التبصرة للخميصفحات 502-541

كتاب الصلاة الثاني

صفحات 502-541

القرآن والجلسة (1). وقال ابن وهب وأشهب في مدونته: يكون قَاضيًا فيقرأ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ، وسجوده بعد السلام (2). وإن نَسِيَ سجدتين مجتمعتين كان الجوابُ فيها مثلَ ما تقدم في السَّجدَة الواحدة، وإن كانتا مفترقتين، إحداهُما من الرابعة والأخْرَى من الثالثة- خَر إلى سجدةٍ يُتِمُّ بها الرابعة ثُم أَتَى بركعةٍ بأمِّ القرآن، وسجوده بعد.
وإن كانت واحدة من الثالثة والأخْرى من الأُولَى أو الثانية كان بانيًا على قول ابن القاسم، فإن ذكر بإثرِ سجودِ الرابعة جَلَسَ وتَشَهدَ؛ لأنها ثانية، ثُم يَأتِي بركعتين بأمِّ القُرْآن، وسجوده قَبْلُ؛ لأنه زاد الملغيتين ونقص السورة التي مع أمِّ القرآن من الثانية.
وعلى القول الآخر يكون قاضيًا فيأتي بالأُولَى بالحمد وسورةٍ، والثانية بالحمد، وسجوده بَعْدُ.

فصل من شك في سجدة من الرابعة

فإن شَك في سجدةٍ من الرابعة- سَجَدَها وتَشَهدَ وسَلمَ وسجد بعد السلام، وإن شَك: هل هي من الثالثة أو الرابعة؟ كان فيها قولان: فقول ابن القاسم يسجد الآن؛ لإمكان أَن تكون من الرابعة، ثم يأتي بركعة؛ لإمكان أن تكون من الثالثة.
وقال أشهب: يأتي بركعة ولا يسجد الآن؛ لأنه إنما عليه سجدةٌ أو ركعةٌ،12

والركعةُ تنوب عن السجدة (1). وإن شَك في سجدتين: هل هما مجتمعتان أو مفترقتان؟ أو هل هما من الثالثة أو الرابعة؟ فإنّه يأتي الآن بسجدتين؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الرابعة، ثم بركعةٍ؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الثالثة أو مفترقتين إحداهما من الثالثة والأخرى من الرابعة.
وإنْ شَك: هل هما مفترقتان أو مجتمعتان من الركعتين الأوليين؟ أتى بركعتين؛ لإمكان أن تكونا مفترقتين، ثم يختلف هل يكون فيهما قاضيًا أو بانيًا؟

فصل من صلى خامسة ثم ذكر سجدة من الرابعة

وإن صلى خامسةً ثم ذكر سجدةً من الرابعة كان فيها قولان: فقيل: يأتي بسجدة يتم بها الرابعة؛ لأن الخامسةَ زائدةٌ فهي ملغيّة لا تحول بينه وبين إصلاح الرابعة.
وقيل: بطلت الرابعةُ بالخامسة.
واختُلِفَ بعد القول ببطلانها، فقيل: يأتي بها.
وقيل: لا يأتي بها؛ لأن الخامسة تعود رابعةً، وقد أتى بها بنية الرابعة.
وإن شَك أنْ تكون السجدةُ من الخامسة أو الرابعة- فعلى القول الأول يأتي بسجدة؛ لإمكان أن تكون من الرابعة ويسلم وسجوده بعد 2. وعلى القول الثاني يأتي بركعةٍ؛ لإمكان أن تكونَ من الرابعة وقد بَطَلَتْ،1

والخامسة لا تنوب عنها.
وعلى القول الآخر يُسَلِّمُ ويَسْجُدُ لسهوه، ولا شيءَ عليه غير ذَلِك؛ لأنه يقول: إذا كانت السجدةُ من الخامسة فقد سَلِمَتْ الرابعةُ، وإن كانتْ من الرابعة فقد بَطَلَتْ وسَلِمَت الخامسةُ، وهي تنوب عنها.
وإن قال: لا أدري أسقطتُ سجدةً أو سجدتين مجتمعتين أو مفترقتين؟ فعلى القول الأول يكون بمنزلة من لم يصلِّ الخامسةَ؛ فيأتي بسجدتين ينوي بههما تَمَامَ الرابعة؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين منها، والخامسةُ ملغية لا تحول بين إصلاحها.
وعلى القول الثاني يأتي بسجدة ينوي بها الخامسة؛ لإمكان أن تكونا مفترقتين؛ فتكون الرابعةُ قد بَطَلَتْ بالخامسة، والخامسةُ تَنُوبُ عنها وهي ناقصة سجدة.
ولا يأتي بسجدتين بحال؛ لأنه إن كانتا مجتمعتين من الخامسة فقد سَلِمَتْ الرابِعَة، وإن كانتا من الرابعة فَقَدْ سَلِمَتْ الخامسةُ وهي تَنُوبُ عنها.
وعلى القول الآخر يأتي بركعة؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الرابعة أو إحداهما وقد بَطَلَتْ، والخامسة تمنع إصْلاحها، فكان عليه أن يأتي بركعة.
وقال ابن القاسم في إِمَامٍ سها في الظهر فَصَلى خمسًا؛ فتبعه قومٌ سَهْوًا وقوم عَمْدًا، وقولم قعدوا ولم يتبعوه: فإنه يعيد من اتبعه عامدًا، وتَمّت صلاةُ من سواه من إمامٍ أو مأمومٍ 1. قال محمد: فإن قال بعد السلام: كنتُ ساهيًا عن سجدةٍ- بَطَلَتْ صلاةُ من جَلَسَ، وتمتْ صلاةُ من اتبعه سَهْوًا أو عَمْدًا 2. يريد: إذا أسقطوها هم

أيضا.
والصواب أن تَتِم صلاةُ من جلس ولم يتبعه؛ لأنه جلس متأولا، وهو يرى أنه لا يجوز له اتباعُه، وهذا أعذر من الناعس والغافل.
وتَبْطُلُ صلاةُ من اتبعه عَمْدًا إذا كان عالما أنه لا يجوز له اتباعُهُ، وإن كان جاهلا يظنُّ أن عليه اتباعَهَ- صَحتْ صلاتُهُ.
وقد قال مالك فيمن أَدْرَكَ الإمامَ في الثانية فَسَها الإمامُ وصَلى خامسة فَصَلاها معه وهو لا يعلم: صَحتْ صلاتُهُ، وكملت له رابعة، ولو عَلِمَ بَطَلَتْ صلاتُهُ.
فأبطل الصلاة مع العمد وإن تبين أنها رابعة.
واخْتُلِفَ إذا ذكرَ الإمام في تشهد الرابعة أنه لم يسجد في الأُولى وكان سجدها من خلفه: قال محمد: تمَتْ صلاةُ القوم، ويقضي الإمامُ تلك الركعة كما فاتَتْه بعينها، ولا يتبعه فيها أحدٌ دَخَلَ معه تلك الساعة، فصار الإمام بمنزلة المستخلف بعد ركعة 1. وقول سحنون لا تُجزئهم تلك الركعةُ التي سجدوا فيها دوُنَهُ 2 ولا يحتسب جميعُهُم إلا بثلاثِ ركعات، ويأتي الإمامُ بركعة ويتبعونه فيها.
واختُلف إذا ذَكَرَ الإمامُ وهو قائم في الثانية: فقيل: يُستحب لمن خَلْفَهُ أن يعيد سجودَها معه، وهو بمنزلة من رفع من الركعة أو السجدة قبل إمامه، فإن لم يرجع مع الإمام أجزأته ركعته.
وقال سحنون: يجب عليهم أن يسجدوها معه 3. وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسجدوها معه، وسجدتُهم الأولى تُجْزئهم،

فإذا أتمُّوا قام الإمامُ ومن سها بسهوه فَصَلَّوا ركعةً بسجدتيها يؤمُّهم فيها الإمامُ (1). قال: وأحب إلي أن يعيدَ (2) الذين سجدوا دون الإمام، وهو أحبُّ إلي من أن يأمرهم أن يسجدوا ثانيةً فيزيدوا في صلاتِهم متعمدين أو يقوموا معه، ولا يسجدوا فيكونوا قد صَلوا خمسًا (3).

