النسخ المقبل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب السَّلَمِ الأول
باب في المداينة وسلم الحيوان بعضه في بعض
الأصل في المداينة إلى أجل قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282].
قال مالك: هذه الآية تجمع الدين كله 1.
والمداينة على وجهين: على وجه المعروف، وهو القرض.
وعلى وجه المبايعة، وهي ثلاثة أقسام: بيع ما ليس بعين بالعين إلى أجل، وإسلام العين فيما ليس بعين إلى أجل 2، وإسلام ما ليس بعين فيما ليس بعين، وكل ذلك جائز داخل في عموم الآية.
والأصل في القرض من السنة حديث أبي رافع قال: اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا، فَقَضَى جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًّا 3.
وفي البيع إلى أجل حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: اشْتَرَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (1). وفي السلم حديث ابن عباس قال: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ العَامَ وَالعَامَيْنِ، أو قال: العَامَينِ (2) وَالثَّلاثَةَ، فقال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَل مَعْلُومٍ" (3). وكل هذه أحاديث صحاح اجتمع عليها البخاري ومسلم.
فصل [في أقسام المُسْلَم فيه]
والمُسلم فيه ثلاثة: المَكيل والمَوْزُون.
والثاني: العروض وما شابهها، مما لا يجري فيه كَيل ولا وَزن.
والثالث: الحيوان والعبيد والإبل والبقر، والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وغيرهما.
فأما المَكيل والموزون فالأصل فيه حديث ابن عباس وقد تقدَّم.
وأما العروض فلم يأتِ فيه حديث، وأجمع أهل العلم على جواز السَّلَمِ فيها على صفة يحصرها ويرفع الغرر منها، ولم يأت أيْضًا في السَّلَمِ في الحيوان123
حديث صحيح، واختلف أهل العلم في جواز السلم 1 فيه: فأجاز ذلك مالك 2 والشافعي 3.
وقال به من الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق، ومنع ذلك أبو حنيفة 4، ورأى أن الصفة فيه لا تنحصر.
واحتج من أجاز ذلك بحديث أبي رافع في استقراض البكر 5، وبالحديث في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَنْعَتُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا كأَنَّه يَنْظُرُ إِلَيْهَا" 6. وتحمل العاقلة دية الخطأ، وهي إبل وكل هذا فيه نظر؛ لأن القرض معروف فيستخف فيه ما لا يستخف فيما خرج على وجه البيع والمكايسة، ولأن الغرر فيما أحضر مثله وقيل مثل 7 هذا أخف فيما لا يحضر مثله؛ لأن القرض تقدمت له عين مرئية فيرد مثله.
وأما النهي عن نعمت المرأة، فإن ذلك لأنها إن كانت قبيحةً كان في نعتها ذمها وكشفها 8 أن تعيبها لزوجها، وإن كانت جميلة فقد تُوقع في نفس
المنعوت له شيئًا، وكل هذا للمرأة مذموم، وإن لم تأتِ بحقيقة الأمر في الصفة كان كذبا (1).
وأما الدية فالأصل فيها أوسع، وهي من باب غرم المتلف، فلم تكن كابتداء البيع.
وقد قال سحنون في الشقص يؤخذ عن دية الخطأ: إنه إن كانت الدية عينًا استشفع بمثلها، وإن كانت إبلًا استشفع بقيمتها لا بمئلها (2)؛ لأن الذي تغرمه العاقلة ليس له صفة محصورة في الجودة والدناءة، غير أن الصفة تتقارب فيما سوى بني آدم، وتتباين في آدم، وهي في العلي من الجواري أشد تباينًا.
وقد يكون للرجل العبد، وهو ببلد لو كان جميعهم عبيدًا لم يجد من يوافقه في جميع صفاته في سِنِّهِ وطوله ولونه (3) وجسمه وجماله ونشاطه وقوته وفهمه وذكائه وشمائله وأمانته، وقد يقول في حليته إذا باعه أو أسلمه فيه أكحل أقرن (4) لون كذا فيجد في البلد الخلق العظيم يدخلون تحت تلك الصفة، فإذا أحضرتهم تباينوا في الثمن.
فصل [في السَّلَمِ في الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير]
الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير أصناف، يجوز أن يسلم كل1234
واحد من هذه الستة في الآخر ما خلا البغال والحمير 1، فإنه اختلف فيهما، هل هما صنف واحد، أو صنفان 2؟
ويجوز أن يسلم الصنف الواحد بعضه في بعض إذا اختلفت منافعه.
فالإبل صنفان: صنف يراد للحمل عليه.
وصنف يراد للركوب لا للحمل، وكل صنف منهما صنفان: جيد، وحاشي.
فيجوز أن يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب وللسير عليه، جيد أحدهما في جيد الآخر، والجيد في الرديء، والرديء في الرديء، اتفق العدد أو اختلف، وأما إذا كانت كلها تراد للحمل أو للركوب، فلا يجوز أن يسلم الجيد في الرديء، ولا الرديء في الجيد.
ويجوز أن يسلم جيد أحدهما في حاشين أو أكثر، وحاشيان أو أكثر في جيد.
ولا يجوز أن يسلم واحد في واحد أي ذلك تقدم الجيد أو الرديء؛ لأنه سلف جرَّ منفعة إن تقدم الرديء، أو ضمان بجعل إن تقدم الجيد، فإن اختلف العدد وكانت الكثرة في جنبة الرديء كانت مبايعة، فيكون فضل العدد، لمكان الجودة.
وكذلك فعل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - باع جملًا يدعى عصيفير بعشرين بدنة 3 إلى أجل 4،.............
واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة إلى أجل (1). وهذا الشأن أن يقل عدد الجيد، ويكثر عدد الرديء، وإن استوى العدد كان الفضل من صاحب الجيد خاصة، فلم يدخله مبايعة، ولو أسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء، لجاز ودخلته المبايعة؛ لأنَّ كمال هذا في مقابلة جودة الآخر مع نقصه.
فصل [في السَّلَمِ في الخيل والبغال والحمير]
ويجوز سلم الفرس الواحد في الفرس إذا كان يرغب في أحدهما لجماله والآخر لسرعته، فتكون حينئذٍ مبايعة 2.
