النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كتاب الصلاة الثاني
باب في سجود القرآن، ومواضعه من القرآن والمواضع التي يوقع فيها من الصلوات وغيرها، والوقت الذي يسجد فيه
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ".
أخرجه مسلم في صحيحه (1).
فصل [مواضع سجود القرآن]
اختلف في سجود القرآن، فقال مالك في المدونة: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، أولهن المص، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل 2. وقال في الموطأ: عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس منهن في المفصل شيء.
يريد: هذه المتقدم ذكرها.1
واختلف في الثلاث التي في المفصل، وهي: النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، هل يمنع السجود فيها، أو يباح، أو يؤمر به؛ لأنها من العزائم؟ فقيل: لا يسجد فيها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك السجود فيها، وقال أبو جعفر الأبهري: هو مخير إن شاء فعل وإن شاء ترك.
ولمالك في "المبسوط" مثل ذلك، قيل له: أيسجد في: "والنجم"؟ قال: لا بأس.
فأباح ولم يأمر.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه قال مرة: عزائم القرآن أربع عشرة سجدة، وأثبت الثلاث التي في المفصل وجعلها من العزائم.
وقال ابن شعبان: عن علي بن أبي طالب 1 وابن مسعود 2 وابن عباس 3 - رضي الله عنهم -: العزائم أربعة: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، لأنه أمر بالسجود، والبقية وصف 4.
وقال ابن وهب وابن حبيب: سجود القرآن خمس عشرة 1. وأثبتا ثانية الحج.
وليس بحسن؛ لأن المفهوم والمراد بها الركوع والسجود في الصلاة.
والقول بإثبات السجود في الثلاث التي في المفصل، وأنها من العزائم أحسن، لحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وقد اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 2، وزاد مسلم عنه أنه قال في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1]: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بهَا حَتَّى أَلْقَاهُ" 3. = يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وفي الحج قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
غير أن هذا لا يطرد في سجدة آية الحج الثانية قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذه ليست بسجدة عند جمهور المالكية ولذا قال ابن الحاجب في الجامع بين الأمهات: 1/ 117: (وَرُوِيَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الحَجِّ) وقال الشيخ خليل في مختصره، صـ 38: (لا ثانية الحج)، فعلى هذا تخرج من كلام المؤلف، ويتبين مراده.
انظر: الزاهي، لابن شعبان، لوحة رقم: [25 / أ].
وثبت عنه أنه سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بمكة 1، ولم يأت عنه في حديث صحيح أنه سجد في سوى المفصل إلا في (ص).
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في البخاري: ليست من العزائم 2. وفي النسائي: قال - صلى الله عليه وسلم -: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" 3.
وإذا ثبت السجود في المفصل ولم يثبت نسخه لم يترك السجود فيها، وقد احتج من نفى السجود فيها بقولٍ يذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى شَىْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ تحَوَّلَ إِلَى المَدِينَةِ" 4.
ولحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ" 5. = انْشَقَّتْ}، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، من كتاب الصلاة، برقم (555).
والاعتراض بهذين غير صحيح، فأما ما ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنه - فقد لا يثبت ذلك عنه؛ لأنه لم يشهد جميع إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وإنما كان قدومه سنة ثمان بعد الفتح.
ويعترض بحديث أبي هريرة، وأنه سجد خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما تقدم، فكان الأخذ به أولى، لصحة سنده؛ ولأن من أثبت أولى ممن نفى؛ ولأن النسخ 1 لا يصح إلا بأمر لا يشك فيه، وأن يكون تاريخ الترك متأخرًا، ولأنه لو ثبت أنه متأخر لأمكن أن يكون ذلك في غير صلاة، أو في غير إبان صلاة، ولإمكان أن يكون اجتزأ بسجود الركعة؛ لأن السجود في المفصل في أواخر السور.
وقد قال ابن حبيب في مثل هذا: إن القارئ بالخيار بين أن يسجد أو يركع ويسجد 2، ويحتمل حديث زيد في ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود؛ لأن زيدًا كان القارئ فلم يسجد زيد لأنه كان على غير طهارة أو في غير إبان صلاة؛ لأنه لم يقل: سجدت فلم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - معي؛ ولأن السجود ندب، وقد يترك مرة ليُعلم أنه ليس بحتم، وقد فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - سجد مرة وترك مرة، وقال: إن الله تبارك وتعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء 3.
وقال ابن القاسم: كان مالك لا يوجبها، ويأخذ في ذلك بقول عمر - رضي الله عنه - 4.
واختلف في موضع السجود في حم تنزيل، فقال مالك: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ = كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (577).
تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] 1. وقال ابن عمر وابن وهب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] 2 وهو أبين؛ لأن سجود القرآن يتضمن ثلاثة معان: مدح من سجد، وذم من عنَد، وأمرٌ بالسجود 3.
ففي سورة الرعد والنحل والحج 4 مدحُ من سجد، فنُدبنا عند ذكرهم إلى المبادرة لامتثال ما امتثلوه، وفي سورة الفرقان 5 وغيرها ذم من عند فنُدبنا للسجود عند نفورهم، وأمرنا بالسجود في النجم 6 وغيرها، وقد تضمن أول هذه الآية أمرًا بالسجود وآخرها ذم 7 من عند، ومدح من امتثل وأطاع.
فكان السجود عند ذكر من عند واستكبر أولى؛ لأن زيادة ذلك القدر من التلاوة لا يخرج عن حكم السجود على القول الأول، ويكون قد أتى بسجود مجمع عليه، وذلك أحوط.
