، ولو عُملا ثيابًا جاز أن يسلم أحدهما في الآخر.
ويسلم ثوب كتان في كتان 1 وفي غزل، وإن بعد الأجل، ولا بأس أن يسلم الكتان والغزل في ثوب كتان إذا قرب الأجل، ولم يكن بينهما ما يعمل منه ذلك الثوب، ولا يجوز إذا بعُد وكان 2 بينهما من الأجل ما يعمل منه مثل 3 ذلك الثوب إلا أن يكون ذلك الغزل مما لا يعمل منه مثل 4 ذلك، فيجوز وإن بعُد الأجل.
فإن كان الغزلُ أجودَ جاز، قلَّ وزنه أو كثر؛ لأنها مبايعة، فإن كان وزنه أقل، كان فضل وزن الثوب وصنعته لمكان جودة الغزل، وإن كان مثل وزنه كانت صنعة الثوب لمكان جودة الغزل، وإن كان الغزل أدنى، لم يجز، إلا أن يكون أكثر وزنًا، فإن كان مثل وزنه أو أدنى دخله سلف بزيادة، والزيادة فضل
جودة غزل الثاني وصنعته، وعلى هذا يجري الصوف في ثوب الصوف، والقطن في ثوب القطن.
واختلف في المصنوع يباع بجنسه من الكتان والقطن والصوف والجلد بالأحذية نقدًا.
فأجاز ذلك مالك في الكتان جملة من غير أن يعتبر فيعلم مبلغ أحدهما من الآخر 1.
وقال محمد: كره مالك الصوف بالثوب الصوف يدًا بيد، والجلد بعشرة أحذية وإن كان يدا بيد، وإن كان من غير جلده، قال: وجعله من المزابنة 2.
يريد: أن صاحب الأحذية يقول: لعلي أكون الذي أغبن، وآخذ الجلد فأعمل منه أكثر، ويقول الآخر: قد لا يخرج الجلد مثل تلك الأحذية التي آخذ، فأكون أنا الذي أغبن.
وقال أبو الفرج: لا يباع اللبن الحليب باللبن الحليب 3، لما فيهما من الزبد المجهول وجعله من المزابنة.
وقال ابن القاسم في منع بيع اللحم بالحيوان: إن ذلك لموضع الفضل والمزابنة 4.
والأصلُ في جميع ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلًا (1)، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا"، اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم (2). وموضع المزابنة: أنَّ بائع الرطب يقول: قد لا يصح فيه إذا يبس مثل التمر الذي آخذه، والآخر يقول: قد يكون في الرطب فضل فأكون أنا الذي أغبن، وهذا الوجه يستوي فيه الطعام والعروض، فنصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على منع هذا الوجه، ونص في غيره على تحريم الربا، فالفساد يدخل في هذه المبايعة من وجهين: الربا والمزابنة.
فصل [في سلم الثياب]
فأما سلم الثياب بعضها في بعض فإن اختلفت، وكان الفضل من أحد الجنبتين جودة أو كثرة، لم يجز ذلك، وهو سلف بزيادة إذا كان المتأخر أفضل، أو ضمان بجعل إن تقدم.
فإن كان لكل واحد منهما 3 فضل على الآخر، أحدهما أجود، والآخر أطول أو أعرض جاز ذلك، وهذه مبايعة، وهذا إذا كان السلم واحدًا في واحد، وإن اختلف العدد، جاز أن يسلم واحدًا جيدًا في اثنين، فأكثر دونه.
ولا بأس أن يسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء، وكاملًا رديئًا في نصف12
جيد، فيكون قد ترك فضل الجيد، لمكان كمال الرديء.
واختلف إذا اختلفت أصول الثياب واستوت المنفعة، كرقيق الكتان، ورقيق القطن، فأجازه ابن القاسم ورآهما صنفين، ومنعه أشهب.
وأجاز ابن القاسم في السلم الثالث الفُرْقُبيّ 1، وهو من رقيق الكتان في الهروي، والمروي 2 وهو من رقيق القطن.
ومنعه أشهب في مدونته، ورآهما صنفًا واحدًا، وهو أحسن.