فإن تساويا في السبق وأحدهما أجمل أو أردأ، أو تساويا في الجمال أو السمانة أو الرداءة وأحدهما أسبق لم يجز؛ لأنه إذا كان الفضل من أحدهما لم تكن مبايعة إلا أن يختلف العدد وتكون كثرة العدد في جنبة 3 أدناهم في السبق أو الجمال أو غيره فيكون مبايعة، فيكون قد ترك هذا الجودة لمكان فضل العدد في الآخر.
واختلف في البغال والحمير: فقال ابن القاسم: كره ذلك مالك 4.1 = والبيهقي: 5/ 288، في باب بيع الحيوان وغيره مما لا ربا فيه بعضه ببعض نسيئة، من كتاب البيوع، برقم (10310).
وكأنه رآهما صنفًا واحدًا، وجعلهما ابن حبيب صنفين، يجوز سلم أحدهما في الآخر 1.
والقول الأول أحسن؛ لأن منافعهما متقاربة إما أن تراد للحمل أو للركوب، وليس يفترقان إلا من باب جودة ودناءة، والبغال في معنى الجيد، والحمير في معنى الدنيء، فلا يسلم حمار في بغل؛ لأنه من باب سلف بزيادة، ولا بغل في حمار؛ لأنه ضمان بجعل، ويجوز أن يسلم بغلًا في حمارين أو أكثر، فتكون الجودة في مقابلة كثرة العدد.
ويجوز أن يسلم بغل للركوب في أقوى منه يراد للحمل، وحمارًا قويًا يراد للحمل في أقل حمل منه إذا كان يراد للركوب وللسرج، واختلف في سرعة السير، فلم ير ذلك محمد شيئًا.
وقال عبد الملك: إذا اختلفا في سيرهما كاختلاف سير الخيل جاز سلم أحدهما في الآخر، قال: لأن فضل السير هو الذي يراد من البغال والحمير 2 وهو أحسن، ولا شك أنه زيادة فضل، ويزاد في الثمن لأجله إذا كان سيرًا بَيِّنًا والآخر معه في معنى الدنيء، فيسلم المسيار في اثنين دونه.
وإسلام الصغار في الصغار على نحو ما تقدم في الكبار، فإن تساوت في السبق 3 والجودة والمنفعة، لم يجز أن يسلم أحدهما في الآخر، ولا واحد في اثنين.
وإن اختلف السن 1 والجودة والمنفعة، جاز أن يسلم واحدًا في واحد إذا كان أحدهما أسن 2 والآخر أجود وأحسن منفعة، وإن رجح أحدهما بشيء واحد وتساويا فيما سوى ذلك لم يجز السلم إلا أن يختلف العدد، ويكون كثرة العدد في جنبة أصغرهما أو أدناهما.
وأما الكبار بالصغار فإن الإبل والبقر والبغال والحمير في ذلك سواء، يجوز أن يسلم كبير في صغيرين أو أكثر، وصغيران في كبير، فيكون كبير السن في مقابلة كثرة العدد 3.
ولا يجوز أن يسلم صغير واحد 4 في كبير، ولا كبير في صغير، وهو من باب سلف بزيادة 5 أو ضمان بجعل إلا أن يكون الصغير أحسن نجارًا، أو أعتق أصلًا فيجوز 6؛ لأنه ترك جودة الصغير لسن الكبير.
وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: لا بأس أن تسلم الخيل كبارها في صغارها ما لم يكن على وجه سلف جرَّ منفعة، وأما إذا كان على وجه البيع فلا بأس به، قال: مثل أن يسلم الصغيران في الكبير، والكبير في الصغيرين، وإذا كان صغيرًا واحدًا فلا خير أن يسلم في كبير ولا في كبيرين؛ لأنه من وجه الزيادة في السلف 7.
وهذا من قوله يبين ما تقدم من هذا الأصل أن المبايعة ما كان فيه معاوضة من الجنسين، وأجاز في موضع آخر أن يسلم حوليًا في قارحين (1). وعند ابن حبيب نحوه.
ومحمل ذلك على أن الصغير أفضل في الأصل، والآخر من حاشي ذلك الجنس.
فصل [في سلم البقر]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن تسلم البقرة الفارهة القوية على الحرث في حواشي البقر (2). ومثله: لو كانت كثيرة اللبن وذلك المقصود منها، فلا بأس أن تسلم في عدد لا يراد ذلك منها، ولا تسلم واحدة في واحدة إذا كانت إحداهما فارهة أو مما تراد للبن في واحدة من حواشي البقر، ولا بأس أن تسلم واحدة فارهة تراد للحرث في ذات لبن.
فصل [في سلم الغنم]
قال مالك: والغنم ضأنها ومعزها صغارها وكبارها صنف، وكذلك عنده ذكورها وإناثها صنف، فلا يسلم بعضها في بعض إلا أن تكون غنم غزيرة كثيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم 3. وقد اختلف في هذه الثلاثة وجوه: في سلم الصغار في الكبار، وفي الذكور12
في الإناث، والضأن والمعز.
فأجاز مالك في كتاب محمد أن تسلم ضائنة في معزتين صغيرتين 1.
وأجاز ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر أن يسلم كبش في خروفين، وهذا هو الصواب، أن يجوز على مثل ما قالاه أن تكون الصغار أكثر عددًا، فهي مبايعة حقيقة.
وأجاز ابن القاسم أن تسلم الدجاجة البيوض أو ما فيها بيض في ديكين 2، وعلى هذا يجوز أن تسلم نعجة في كبشين، وهو الصواب؛ لأن المعلوم من أهل كسب الغنم أنهم يرغبون في كسب الإناث للنسل واللبن، ولا يرغبون في الذكور، ولا يمسكون منها إلا ما يحتاجونه للغنم.
ولا تسلم نعجة في كبش واحد؛ لأن النعجة للكسب أفضل إلا أن يكون للكبش 3 فضل على النعجة من وجه آخر، فيكون مبايعة، ويكون ذلك في مقابلة ما يراد من الأخرى من النسل والولد.
وأجاز عبد العزيز بن أبي سلمة الضأن في المعز ورآهما صنفين، وعلى هذا الناس اليوم فيرغب في الضأن قوم ويجتنبون كسب المعز، ويرغب آخرون في المعز دون الضأن؛ لأنها أكثر ولدًا وأغزر لبنًا.