فصل [أحوال المصلي القارئ لآية السجدة]
لا يخلو قارئ السجدة من ثلاث: أن يكون في نفل، أو فرض، أو في غير صلاة.
فإن كان في نفل سجد.
وإن كان في فرض في جماعة كره له إذا كان يخشى أن يخلط على من معه، وذلك في موضعين: في الجماعة الكثيرة في صلاة الجهر، وفي الجماعة القليلة في صلاة السر.
فإن فعل وقرأ سورة فيها سجدة استحب له ألا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن قراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا" 1.
واختلف إذا كانت الجماعة قليلة والقراءة جهرًا، أو كان فذًّا، فظاهر قوله في الكتاب المنع 2. وأجاز مالك ذلك في العتبية للإمام 3.
وعلى قوله هذا يجوز للفذ، وأجازه ابن حبيب للإمام والفذ، وهو أحسن،
لحديث أبي هريرة قال في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -" (1)، والمعروف أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفرض بهم.
وقال أيضًا: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي الصُّبْحِ بـ ﴿الم (1) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (2).
وكان عبد العزيز بن مروان يصلي بالناس بمصر يوم الجمعة بـ ﴿الم (1) تَنْزِيلُ﴾، وروي عن أبي بكر بن حزم أنه كان يؤم بها في الصبح يوم الجمعة.
فصل [في أحوال القارئ لآية سجدة في غير الصلاة]
والقارئ إذا كان في غير صلاة على ثلاثة أوجه: فإن كان على طهارة وهو في وقت صلاة سجد، وإن كان على غير طهارة أو على طهارة وبعد الإسفار أو الاصفرار لم يقرأها وتعداها.
واختلف إذا لم يسفر ولم تصفر الشمس فقال مالك في المدونة: يسجد.
وقال في الموطأ: لا يسجد لا بعد الصبح ولا بعد العصر.
واحتج بالحديث في النهي عن الصلاة حينئذ 3.12
وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر (1). وهذا فرق حسن، ولو قيل: يسجد بعد الإسفار (2) لكان له وجه؛ لأنه وقت للفريضة مع الاختيار، والاصفرار وقت ضرورة.
فصل [في من نسي السجود للتلاوة]
ومن نسي أن يسجد للتلاوة وهو في صلاة نفل، فإن تجاوزها بالآية والآيتين سجد ولم يعد لقراءتها، وإن كان على غير ذلك أعاد قراءتها وسجد، وإن لم يذكر حتى ركع 3 ورفع قرأها في الثانية وسجد.
واختلف إذا ذكر وهو راكع أو جالس أو بعد السلام، فقال مالك في العتبية: إذا ذكر وهو راكع يمضي على ركوعه ولا يسجد.
وكذلك لو انحط يسجد فنسي فركع، فإنه يرفع للركوع وتجزئه الركعة 4، وقال أشهب: ينحط للسجود، وإن كانت نيته في حال انحطاطه للركوع.
وقال ابن القاسم: إذا كانت نيته للسجود فإنه يخر ساجدًا؛ لأن ركعته تلك لا تجزئ عنه ولو رفع منها 5. يريد بخلاف من كانت نيته من أول12 = الصلاة في صحيحه، برقم (559)، ومسلم: 1/ 566، في باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (825).
الركوع، فإنه 1 يمضي لتمامها.
والقول إنه إذا كانت نيته للركوع إنه يمضي لها أحسن 2؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولم يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبس بالفرض وهو القيام، أنه لا يرجع منه إلى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تَفْسُدُ الصلاة بتعمد تركه في المشهور من المذهب، فناسي السجدة أولى.
وأما إذا كانت نيته في الانحطاط للسجدة، فإن مالكًا ذهب إلى أن الفرض أن يخر راكعًا فتماديه عليه بنية الامتثال للركوع جازٍ عنه 3.
وذهب ابن القاسم إلى أن الانحطاط للركوع فرض في نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود لأنه لنفل، فلا يجزئ عن فرض 4.
واختلف فيمن سلّم من ركعتين، فذكر وهو قائم هل يُحْرم ولا يجلس 5 أو يجلس ثم يقوم؟ ولم يختلف النص فيمن سبقه الإمام بركعة فظن أن الإمام سلم، وقام للقضاء وسلم الإمام وهو قائم - أنه لا يرجع إلى الجلوس، وقد كانت الحركة إلى القيام في حكم الإمام في موضع لا يحتسب بها 6، فإن ذكر وهو جالس أو بعد السلام لم يكن عليه شيء عند ابن القاسم 7، إلا أن يدخل في نفل آخر.
ولأشهب في مدونته: أنه إن ذكر وهو جالس ولم يسلِّم أنه يسجد،
وإن ذكر بعد السلام سجد.
وهو (1) أبين؛ لأن سجود التلاوة إنما كان في صلاة، وقضاؤه استحسان.
فصل [فيمن سمع آية سجدة]
وعلى من سمع السجدة أن يسجد، وذلك بخمسة شروط:
أن يكون القارئ بالغًا، وعلى وضوء، ويسجد حينئذ، ولا يكون قراءته ليسمع الناس حُسْن قراءته، والسامع ممن قصد الاستماع، فهذه جملة متفق عليها 2. وإن كان القارئ ممن لا يؤتم به كالمرأة أو الرجل الفاسق أو على غير وضوء، أو 3 كان السامع ممن لم يقصد الاستماع، لم يكن عليه سجود.
واختلف إذا كان القارئ صبيًّا، أو على 4 وضوء ولم يسجد القارئ، وكان قصد الاستماع لقراءته، فقال في المدونة: لا يسجد إذا كان صبيًّا 5.