والمراعى المنفعة ليس الأصول، فكما يجوز أن يسلم ما أصله واحد إذا اختلفت منفعته، فيسلم بعضه في بعض، فكذلك يمنع ما اختلف أصله إذا استوت المنفعة، كخل العنب بخل التمر، وأما ثياب الكتان والصوف والحرير، فيسلم بعضها في بعض؛ لأن منافعها مختلفة.
ولا بأس أن يسلم ما استوت جودته بعضه في بعض 3، لاختلاف منافعها، كالعمائم والأردية تسلم فيما يراد للقطع، ويعمل منه أقمصة، وما أشبه ذلك فهذه منافعها مختلفة، فلم يُراعَ استواؤها في الجودة.
وإن أسلم ثوبا فسطاطيًّا في فسطاطي إلى أجل، ومروي نقدًا أو إلى أجل، لم يجز، وهو سلف بزيادة، وإن تعجَّل الفسطاطي وتأخر المروي جاز 4. واختلف إذا أسلم فسطاطيًا في فسطاطيين مثله أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل، فأجازه ابن القاسم ومنعه سحنون.
وقال محمد: ولقد اضطر المخزومي طرد القياس فيه لأشهب حتى قال: لو كان فيها 1 دينار بدينارين أحدهما معجل لصاحبه والآخر إلى أجل لجاز.
يريد: أن القصد بذلك المعروف، وهو بمنزلة الدينار بأوزن منه، ويجوز على قوله أن يكون الأوزن نقدًا، والآخر إلى أجل، وجوازه في الثياب أحسن، وإنما يمنع من ذلك ما كان القصد فيه إلى ما يؤدي إلى الفساد.
وإن اختلفوا في الجودة، وكان المنفرد مثل المعجل من الثوبين أو أدنى، جاز، وإن كان المنفرد أجود من المعجل ومثل المؤجل أو دونه، لم يجز، وهو سلف بزيادة، والزيادة المعجل مع فضل المؤخر إن كان المؤخر أجود، وإن كان المنفرد أجود من الاثنين وأوزن وهو حينئذ مبايعة؛ لأنه لا بأس أن يسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء.
وأجاز قي مختصر 2 الوقار أن يسلم ثوبًا في مثله إلى أجل، ورأى أنه لما لم يكن هناك زيادة من أحدهما لم يدخله فساد، ووافق في أنه لا يجوز أن يسلم واحدًا في اثنين مثله.
باب في القرض وما يجوز منه وما يمنع
قال ابن القاسم: القرض عند مالك جائز في الثياب والرقيق والحيوان، وفي جميع الأشياء إلا الجواري وحدهن 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: القرض جائز في سائر المتملكات اللواتي يجوز بيعهن، ويمنع في أربع:
ما لا تحصره الصفة، كتراب المعادن، والصواغين.
وما لا يقدر على الوفاء به، وإن حصرته الصفة، كالديار والأرضين والبساتين.
والجزاف إلا فيما قل من الموزون، كما يجوز السلم في اللحم بالتحري، وهو في القرض أخف.
والجواري، لا يجوز فيهن القرض؛ لأنه من باب عارية الفروج 2 إلا أن تكون الجارية في سن من لا توطأ، أو يكون المقرَض ممن لم يبلغ الالتذاذ إذا أقرضها له وليه، أو يقرض لامرأة أو لأحد من ذوي محارمها، أو ممن لا يجوز له وطؤها من ذوي محارم الأول، إذا كان الأول أصابها، أو لمن عليه دين فيقبضها فيه.
وقال محمد بن عبد الحكم في مختصر حمديس: لا بأس بقرض الجواري إذا كان يرد مثلهن.
وقال أبو محمد عبد الوهاب 1 في المعونة: إن اقترض أمة ردها ما لم يطأها؛ لأن قبول ردها حق للمستقرض 2، فيلزم المقرض قبولها، فإن وطئها لم يجز ردها 3.
يريد: أن غرض المستقرض أن يرد مثلها، لا ليرد عينها، فإذا كان ذلك كان قرضًا جائزًا، وقيل له: حقك في الرد ما لم تطأ، فإذا وطئتها سقط حقك في الرد.
وإنما مُنع قرض الديار؛ لأنه لا يتأتى وجود المثل في تلك المحلة، يكون مثلها في الذرع وعدد البيوت وصفة البناء وارتفاع سمكها وصفة علوها إن كان لها علو، وأيضًا، فإنه يزاد إن كان مثلها كثيرًا في تلك المحلة للبيع متى أراد شراء ذلك وجده.