فصل [في سلم الجِذْع]
ولا يجوز أن يسلف جذع في مثله 1، وسواء كان الأصل فيهما واحدًا أو مختلفًا إذا كان المبتغى والذي يُعْمَل منهما واحدًا.
ولا يسلف نصف جذع في جذع 2، ولا بأس أن يُسلَّم جذع في مثله إذا كان الأصل فيهما مختلفًا، والذي يعمل منهما مختلف.
وإن كان الأصل واحدًا والذي يصنع 3 منهما مختلف، مثل أن يكون أحدهما يصلح أن يعمل في سقف أو حائط والأخرى عريضة تعمل بابًا، وما أشبه ذلك، جاز أن يسلم إحداهما في الأخرى.
قال مالك: ولا بأس أن يسلم جذع في جذوع صغار 4.
باب السلم في العبيد والإماء
العبيد عند مالك صنف واحد وإن اختلفت قبائلهم وأجناسهم، البربري والنوبي والصقلبي وغيرهم لا يجوز أن يسلم أحدهم في الآخر 1؛ لأن المراد من جميعهم معنى واحد، وهو الخدمة، وتنقلهم الصنائع فتصيرهم أصنافًا، فيسلم أحدهما في الآخر إذا كانا تاجرين مختلفي التجارة، بزازًا وعطارًا، أو صانعين مختلفي الصنعة، نجارًا وخياطًا، ويسلم التاجر في الصانع ولا يسلم تاجر ولا صانع فيما يراد منه الخدمة ولا تجارة له ولا صناعة، وهو كإسلام الجيد في الدنيء إلا أن يتبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز أن يسلم التاجر والصانع في عدد يراد منهم الخدمة.
واختلف في الحساب والكتابة هل يكون بها كالصنعة؟
وأرى إن كان يراد ليجلس لذلك، ومنه يعول على سيده أن يكون كالصنعة، وإن كان يراد للخدمة وإنما ذلك زيادة إن احتيج إليه استعمل فيه لم يكن كالصنعة.
والإماء صنف واحد لا يسلم بعضهن في بعض ما لم تكن ذات صنعة، تسلم الواحدة في الاثنتين وأكثر، مما لا صنعة عندها.
قال مالك في كتاب محمد: والطبخ والخبز صنعة، وقال ابن القاسم: والرقم صنعة 2، يريد إذا كان ذلك المقصود منها، قال: وليس الغزل وعمل
الطيب صنعة، والنساء أجمع يغزلن 1.
يريد: ما لم تبن بذلك ويكون ذلك المقصود منها ولمثله تراد.
واختلف في موضعين:
أحدهما: هل يكون الجمال ومَنْ تُرَادُ للفراش صنفًا تَبِينُ بذلك عن غيرها؟
والثاني: هل الذُّكرانُ مع الإناث صنفٌ واحدٌ أو صنفان؟
وقد ذهب ابن القاسم إلى أنهن صنف واحد، ومنع أن يسلم العلي في الوخش 2.
وأجاز ذلك مالك وابن وهب وأصبغ 3.
فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بالجارية الرائعة بالجاريتين دونها 4، قال: وكل ما اختلف من هذا فالنسيئة فيه تحل.
وقاله ابن وهب 5.
وقال أصبغ: لا بأس أن تسلم جارية جميلة فصيحة في جاريتين إلى أجل 6، وظاهر قول مالك أنه أجاز رائعة في رائعتين دونها 7، وهذا هو الأصل كما يجوز سابق في عدد دونه، وحَمَّال في عدد دونه في الحمل، وأن أعلى الجنس الواحد وحواشيه صنفان.
وقال ابن حبيب: الذكران والإناث صنف واحد 1.
وعلى قول مالك في العتق الأول يكونان صنفين؛ لأنه قال فيمن قال: كل عبد أملكه، وكل جارية أشتريها فهي حرة: ألَّا شيء عليه 2؛ لأنه عم الجواري والغلمان فلم يلزمه اليمين 3 إذا عم العبيد، وإن كان قد أبقى خدمة الإناث أو عم الإناث، وأبقى خدمة الذكران، ولو كانا عنده صنفًا واحدًا، لألزمه الحنث إذا أبقى أحد الصنفين.
وقال ابن الماجشون: يلزمه اليمين إذا حلف على أحدهما وأبقى الآخر، ورأى أنهما شيء واحد.
وقول مالك في ذلك أحسن؛ لأن الخدمة مختلفة، فخدمة الذكران بالتصرف فيما يكون من الخدمة خارج البيت والأسفار والحرث وما أشبه ذلك، وخدمة الإماء ما يتعلق بالبيت من خبز وغسل وطبخ وما أشبه ذلك 4، وذلك معلوم عند الناس، ولا يشتري أمة من احتاج إلى خدمة عبد، ولا عبدًا من احتاج إلى خدمة أمة.
وأما الكبار والصغار فينبغي أن يكونا صنفين، فيسلم كبير في صغيرين، وصغيران في كبير، ولا يسلم كبير في صغير ولا صغير في كبير إلا أن يكون الكبير من الوخش، ولا يراد إلا للخدمة، والصغير له جمال، وممن يرى أنه إن كِبِر يراد 5 للتجارة أو للصنعة فتدخله المبايعة.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسلم صغير في المهد في كبير 1؛ لأنه عنده من باب سلف بزيادة، ولو كان الصغير فوق هذا السن فيما يبين أن القصد المبايعة لجاز.
ومنع ابن حبيب أن يسلم الصغار في الكبار 2. يريد: إذا تساوى العدد، أو كان الكبار أكثر عددًا، وأما إن كان الصغار أكثر عددًا، جاز.
باب في السلم في الثمار
السلم في الثمار على ثلاثة أوجه:
في ثمر قرية مأمونة، أو غير مأمونة، أو حائط بعينه.
فإن كانت قرية مأمونة، جاز أن يسلم في ثمارها قبل أن تزهي، ليأخذ ذلك من ثمار عامه أو بعد عامين أو ثلاثة، ويأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا أو تمرًا.