وإن كان رجلًا على طهارة 6 ولم يسجد، سجد المستمع، وكذلك إذا كانت قراءته ليسمع الناس وسجد 7. وأجاز في العتبية إمامة الصبي في النافلة 8، فعلى هذا يسجد بسجوده.1
وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع 1. وهذا أقيس؛ لقوله: إن القارئ إمام.
فإن كان صبيًّا أو امرأةً لم يسجد.
والأول أحسن؛ لأن سجود التلاوة مما ندبا إليه جميعًا ليدخلا في جملة من أمر ومدح بامتثاله، أو ليخرجا من جملة من عند وعصى.
وكذلك إذا كان القارئ صبيًّا أو امرأةً أو على غير وضوء، وهذا ما لم يكونا في صلاة، فلا يسجد المأموم إذا لم يسجد الإمام 2، ولا يخالف لورود النهي ألا يختلف عليه.
وأرى أن يسجد لسجود القارئ الفاسق 3؛ لأن الظاهر أنهم في طاعة، والسرائر إلى الله سبحانه.
واختلف في المعلم، فقيل: يسجد هو ومن يتعلم عليه أول مرة.
وقيل: لا شيء عليه 4. والأول أبين؛ لأنهما في أول مرة على الأصل في الندب إلى السجود.
وإذا كرر المتعلم ذلك العُشْر سقط حينئذ.
وإن أتى آخر فقرأ تلك السجدة - سجدها المتعلم وحده، وإن قرأ غيرها سجدا جميعًا؛ لأن قارئ جميع القرآن إذا تهجد به أو قرأه نهارًا - سجد كلما مرت عليه سجدة.
فصل [في التكبير والتسليم لسجود التلاوة، وفي سجدة الشكر]
ويكبر للسجود وللرفع منه إذا كان في صلاة، ويختلف إذا كان في غير صلاة، والتكبير أحسن، لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ".
ذكره أبوَ داود في مسنده 1.
ولا يسلم منه.
ولم ير مالك السجود عند القراءة ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98]؛ لأنه يختص به - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
واختلف في سجود الشكر فكرهه مالك 2 مرة 3. وذكر القاضي أبو الحسن ابن القصار أنه قال: لا بأس به.
وبه أخذ ابن حبيب، وهو الصواب؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سجدة (ص): "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" 4، وحديث أبي بكرة قال: "أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرٌ
سُرَّ بِهِ فَخَرَّ سَاجِدًا".
ذكره الترمذي 1.
وحديث كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله سبحانه عليه خر ساجدا 2. أخرجه البخاري.
باب في الصلاة إلى سترة
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا كان في سفر أو خرج إلى العيدين ركزت له الحربة أو العَنزة فيصلي إليها 1، وأنه كان يصلي إلى بعيره 2. ولا خلاف في ذلك إذا كان المصلي بحيث يخشى من يمر بين يديه.
والإمام والفذ في ذلك سواء.
واختلف إذا كان لا يخشى ذلك، فأجاز 3 في المدونة أن يصلي إلى غير سترة 4، ومنعه في العتبية 5، وهو أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ
شَيْطَانٌ" 1. وقال في كتاب مسلم: "فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ" 2، يريد: قرينه من الجن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينٌ مِنَ الجِنِّ.
قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَإِيَّايَ إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَعَانَني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ" 3، فكأن الشَيطان الذي معه يحمله على ذلك، وقال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحُولُ بَيْنه وَبَيْنَهَا" 4. فأبان أنه إذا دنا لم يقدره الله -عز وجل- على الجواز، وقد أمر بتخمير الإناء من الشيطان أو يعرض عليه عودا، فإن ذلك يمنعه منه وإن كان مكشوفًا 5.
قال: وإذا مر رجل بين يدي المصلي إلى سترة كان الإثم على المار، وإن كان إلى غير سترة، وليس للمار مندوحة في السير إلا بين يديه، وكان يشق عليه الصبر إلى أن يفرغ - كان الإثم على المصلي، إلا أن يكون الغالب أنه لا يمر
أحد بذلك الموضع - فلا إثم على واحد منهما، وإن كان للمار مندوحة عن المرور بين يديه كان الإثم على المار.
والأصل في تعلق الإثم حديث أبي جهيم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 1.
واختلف في القدر الذي يكون بين يدي المصلي، فقيل: قدر شبر، لحديث سهل بن سعد قال: "كَانَ بينَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبيْنَ الجِدَارِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ" 2. وقدر ذلك شبر، وقد كان شيخنا أبو الطيب رحمة الله عليه ورضوانه.
إذا قام إلى الصلاة دنا من الجدار ذلك القدر، لهذا الحديث، وإذا ركع تأخر، وقيل: قدر ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال - رضي الله عنه -: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فِي الكَعْبَةِ وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبيْنَ الجِدَارِ ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ" 3. وإن ذلك يرجع إلى حديث سهل؛ لأنه إذا كان قيام المصلي من ثلاثة أذرع بقي بعد سجوده إلى الجدار نحو شبر.
وقال الداودي 4: ذلك واسع، وأكثره ثلاثة أذرع، وأقله ممر شاة.
فصل [فيما يجوز اتخاذه سترة]
السترة تجوز بكل طاهر لا يشغل المصلي، إذا كان يثبت حتى تنقضي الصلاة، وكان في الارتفاع شبرًا فأكثر، في غلظ الرمح.
وكره مالك السوط، فإن فعل أجزأه.