ولا يجوز قرض منافع الديار لهذه الوجوه، وكذلك البساتين والأشجار لا يجوز قرضهن، لتعذر وجود 4 مثله في ذلك الموضع، أو ما قاربه في كرم أرضه وأعداد شجره، وكونها مثلها في الشباب والجنس، ولو كان ذلك في أصول بغير أرض، لجاز إذا كان بيع مثل 5 ذلك في ذلك الموضع موجودًا.
وقال محمد بن المواز: لا بأس بالتمر بالنخل يدًا بيد، وإلى أجل قريب أو بعيد إذا وصفت النخل، ولم يكن فيها ثمر يوم يأخذها ثمر طلع أو بلح 6.
ومحمل قوله على أن السلم في ذلك بغير أرض يأخذها المسلم فيغرسها حيث أحب، ويختلف في قرض المبقلة، فلا يجوز ذلك عند ابن القاسم، ويجوز عند أشهب، وهذا على اختلافهما في السلم في مثل ذلك، ويجوز قرض جلود الميتة بعد الدباغ، وليس القرض بيعًا 1، وأجاز سحنون إجارتها؛ لأنه يبيع ما يجوز له الانتفاع به منها، ولا يشبه بيع المنافع بيع الرقاب 2. = إذا وصف النخل، ولم يكن فيها تمرة يوم يأخذها لا طلع ولا غيره).
باب إذا أسلم طعامًا في طعام نقدًا وثوبًا إلى أجل
ولا يجوز عند مالك أن يسلم حنطة في تمر نقدًا وثوب إلى أجل، وأجاز إذا كان ذلك كله نقْدًا 1، وهذا خلاف ما تقدم له في بيع وصرف، وألا يجوز ذلك في طعامين، وإن كان كل ذلك نقدًا؛ لأن حكم الطعام بالطعام حكم الصرف، فإذا لم يجز أن يضم إلى الصرف بيع لم يجز ذلك في الطعامين.
وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس إذا تناجزا في الطعامين أن يجوز تأخير الثوب، وإنما يؤمر أن يتناجزا فيما حكمه المناجزة، وهو الذهب والفضة، وكذلك الطعام بالطعام، ويبقى البيع على أصله في جواز التأخير.
وإن كان أحد الطعامين كثيرًا والآخر يسيرًا، كالمد وما أشبهه جاز أن يتراخى الطعامان، وأن يعجل الثوب، قياسا على قوله إذا باع سلعة ودرهما أو درهمين بدينار.
ولا يجوز أن يسلم في سلعة بعينها ليقبضها إلى أجل؛ لأنه غرر لا يدري هل يسلم إلى ذلك الأجل أم لا؟ فإن سلمت كان بيعًا، وإن هلكت كان سلفًا؛ ولأنه يزيده في الثمن، لمكان الضمان إلى ذلك الأجل، وهو في معنى ضمان بجعل، ولا يجوز أيْضًا إذا لم ينقد؛ لأنه إن أسقط الفساد لمكان السلف لم يسقط لمكان الضمان 2.
واختلف إذا أسقط الأجل وعجلت هل يمضي البيع أم لا؟ وأراه جائزًا إذا رضيا جميعًا؛ لأنه كعقد مبتدأ، وإن رضي أحدهما دون الآخر، لم يجز؛ لأن
الآخر يقول: العقد فاسد ومردود، وإذا كان لي ردها، لم يجز لك أن تلزمنيها.
قال مالك: إن شرطا 1 أن تقبض السلعة إلى يوم أو يومين جاز إن اشترط ذلك البائع على المشتري، أو المشتري على البائع 2.
وقال ابن القاسم في كتاب الرواحل: لا يعجبني ذلك إلا أن يكون ذلك لمنفعة تركب الدابة في ذلك اليوم و 3 اليومين وتستخدم الجارية، وإن لم يكن ذلك لركوب ولا لا استخدام ولا للبس، ولكن حتى يتوثق ويشهد فلا بأس، وإن كان قد أشهد وحبسه لا لمنفعة لم يعجبني ولا أفسخ به البيع 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أشد ذلك أن يكون الشرط من المشتري على البائع يقول: لا أقبضه إلى يومين أو ثلاثة وتبقى في ضمانك 5 وليس يؤخره إلا لذلك، وإن قال: هو في ضماني، ويبقى في يديك 6 هذه الأيام، جاز من غير كراهة.