وإن كانت قرية غير مأمونة، أو كان حائطًا بعينه، لم يسلم فيها إلا بعد أن تزهي، ليأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا، ولا يسلم في تمرها، وإن كانت ثمارها قد أرطبت أسلم في رطبها، ولا يسلم في تمرها، والقرية الصغيرة والحائط بعينه في هذا سواء 1.
ويفترقان في رأس المال، فإنه يجب تعجيله إذا كان السلم في ثمار تلك القرية؛ لأنه مضمون في الذمة، ويجوز أن يسلم لمن ليس له فيها 2 ملك، وإن كان حائطًا بعينه جاز تأخير رأس المال، ولا يجوز أن يسلم إلا لمن يملك تلك الثمار.
ويفترقان أيضًا في أنه لا يسلم في القرية إلا فيما الغالب أنه يقدر على شرائه من سوق تلك القرية، أو من أصحابها إن لم يكن عندهم سوق، فإن لم يكن شأنهم البيع أو الذي يباع عندهم قليل، ولا يقدر هذا في الغالب على شراء القدر المسلم إليه فيه مع جملة المشترين، لم يجز.
والسلم في الحائط المعين يجوز بشروط، وهي: أن يكون السلم بعد أن أزهى، ويشترط أخذه زهوًا أو رطبًا بحسب ما تقدم.
ويبين أخذ ذلك هل هو في يوم أو في أيام 1؟
فإذا كانت أيامًا فليسلم عددها 2، وهل هي متوالية أو متفرقة؟ ومبتدأها ومنتهاها، وإذا كانت متوالية أجزأ 3 ذكر مبتدئها عن ذكر آخرها.
ويذكر ما يأخذه كل يوم، ويكون ذلك الذي شرط أخذه لا يتعذر قبضه في كل يوم من تلك الأيام، ويبقى زهو ذلك الحائط أو رطبه إلى آخر تلك الأيام، ولا ينقطع قبل ذلك، فإن شك هل يقدر على توفية ذلك القدر 4 في كل يوم من تلك الأيام، أو هل يبقى الزهو أو الرطب إلى آخر تلك الأيام المسماة، لم يجز، ويجوز العقد بغير نقد 5.
ومعنى السلم في هذا: أن تقدم رأس المال، فهو إسلام لرأس المال، وإذا لم يقدم رأس المال، لم يُسَمَّ سلَمًا.
والسلم يطلق على ما قدم فيه رأس المال، سواء كان السلم في معين، أو فيما هو مضمون في الذمة.
واختلف إذا أسلم تمر حائط وهو زهو أو قد أرطب ويأخذ ذلك تمرًا،
فقال مالك 1 في المدونة: ليس بالحرام البين وأكره أن يعمل به فإن عمل به وفات لم يرده 2، وقوله هذا محتمل، هل يفوت بالعقد أو بالقبض؟
وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إن وقع 3.
وقال مالك 4 في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض 5.
والأول أحسن، والقياس أن ذلك يجوز ابتداءً لوجهين:
أحدهما: حديث أنس وجابر - رضي الله عنهما - قالا: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" 6.
وهذا نص على جواز البيع فيها بعد بدو الصلاح الجزاف والمكيل؛ لأنه لم يفرق؛ لأن محمل النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء؛ لأن بيعها قبل ذلك على الجداد جائز.
ولو حُمل الحديث على الجزاف لقيس المكيل عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبان أن النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء لمكان الغرر خوف الجوائح، فبان بهذا أن البيع بعد ذلك لا غرر فيه.
فإذا لم يكن فيه غرر، جاز على الجزاف والمكيل، وذلك أن الضمان في الجزاف من البائع حتى يقبضه المشتري، والمكيل كذلك، ولا يعترض هذا بالجائحة في الجزاف إذا كانت أقل من الثلث؛ لأنه في معنى ما لم يقع عليه بيع.
وقد قال أبو محمد عبد الوهاب: إنما لم يرجع بما دون الثلث؛ لأن الغالب من الثمار السقوط، وإذا كان كذلك، فالمعتبر ما وقع عليه البيع بغير خلاف، وهو أن يصاب جملتها أو الثلث فصاعدًا 1.
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في حائط بعينه ليأخذ ذلك زهوًا أو رطبًا في يوم بعينه، ثم رضي صاحب الحائط أن يقدم ذلك قبل الأجل، فلا بأس به إذا رضي الذي له السلف، وكان صفته بعينها 2.
فأجاز أن يأخذ ما طاب الآن عما يطيب بعد، وهو طعام بطعام ليس يدًا بيد، فإن كان القصد من صاحب الحائط المعروف بالتعجيل، جاز، وإن كان القصد المبايعة، ليتصرف في ثمار حائطه، فإن أجيحت الثمار بعد ذلك، لم يرجع بشيء، جاز، وإن كان ليرجع بمثل ما دفع، لم يجز، إلا أن يكون ذلك على وجه السلف، فيجوز.
ومنع ابن القاسم في كتاب الحبس إذا وهب عشرة أقساط من دهن جُلجلانه، ثم أراد أن يعطي عشرة أقساط من غيره 3، وقد مضى بيانها في كتاب الحبس.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد]
بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد جائز وذلك بثلاثة شروط:
إذا كانت حينئذٍ مما ينتفع بها وكانت هناك حاجة إلى بيعها، ولم يتمالأ على مثل ذلك أهل ذلك الموضع أو الكثير منهم.
فإن لم يكن فيها حينئذٍ منفعة أو كانت ولا حاجة إلى جدادها، أو تمالأ عليه أكثر أهل ذلك الموضع لم يجز؛ لأن ذلك من الفساد.
وقد منع مالك من بيع القصيل، والقضب على الجداد إذا لم يبلغ أن يرعى، ورآه من الفساد (1).
وقد يمر بالبلح وقت لا ينتفع به لأكل ولا لعلف، فقطعه حينئذ من الفساد، وكذلك إذا صار بلحًا يؤكل، وهو مما يصير تمرًا، ولم يكن هناك حاجة إلى قطعه، فهو من الفساد، والله تعالى لا يحب الفساد، وفعل العدد الكثير أو الجميع أشد فيما يؤدي إلى الضرر بالناس.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط البقاء]
وبيعها قبل الصلاح على البقاء 2 على ثلاثة أوجه: يمنع في وجهين، ويجوز في وجه، فيمنع إذا شرطا أن المصيبة من المشتري، وسواء كان البيع1
بالنقد أم لا، ويمنع إذا شرطا أن المصيبة من البائع، وكان البيع بالنقد؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع.