وإذا صلى إلى مثل الرمح أو الحربة فليجعله على جانبه الأيمن، للحديث: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى عَمُودٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَلاَ يجْعَلْه نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ" 1، وقال المقداد: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي إِلَى عَمُودٍ أَو عُودٍ أَو شَجَرَةٍ إِلاَّ جَعَلَهُ إلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ، لاَ يَصْمُدُ إِلَيهِ صَمْدًا" 2. = وغيرهم، وكان من أئمة المالكية بالمغرب، بأطرابلس ثم تلمسان، وكان فقيهًا، فاضلًا، عالمًا، متيقظًا، مجُيدًا، مؤلفًا، له حظ في اللسان والجدل.
وله تآليف منها: النامي في شرح الموطأ، أملاه بطرابلس، وشرح صحيح البخاري، والراعي في الفقه، وكتاب الأموال والإيضاح في الرد على البكرية، وكتاب الأصول، وكتاب البيان وغير ذلك.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 7/ 102، والديباج، لابن فرحون: 1/ 165، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 110، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 28/ 56، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 245، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 121، والأعلام للزركلي: 1/ 264.
ويكره أن يصلي إلى الحجر الواحد، ولا بأس بالحجارة يكومها 1 ويصلي إليها، ولا بأس أن يصلي إلى ظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له حتى تنقضي صلاته.
ولا يصلي إلى وجهه ولا إلى جنبه؛ لأن ذلك مما يشغله.
واختُلِفَ في الصلاة إلى الحَلْقة، فأجيزتْ؛ لأن الذي يليه ظهر أحدهم، وكرهتْ؛ لأن وجه الآخر يقابله.
ويُختلف على هذا في الصلاة إلى سترة رمح أو عَنَزَة إذا كان وراء السترة رجل جالس يستقبل المصلِّي بوجهه.
ولا يصلي بلى النائم، وليس بحسن؛ لأنه لا يأمن أن يحدث منه مما تنزه الصلاة عنه، وفي مسند ابن سنجر قال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إِلَى النَّائِمِ وَالمتَحَدِّثِينَ" 2. ولا إلى ظهر امرأة، امرأته كانت أو أجنبية.
ولا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة.
ويجوز أن يصلي إلى البعير؛ لحديث ابن عمر "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، فَإِنْ ذَهَبَت أَخَذَ الرَّحْلَ فَعَدَّلَهُ وَصَلَّى إِلَيْهِ" 3.
قال مالك في العتبية: ولا يصلي إلى الخيل والحمير؛ لأن أبوالها نجسة، = من العمل في الصلاة، برقم (3285).
وأبوال الإبل والبقر والغنم طاهرة (1)، قال ابن القاسم: كأنه لا يرى بأسًا بالسترة إلى البقرة والشاة (2).
فصل [في السترة للمأموم]
ومن صلى مأمومًا فليس عليه أن يصلي إلى سترة، وذلك على إمامه، فإن صلى الإمام إلى غير سترة لم يُؤتم به.
وقال مالك: لا بأس أن يمر الرجل بين يدي الصفوف 3. واختلف في توجيه ذلك، فقال مالك: لأن الإمام سترة لهم 4.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لأن سترة الإمام سترة له ولمن خلفه؛ لأن المار يعلم أنه في صلاة فيمتنع من المرور بين يديه؛ ولأنه لا يقع ذلك بين الإمام والصف 5، وإنما يقع بين المصلي إلى الفضاء 6، وقال البخاري: سترة الإمام سترة من خلفه 7. وهذا مثل ما قاله أبو محمد عبد الوهاب.12
باب في الجمع ليلة المطر
اخْتَلَفَ قول مالك في الجمع بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، فأجاز ذلك مرةً، وأن تقدم العشاء فتصلى قبل مغيب الشفق جماعة 1. فقدم فضل الجماعة على فضيلة الوقت.
ومنع ذلك في "مختصر ما ليس في المختصر" وقال: لا يجمع بالمدينة إلا في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما مساجدها فلا.
وأرى أن الأصل إيقاع الصلوات في مواقيتها، ولا يستعمل خلاف ذلك إلا فيما جاء فيه العمل، وهو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، ولا يقاس عليه سائر المساجد؛ لأنها دونه في الفضل.
ويستخف فعل 2 ذلك في المسجد الحرام، للاختلاف في قدر المساواة بينهما في الفضل.
وإذا منع الجمع فإنه يجوز لمن عاد إلى بيته أن يصلي العشاء في بيته ويترك فضل الجماعة للضرورة في الرجوع، وذلك إذا حدث المطر والناس في بيوتهم قبل أن يأتوا لصلاة المغرب، وأنه يجوز لهم ألا يأتوا، ويتركوا الجماعة، وكذلك شدة الريح وشدة البرد، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنَّه إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ،- وفي حديث آخر: لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَرِيحٍ - يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ يَقُول: أَلاَ صَلُّوا فِي الرَحَالِ" 3.
فصل [في الجمع بين الصلوات]
الجمع يجوز بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، أو طين وظلمة وإن لم يكن مطر.
وفي العتبية قيل لمالك: وربما تجلى المطر وبقي الطين أَيَجْمَعُونَ؟ قال: نعم 1. وظاهر هذا إجازة الجمع إذا كان الطين، وإن لم تكن ظلمة، وقال أيضًا: إذا كان الطين والوحل الكثير أرجو أن له سَعَة أن يصلي في بيته.
وعلى هذا يجوز إذا كان في المسجد أن يجمع إذا كان الوحل.
واختلف في وقت الجمع، وفي الأذان للثانية، وفي التنفل بين الصلاتين.