باب في أجل السلم
وقال مالك في السلم في الطعام والثياب والحيوان إلى يوم أو يومين: لا خير فيه إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض 1.
قال ابن القاسم: ولم يحد لنا فيه حدًا، وإني لأرى الخمسة عشر والعشرين يومًا 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: السلم على الحلول أو إلى يوم أو يومين أو شبه ذلك على ثلاثة أوجه:
يجوز في وجهين، واختلف في الثالث.
فالأول: السلم لمن شأنه بيع ذلك الصنف المسلم فيه، كالسلم في اللحم لِلَّحَّام، وفي الفاكهة للفكَّاه، وفي الرطب للرطّاب، وفي الثياب للحائك الذي يعمل مثل تلك الثياب، فجميع ذلك جائز على الحلول أو إلى أجل قريب يومًا أو يومين.
والثاني: السلم ليقبض ذلك خارجًا عن البلد الذي أسلم فيه، فذلك جائز، وإن قرب ما بين الموضعين، وكأن الأميال اليسيرة على الحلول أو الأيام اليسيرة.
والثالث: السلم لمن ليس شأنه بيع ذلك الشيء ليقبضه في البلد المسلم فيه، فاختلف فيه:
فقال مالك في المدونة: لا خير فيه 1.
وأجازه في كتاب محمد في الثياب والطعام والحيوان إلى يومين، وروى عنه ابن عبد الحكم أنه أجازه إلى يوم بعد أن كان كرهه 2.
وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: السلم إلى يومين وإلى ثلاثة في الثياب والدواب أحب إليّ من بعيد الأجل 3.
وقال أصبغ: إن وقع ذلك لم يفسخ 4، للاختلاف فيه 5.
قال محمد: والقياس فسخه، ولم أصرح فيه بالفسخ للاختلاف في ذلك 6 ورآه فاسدًا.
واختلف في تعليل البيع 7: فقال أشهب في كتاب محمد: لا يصلح؛ لأنه غرر، كأنه أخذ منه الثمن ليشتري له به، فإن كان فيه فضل كان له، وإن كان نقصان كان عليه، يريد أنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك.
وقيل: المنع؛ لأنه من باب 8 بيع ما ليس عنده، فأجيز ما بعد أجله، لما ورد في ذلك من الأحاديث والعمل وبقي ما قرب أجله أو كان حالًا على المنع لأنه بيع ما ليس عنده.
وقيل في الجواز: إنه سلم قرب أجله فجاز، لعموم الحديث لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيءٍ، فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (1) فلم يفرق بين قرب الأجل وبعده.
وقيل: هو بيع نقد.
ومحمل الحديث في بيع ما ليس عند البائع على المعين من ملك غيره، وهذا هو الصواب؛ لأنهم لم يختلفوا في اللحَّام والفكَّاه أنه يجوز على الحلول، وهذا يرد على من منع ذلك من غيرهم؛ لأنه لا فرق بين الموضعين، ومحمل الحديث في النهي على ما كان معينًا من ملك غيره أولى ليجمع بين الحديثين.
وأيضا فإنه القياس في المعين لو لم يرد حديث؛ لأنه غرر ينقد في شيء لا يدري هل يباع منه أو لا؟ وهو تارة سلف وتارة بيع.
واختلف إذا لم ينقد وقال: إن صار في ملكي فهو لك بكذا وكذا، وأن يجوز أحسن؛ لأنه لا غرر فيه.
فصل [في تسمية الأجل في السلم]
السلم في تسمية الأجل على ثلاثة أوجه: واجب، وساقط، ومختلف فيه.
فإن شرط القبض في البلد الذي عقدا فيه السلم، ولم يكن لمثل ذلك المسلم فيه عادة في وقت القبض، وجب تسمية الأجل، وإلا كان فاسدًا.
وإن كان لمثله عادة في وقت 2 قبضه، أجزأت العادة عن تسمية الأجل،1
وقد جرت العادة اليوم في الزيت إذا كان السلم في بدو الثمرة أنه يقبض في وقت العصير، وذلك في زمانه.