فصل من نسي السجود في الأولى فذكر وهو قائم في الثانية

ومن نَسِيَ السجودَ من الأولى 4 فَذَكَرَ وهو قائم في الثانية عاد إلى سجودها، وإن ذَكَرَ بعد أن رفع من الثانية بَطَلَتْ الأُوْلَى وعادتْ الثانيةُ أُوْلَى.
واختُلِفَ إذا ذَكَرَ وهو راكعٌ، فقيل: ذلك عقدٌ للركعة؛ فيمضي فيها، وقد بَطَلَت الأُولى 5. وقيل: ليس بعقدٍ لها، ويعود إلى إصلاح الأُولى 6. وجعله محمد بالخيار بين أن يمضي على التي هو فيها، أو يمضي على إصلاح الأولى؛ لما كان لا تصح له سوى رَكْعَةٍ 7، وإِنما يفترق الأمرُ في النية، وإما أن يرفع ويَنْوِي تَمَامَ ما هو فيه أو 8 إصلاح الأولى، وفي 9 كلا الأمرين123

إنما يأتي بسجوده.

فصل في هيئة العود للإصلاح

1 واختُلِفَ بعد القول أنه يعود إلى إصلاح الأُولى: هل يرفع لينحطّ إلى السجود من القيام حسبما كان يفعل لو لم يسهُ؟ وإن نَسِيَ وسجد واحدةً- لم يعد إلى القيام؛ لأنه كان انحط إلى السجود من قيام.
واختُلِفَ: هل ينحط للسجود أو يجلس ثم يسجد إذا لم يكن جلس؟ والقولُ إن وضع اليدين على الركبتين عقد الركعة أحسنُ؛ لأن المقصودَ من تلك القُرْبَةِ أن يمْتثل الخضوعَ لله سبحانه على تلك الصفة، والمراد بالرفع أن ينحط إلى السجود من قيام؛ لأنه أبلغ للتواضع لتلك القربة الأخرى.
وأما إذا نَسِيَ سجدةً فالصوابُ أن يجلسَ ثم يسجد، وهو في هذا بخلاف من قام من الجلسة الأولى قبل التَشَهُّدِ، فإن ذلك لا يرجع إلى الجلوس؛ لأنه تلبس بالفرْضِ الذي بعد تلك السُّنة، فلا يسقطُهُ لسُنةٍ، وهذا تَلَبُّس بفرضٍ حكمه أن يسقط لأجل فرض وهي السجدة، فإذا سقط لأجل فرض 2 ولم يعتد به كان بمنزلة من لم يتلبس به، ووجب أن يأتي بالجلوس ثم يسجد.
وإن نَسِيَ السجودَ من الأُولى والرُّكوع من الثانية وأتى بسُجُودِهَا- كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: لا يجزئه هذا السجودُ عن سجود الأولى 3؛ لأن

نيتَهُ كانت فيه للثانية 1. وقال محمد بن مسلمة فيمن سها عن سجودِ الرابعة وأَتَى بسجدتين عن سَهْوٍ دَخَلَ عليه في صلاتِهِ قَبْلَ السلام، ثم ذَكَرَ أَنه لم يَسْجُدْ في الرابعة: إن سجدتي السهو تجزئانه عن سجدتَي الرابعة.
وعلى هذا تجزئه سجدتا الثانية عن الأولى، بل هو في هذه أَحْرَى؛ لأنه فرضٌ كلُّهُ، وهذا نفل عن فرض.
وإن قرأ وسجد ونسي الركوعَ فقال مالك في سماع أشهب: يرجع قائما ثم يركع 2. قال: ولو أنّه قَرَأَ قبل أن يركع كان أحب إلي، ويجري فيها قولٌ آخرُ: أنه يرجع مُحْدَوْدِبًا؛ فيطمئنُّ راكعًا ثم يرفع فتجزئه، وهذا على القول أن الانحطاطَ من الركوع ليس بفرضٍ 3. وإِنْ رَكَعَ وسَها عن الرفع من الركوع وانحط للسجود فقال مالك في العتبية: تجزئه 4. فجعل الرفعَ سنةً.
وقال أَيْضًا: يَتَمَادَى وَيُعِيدُ 5. وهذا جوابُ من ترجح 6 عنده الأمرُ 7: هل هو فرضٌ أو سنة؟ فلم يأمرْهُ (5) الرجوع إلى الرفع؛ لإمكان أن يكون سنة،

وأَمَرَ بالإعادة؛ لإمكان أن يكون فَرْضًا.
وقال محمد: يرجع إلى الركوع مُحْدَوْدِبًا ثم يرفع ويسجد بعد السلام، وإن رَجَعَ إلى القيام أعاد صلاتَهُ.
فَجَعَلَ الرفْعَ فَرْضًا.
وقال ابن حبيب: يرجع إلى القيام مُعْتَدِلًا كالرافع من الركوع.
وهذا أحسنُ؛ لأن القصد من الرفع أَن ينحط منه للسجود.
قال: وإن لم يذكر حتى رَكَعَ التي تليها مَضَى في صلاتِهِ حَتى يُتِمها على تلك الركْعَةِ وَيُعِيدُ.
قال: ولم يأمرْهُ أَن يُلْغِيَ تلك الركعة للاختلاف.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: وقياس القول أنه يرجع إلى القيام إذا كان في تلك الركعة- أن يقول: يلغيها إذا حال بينه وبين إصلاحها ركعةٌ أخرى.
ويختلف إذا تَرَكَ الرفعَ متعمِّدًا، هل تَبطل صَلاته، فَقال ابنُ حبيب: يَمْضِي ويعيد للاختلاف.
وقياس قول محمد تفسد عليه، والصحيح أن الرفع فرض لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "...ارْجعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكلعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا..." الحديث 1. وإن نَسِيَ الجلسة الأُولى 2 حتى استوى قائمًا لَمْ يرجع، لحديثِ ابن بحينة قام من اثنتين فسبحوا به فلم يرجع، فلما فَرَغَ من صلاتِهِ سجد ثم سلم، وقال: "هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -".
وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي 3، وليس

في حديث الموطأ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبح به وهو قائم.
واختلف إذا لم يستوِ قائمًا، فقال مالك في المدونة: إن استقل عن الأرض تمَادى (1). وقال في الواضحة: يرجع ما لم يستوِ قائمًا (2). وهو أحسنُ، فيرجع ما لم يتلبس بالفرض الذي بعد الجلوس وهو القيام.
وإن رجع بعد أن استوى قائما سَهْوًا- لم تفسد صلاتُهُ.
وسجد عند ابن القاسم بعد السلام.
وقال أَشْهَبُ: قَبْلُ (3). وهو أَبْيَنُ؛ لأنه اجتمع عليه سهوان، زيادة ونقصان.
وقال سحنون: إذا رَجَعَ فليتمّ جلوسه ولا يقوم، ويكون سجودُهُ على هذا بعد السلام (4). والأولُ أصوب؛ لأن حكمَ الجلوسِ سقط بالقيام، وكذلك إذا رجع عامدًا وظَن أن ذلك الواجب عليه، فإن صلاتَهُ تَصِحُّ.