ويجوز إذا كانت المصيبة من البائع، والبيع بغير نقد.
والأصل في الأول حديث أنس - رضي الله عنه - قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ" 1، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَمرة، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " 2 يريد: إذا بيعت على أن المصيبة على المشتري، فأحب البائع أن يأخذ الثمن بعد أن أجيحت.
وهذا الحديث أصلٌ في كل مبيع لا يتوصل إلى قبضه إلا إلى وقت لا يدرى هل يسلم المبيع إلى ذلك الوقت أم لا؟ لأن البيع على أن المصيبة من المشتري فاسدٌ، ولا يمنع إذا كان بغير نقدٍ، وكانت المصيبة من البائع، لحديث زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار، فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الدمان 3، أصابه مراض، أصابه قُشام -عاهات يحتجون بها- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فَإِمَّا لاَ، فَلاَ يَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ" كَالمَشُورَةِ
يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ لمَّا كَثُرَتِ الخُصُومَةُ، ذكر هذا الحديث البخاري (1).
وقد تضمن هذا الحديث ثلاث فوائد:
جواز البيع على البقاء بغير نقد إذا كانت المصيبة من البائع، بقول زيد: فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم.
فيه دليل أن البيع كان بغير نقد، وأن امتناعهم من النقد عند الجوائح؛ لأنهم كانوا يدخلون على أن المصيبة من البائع ولولا ذلك لم يكن لاحتجاجهم بالجوائح (2) وجه.
وأن البيع كان قبل بدو الصلاح، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" (3). وقال زيد: كان ذلك كالمشورة عليهم.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا إذا أطلق البيع ولم يشترط جدادًا ولا بقاءً، هل يحمل البيع على الجداد، ويكون جائزًا، أو على البقاء فيكون فاسدًا؟ فقال ابن القاسم في كتاب البيوع الفاسدة إذا اشترى ثمرة فجدَّها قبل بدو صلاحها: إن البيع جائز، إذا لم يشترط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها 4.123
وقال أبو محمد عبد الوهاب (1): البيع فاسد، واحتج بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (2). والقول الأول أحسن عند عدم العادة؛ لأن محمول البياعات على التقابض في الثمن والمثمون، ولا يعترض هذا بالعادة أنها تجد بعد الصلاح؛ لأن تلك العادة إذا لم يقع البيع، وإذا كان البيع حملوا على أصل البياعات، وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - فقد كان عن عادة جرت بينهم أن البيع على البقاء.
فصل [في بيع الثمار بعد بدو الصلاح بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا في إطلاق البيع بعد بدو الصلاح.
فالمعروف من المذهب أنه على البقاء حتى ييبس 3، وجعله ابن حبيب على الجداد، فقال: ومن اشترى ثمرة بعد طيبها لم يكن له أن يقرها حتى تيبس إن لم يكن اشترط ذلك على البائع، وذلك لمكان السقي؛ لأن سقيها على البائع، وإن اشزى ذلك مبهمًا فهو على تعجيل جناها حتى يشترط تأخيرها 4. انتهى قوله.
وهذا هو الأصل في البياعات أنها على التعجيل في الثمن والمثمون، إلا أن12
يشترط التأخير أو تكون تلك العادة.
وإذا اشترطا التأخر حتى ييبس، أو كانت تلك العادة، وكان العقد فيها على الكيل لبُعد اليُبس، لم يلزم المشتري دفع الثمن حتى يقبض الثمرة.
فصل [في اشتراط بدو الصلاح في الثمار ومعناه وكيفيته]
بيع الثمار والزروع والزيتون والتين والعنب والفواكه والبقول وما أشبه ذلك لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها 1.
والصلاح في النخل: أن تزهي، ويصفر ما شأنه أن يصفر، ويحمر ما شأنه أن يحمر 2، وهو وقت الانتفاع به، وبدو الصلاح للزرع عند مالك أن يبيض 3.
وقال ابن شهاب في كتاب محمد: كان العلماء يقولون: بدو صلاح الزرع إذا أفرك 4 والأول أحسن، لحديث ابن عمر قال: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ مِنَ العَاهَة".
أخرجه مسلم 5.
واختلف إذا وقع البيع بعد أن أفرك، واشترط المشتري أخذه يابسًا، فقال مالك: إذا أخذ ذلك وفات، فلا يرد 1.
وقال في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض، فإذا قبض، لم يفسخ 2.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا فات باليبس، لم يفسخ للاختلاف فيه 3.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس 4.
وكل هذا الاختلاف، فإنه سواء اشترى جزافًا أو على الكيل.
وكذلك الفول والحمص يباع وهو أخضر وقد امتلأ حبه، فقال ابن القاسم: إن عثر عليه قبل أن ييبس فسخ، وإن يبس لم يفسخ للاختلاف فيه 5.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس 6.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كان الزرع والفول وما أشبه ذلك يشرب بالعيون، أو بالدالية فأرى أن يمضي وعقده حينئذ جائز؛ لأنه مأمون، وإن كان يشرب بالسماء، وعدم الماء يضره، ويكون ناقصًا لم يعقد فيه حينئذ بيع، ويفسخ ما لم يفت.
وقال محمد في الزيتون: يباع إذا اسودَّ أو نحا ناحية الاسوداد 7.
وقال في التين: لا يباع حتى يطيب أوله، فيؤكل منه.
وكذلك الفواكه كلها لا تباع حتى يطيب أوائلها ويؤكل منها 1.
وإذا كان في الدالية الحبات في العنقود والعنقودين فلا بأس ببيعه إذا كان طيب ذلك متتابعًا 2. قال مالك: والتين كذلك 3.
وكذلك الحائط يزهي بعضه، قال: فإذا لم يزه الحائط نفسه وأزهى ما حوله، جاز بيعه، قال ابن القاسم: وأحبُّ إليّ حتى يزهي الحائط بعينه 4؛ للحديث، وإذا كان الذي أزهى باكورًا لم يبع إلا ذلك الباكور وحده، وكذلك التين والعنب الصيفي والشتوي إذا بدا صلاح الصيفي بيع وحده دون الشتوي 5.