وفي السلم في الحبوب والقمح والشعير أنه يقبض وقت الحصاد، وكذلك السلم في التمر في بلدان النخيل، كالجزائر يجوز وإن لم يسميا الأجل، والقبض وقت الجداد، وسواء في هذا شرطا القبض في القرية التي يجني منها، أو في بلد من تلك القرى التي يجنى إليها.
واختلف إذا لم يكن لمثل ذلك المسلم فيه عادة في وقت قبضه، وشرطا القبض بغير البلد الذي وقع فيه السلم، ولم يسميا أجلًا: فقيل: ذلك جائز، والمسافة التي بين البلدين كالأجل، فيجبر المسلم إليه على الخروج بفور العقد، أو التوكيل على الوفاء، فإذا وصلا أجبر على القضاء ويستحق القبض حينئذٍ من غير تأخير.
وقيل: السلم فاسد، وهو أحسن؛ لأن السلم يتضمن موضعًا يقبض فيه، ومدة يُقبض إليها، فذكر الموضع لا يفهم منه الأجل، كما أن ذكر الأجل لا يفهم منه الموضع، فإذا لم يسم الوقت الذي يقبض فيه بعد الوصول كان فاسدًا.
وفي سماع ابن القاسم قال: سئل مالك عن رجال يقدمون من أرياف مصر على قدر مسيرة اليومين أو أكثر فيبيعون من رجال بالفسطاط طعامًا مضمونًا عليهم يوفونهم إياه بريفهم ولا يضربون لذلك أجلًا، فقال: أليس ذلك حالا؟ فقلت: بلى، فقال: لا بأس بذلك 1، ولم يجعله على الجواز، ولا على الحلول بمجرد العقد، وإلى هذا ذهب فضل إلى أن الدنانير والعروض سواء فهو فاسد.
باب في رأس المال يوجد زيوفًا أو يهلكـ عند المسلم قبل تسليمه
وإذا وجد المسلم إليه رأس المال زيوفًا أو رصاصًا أبدلها، ولم ينتقض السلم 1.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إذا جاء المسلم إليه بدرهم ناقص، واعترض الآخر أنه من دراهمه، انتقض من السلم بقدره.
ورأى أن النهي عن الكالئ بالكالئ شَرْعٌ غير مُعَلَّلٍ، فإذا تأخر رأس مال السلم فَسَدَ، وإن لم يعملا على التأخير، وكانا قد غلبا على المناجزة.
وقد اختلف في الغلبة في الصرف، واختلف إذا شرط تعيين الدنانير على ثلاثة أقوال:
فقيل: الشرط ساقط، وقيل: لازم، وقيل: إن شرط ذلك بائع الدنانير كان له شرطه، وإن شرطه مشتريها بطل الشرط.
فمن أبطل الشرط وجعلها بمنزلة غير المعينة يعود الجواب فيها عند العيب إلى ما تقدم، فيختلف هل يلزم بدلها ويكون السلم منعقدًا، أو ينفسخ حكمًا واحدًا 2؟ ومن ألزم الشرط أجاز الحلف إذا رضيا جميعًا ولا يدخله الكالئ بالكالئ؛ لأنه إذا صح التعيين صار بمنزلة لو كان رأس المال ثوبًا أو عبْدًا، فإذا ردها، انتقض السلم، وما تراضيا عليه سلم مبتدأ.
وعلى القول الثالث: إن شرط ذلك المسلم لها، جاز الحلف إذا رضي وحده، وإلا فسخ، وإن شرطه المسلم إليه عاد الجواب إلى ما تقدم إذا لم يعين 1.
وقد اختلف فيمن اشترط شرطًا ليس بفاسد ولا يتعلق بالوفاء به منفعة، هل يلزم الوفاء به؟
فوجه القول بسقوطه: أن الأصل في تعليق حقوق الآدميين بعضهم على بعض ما يتعلق بها من المنافع، وهذا هو الغالب والموجود، وفي مثلها 2 ورد تعلق الأحكام، فمتى عري من ذلك لم يتعلق به حكم.