فصل في السهو عن الأقوال

وهذا الجوابُ عَنْ تَرْكِ الأفعال، وأما الأقوال فهو أن يسهو في القراءة فيسر فيما يجهر فيه، أو يجهر فيما يسر فيه، أو يسهو عن التكبير مما سوى تكبيرة الإحرام، أو عن قول: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَهُ، أو عن التشهدَيْنِ أو عن السلام.
فقد تَقَدَم في الكتاب الأول 5. إذا سها عن تكبيره الإحرام، وعن القراءة.
فإن سها فأسر في الجَهْر أَو جَهَرَ في السرِّ حَتى رَكَعَ- مَضَى في صَلاته ولم يرجع1234

لتلك القراءة؛ لأن سهوه ذلك عن سنةٍ، فلا يعود إليه بعد أن 1 تَلَبسَ بفرض، وسجوده إذا جَهَرَ فيما يسرُّ فيه بعد السلام.
واختُلِفَ إذا أَسَر فيما يُجْهَرُ فيه، فقال ابن القاسم: يسجد قبل السلام 2. وقال أشهب عن مالك في مدونتِهِ: يسجد بعد السلام.
قال 3: وهو أحبُّ إلي مِن أَن يسجدهما قبل.
وإن ذَكَرَ قبل أن يَرْكَعَ وكان 4 قد أسر فيما يجهر فيه أعاد القراءة جَهْرًا.
واختُلِفَ في السّجود، فقال ابن القاسم في العتبية: يسجد بعد السلام.
وقال أشهب: لا سجودَ عليه.
والأول أحسنُ؛ لأن السجودَ يُتَقَربُ بِهِ إلى الله سبْحانَهُ؛ لأجل غفلته في حين تقربه إليه حتى دخل عليه ذلك السهو، ولو كان إتيانُه بتلك السنة التي سها عنها يسقط عنه السجود- لم يسجد إذا سَها عن فَرْض؛ لأنه لا بد له أنْ يَأْتِيَ بذلك الفَرْض.
واختُلِفَ إذا أَسَر فيما يجهر فيه عَمْدًا، فقال ابن القاسم في العتبية: يُعيد ويُعيدون 5. وقال عيسى بن دينار: ويعيدون في الوقت 6. وقال أصبغ: يستغفرون الله، ولا شيءَ عليهم 7.

وعلى هذا يجري الجواب إذا جهر فيما يسرُّ فيه عَمْدًا، وكذلك من تعمد ترك شيءٍ من السنن، فقد اختلف فيه على أربعة أقوال: فَقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يعيد ما دام في الوقت.
وقيل: تبطل صلاته.
وقيل: يسجد سجود السهو.
وهو أبينها، ولا تبطل الصلاة؛ لأنه 1 لم يترك واجبًا، ويأتي بالسجود تقربًا إلى الله -عز وجل-.
ولا يكون في ترك السُّنّة أدنى رتبة ممن سها عنها، وذكر ابن الجلاب هذه الأقوال، إلا الإعادة في الوقت 2. واختلف في الإمام يسرّ فيما يجهر فيه فسبحوا به فلم يجهر، فلما فرغ قال: قرأت سّرًا.
هل يصدق؟ قال مالك: ما أراه قرأ، وليعد من صلى خلفه 3. وقال ابن القاسم في العتبية: إن قال: كنت ناسيًا سجد وسجدوا، وإن قال: كنت عامدًا أعاد وأعادوا.
فصدّقه إذا ادعى سهوًا 4. قال الشيخ أبو الحسن: وأرى أن يصدق إذا كان لا يُتهم في دينه فإن كان على 5 غير ذلك لم يصدق، إلا أن يكون نظروا إليه حين قيامه، فيعمل 6 على ما يتبين لهم حينئذ.
وفي الصحيحين: "قِيلَ لِخَبَّاب: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ" 7. فإن رُئِيَ ذلك من هذا الإمام، وإلا لم = وانظر: البيان والتحصيل: 2/ 34، والنوادر والزيادات: 1/ 355.

يصدق؛ ولأن القراءة في النفس لا تجزئ إذا لم يحرك بها لسانه.
واختُلِفَ في السجود إذا سها عن تكبيرة أو تكبيرتين: فقال مالك: من نَسِيَ تكبيرة فليسجد 1. وقال أيضا: لا يسجد 2، وإن نسي تكبيرتين سجد 3. وفيمن نسي "سمع الله لمن حمده" مثل ذلك.
واختُلِفَ إذا جعل موضع "سمع الله لمن حمده" "الله أكبر"، وموضع "الله أكبر" "سمع الله لمن حمده": هل يسجد أم لا؟ فقال في الواضحة: يسجد؛ لأنه زاد ونقص 4. فإن نسي ثلاثَ تكبيرات فأكثر، أو نسي التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام - سجد قبل السلام، فإن لم يسجد قبل سجد بعد، فإن لم يسجد حتى طال الأمرُ أعاد الصلاة.
وهو قول ابن القاسم في المدونة 5، وهذا يصح على القول أنه إذا تعمد ذلك يعيد.
وخالف أشهب في جميع ذلك فقال في مدونته فيمن نَسِيَ التكبيرَ في الرُّكوع والسُّجود: ما أرى عليه في ذلك سجودًا واجبًا، أرأيتَ لو سها عن التسبيح في الرُّكوع والسُّجود، أكان عليه في ذلك سجدتا السهو! قال: وأحبُّ إلي أن يسجد بعد السلام؛ لأني لا أراه لازمًا 6. = برقم (727)، ولم أقف عليه في صحيح مسلم.

وأوجب (1) السُّجود إذا نَسِيَ التكبير السبع أو الخمس في العيدين.
الخلاف فيمن ترك سُنَّة عمدًا ويختلف إذا ترك (2) التكبيرَ كله سوى تكبيرة الإحرام عمدًا: هل تبطل صلاته أم لا؟ وعلى قول أشهب- لا شيءَ عليه؛ وأنه عنده بمنزلة من ترك (3) التسبيح.
وعلى القول أنه سنة- يعيد الصلاة.
وقيل: لا يعيد ويسجد.
وكل هذا في الإمام والفذِّ، وأما المأموم فلا سجودَ عليه إن سها في جميع التكبير، ولا إعادة إن تعمد ذلك.