فأما وقت الجمع فقال في الكتاب: إذا كان مطر، أو طين وظلمة يؤخرون المغرب شيئًا قليلًا ثم يصلونها ثم يصلون العشاء وينصرف الناس وعليهم إسفار قليل 2.
وقال عنه محمد بن عبد الحكم: يجمع أول وقت المغرب.
وقال أشهب في مدونته: إذا كان المطر تؤخر المغرب إلى عند غيبوبة الشفق ثم يجمع 3. وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تؤخر المغرب، ثم تصلى، ثم يؤذن للعشاء ويصلون حتى يغيب الشفق أو معه، ثم يصلي، ولا يتنفل بينهما 4. وأجاز ابن حبيب التنفل بينهما، وقال: الذي رأيت أهل العلم يستحبون: أن يؤذن للمغرب في وقتها ثم تؤخر قليلًا ثم يصلونها، فإذا فرغوا
أذن للعشاء في صحن المسجد أذانًا ليس بالعالي، فيتنفل من أحب 1. وقوله في المدونة: في العشاء يصلونها وعليهم إسفار قليل 2 أحسن؛ لأن تقديمها قبل ذلك لم تدع إليه ضرورة، وتأخيرها عن الإسفار تأخير عن وقت الضرورة، ويؤدي إلى الانصراف في الظلمة، وأما في المغرب فَهُم بالخيار بين أن يصلوها إذا غابت الشمس؛ لأنه الوقت الأفضل ولم تدعُ ضرورة إلى تأخيرها عنه، أو يؤخرونها لتجمع مع العشاء.
ومحمل قول مالك أنها تؤخر عن الوقت الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها فيه، وفي الصحيحين 3 عن رافع بن خديج قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاَةِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَرَى مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" 4 فأما اليوم فالشأن تأخيرها، فمن جمع اليوم في الوقت المعتاد أجزأه من التأخير.
واختلف فيمن صلى المغرب في بيته ثم أتى المسجد وقد صلوا المغرب أيضًا، فقال ابن القاسم: يجمع معهم 5. وقال مالك في المختصر: لا يجمع 6. والأول أحسن؛ لأن الوجه أن تقدم الصلاة لأجل فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت.
ولا يجمع بين الظهر والعصر إذا كان المطر؛ لأن الناس حينئذ ينصرفون إلى أشغالهم في أمر دنياهم بخلاف الليل، فكان سعيهم لصلاتهم أولى.
وهذا فيمن أراد أن يقدم العصر إلى الظهر، فأما إذا كان الجمع أن تصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها فلا بأس؛ لأن ذلك يجوز من غير مطر.
وهو قول عبد الملك في كتاب محمد.
وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ" 1. وقال في كتاب مسلم: "وَلاَ مَطَرٍ" 2. أنه أخر الأولى إلى آخر وقتها وعجل الآخرة.
باب في جمع المريض
اختلف في الوقت الذي يجمع فيه المريض، فقال مالك في المدونة: إن خاف أن يغلب على عقله - جمع عند الزوال وعند الغروب.
وإن كان لطرح المشقة فيما يتكلفه من الحركة جمع في النهار وسط وقت الظهر، وفي الليل عند مغيب الشفق.
وفي كتاب ابن حبيب: إذا لم يخف على عقله، وكان الجمع أرفق به لشدة النهوض والوضوء لكل صلاة - فليجمع في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وبمقدار إذا سلم من المغرب غاب الشفق.
ووافق ذلك إذا خاف أن يغلب على عقله أن يجمع إذا زالت الشمس وإذا غربت.
وجعل مالك في مختصر ابن عبد الحكم ذلك قسمًا واحدًا إذا خاف أن يغلب على عقله أو يشق عليه الوضوء.
قال: فلا بأس أن يجمع: يؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء 1.
وفي مختصر ما ليس في المختصر: يجمع أول وقت الظهر وأول وقت المغرب قسما واحدًا أيضا، وقال عيسى إذا جمع أول الوقت؛ لأنه خاف أن يُغلب على عقله فلم يذهب عقله أعاد الأخيرة.
وأرى لمن خاف على عقله الخيار بين أن يجمع إذا زالت الشمس؛ لأن له إيقاع الظهر أول الوقت، وله أن يُعجِّل العصر، وله أن يؤخرها فإن سَلِم صلاها، وإلا فلا شيء عليه.
ولا يجب تعجيل العصر وإن علم أنه يُغلب على
عقله، وله أن يؤخر الظهر إلى آخر القامة؛ لأن تعجيل الصلاة أول الوقت ليس بواجب، ويعجل العصر حينئذ إن شاء وإن شاء أخرها ما لم تصفر الشمس.
ولو أخرها بعد الاصفرار وهو يعلم أنه وقت نوبة إغمائه حتى تغيب الشمس لم يكن عليه قضاء.
باب في جمع المسافر
جمع المسافر يصح في الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح.
والجمع يجوز على ثلاثة أوجه، ويمنع في أربعة:
أحدها: أن يقدم العصر فيصليها إذا زالت الشمس مع الظهر، ويقدم العشاء فيصليها إذا غربت الشمس مع المغرب.
والثاني: أن يؤخر الظهر فيجمع بينهما آخر وقت العصر، ويؤخر المغرب فيجمع بينهما آخر وقت العشاء.
والثالث: أن يصلي كل واحدة في وقتها، فيصلي الظهر والمغرب في آخر وقتهما، والعصر والعشاء في أول وقتهما.
وإن زالت الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه إذا رحل كان نزوله بعد الغروب أو غربت وهو في المنهل ونزوله إذا رحل بعد طلوع الفجر - جمع في أول وقت الأولى.