ووجه القول بإلزامه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 3، ولم يفرق، والدنانير والدراهم لا تختلف الأغراض فيها، فالدنانير القائمة والأفراد وما أشبه ذلك الغرض في أحدها كالغرض في الآخر، إلا أن يعلم أن ذلك الشرط كان لمعنى كان الشرط لأجله، وقد يشترط ذلك بائعها؛ لأنه لا شيء عنده 4 سواها، أو يكون له شيء يشق عليه بيعه لخلفها، أو يشترط ذلك مشتريها لحلها أو 5 لطيب أصلها، فيكون لكل واحد منهما شرطه؛ لأنه حينئذٍ شرط يتعلق به منفعة.
فصل [في حكم السلم إذا كان رأس المال فيه معينًا أو موصوفًا فوجده معيبًا]
وإن كان رأس مال السلم عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن فرده بعيب، انتقض السلم (1)، وهذا إذا كان انعقاد السلم على شيء بعينه، وإن لم يكن رأس مال السلم معينًا، وكان موصوفًا على قول من أجاز الموصوف على الحلول، لم ينتقض السلم برده بالعيب، وكان الحكم بينهما الرجوع بمثله.
فصل [في العمل إذا انتقض السلم بسبب رد رأس المال المعيب]
وإذا وجب انتقاض السلم لرد رأس المال؛ لأنه كان معيبًا، وكان ذلك بعد أن قبض المسلم فيه، فإن كان قائمًا بيد المسلم ردَّه.
وإن حالت سوقه، أو حدث به عيب، أو خرج من يد قابضه نظرت، فإن كان المسلم فيه عروضًا، أو عبيدًا، أو حيوانًا، ردّ قيمته يوم قبضه، وإن كان موجودًا بيده، وإن كان مما يوزن أو يكال، كالطعام والحديد والنحاس، كان لبائعه أن يأخذ عينه إن كان موجودًا بيده، أو مثله إن لم يكن موجودًا، ولا تفيته حوالة الأسواق.
وروي عن ابن وهب في البيع الفاسد في المكيل والموزون أن حوالة الأسواق تفيته، فعلى هذا لا يكون للمسلم إليه أن يرجع فيما سلمه إذا فات1
بحوالة الأسواق، ويرجع بقيمته.
فصل [في حكم السلم إذا كان المسلم فيه معيبًا]
وإن كان العيب بالمسلم فيه فظهر على ذلك العيب بعد قبضه لم ينتقض السلم بحال، وسواء كان السلم في ثوب، أو عبد، أو فيما يكال، أو يوزن، ولقابض ذلك وهو المسلم أن يرده بالعيب ويرجع بالمثل في الذمة بمنزلة لو لم يقبض ذلك 1.
وكذلك إن كان ظهوره على العيب بعد أن حال سوقه، فإن له أن يرده؛ لأن حوالة الأسواق لا تمنع 2 الرد بالعيب.
وإن حدث به عنده عيب كان له أن يرد ويغرم ما نقصه ذلك العيب، ويرجع بمثل الصفة التي أسلم فيها، وإن أحب أن يمسك أو كان خرج من يده بهبة، ثم اطلع على العيب كان في ذلك ثلاثة أقوال:
فقيل: يغرم قيمة ما قبض معيبًا ويرجع بالصفة، وقيل: يرجع بقدر ذلك العيب شريكًا في الصفة التي كان أسلم فيها، فإن كانت قيمة ذلك العيب الربع، رجع بمثل ربع الصفة شريكًا للمسلم إليه.
وقيل: يرجع بقيمة العيب من الثمن الذي كان أسلم؛ لأن بقاءه شريكًا عيب عليه، وأرى أن يكون المسلم بالخيار بين أن يرد القيمة ويرجع بالمثل، أو ينتقض من السلم بقدر العيب؛ لأن رجوعه شريكًا عيب عليهما.
فصل [في حكم هلاك رأس المال بيد بائعه قبل أن يسلمه]
وإذا هلك رأس مال السلم بيد بائعه قبل أن يسلمه، أو ادعى ذلك فإنه لا يخلو بقاؤه في يده من أربعة أوجه:
إما أن يكون ذلك بعد أن أمكنه من قبضه، أو لم يمكنه منه وكان محبوسًا للإشهاد، أو لأنه استثنى بعض منافعه، أو لم يمكنه ولم يمنعه وكان حين العقد حاضرًا بين أيديهما أو غائبًا عنهما.