فصل وإن نسي التشهد الأول قبل أن يفارق الأرض رجع

وإن نَسِيَ التشهدَ الأول ثُم ذكر 4 قبل أن يفارق الأرضَ- رَجَعَ فتشهدَ، ويختلف إذا فارق الأرضَ ولم يستوِ قائمًا حسبما تقدم فيمن نَسِيَ الجلوس؛ لأن الجلسة إنما كانت ليتشهدَ فيها، فإذا جلس ولم يتشهد- رَجَعَ فتشهدَ، فإن استوى قائمًا لم يرجع وَيَسْجُدُ قبل السلام، فإن لم يسجد قبلُ سجد بَعْدُ، فإن لم يسجد حتى طال ذلك- سجد ولم يعدِ الصلاة.
واختُلف في التَّشَهُّدِ الأخير 5، فجعله مرةً مثل التَّشَهُّدِ الأول، وقال في123

المبسوط: إذا انصرف وكان على طهر قريبًا من مُصلاه- رجع إليه وجَلَسَ وكبرَ وتشهدَ لسهوه ثُم سَلمَ، وإن بعد مُصلاه وهو على طهْره- جَلَسَ حيثُ هو وكبر ثم تشهدَ، وإن لم يذكر حتى انتقض وضوؤُه- توضأ واستأنف الصلاةَ في الوقت وبعده 1. وقد اشتمل هذا الجواب 2 على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يرجع إلى مُصلاه إذا كان قريبًا، ولم يجعله في مكان ذَكَرَ فيه.
والثاني: أنه جعل التشهدَ واجبًا تُعاد له الصلاةُ وإن ذَهَبَ الوقتُ.
والثالث: إصلاح الصلاة من الواجب وإن طال.
وهذا مثل قول ربيعة فيمن نسي بعضَ صلاتِهِ- أنه يأتي به وإن بعد ما بينهما ما لم تنتقض طهارتُهُ.
قال ابن نافع: قال مالك: فإن كان إمامًا نَسِيَ التشهدَ- صَنَعَ كما يصنع من نَسِيَ ذلك وحدَه، وإن طال حتى تجب عليه الإعادة فليس على الناس أن يستأنفوا معه.
يريد إذا تشهدُوا.
قال: وإن كان مأمومًا حمله عنه 3 الإمام.
وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا نَسِيَ تشهد الأخير حتى سلم الإمامُ- فليتشهدَ ولا يدعو ويسلِّم 4.

فصل فيمن نسي السلام

وإنْ 1 نَسِيَ السلامَ فإنه لا يخلو أن يذكره وهو بموضعه ولم يطل، أو بعد أن فارق الموضع ولم يطل، أو بعد أن طال.
فإن ذكر وهو بموضعه- استقبل القبلة وسَلمَ، ولم يكن عليه أن يكبِّرَ ولا أن يتشهد، ويسجدُ لسهوه بعد السلام.
واختُلف إذا فارق الموضع هل يكبِّر؟ وهل يكون تكبيرُهُ وهو قائم أو بَعْدَ أَن يجلس؟ وهل يَتَشَهَّدُ؟ فقال مالك في المختصر: يكبّر ثم يجلس 2. وقال ابن القاسم في المجموعة: يجلس ثم يكبِّرُ وَيَتَشَهَّدُ ويسلِّم ويَسجدُ بعد السلام 3. وقال في كتاب ابن سحنون: يجلس ويسلم.
ولم يذكر تكبيرا 4، وفي كتاب محمد: يكبِّرُ وهو قائم.
ولم يجعل عليه 5 أن يتشهدَ.
ولا أرى عليه تَكْبيرًا بحال؛ لأنه لم يخرج من الصلاة لما لمْ يُسلِّم، وهو بخلاف من سلم من اثنتين وخالف بموضعه، فإنه يرجع بتكبير على اختلاف فيه، إلا أن يطول 6 ذلك مراعاة لمن قال إنه يخرج من الصلاة بغير سلام؛ لأنه

لما نَسِيَ السلام نوى في حين انصرافِهِ الخروجَ من الصلاة.
وإعادةُ التشهدِ استحسانٌ، وقد استحسن مالك فيمن قَرأَ ونَسِيَ الركوعَ حتى سجد فعاد إلى الركوع -أن يعيد القراءةَ قبل أن يركع (1)، وإن طال الأمرُ وانتقضتْ طهارتُهُ- اسْتَأنْفَ الصلاة، وإن لم تنتقضْ فَسَدَتْ على أصله في المدونة (2)، ولم تفسد على قوله في المبسوط إذا نسي التشهدَ.
وقال ابن القاسم فيمن شك في السلام: سَلّمَ ولا سجود عليه (3). قال: لأنه إن كان سلم فسلامُه هذا لغير شيء، وإن لم يسلم فسلامُه هذا يجزئُهُ (4). يريد: إذا كان في مقامه ولم يطل، فإن فارق الموضع (5) وطال- عاد الجواب في السجود وفي إعادة الصلاة إلى ما تَقَدمَ إذا لم يكن سلم؛ لإمكان أن يكونَ لم يسلِّمْ.

فصل في أحاديث السهو

وأحاديثُ السهْوِ ثلاثةٌ: حديثُ ابن بحينة قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام 6.12345

وحديث ذي اليدين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سلم من اثنتين ثم قام إلى خشبة في المسجد، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: "كل ذلك لم يكن..." 1، وفي حديث آخر: "ما قصرت وما نسيت"، ثم قال لأصحابه: "أحق مما يقول هذا؟ " قالوا: نعم.
فصلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين 2. واختلفت الرواية: هل سَلمَ بعد سجوده؟ 3. والثالث: حديث ابن مسعود "أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا.
فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِى الصَّلًاةِ؟ فَقَالَ 4: وَمَما ذَاكَ؟.
قِيلَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا.
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَالتَّسْلِيمِ" 5. وقد اجتمع على هذه الأحاديث البخاري ومسلم.
وأبان في الحديث الأول أن الجلسة الأُوْلَى ليست بفرضٍ؛ لأنها لو كانت فَرْضًا لم يُجْزِ عنها سجودُ السهو.
وأبان في حديث ذي اليدين أن فِعل ما يضاد الصلاةَ إذا كان على سهو - لا يفسدها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى الخروجَ من الصلاة واسْتَدْبَرَ القبلةَ ومَشَى وجَلَس وتَكَلمَ، وكلُّ ذلك إذا فَعَل المُصَلِّي منه واحدًا عَمْدًا- بَطَلَتْ صلاتُه.
فأخذ مالك بهذا فيما قرب أن الصلاة لا تَبْطُلُ 6، واختلف عنه فيما طال = باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (570).

وبعد، فقال مرةً: تبطُلُ الصلاةُ.
وقال في المبسوط في مسألة التَشَهدِ: لا تبطُلُ.
وقد تَقَدمَ.
وقال ربيعة: لا تبطُلُ، فلو نَسِيَ ركعة من الظهر فذَكَرَها عند المغرب 1 وهو على طَهَارَةٍ لأتى بها وأجزَأت عنه.
وإليه ذهب أشهبُ في مدونته فقال فيمن سَلم من ركعتين: يَبنِي ما لم يَخرج من المَسْجِدِ، قال: وذلك استحسان.
قيل له: فإن كان في صَحْن السجد؟ 2 قال: فإن تجاوز الصفوفَ بقدر ما لا ينبغي أن يصلي بصلاتهم اسْتُحْسِنَ ذلك 3. قال: والقياس أن يقال: ما لم ينتقض وضوؤه 4، ويقول: إذا خطا خطوةً انتقضتْ صلاتُهُ.
وذَكَرَ قَوْل ربيعة.
يريد: أن ذلك مما يضاد الصلاة، وإما أن يُقال: قليله وكثيره يُفْسِدُ الصلاةَ.
أو يُقال: لا يفسدها لما كان سَهْوًا.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين 5، إن ذلك لا يفسد الصلاة، ولم يزل به في أكثر، واستأنف الصلاة، والقياس يُلْحقه به؛ لأن الصلاةَ لم تَفْسد في حديث ذي اليدين؛ لأجل كونه قليلًا، وإنما كان لأجلِ كويهِ على وجهِ السَّهُوِ.
وأبان في حديثِ ابن مسعود 6 أن الزيادةَ في العدد لا تُفسدُ الصلاةَ، وذلك أيضًا كان سَهْوًا، وكانت الزيادةُ يسيرةً وهي ركعة.
واختُلِفَ إذا كَثُرَ السَّهْوُ فقال عبد الملك بن الماجشون: يُعيد الصلاة،