وإذا كان في الحائط أصناف ثمار نخل ورمان وخوخ وما أشبه ذلك لم يبع منه إلا ما طاب وحده 6.
قال مالك: وإن كان الصنف الذي لم يطب الثلث فأدنى، لم يبع إلا ما طاب من ذلك، ولو كان زرْعا قد يبس وفيه ما لم ييبس ولا خطب له فباعه كله فلا بأس به 7.
قال محمد: لأن هذا الصنف واحد 8.
وقال في الفجل واللفت والجزر والبصل والثوم المغيبة في الأرض: إذا استقل ورقه وتم وأمن عليه وانتفع به ولم يكن ما يقطع منه فسادًا فبيعه حينئذ جائز، إذا نظر إلى شيء منه، يريد: كشف عنه، أو قلعه (1). قال: وإن وجد منه شيئًا مخالفًا لما رأى رد بحسابه من الثمن (2).
فصل [في الجائحة تصيب الثمار]
وإذا أسلم في رطب حائط بعينه فأجيح ذلك الثمر، انفسخ ذلك السلم قولًا واحدًا 3؛ لأن البيع وقع على شيء بعينه، فإذا أجيح لم يلزم البائع خُلفه، ولم يلزم المشتري قبول غير ما اشتراه.
وإن أسلم في ثمر قرية صغيرة فأجيح ذلك الثمر انفسخ ذلك السلم أيْضًا، ولا يبقى في ذمة البائع إلى قابل؛ لأنها غير مأمونة، فإذا مُنع أن يسلم فيها في هذا العام إلا بعد بدو صلاحها؛ لأنه غرر كان في الصبر إلى ثمرة قابل أشد
غررًا.
واختلف إذا كان السلم مضمونًا في رطب قرية مأمونة فأصيب ثمرها على أربعة أقوال:
فقال مالك في المدونة: يتأخر إلى ثمرة قابل 4.
وقال ابن القاسم: ومن طلب التأخير منهما كان ذلك له إلا أن يجتمعا12
على المحاسبة 1.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك لمن له السلم إن شاء أخره، وإن شاء أخذه ببقية 2 رأس المال نقدًا، وقال: فسخ ذلك أحب إليّ 3.
وقال أشهب: يتعجل بقية رأس ماله، ولا يجوز له أن يحول ذلك في ثمرة قابل 4.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يكون التأخير إلا باجتماع منهما على الرضا بالتأخير 5؛ لأنهما إنما عمدا لهذه السنة بعينها، ولم يرد بائع ذلك أن يكون مخلدًا في ذمته من سنة إلى سنة، قال: وسواء كان ذلك بمطل منه أو غيره.
فرأى مالك وابن القاسم أن السلم لما كان مضمونًا كان ذكر هذه السنة عبارة عن التعجيل، وإلا فإن الغرض من هذه الثمرة، وثمرة قابل سواء، بمنزلة لو أسلم في قمح، فمطل به البائع بعد محل الأجل، فليس للمشتري إلا مثل ذلك القمح، إلا أن ابن القاسم رأى أن في الصبر إلى قابل ضررًا على من له السلم، وذلك كالعيب، فإن قام بحقه، لم يلزمه الصبر، وإن لم يقم بحقه 6 بقي إلى قابل.
ورأى أشهب أن البيعَ وقع على زهو يخلق في هذا العام لا على غيره، فكان
فسخ السلم حكما عليهما.
وقول أشهب أحسن إذا كان ذهاب الثمار بجوائح من السماء، فإن كان عدم القبض للدد المطلوب حتى خرج الإبان كان للطالب الخيار، فإن شاء أخره إلى قابل، وإن شاء استرجع منه بقية رأس ماله، وليس للمسلم إليه أن يعمد إلى ما يضر به المشتري ولا إلى فسخ السلم.
وإن كان عدم القبض لهرب الطالب كان المسلم إليه بالخيار بين أن يرد رأس المال أو يؤخره إلى قابل، وإلى مثل هذا ذهب ابن حبيب إذا هرب المسلم إليه برأس المال، أو أسلم إليه فلم يقبض رأس المال حتى حلّ الأجل، ورأى أن يرفع المسلم إليه ذلك إلى الحاكم، ويحضره بذلك الزهو أو الرطب ويحكم له ببراءته منه، ويبيعه على الغائب إذا خشي فساده إلى أن يحضر الغائب.
وقال مالك في كتاب محمد: كل ما أسلفت فيه إلى أجل يحتاج فيه إلى ذلك الشيء وأخلفك عن وقته، فليس لك فسخ البيع، قال: وكذلك الضحايا يخلفك حتى تزول أيام النحر، وكذلك الكراء كله إلا كراء الحاج وحده، إذا زالت أيام الحج ولم يأت المكتري إلى السلطان ليكري له، فسخ ما بينهما 1. وجعل الغير في كتاب الرواحل: ما أخلفه من غير كراء الحاج أنَّ له الفسخَ 2.
وقول مالك في هذا كله أنه لا يفسخ، وعلى أحد قولي ابن القاسم المقال في ذلك للطالب وحده.
وعلى قول أشهب يفسخ ذلك إذا كان المنع من غير سبب واحد منهما، فإن كان من سبب أحدهما كان المقال للآخر، إلا أن يكون الكراء في راحلة بعينها،
فلا يجوز الصبر لقابل كالحائط بعينه، ولأن على المكتري في منعه من بيعها إلى قابل ضررًا، وإن أتى بالأضحية فلم يجد الطالب لم يكن عليه غيرها، وإن كان التغيب منه حتى ذهبت أيام النحر كان للآخر أن يفسخ ذلك، ولو مطل بالأضحية إلى عيد قابل أو بالفاكهة حتى عاد إبانها من قابل، لم يجبر على قبولها على قول أشهب وأصبغ، ويختلف في هذا على قول ابن القاسم هل يجبر على قبولها؟ لأنه بمنزلة عيب ذهب.
وقد اختلف فيمن اكترى سفينة فدخل عليها الشتاء، فلم يتفاسخا حتى عاد إبان السفر، وهذا مثله.