فإن كان حاضرًا ومكنه منه ثم تركه مشتريه عنده، كان على أحكام الوديعة، فإن ادعى بائعه تلفه أو أن أحدًا غصبه إياه أو استهلكه كان القول قوله، ويحلف إن كان ممن يتهم أنه كذب في قوله ذلك والسلم على حاله 1.
وإن منعه منه حتى يشهد وهو مما يغاب عليه لم يصدق، وإن أمكنه من الرقاب وبقي لمنافع استثناها منه صُدق.
وإن لم يمنعه ولا مكنه وكان حاضرًا بين أيديهما ومضى وتركه كان على حكم الإيداع؛ لأنه لم يكن له 2 حبسه لا كان الثمن إلى أجل بخلاف البيع على النقد.
وإن كان غائبًا عنهما لم يصدق إلا أن تقوم البينة على تلافه.
ثم يختلف فيه إذا كان غائبًا أو حاضرًا محبوسًا في الإشهاد هل تكون مصيبته من بائعه أو مشتريه؟ وذلك مبين في كتاب العيوب.
ويفترق الجواب إذا لم تقم البينة على هلاكه، أو علم أن ذلك من سبب البائع؛ لأنه باعه من غيره أو وهبه أو أحرقه.
فقال ابن القاسم: إن ادعى ضياعه انفسخ السلم 1.
وقال محمد: المسلم إليه بابخيار إن شاء فسخ عن نفسه السلم، وإن شاء ألزمه قيمته 2، أحب أو كره، وكان الفسخ 3 على حاله؛ لأنه يتهم في حبسه.
قال: وإن تعدى وباعه من غيره وغاب به مشتريه كان المسلم إليه بالخيار في وجهين: إن شاء أخذ 4 الثمن الذي باعه به، وإن شاء أغرمه القيمة ما بلغت، ويكون عليه الفسخ 5 في الوجهين جميعًا، ولا ينفسخ السلم، ولو تراضيا جميعًا لم يجز، قال: وإن أحرقه كانت عليه قيمته لا يصلح فيه غير ذلك 6، فلم ير للمسلم إليه أن يفسخ السلم عن نفسه إذا أحرقه، خيفة أن يكون قد اختار أخذ القيمة، فلا يجوز له أن ينتقل إلى الفسخ، فتكون إقالة على غير رأس المال.
وكذلك إذا باعه لم ير له أن يفسخ السلم، خيفة أن يكون قد اختار إجازة البيع أو التضمين وأخذ القيمة، فيكون إقالة على غير رأس المال.
ويلزم مثل ذلك إذا ادَّعى ضياعه، لإمكان أن يكون قد اختار أخذ
القيمة، فتكون إقالة على غير رأس المال؛ لأنه حمل عليه أنه حبسه وحال بينه وبين قبضه، فصار كالغاصب له، فلهذا جعل له أن يأخذه بالقيمة، وإذا كان كذلك صارت إقالة على غير رأس المال منهما 1، وإن كان موجودًا عند المسلم إليه لما 2 لَمْ يمكنه منه، وإنما تكون إقالة على رأس المال لو مكنه منه، ولم يوجب 3 له أخذ القيمة، ولا يلزم ذلك ابن القاسم؛ لأنه لم يجعل له أخذ القيمة، وإنما رأى له أن يفسخ السلم من غير خيار، لإمكان أن يكون قد ضاع وأنه الصادق في قوله.
باب فيمن باع طعامًا فأخذ عن ثمنه طعامًا أو أقرض طعامًا أو أسلم فيه فأخذ غيره
ومن باع طعامًا، ثم أخذ عن ثمنه طعامًا، فإن كان المبيع سمراء فأخذ عن ثمنها سمراء مثلها في الكيل والجودة، جاز ذلك، وتكون إقالة، وإن كان الثاني أكثر كيلًا أو أفضل صفةً، لم يجز 1؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله سلف بزيادة.
وإن كان الثاني أدنى صفة وأكثر كيلًا لم يجز أيضًا؛ لأنه ربا ترك فضل الأول لمكان كثرة كيل الثاني.
وإن كان الثاني أدنى في الكيل أو في الصفة أو فيهما جميعًا في الكيل والصفة كان فيهما قولان: المنع، والإجازة والجواز أحسن.