وزيادةُ الركعتين في الظهر طولٌ.
قال: وليس هذا من قِبل أنها نصف الصلاة؛ لأنِّي لا أرى زيادةَ ركعةٍ في الصبح طوُلًا وهي نصف الصلاة (1). وقال ابن نافع وابن كنانة في ثمانية أبي زيد: يُراعى نصف الصلاة، فتفسد الصبحُ وصلاة الجمعةِ والمسافرِ بزيادةِ ركعة، والظهرُ في الحضر بزيادة ركعتين (2). وقال مطرّف عن مالك: لو صَلى الظهْرَ ثمانيًا، والمسافرُ أكثرَ من أربع لم تَبْطُلْ صلاتُهُ.
ففرق مطرف بين ذلك وبن من أطال في غير صلاةٍ؛ لأن هذا في قربة بطاعة لله سبحانه فلم تَبْطُل.

فصل في أحاديث الشك

وأحاديث الشك ثلاثة:

  • حديث أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لًا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ" 3.
  • وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلَاتهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ12

سَجْدَتيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا كَانَتْ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" 1.

  • وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "... إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ وَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ..." 2، وقال أيضًا: "...فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ..." 3، وقال: ".. فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ..." 4. فأما الحديثان الأولان فقد تَعارضا؛ لأنه لم يجعل عليه في الأول أن يأتي بما شَك فيه، وجَعَلَ ذلك عليه في الحديث الآخر وأجاز بعض أهل العلم أن يأخذ بأيهما أحب، لعدم الترجيح 5، ومنهم من أخذ بحديث أبي سعيد؛ لأنه ترجّح على الأول بالقياس؛ لأن محمل من شك، هل صَلى؟ على أنه لم يصلِّ حتى يعلم أنه صَلى؛ لأن الأصل عدم الفعل حتى يعلم أنه فعل، ولأن الركعة في الذمة بيقينٍ، فلا يبرأ منها بشكّ، وقياسًا على من شك في جملةِ الصلاة: هل صلى أو لم يصلِّ؟ فإنه لا يبرأ من ذلك بالشكّ.

ومن الناس من تأول الحديثَ الأول على من يتكرر 1 ذلك منه 2، وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا وجد ذلك أحدكم" فإنه بأول الوجود.
والثاني: أنه فَتوى لمن نزل ذلك به، وليس بنازلة في عين، فيقال: إنه فهم من السائل أنه يتكرر عليه.
وهذا مع تساوي الشك فإنه يأتي بما شك فيه، واختُلِفَ إذا غلب على ظنه أنها أربع: فقيل: الجواب كالأول، وعليه أن يأتي بركعة.
وقيل: تجزئه صلاتُهُ ولا يأتي بركعة 3؛ لحديث ابن مسعود، وأنه يتحرى أقرب ذلك إلى الصواب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا ترجح له أنها رابعةٌ والشكُّ في نفسه بعد ذلك قويٌّ - فإنه يأتي بركعة.
وإن ضَعُفَ الشكُّ وصار عنده كالوَسْوَسَةِ في التحري؛ فيستحسن أن يجتزئ بها من غير ركعة.
وكل هذا إذا لم يتكرر عليه الشكُّ، وإنْ تكررَ حمل على أَنها أربع ولم يكن عليه أَن يأتي بالرابعة.
وهذا إذا كان السابقُ إليه أنه في أربع ثُم شكّ أنْ يكون في ثلاثة.
وإن سبق إليه أنه في ثلاثة ثُم شَك: هَل هي رابعة؟ أتى بالرابعة أبدًا.
وقال مالك في كتاب محمد: فإن كَثُرَ عليه الشكّ في صلاتِهِ: لا يدري سها أم لا- فإنه يسجد بعد السلام، وإن كَثُرَ عليه السهوُ تَرَكَ سجودَ السهو 4.

قال محمد: وهي خلاف التي قبلها (1). يريد: أن من كثر عليه الشكُّ ليس عليه أن يأتي بما شك فيه، فلم يسقط عنه سجودُ السهوِ، والآخر كَثُرَ عليه السهوُ (2) ولم يشك فيه فكان عليه أن يَأْتِيَ بما سَهَا.
وأَسْقَطَ عنه سجودَ السهو؛ لتكرره عليه.
وقال ابن حبيب: اختَلَفَ قَوْلُ مالك في الذي يكثر عليه السهوُ، فأَمَرَهُ مرةً بالسُّجود، ومرةً قال: لا سجودَ عليه (3).

فصل في الخلاف في سجود السهو في إيقاعه

اختُلِفَ في سجود السهْوِ في ستة مواضعَ: أحدُها: هل يُوقِعُهُ قبلَ السلام أو بعده؟ والثاني: هل يَتَشَهَّدُ له إذا كان قبلُ؟ والثالث: هل يُسلم منه إذا كان بعدُ؟ والرابع: إذا كان سهوان: زيادة ونقصان، هل يجزئُهُ سجودٌ واحدٌ قبل السلام؟ أو يأتي بسجودين قبلُ وبعدُ؟ والخامس: إذا كان سهوُهُ مع الإمام وقد سَتقَهُ بركعة ثُم أتى بها فدخل عليه سهو آخر- هل يسقط حكم سهوه ويبقى على 4 سهو الإمام، بمنزلة لو123

لم يَسْهُ، أَوْ أتى بسجودٍ لسوه؟ والسادس: إذا لم يَسجدْ حتى طال الأمرُ، وقد كان سجو قبلَ السلام.
فقال مالك: يسجد للنقصان قبل السلام وللزيادة بعد 1. فيسجد للنقص لحديث ابن بحينة، والزيادة لحديث ذي اليدين.
وقال في المجموعة: ما كان الناس يَحْتَاطون في سُجودِ السهْوِ لا قبلُ ولا بعدُ، كان ذلك كفُه عندهم سهلًا 2. وقال أشهب في كتاب محمد 3: إذا جعل سجدتَيْ الزِّيادةِ قبلَ السلامِ أعاد الصلاةَ.
وقال ابن القاسم: يعيدهما بَعْدَ السلام 4. وقال أصبغ: لا شيءَ عليه 5. قال: وهو قول مالك.
قلتُ: وهو قول ابن القاسم 6 في المدونة: إن كان السجود لنقص فجعله بعد السلام أجزأته صلاته وسجوده 7. وقيل لمالك: يؤمنا 8 قومٌ يرون خلاف ما ترى، فيجعل سجودَ النقصِ بعد السلام؟ فقال: اتبعوه فإن

الخلاف شر 1. وقال ابن القاسم فيمن جَعَلَ سجودَ الزيادةِ قبلَ السلام: أجزأه على قول مالك في الإمام يَرَى خلاف ما يَرَى من خَلْفَهُ، فلم يَرَ عليه شيئا في الوجهين جميعا إذا قَدمَ سجودَ الزيادةِ أو أَخرَ 2 سجودَ النقْصِ 3. وقد رُوِيَ عَنْ عليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن الزبير: أن السجودَ كلهُ بعدُ.
وهو قول الحسن البصريِّ، والنخْعي، وابن أبي لَيْلَى، والثوريِّ، والحسن بن صالح، وأصْحَابِ الرأي.
وقال أبو هريرة، والزُّهْري، وربيعةٌ، والأوزاعي، والليثُ، والشافعيُّ: السجودُ كلُّه قبلُ 4. وقال مالك: إذا اجتمع سهوان: زيادةٌ ونقصان- سجد لهما قبل السلام.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يأتي بسجودين للنقص قبلُ، وللزيادة بعدُ 5. وأرى ذلك كله واسعًا في الزِّيادة والنقص، يوقعه إنْ شَاءَ قَبْلُ، وإن شاء بَعْدُ؛ لأن السجودَ ليس يجبر به شيءٌ على الصحيح من المذهب، وإنما هو ترغيم للشيطان، ولِيَأتي بقربة لموضع غفلته عن أن يكون قلبه فيما وجب عليه لله -عز وجل- من تلك القربة.
وقد أبان ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري.