وإن كان نزوله قبل الاصفرار وقبل ذهاب ثلث الليل - لم يجمع وصلى الأولى ورحل وأخر الآخرة
حتى ينزل.
وإن زالت الشمس أو غربت وهو على ظهر وكان نزوله قبل الاصفرار أو 1 قبل ذهاب ثلث الليل - أخّر الأولى وجمع في آخر وقت الآخرة 2 إذا نزل.
وإن كان نزوله بعد الغروب أو بعد طلوع الفجر - جمع وصلى الأولى في آخر وقتها، والآخرة في أول وقتها؛ لأنه إنما يتكلف نزولًا واحدًا، وهو قادر على أن يوقع الصلاتين في الوقت المختار، ولا حاجة به إلى
أن يجعل نزوله أول الوقت ولا آخر الوقت.
وإن زالت الشمس وهو في المنهل، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - جاز ألا يجمع، ويصلي الظهر وحدها، ويؤخر العصر حتى ينزل، وصلاتها حينئذ أخف من تقديمها عند الزوال؛ لأن ذلك يخصها، ولا يتعلق على المصلي حينئذ إثم (1)؛ لأن ذلك للضرورة.
ومثله إذا زالت الشمس وهو على ظهر، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - فإنه يجوز له أن يؤخر ليجمع إذا نزل.
وإلى هذا ذهب ابن مسلمة قال: أحسن ما يجمع فيه أن من خرج وأجمع السير يومه كله إلى الغروب - جمع إن شاء، وكذلك جمع أهل عرفة حين راحوا، قال: ولا نرى إلا أن وقتها للضرورة من الزوال إلى الغروب.
فجعل له أن يؤخر ما بينه وبين الغروب.
فصل [فيما يبيح الجمع]
واختلف في الوجه الذي يبيح الجمع، فقال مالك: لا يجمع إلا أن يَجِد به السير، ويخاف فوات أمر 2. وسوى في ذلك بين الجمع عند الزوال، أو الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت، وقال ابن حبيب: يجوز ذلك إذا أراد قطع السفر 3، وقال أشهب في كتابه: يجوز ذلك اختيارًا.
وللحاضر من غير سفر أن يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها.1
قال: وذلك أن يصلي 1 الظهر وقد صار ظل كل شئ مثله.
ويبتدئ صلاتها إذا كان الفئ قامة.
وإذا صلاها أقام وصلى العصر أو يصلي 2 المغرب وقد غاب الشفق 3، وإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العشاء.
وقال مالك عند ابن شعبان: يكره الجمع في السفر للرجال، ويرخص فيه للنساء.
وقال أيضًا: إذا ارتحل المسافرون عند الزوال فلا يجمعون.
يريد: إن كان نزولهم قبل الغروب فلا يجمعون 4.
وقول أشهب إنه يجوز الجمع إذا كان يصلي هذه في آخر وقتها والعصر في أول وقتها اختيارًا للمسافر والمقيم - حسن.
ولا خلاف أن تأخير الظهر إلى آخر وقتها اختيارًا جائز، ولا يجوز تقدمة العصر أول وقت الظهر، ولا تأخير الظهر فيصلى قبل الاصفرار إلا لضرورة.
وإذا كان ذلك فلا يجوز 5 إلا للضرورة، مثل أن يخاف على نفسه إذا نزل أو يتكلف مشقة في لحوقه بأصحابه.
وإن كان وحده أو معه النفر اليسير ينزلون لنزوله - فلا يباح ذلك له.
ويختلف إذا كان يخف عليه اللحوق بهم إلا أنه يصلي فذًّا، وإن صلى قبل أن يرحل صلى جماعة؛ قياسًا على الجمع ليلًا لأجل المطر، فقدم مالك مرة فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت، ومنعه مرة.
وكذلك تأخير الظهر ليصليها مع العصر في الاصفرار- لا يجوز إلا للضرورة أن يخاف أن يتأخر عن أصحابه، أو يكون وحده ويخاف ذهاب دابته.
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك
ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلً فَجَمَعَ، وَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ".
أخرجه البخاري ومسلم 1. وزاد مسلم عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ فَيَجْمَعُ، وُيؤَخِّرُ الَمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبيْنَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ" 2.
والثاني: حديث معاذ قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوةِ تَبُوك إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ المَغْرِبِ" 3.
والثالث: صلاته - صلى الله عليه وسلم - بعرفة والمزدلفة: قدمَ العصر حين زالت الشمس؛
لأنهم يركبون في الوقوف ولا يدفعون حتى تغرب الشمس، وأخر المغرب؛ لأن الوقت يدخل عليهم وهم ركبان فلا ينزلون إلا بالمزدلفة.
ومحمل الحديث أنه كان إذا زالت الشمس قبل أن يرحلوا - صلى الظهر خاصة على ما يكون نزوله منه قبل الاصفرار، ومحمل الحديث في الجمع على ما كان يعلم أن نزوله يكون بعد غروب الشمس، وكذلك في الليل يُحمل ما روي عنه أنه كان يجمع إذا غربت الشمس، وهو في المنهل على ما يعلم أنه ينزل بعد طلوع الفجر، ولو كان نزوله قبل ذهاب نصف الليل- صلى المغرب وحدها.
ويصح أن يحمل الحديث في صلاة الظهر وحدها فيما يكون نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب، وقد جمع الصلاتين بعرفة حين زالت الشمس؛ لأنهم يتلبسون بأمر لا ينقضي إلا لغروب الشمس، وأخر المغرب بالمزدلفة؛ لأن الشمس تغرب وهم ركبان ويصلون قبل ذهاب نصف الليل.