فصل [في انقطاع وتأخير بعض المسلم فيه، وكيفية المحاسبة]
وإذا أخذ بعض الرطب أو الزهو ثم انقطع الباقي ووجب الرجوع ببقية رأس المال، فإن كان شرطًا أخذ ذلك في يوم أو يومين، أو ما أشبه ذلك كانت المحاسبة على الكيل، فإن قبض النصف رجع بنصف الثمن، كما قال ابن مزين.
فإن بعُد ما بين أول القبض وآخره، كالذي يشترط الابتداء في أول الإبان، ويتأخر آخر القبض إلى وسط الإبان أو آخره، وكان ذلك مما لا يدخر، أو يدخر والقصد به البيع في الأسواق حينئذٍ كانت المحاسبة على القيم، وسواء كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة أو كبيرة.
وهذا هو أصل مالك وابن القاسم فيمن أسلم في لبن 1 عشر شياه، فاحتلبها شهرًا، ثم مات منها خمس أن الرجوع على سعر ذلك في تلك
الشهور (1). وكذلك المقاثي، فإنها تكون فقوسة في أول الإبان ثمن غير آخره إلا أن يكون ذلك مما يدخر والقصد رفعه حتى ييبس، ولا يراد بيعه حين قبضه، فيكون القبض على قدر الكيل، لا على القيم.
فصل [فيمن أحب أن يأخذ عن حقه فيما أجيح من بعض الثمرة طعامًا]
وإذا أحب المسلم أن يأخذ عما استرجعه 2 من الثمن طعامًا، جاز ذلك، إذا كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة؛ لأن السلمَ الأولَ قد انفسخ بغير خلاف.
ويختلف فيه إذا كانت القريةُ كبيرةً، فيمنع من ذلك 3 على قول مالك؛ لأنَّ السلم عنده منعقد، فيصير إقالة على غير رأس المال، وكذلك على قول ابن القاسم؛ لأنه ملك التأخير، ويجوز على قول أشهب؛ لأن السلم عنده منفسخٌ، ويكره ذلك لهما ابتداءً، للاختلاف فيه، فإن فعل مضى.
وقال عبد الملك 4 ابن حبيب: لا أحب له أن يأخذ طعامًا إذا أحب المحاسبة، ويدخله طعام معجل بطعام مؤخر 5. يريد: لما كان له أن يؤخر السلم إلى قابل.1
وإذا أحب أن يأخذ وَرِقًا، وكان رأس المال ذهبًا، جاز ذلك إذا كان الرجوع لجائحة أتت على الثمار؛ لأن ذلك يرفع التهمة، ولا يُظن بهما أنهما عملا على صرفٍ مستأخرٍ، وهو في هذا بخلاف ما تعمدا فيه الإقالة.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أعطى صاحب مائدة على رطب أو عنب فنفد ذلك وذهب زمانه: فلا بأس أن يأخذ بما بقي من ديناره ورقًا، أو طعامًا، أو غيره قبل أن يفارقه.
باب في السلم في الفاكهة والتمر والحنطة والزيت
وقال ابن القاسم في السلم 1 في القصب الحلو والموز والأترج: لا بأس به إذا اشترط شيئًا معلومًا 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: السلم في ذلك على العادة في البيع، فإن كانت العادة بيع ذلك على الوزن، كان السلم على مثل ذلك، وإن كانت العادة البيع عددًا، أسلم على مثل ذلك عددًا، ويسلم في الرمان عددًا، ويذكر الصنف والقدر.
وقال ابن القاسم في التفاح والسفرجل: يسلم فيه عددًا، وليس الشأن في التفاح العدد، وقد يكون ذلك عادة عندهم، فإن كان قوم شأنهم فيه الكيل أو الوزن، لم يجز عددًا، وإن كانت عادتهم الكيل، لم يسلم فيه وزنًا، أو كانت عادتهم الوزن، لم يسلم فيه كيلًا 3، وإذا أسلم على ما هو العادة عندهم فيه الكيل أو الوزن، فإنه يذكر قدر ذلك، ونحوه من الصغر والكبر؛ لأنه يختلف ثمنه لأجل ذلك، وإن كان محصورًا بالكيل أو الوزن 4.
وقال في الجوز: يسلم فيه عددًا 5.
والشأن إذا كثر كالأحمال، أن يباع كيلًا، وفيما قلّ وبيع في الحوانيت عددًا.
ولا يجوز لأصحاب الحوائط ومن شأنهم يتبايعونه كيلًا أن يسلموا فيه
عددًا، ولا لمن شأنهم أن يتبايعوه عددًا أن يسلموا فيه كيلًا؛ لأنه لا يدرى كم يدخل في ذلك الكيل من العدد، وإن كان شأنهم يتبايعونه على الوجهين جميعًا -الكيل والعدد- أسلم على أيّ ذلك أحب.
وقال مالك فيمن أسلم في تمر، ولم يذكر برنيًا من صيحاني أو ذكر برنيًا أو صيحانيًا ولم يقل: جيدًا ولا رديئًا: إنه فاسد حتى يصف 1.
ورأى أنه إذا قال: جيدًا أو رديئًا، جاز، ويحملان على الوسط من الجيد أو الرديء، ولو قال: وسطًا كان لهم الوسط من وسط ذلك الصنف.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن أسلم في حنطة: فإن كان بمصر، ولم يذكر أي الجنس، فذلك عندنا 2 على المحمولة، ولا يكون إلا على صفة، وإن كان بالشام، فذلك على السمراء، ولا يصلح إلا على صفة 3.
يريد: أنه إذا أسلم بمصر، وقال: في حنطة جيدة أو رديئة أجزأه، وكان له الوسط من جيد المحمولة أو الوسط من رديئها 4.
وقال في كتاب محمد: إذا أسلم بمصر، ولم يذكر السمراء من البيضاء من المحمولة، فإنه فاسدٌ عند ابن القاسم، وابن وهب 5.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ إن نزل 6.
وقال أصبغ: لا يفسخ إن نزل 1؛ لأن الغالب المحمولة إلا ما أصابته عاهة 2.
وقول ابن القاسم في المدونة أحسن؛ لأنه إن كان أراد بالسمراء ما يجلب من الشام، فإن ذلك قليلٌ، أو ما أصابته عاهة فكذلك؛ لأنه نادر، ويحملان على الغالب، وهو السالمُ من قمح مصر.