فقال 1: "...إن كانت صلاته إتمامًا كان ترغيمًا للشيطان" 2. ومن سها خلفَ إمامه ولم يَسْهُ الإمامُ- فالإمام يحمل ذلك عنه.
وإن سها الإمامُ دون المأمومِ- سجدا جميعًا الإمام والمأموم، فإن تقدم سهو الإمام ثم دخل هذا معه في بقية صلاته سجد لسهوِ إمامِهِ، فان كان سجودُ ذلك السهو قبلَ السلام سجد إذا سجد الإمامُ لسهوِهِ فإذا سَلمَ الإمامُ 3 قضى هو ما سَبَقَهُ به.
وإن كان سَهْوُ الإمامِ يُسجد له بعدَ السلام- لم يسجد المأموم إلا بعد قضائه لما سَبَقَهُ به الإمامُ.
واختلف إذا دخل على المأموم فيما يقضي سهو آخر، فقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إذا كان سجودُ الإمام قبلَ السلام سجد هذا لسهوه ثانيةً: إن كان قبلُ فقبلُ، وإن كان بعدُ فبعدُ 4. قال محمد: وإنْ كان سهوًا 5 الإمامِ بَعْدُ فَدَخَلَ على المأموم سهوٌ آخر، وكان السهوُ الثاني مما يُسْجَدُ له قَبْلُ- سجد لهما قَبْلُ وأَجْزَأتا عَنْهُ، وصَارَ كأنهُ وَجَبَ عليه سَهْوانِ قَبْلُ وبَعْدُ، فَإِنْ كان السهوُ الثاني يُسْجَدُ له بَعْدُ- فسجدتاه بعد السلام تجزيانه 6. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا سجد مع الإمام

سجودَ السهْوِ قَبْلَ السلام، ثم دخل عليه سهو فيما يقضيه لنفسه- فلا يسجد له، كان له قَبْلُ أو بَعْدُ؛ لأنه لا يَسْجد لسَهْوينِ إِنْ كانا في صلاةٍ واحدةٍ إلا مَرةً وَاحِدَةً (1). قال ابنُ حبيب: وإِنْ كان سُجُودُ سَهْوِ الإمامِ بَعْدَ السلام فَقام الرجل لقَضاءِ مَا عَلَيْهِ فَسَها فِيما يَقْضِي سَهْوًا (2) قبلَ السلام- والسجدتان اللتان وَجَبَتا عليه لسَهْوِ الإمامِ تَجْمعان له السهْوَيْنِ جميعًا (3). قال الشيح: القولُ إذا سجد مع الإمام قبلَ السلام، ثُم دَخَلَ عليه سَهْوٌ آخر- أَن يَسْجُدَ له أَحْسَنُ؛ لأَن ذلك السجودَ كان تقربًا وترغيمًا عن السهوِ الأولِ، والثاني لم يتقرب عنه بشيء، وإنْ كان سَهْوُ الإمامِ مما يُسْجَدُ له بَعْد أَن يجزئه سجودٌ واحدٌ؛ لأَن السهْوَ- وإنْ تكررَ (4) في الصلاةِ الواحدةِ- يجزئه عن جميعِهِ سُجُوْدٌ واحدٌ.
ومن كان سهْوُ إمامِهِ قَبْلُ فَلَمْ يَسْجُدْ مع الإمام وسَجَدَ بعد قضاء ما فاته به الإمام، وإن كان سجودُ الإمام بعدَ السلام فَسَجَدَ معه قَبْلَ القضاءِ- أَجْزَأهُ ذلك، ولم تفسد صلاتُهُ، ولم يُعِدِ السجود.

فصل لا إحرام لسجود السهو

وقال مالك في كتاب محمد: لا إحْرامَ 5 لهُما: كانَتَا قبل السلام أو بعدَهُ.
وقال أيضًا: يحرم لهما إذا كانَتَا بعد السلام.1234

وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا كانَتَا بعْدَ السلام ونَسِيَ أَن يسجد لهما حتى طال فليسجدهما 1 ولا إحْرامَ علَيْهِ.
ثُم رَجَعَ فَقال: يُحْرِمُ لهما 2. قال محمد: فإن سلم ثم ذكر اللتين قبل السلام فليرجع بإحرام ويسجدهما 3، وكذلك كل من يرجع لإصلاح ما بقي من صلاته فيما قرب 4. قال مالك: ويتشهد لهما، قال محمد: كانتا قبل السلام أو بعده 5. قال: وكان ابن القاسم يوجب التشهد فيهما 6 قبلُ وبعد، ورواه عن مالك 7. وكان ابن عبد الحكم يوجبه بعد السلام، ويستحبه قبل السلام 8، ولم يَرَ عبدُ الملك فيما قبل السلام تشهُّدًا 9. قال الشيخ - رضي الله عنه -: مفهوم الحديثين حديث ابن بحينة وحديث ذي اليدين أنه سجد وسلم ولم يتشهدْ ولم يكِّبر للإحرام لهما في حديث ذي اليدين.
ولا أرى الإخلالَ بشيء من ذلك من تكبيرٍ أو تشهدٍ مما يوجب إعادتهما، ولا خلاف أنهما يفتقران إلى طَهَارةٍ إذا كانَتَا بعد السلام.
فإن كان على طهارة وانتقضتْ بَعْدَ أنْ سجد سجدةً- توضأ واستأنفهما.

واختُلِفَ إذا انتقضتِ الطهارةُ بعدَ أن سَجَدَهما وقبلَ أن يسلم: فقال مالك: يتطهر ويستأنفهما (1). وقال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يعدهما أَجْزَأتَا عَنهُ (2).