وليس يتهم الناس في الغالب فيما يجر إلى وضيعة، وإنما التهمة فيما يجر إلى زيادة، إلا أن يكون هناك دليل على التهمة، مثل أن يكون زمن 2 خوف، أو كان يخاف عليه الفساد، وهو في وقت ليس بيعه فيه من حسن النظر، لما يرجى من نَفَاقِه في المستقبل، فيتهمان على ضمانٍ بجعل، إلا أن يكون الآخر تافهًا يسيرًا، وإن أخذ محمولة، وكان المبيع الأول سمراء، وكان الثاني أكثر كيلًا لم يجز، واختلف إذا كانت مثل كيل الأول فأدنى:
فرأى ابن القاسم مرة في كتاب الصرف أنهما مما تختلف فيه الأغراض،
فيمنع التفاضل إن أخذ أدنى، وإن أخذ مثل الكيل دخله بيع الطعام بالطعام ليس يدًا بيدٍ، ورأى مرة أن المحمولة أدنى 1، فعلى هذا يختلف هل يتهمان على ضمان بجعل؟ وأن يجوز أحسن.
وقد تقدم أن التهمة إنما تكون فيما جر إلى منفعة ليس إلى خسارة، وإن أخذ تمرًا أو قطنية لم يجز، هذا هو المعروف من قوله، والجواب فيها يجري على القول في بيوع الآجال:
فأجاز ابن القاسم في المدونة لمن باع ثوبًا بدراهم إلى أجل أن يشتريه بدنانير نقدًا إذا كانت الدنانير أقل 2 من الأولى بالشيء البين 3.
وأجاز ابن القاسم وعبد الملك في المجموعة إذا كانت الدنانير مثل صرف الدراهم بالنقد يوم البيع الأول؛ لأنه يحسن الصبر، وجعل التهمة فيما يعود بزيادة 4.
فعلى أصل قوله في المدونة ينظر إلى ثمن الذي أخذ أخيرًا فإن كان أقل من الثمن 5 الأول بالشيء البين 6 جاز؛ لأنه لا يتهم أن يبيع ما قيمته يوم البيع دينار ليأخذ مثل نصف قيمته إلى أجل.
وعلى قوله في المجموعة يجوز إذا كانت قيمة الطعام الثاني مثل قيمة
الطعام الأول يوم وقع البيع، والمراعاة (1) في قيمة الطعامين يوم البيع الأول، فإن كان في قيمة الثاني ذلك اليوم فضلٌ مُنِعَ، وإن نزلت سوقه الآن، وإن اقتضى بعض الثمن ثم أخذ عن البقية طعامًا مُنِعَ، كان الطعام المأخوذ الآن سمراء أو محمولة أو تمَرًا، أو غير ذلك، ويدخله إذا كان الآخر مثل الأول بَيعٌ وسلفٌ، وإن كان أجودَ أو أدنى - التفاضلُ، وإن كان من غير صنف الطعام بالطعام إلى أجل، إلا أن يكون الذي اقتضى من الثمن الشيء اليسير، فيجري الجواب فيه على ما تقدم إذا لم يقبض شيئًا، وكذلك إذا كان الباقي من الثمن الشيء اليسير (2)، وتضعف التهمة حينئذ في بيع وسلف.
فصل [في قضاء السمراء أو القطنية أو التمر بعضها من بعض]
وإن أقرض سمراء جاز أن يأخذ سمراء أفضل منها جودة، ويختلف إذا كانت أكثر كيلًا.
وقد تقدم ذلك في كتاب الصرف 3 فإنه لا فرق بين الفضل في الجودة وفي الكيل؛ لأن الأول كان على وجه المعروف فلم يحملا في ذلك على التهمة.
ولا بأس أن يأخذ قطنية أو تمرًا بعد محل الأجل، كما يأخذ عن 4 الدنانير القرض دراهم، ولم يتهما على صرف مستأخر.12
واختلف إذا أخذ التمر أو غيره من الطعام قبل محل الأجل:
فقيل: لا يجوز ذلك؛ لأنه يقدر أن الطعام الأول باق في الذمة يقتضيه من ذمته (1) إذا حلّ الأجل، ويدخله الطعام بالطعام إلى أجل.
وقيل: ذلك جائز؛ لأن الذمم تبرأ الآن وتخلو من الدينين.
وفي كتاب الصرف إذا أخذ عن القرض وهو سمراء دقيقًا (2)، وفي