وإن أسلم في زيت، فإنه يصف موضعه من الجودة أو الدناءة، ولا يحتاج إلى ذكر الصنف من الزيتون 3؛ لأن أثمان هذه الأصناف التي بالساحل لا تختلف إذا تساوت في الطراوة والدناءة.
والعادة اليوم أن القضاءَ من الذي يجمع في الأندر، وهو الوسط من الزيت، والطري والأخضر ليس مما يقضى في الغالب، وما دخله خمج 4، فهو في جملة ما دخله العيب، فمن أسلم اليوم ولم يذكر صفة، جاز، وله الوسط من الزيت؛ لأنه العادة، ولا يحتاج أيضًا إلى ضرب أجل؛ لأنَّ العادةَ القضاء في إبانه، وهو معظم العصير.
باب في السلم في نسل الحيوان وألبانها ولحومها وأصوافها وجلودها
السلم في نسل الحيوان بأعيانها غير جائز (1)؛ لأنه لا يدرى أذكر هو أو أنثى، جيد أو رديء، حي أو ميت.
ولا يجوز أيضًا أن يسلم فيها على صفة معلومة إن وجدت، وإلا رجع برأس المال؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع (2). ويجوز إذا لم يقدم رأس المال، وكان الوضع قريبًا، فإن خرج على ما وصف أخذ، ودفع الثمن، وإن لم يكن، فلا بيع بينهما.
ويختلف فيه إذا كان الموضع بعيدا لموضع التحجير (3)، فأصل ابن القاسم الجوازُ، وأصلُ غيرِهِ المنعُ (4).
وإن كان السلم في صفة مضمونة في الذمة، جاز.
فصل [في السلم في لبن أو زبد أو سمن أو جبن أو أقط غنم بأعيانها]
السلم في لبن غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان في إبان اللبن 5.1234
فإن كانت ألبان غنم ذلك الموضع لا تختلف في الجودة والدناءة، جاز وإن لم يختبر اللبن، وإن كانت تختلف في الجودة والدناءة، لم يجز إلا بعد اختباره، ومعرفة صفته.
فإن كانت الغنم كثيرة، جاز أن يسلم فيه، وأن يشتريه جزافًا، فيسلم فيه في كيل معلوم لا يتعذر وجوده من تلك الغنم، ويضرب من الأجل ما يرى أن اللبن لا ينقطع قبله، ويجوز أن يشتري جملته من غير كيل إذا اختبرها وعلم قدر حلابها.
وإن كانت قليلةً كالشاةِ والشاتين افترق السلم فيه من شرائه جزافًا، فيجوز السلم في مثل ربع لبنها أو نصفه 1، وما الغالب حصوله بعد نقص لبنها، واختلف في شرائه جملةً من غير كيلٍ:
فكرهه مالكٌ مرة؛ لأنه يختلف، فيقِلّ مرة، ويزيد أخرى، وهو بخلاف الجماعة؛ لأنها يحمل بعضها عن بعض، إن نقصت هذه زادت الأخرى، ولا يتحسس إلى ذلك في الجملة 2.
وأجاز ذلك في كتاب محمد، وقال: ما زال الناس ها هنا يشتري الرجل لبن الشاة شهرًا، فلا بأس به 3.
ورأى أن الغالب استصحاب الحال فيها، وأنها على ما يعرف منها، وهو أحسن.
فإن نقص 4 بعضها عن المعتاد حطّ من الثمق بقدره إلا أن يقع جدبٌ
فيضر بها الحلاب، فيكون لصاحبها الفسخ.
وكذلك الغنم الكثيرة إذا أسلم في لبنها، أو اشتراه جزافًا فأجدبت الأرض وأضر بها الحلاب كان له أن يفسخ ذلك.
والسلم في الزبد والسمن والجبن والأقط جائزٌ على الصفة إذا كان مضمونًا، ولم يكن في أعيان غنم، وإذا كان على ما يكون من غنم بأعيانها، جاز ذلك في الزبد والجبن؛ لأنه تعلم صفته (1).
واختلف في السمن والأقط: فأجازه ابن القاسم، وكرهه أشهب، ورأى أن الصفة فيهما تختلف (2).
وأرى أن يجوز إذا أسلم في بعض ما يكون منها من سمن أو أقط، وما يرى أنه لا بد أن يحصل منها بعد احتلاب ذلك القدر على تلك الصفة.
وإن أسلم في القدر الذي يكون منها من السمن والأقط، لم يجز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرطت، لم يلزمه قبوله، ورد رأس المال، فكان تارة سلفًا، وتارة بيعًا.
فصل [في السلم في اللحم]
السلم في اللحم يجوز بأربعة شروط:
تسمية الجنس، ضأن أو معز، أو غير ذلك.
والسن، جذْع أو ثني أو رباعي، ذكرًا أو أنثًى، فحلًا 3 أو خصيًا.12
وموضعه من السمانة.
ووزنًا معلومًا.
وأجاز في الكتاب أن يسلم تحريًا من غير وزن 1، والوزن أحسن إلا عند عدم الموازين.
قال ابن القاسم: قال مالك: إذا اشترط تحريًا معلومًا، فإن ذلك جائز، ألا ترى أن اللحم يباع بعضه ببعض بالتحري، والخبز أيْضًا يباع بعضه ببعض بالتحري 2.
وقال ابن القصار: اختلفت الروايات عن مالك في جواز بيع اللحم باللحم، والخبز بالخبز على التحري بغير وزن، فأجازه في البوادي والقوافل، وحيث يتعذر الوزن استحسانًا، قال: وروي عنه المنع منه 3.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهو أحسن ألا يجوز ذلك بحال، بخلاف السلم؛ لأن المماثلة لا يقطع بها في تحري بعضه ببعض، والتفاضل اليسير ربا وحرام، والسلم يراد منه رفعُ الغرر، وإذا كان التحري يأتي على المقاربة فيما يتحرى من ذلك أن يقع الغرر فافترقا، والصواب أنه لا يسلم إلا على وزن معلوم؛ لأنه أسلم من الغرر.
وأجاز ابن القاسم في كتاب محمد إذا أسلم في اللحم ألا يسمى الموضع الذي يؤخذ منه، قيل له: فإن قضاه مع ذلك بطونا فأبى عليه، قال: أفيكون لحم بغير بطون؟ 4.