فصل من نسي سجدتي السهو

ومن نَسِيَ سَجْدَتَيِ السهوَ حتى طال، فإن كانَتا بعدَ السلام سجدهما ولم تبطل صلاتُهُ.
واختلف إذا كانتا قبل السلام: فقال مالك في المدونة: من سَها عن ركعةٍ أو سجدةٍ أو سَجْدَتَيِ السهوِ قبلَ السلامِ فطال ذلك فَلْيُعِدْ 3. فساوى بين من نَسِيَ السجدتَيْنِ أو ركعةً، ولم يُفرِّق عن أي شيء كان سجودُهُ.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كانَتَا عن القيامِ من اثنتين، أو ترك أم القرآن من ركعةٍ بَطَلَتْ صلاتُهُ، وإن كانتا عن غير هذين 4 لم تَبْطُلْ 5. وقال محمد بن المواز: اختلف قول ابن القاسم في إيجاب الإعادة إذا كانتا عن 6 نقص الثلاث تكبيراتِ، أو عن قَوْلِ "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ" ثلاث مرات 7. وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادةَ عليه وإن كانَتَا عن القيامِ من اثنتين أو12

تَرْك القراءة من ركعةٍ، فإن ذكر السجدتَيْنِ من فريضةٍ وهو في فريضة، فإن كانتا بعد السلام- مضى في صلاتِهِ وسجدهما إذا فَرَغَ منها 1. ويختلف إذا كانَتَا قبلَ السلام حسبما تَقَدمَ، فقال في المدونة: تَفسد صلاتُهُ هذه ويكون بمنزلةِ من ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاةٍ 2. وعلى قول ابن عبد الحكم يمضي في صلاتِهِ ولا شيءَ عليه؛ لأن الأُولى لم تفسد بعد 3، وإذا فرغ منها سَجَدَ.
وعلى قول مالك في المختصر إن كانتا عن القيام من اثنتين أو تَرْك أمِّ القرآن من ركعة تفسد التي هو فيها على القول أن من ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاة بطلت التي هو فيها.
وقول ابن عبد الحكم في هذا أحسن؛ لأَن الأُولى لا 4 تَبْطل، وإذا لم تبطل تلك مضى في هذه.
وقد تقدم ذكرُ الخلافِ فِي من ترَكَ شيئًا من السُّنَن عَمْدًا: أنه لا تبطل صلاتُهُ، وإذا لم تبطل في ترك ذلك عمدا لم تبطل على من ترك السجود عنه سهوًا حتى طال.
ومن سها في سجود السهو فَسَجَدَ ثلاثًا، فإن كان سُجُوْدُ قبلُ- كان قد زاد 5 في صلاتِهِ سجدةً 6، وليسلم ثم يسجد سَجْدَتَيِ السهْو بعد، وإن كان سجوده بعد السلام أَجْزَأَهُ ولا شيءَ عليه.

فصل من ذكر سجدة أو ركعة من صلاة بعد أن تلبس بأخرى

ومن ذَكَرَ رَكْعَةً أو سَجْدَةً مِنْ صلاةٍ بعد أن تلبس بأخْرَى- فإنه لا يخلو أن يكون ذَكَرَ 1 ذلك من فَرْضٍ وهو في فرضٍ، أو نفلٍ، أو ذَكَرَ ذلك من نفلٍ وهو في نفل أو فرض.
فقال ابن القاسم: إِنْ ذَكَرَ ذلك من فَرْضٍ وهو في فَرْضٍ أو نفلٍ 2، ولم يطل ما بينهما، ولا أطال القيام، ولا ركع 3 - عاد إلى إتمْام الأُولى، فإنْ أطال القيامَ أو رَكعَ بَطَلَتْ الأُولى، وكان بمنزلة من ذَكَرَ صلاة وهو في صلاةٍ وإن لم يكن رَكَعَ- قَطَعَ وصلى الأُولى، وإن كان ركع- أضاف إليها أخرى وسلم وصلى الأُولى، وإن نَسِيَ 4 ذلك من نفلٍ وذَكَرَ وهو في نفلٍ ولم يركع- رَجَعَ إلى إصلاحِ النفل، وإن ركع أبطل الأول وأتَم الثاني ولم يقضِ الأُولى؛ لأن من دخل في نفل فغلب على تمامِهِ لم يقضِهِ، وإن ذَكَرَ من نفلٍ وهو في فرضٍ لم يقضه ولم يرجعْ إلى النفل وإن قرب وإن لم يركع.
وهذا أصل قوله في المدونة 5. واختُلِفَ إذا ذَكَرَ ذلك من فرضٍ وهو في فَرْضٍ فِيْما يحول بَيْنَهُ وبيْن إصْلاح الأول 6 على أَرْبَعةِ أَقوال: فقال ابن القاسم في المدونة: إن كان قريبًا

رَجَعَ إلى صلاتِهِ، وإن تباعد وهو في 1 القيام أو ركع- انتَقَضَتْ صلاته التي أسقط منها 2. وقال ابن وهب في كتاب محمد: إن صَلى في الثانية 3 ركعةً خفيفةً لم تَبْطُل الأُولى وأتمها، وإن تطاول ذلك جدًّا- أعاد.
ورَوَى ابن وهب عن مالك في المبسوط في هذا الأصل إن كان صلى ركعةً كان بالخيار: بين أن يقطع ويرجع إلى إصلاح الأُولى، أو يمضي على صلاته ويعيد تلك.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: من سَهَا عن شيءٍ من فريضتِهِ حتى أَحْرَمَ لنافلةٍ - بَطَلَتْ عليه صلاتُهُ.
فأبطل الأُصلى بنفس الإحرامِ للثانية.
وقال أشهب: لو صَلى سبعَ ركعاتٍ - عاد إلى المكتوبة.
وإلى هذا ذَهَبَ مطرف في ثمانية أبِي زيد فقال: من دَخَلَ مِن مكتوبةٍ في نافلةٍ قبل السلام 4 فذلك خفيفٌ، وإنْ ذَكَرَ بَعْدَ أنْ رَكَعَ ركعتين فإنما عليه سجودُ السهوِ، ولا يكون أسوأ حالًا من الذي يصلِّي خمسًا أو ستًّا وكلّها صلاة، وليس كمن فَارَقَ الصلاة واشتغل بحديثٍ أو طعامٍ أو عملٍ وطال ذلك منه.
وقول أشهب ومطرف في هذا أحسن: ألا تبطل الأُولى وإن طال؛ لأنه في قربة، وقد تقدم ذكر الاختلاف 5 إذا طال فيما يُضاد الصلاةَ من كلامٍ ومشي

واستدبارِ قبلةٍ، وهو في هذا أخفُّ.
واختُلِفَ إذا ذكر ذلك من نفل وهو في فرض، فقال ابن القاسم: لا يرجع إلى إصلاح الأولى.
وقال محمد بن عبد الحكم: يرجع، فإن صَلى ركعتين نافلةً فسلم منها، ثُم دَخَلَ في المكتوبة، فلما صلى منها ركعةً أو ركعتين ذَكَرَ سجدة من النافلة، قال: يعود إليها فيصلحها بسجدة، ثُم يتشهدُ، ثُم يسلِّمُ.
قال: وكذلك لو سَهَا عن السلام من النافلة -وإن كان في الرابعة من المكتوبة- فإنه يرجع للنافلة فيسلم منها، ثُم يسجد، ثُم يبتدئ الفرض.
ورأى أنه إن كان الابتداء تطوعًا فقد صار التمامُ فرضًا، فأشبه من ذكر ذلك من فرضٍ وهو في فرضٍ.
وقال مطرّف في ثمانية أبي زيد فيمن دَخَلَ من نافلةٍ في مكتوبة قبلَ أن يُسلِّم من النافلة: وإن ذكر قبل أن يركع جَلَسَ، ثُم سلّم من نافلتِهِ، وإن لم يذكر حتى ركع- مَضَى إلى الرابعة لينصرف على شفع، ثُم يسجد لسهوه قبل السلام؛ لتركه السلام من الركعتين الأوليين.
ويُخْتَلفُ إذا ذَكَرَ ذلك من نفلٍ وهو في نفلٍ: فقال ابن القاسم: يرجع إلى إصلاح الأُولى ما لم يركع 1. وعلى قول ابن عبد الحكم يرجع إليه وإن ركع.