باب في قصر المسافر الصلاة
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - كانوا يقصرون 1 الصلاة في السفر مع الأمن، وأتم عثمان صلاته في بعض 2 خلافته بمنى خاصة.
واختلف في القصر في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] الآية، هل هو قصر عدد أو قصر هيئة؟ فذهب عمر ويعلى بن أمية وغيرهما 3 إلى أن ذلك قصر عدد، وأخرج مسلم عن يعلى بن أمية "أنه قال لعمر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتهُ" 4. وذكر الطبري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: نزلت ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم بعد حولٍ نزلت ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، وحكي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين، فقالت: إنه كان خوف، فهل تخافون أنتم؟ 5.
قال: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتم
في السفر (1) فقال: عائشة وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - (2). وذكر الطحاوي في شرح معاني الأخبار (3): عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "قَصَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّ" (4). وعن المسور وعبد الرحمن بن عبد يغوث وحذيفة أنهم كانوا يتمون (5).
فصل [فيما يقصر من الصلوات وحكم القصر]
تُقصر من الصلوات ثلاثٌ: الظهر، والعصر، والعشاء.
واختلف في حكم القصر، فقال مالك في المبسوط: القصر سنة 6.
وذكر أبو جعفر الأبهري عن الشيخ أبي بكر الأبهري أنه مخير بين القصر والإتمام.
وقال إسماعيل القاضي وابن سحنون: إنه فرض؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتينِ رَكْعَتيْنِ فَزِيدَ فِي صَلاةِ الحضَرِ، وَأُقِرَّتْ صلاَةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى" 7.12345
والتخيير أبين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" 1. وهذا يقتضي كونه توسعة ورخصة وتخفيفًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: وليس هذا لفظ الإيجاب، وهو كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
أن التأخير ليس بواجب، وله أن يقدمه.
وإذا ثبت التخيير - صح أن يقال: إن القصر سنة، بمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل من الأمرين القصر.
ويُحمل حديث عائشة - رضي الله عنها -: "أُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ" 2 أي: جعل له أن يأتي بها ركعتين، ولم يوجب أكثر، وبين ذلك أنها كانت أتمت في السفر.
ولا يُعترض هذا بأنها أمُّ المؤمنين؛ لأنه لا يختلف أن المرأة لو سافرت إلى أولادها وهم خمسة وبينها وبين كل واحد منهم عشرة أميال، وهي تريد أقصاهم - ما وجب عليها الإتمام، وإِن وطنَ أولادِها ليس بوطن لها، وأن الأم وغيرها في ذلك سواء.
فعلى القول إنه مخير إن أتم لم يُعِدْ، وعلى القول إنه سنة - يعيد ما دام في الوقت.
وعلى هذا قول مالك وأصحابه لا إعادة إذا ذهب الوقت 3.
واختلف في صلاة المسافر خلف المقيم بعد القول إنه سنة، أيُّ ذلك أفضل: القصر أو الجماعة إتمامًا؟ لأن الجماعة أيضًا سنةٌ، ويضاعف فيها الأجر بسبعة وعشرين 4 جزءًا، وكان ابن عمر يقدم فضل الجماعة، وإذا قدم مكة
صلى مأمومًا.
وهو الظاهر من قول مالك.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بصلاة السفري 1 خلف المقيم لِفَضْلِهِ وَسِنهِ 2 وَفَهْمِهِ.
وقال في ثمانية أبي زيد: لا يُصلي خلف المقيم وإن كان في مسجد، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا أن يكون بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومكة والبصرة والكوفة والأمصار الكبار.
وقال مطرف: إنما كان مالك يكره للمسافر أن يدخل في صلاة المقيم، فإن فعل فلا إعادة عليه، فقدم مرة فضل الجماعة، ومنع ذلك في القول الآخر إلا أن تعظم الجماعة، وهذا مثل ما ذكر ابن حبيب أن فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم أجرًا.
ويلزم على قوله: إن الفرض ركعتان - أن يقول: يعيد وإن ذهب الوقت.
وإن صلى خلف حضري نوى ركعتين، فإذا صلى الإمام ركعتين سلم هو أو يجلس ولا يتبعه حتى يسلم بسلامه.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون في رجلين ذكرا صلاة واحدة من يوم واحد، إلا أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية فأمّ الحضريُّ، قال: إذا صلى ركعتين ثبت السفري حتى يتم الحضري فيسلم بسلامه.
وقال أيضًا: يتم معه أربعًا، وقال سحنون بالقولين جميعًا.
وفي التفريع في مسافر يأتم بحضري أنه يتم معه أربعًا، ثم يعيد في الوقت وبعده 3. وهذا جواب من ترجح عنده الخلاف، فأمره أن يتم مراعاة للقول إنه ليس بفرض، ويعيد وإن ذهب الوقت على القول الآخر.
فصل [في محل النية في صلاة السفر]
الخيار يصح قبل الدخول في الصلاة، فيلتزم قبل أن يتلبس به لأحد الأمرين.
ويصح أن يدخل على أنه بالخيار بين أن يتمادى إلى أربع أو يقتصر على ركعتين.
واختلف إذا دخل ينوي ركعتين فأتم أربعًا، أو نوى أربعًا فسلم من ركعتين، فقيل: الصلاة جائزة ويعيد ما لم يذهب الوقت.
وهذا استحسان.
وقيل: يعيد وإن ذهب الوقت.
وقال في المدونة فيمن أحرم ينوي أربعًا ثم سلم من ركعتين: لا تجزئه؛ لأن صلاته على أول نيته 1. قال محمد: وهو الذي ثبت عليه ابن القاسم.
يريد: أنه اختلف قوله، وثبت على أنها لا تجزئه.
وقال مالك في مسافر صلى بمسافرين فقام بعد ركعتين فسبحوا به فلم يرجع، قال: أرى أن يقعدوا ويتشهدوا ولا يتبعوه 2.
قال محمد: ولمالك قول آخر: إنهم يصلون معه ويعيدون.
قال: والقول الذي رجع إليه أنهم يسلمون وينصرفون، وهو قول مالك في المختصر 3، فجعل لهم في أحد الأقوال أن يتبعوه في الأربع، وإن كانت نيته ونيتهم ركعتين، ولولا ذلك لم يسبحوا به.
وقيل لمحمد: إذا أتم المسافر بمن خلفه ساهيًا، ولعله إنما أراد ركعتين،
قال: ذلك سواء 1. وإليه رجع ابن القاسم أن العمد والسهو في ذلك واحد 2؛ لأن الزيادة في صلاة السفر قد اختلف الناس فيها، فقيل: لا تجزئه إلا أربع.
قال: ولذلك قال مالك إذا أتمها وخرج الوقت لا إعادة عليه 3.
واختُلف في مثل ذلك في الصوم إذا تلبس بصوم يوم من رمضان في السفر، فقال مالك: لا يفطره 4.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: هو بالخيار وله أن يفطر 5، واحتج بفطر النبي - صلى الله عليه وسلم - بِالكَدِيدِ 6. والصواب في الصوم المنع؛ لأنه تلبس بطاعة فلا يبطلها، وقد كان إفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعذر: أصاب الناس عطش وأبوا أن يفطروا حتى رأوه أفطر، وليس كذلك الصلاة؛ لأنه يعمل إحدى الطاعتين التي يصح الاقتصار عليها، وهي ركعتان أو أربع، فإن نوى أربعًا كانت نيته قد اشتملت على فرض وهما الركعتان الأوليَانِ، وما هو في معنى التطوع، وهما الركعتان الأخريان، فإن سلم من ركعتين أجزأه ولم يلزمه الوفاء بما نواه من الزائد؛ لأنه لم يتلبس به، وإن دخل في الثالثة لزمه تمام الأربع؛ لأنه حينئذ نية وفعل، فإن سلم قبل تمام الأربع أفسد صلاته.
ولا يخلو المسافر في صلاته أربعًا من أن تكون تلك نيته حين دخوله في الصلاة، وهو من أهل الاجتهاد وذلك رأيه، أو يكون 1 يجهل ويظن أن صلاة السفر والحضر سواء، أو عالمًا بالقصر ونسي حين الدخول في الصلاة، وجرى على العادة في الحضر فنوى أربعًا، أو ناسيًا أنه في سفر، أو نوى ركعتين ثم أتم أربعًا ساهيًا يظن أنه في الركعتين ثم علم بالزيادة، أو ساهيًا أنه في سفر، أو عامدًا يرى جواز ذلك وأن له أن ينتقل إلى الأربع: فإن كانت تلك نيته من الأول 2 لأربع؛ لأنه من أهل الاجتهاد أو مقلد وقلد 3 من ذلك رأيه - مضت صلاته ولا يؤمر بإعادة، وليس لنا أن ننقل المجتهد عن اجتهاده إلى اجتهاد ثان، ولا المقلد إلى تقليد غير من قلده.
فإن فعل ذلك جهلًا يرى أن صلاة المسافر والحاضر سواء - مضت صلاته على قول من قال إنه بالخيار، وأعاد على القول إنه سنة في الوقت، وعلى القول إنه فرض وإن ذهب الوقت.
وإن كان بالبلد فقهاء ثلاثة كل واحد منهم متمسك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى - جاز لهذا العامي أن يقلد أيهم أحب.
وإن كان عالمًا واحدًا وترجحت عنده الأقوال جرت على قولين:
أحدهما: أن للمفتي أن يحيله 4 على أيهما أحب.
والثاني: أنه في ذلك كالناقل، وإنما يخبره بالقائلين، وهو يقلد أيهم أحب؛ بمنزلة لو كان القائلون أحياء.
وقد مضى في كتاب الوضوء إذا أحرم للجمعة
ثم رَعَفَ وفاتته الجمعة: هل يبني على إحرامه أربعًا وإن كان الإحرام لركعتين؟ وفي كتاب الصلاة الأول: إذا أحرم وهو يظنه يوم الجمعة فكان يوم الخميس، أو يوم الخميس فكان يوم الجمعة.
فصل [في أنواع السفر]
السفر خمسة، واجب: وهو السفر لحجّة الفريضة أو للعمرة على القول أنها فرض، وللجهاد إذا تعين النفير.
ومندوب إليه: وهو ما يتعلق به طاعة وقربة لله سبحانه ليست بواجبة أو لبر الوالدين أو لصلة رحم أو لتنفيس كربة عن مسلم.
ومباح: وهو السفر للتجارة إلا أن يكون ليعود به على من به خصاصة فيكون مندوبًا إليه.
والقصر يصح في هذه الأسفار الثلاثة.
ومكروه: وهو السفر للصيد واللهو.
وممنوع: وهو السفر في معصية، كالخارج للتلصص أو لقطع طريق أو لقتل رجل ظلمًا.
واختلف في القصر في هذين: هل يجوز أو يمنع؟ وأرى أن يجوز في الصيد، ويمنع في سفر المعصية، وكذلك الإفطار؛ قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. فمن خرج في معصية لا يراد به اليسر إنما حكمه المنع من ذلك السفر جملة.