فصل ومن صلى ركعتين نفلًا ثم قام إلى ثالثة سهوًا رجع فجلس وتشهد

ومن صلى ركعتين نفلًا ثُم قام إلى ثالثة 1 سهوًا- رَجَعَ فَجَلَسَ وتشهدَ وسلم.
واختُلِفَ إذا ذَكَرَ وهو راكع: فقال مالك: يرفع ويتمُّها أربعًا.
وقال أَيْضًا: يَرْجع إلى الجلوس.
وبه أَخَذَ ابنُ القاسم 2. وإن ذكر بعد أن رفع من الثالثة أتمها أَربعًا، وإن ذَكَرَ بعد أَن رَفَعَ من الخامسة 3 رَجعَ إلى الجلوس ولم يأتِ بسادسة 4، وسواء كان رَفَعَ من الخامسة أم لا، وسجوده إذا رجع بعد أن قام إلى الثالثة- بعد السلام 5. واختُلِفَ إذا أتم الرابعة: فقال مالك: يسجد بعدُ 6. وقال ابن القاسم: يسجد قبلُ؛ لأنه نقصان 7. وقال محمد بن مسلمة: لأنه نقص الجلوس.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إن جَلَسَ بعد تمامِ الاثْنَتين لم يكن عليه سجودٌ قبلَ السلام ولا بعدَه؛ لأن الأربعة صحيحة عند بعض أهل العلم، إلا أن يقال: عليه السجودُ لسهوِه واشتغالِهِ عن تلك الطاعة التي كان فيها حتى دَخَلَ

في الثالثة والرابعة؛ لأنه لم يفعل ذلك تعمدًا على قول قائل.
وقد قيل: إن السجود ها هنا لنقص السلام.
وهذا غير صحيح؛ لأن السلام قد أتى به، ولو كان ذلك لنقص السلام لكان سجود من صلى الظهر خمسًا قبل السلام؛ لأنه عنده نَقَصَ سلام إذ لم يأتِ به عقب الرابعة كما لم يأتِ به عقب الثانية.
واخْتَلَفَ قولُهُ في المدونة 1 إذا صلى النفل خمسًا: هل يسجد قبلُ أو بعدُ.
وأرى إذا لم يكن جَلَسَ في الثانية أن يَسجد قبلُ؛ لأنه نَقَصَ الجلوس وزاد الخامسة، وإن جلس في الثانية 2 سجد بعد السلام.

باب صفة التشهد، وصفة السلام، وعدده

الأصل في التَّشَهُّدِ حديثُ عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام على الله من فلانٍ وفلان، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى اللهِ مِنْ فُلانٍ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلًامُ، وَلكِنْ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهَ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَّيرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ".
وهذا حديث صحيح اجتمع عليه البخاريُّ ومسلم (1). فأمر بالتشهد وبين صفته، وأن الدعاء بعد التشهد، وحمل اللفظ على العموم بقوله: "أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِح فِى السَّماءِ وَالأَرْضِ"، يريد: من بني آدم والجن والملائكة، وأرى أن ينويهم الإنسان حين سلامه.

فصل السلام من الصلاة فرض

ٌ السلام من الصلاة فرضٌ، واختُلِفَ في عدَدِه، وفي صفِتِه.
فأما عددُه: فقال مالك في الفذِّ: يُسلِّم واحدةً قبالة وجهِهِ ويتيامن قليلًا 2. وقال في سماع ابن وهب: يُسَلِّم تَسْليمتين عن يَمِينِهِ وعن يَسارِهِ.1

وقال في الإمام: يُسلِّم واحدةً قُبالة وجهِهِ ويتيامن قليلًا 1. كالفذِّ في قولِهِ الأول.
وقال في سماع أشهب في الإمام يُسلِّم تَسْليمتَيْن، قال: ولا يسلِّم من خَلْفَهُ حتى يفرغ منهما 2. وقال أبو الفرج عن مالك: يُسلِّم تسليمةً تِلْقاءَ وجهه، وإن كان على يساره أحدٌ رَد عليه تسليمةً ثانيةً.
يريد: إن كان معه واحد يسلم واحدة، وإن كان عن يساره أحدٌ 3 سلم أخْرَى على من كان على يساره.
وهو أحسن.
وقد أخرج مسلم في ذلك حديثين عن سعد بن أبي وقاص 4 وعبد الله بن مسعود 5 "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتينِ".
قال سعد: يسلم عن يمينه ويساره حتى أرى بياض خَديه.
واختلف في المأموم يسلم عن يساره ولم يسلم عن يمينه حتى تكلم، فقيل: بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وقال مطرّف: صلاتُهُ تامةٌ، عامدًا كان أو ناسيًا، فذًّا أو إمامًا 6. قال الشيخ -رحمه الله-: إن تَعَمدَ الخروجَ بها لم تبطل وإن سلمها للفضل، ولكن يعود

ويسلم الأولى فيخرج بها من الصلاة، ثُم إنْ نَسِيَ وانصرفَ وطال الأمرُ- بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وإن فعل ذلك سهْوًا فظن أنه سلم الأُولى ويرى أن الثانية يصح الخروج بها من الصلاة لم تَبْطُلْ، وإن كان يرى أنها فضيلة وطال 1 الأمرُ بَطَلَتْ.
وإذا فات المأمومَ بعضُ صلاة الإمام فقضى ما فاته بَعْدَ سلامِ الإمامِ، فإن كان الإمام لم ينصرف ولا من كان عن يسار المأموم- رَد عليهما.
واختُلِفَ إذا انصَرَفَ: فقال مالك مرة: لا يردُّ عليهما.
وقال مرةً: يردُّ.
وهو أحسن؛ لأن السلامَ يتضمّن دعاء حقًّا، وهو تحية تقدمت منهم يجب رَدُّها، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ".. إِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِى السَّماءِ وَالأَرْضِ" 2. وأما صفةُ السلام فقال مالك في السليمانية: الأَوْلى أن يقول: السلام عليكم 3. ويقول: سلام عليكم 4. قال: وهي تحيةُ أهل الجنة، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: 24]، ولا يقول في الأُولى: عليكم السلام.
وقال في الثانية: ذلك واسع، السلام عليكم أو عليكم السلام، وأحبُّ إليّ السلام عليكم 5. وقال في المبسوط: يستحبّ لمن أراد أن يُسلِّم أن يقول: السّلام عليك أيُّها

النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين 1. قال محمد بن مسلمة: أراد ما جاء عن عائشة 2 وابن عمر 3 أنهما كانا يقولان عند سلامهما إذا قضيا التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم.

باب الإمام يستخلف، وفيمن لم يصلِّ مع خليفة الإمام، وإذا لم يَستخْلفْ واستخلفوا لأنفسهِم، أو صَلَّوا وحْدانًا، أو طائفتين بإمامين

ومن المدونة قال مالك: وإذا أحْدَثَ الإمامُ فله أَن يستخلف.
قِيلَ لابن القاسم: فإن قَدم الإمامُ رجلًا هل يكون إمامًا قبل أن يبلغ موضع الإمام الأول؟ قال: لم أَسْمَعْ من مالك فيه شيئًا، إلا أن مالكًا قال: إذا أَحْدَثَ الإمامُ فله أن يستخلف 1. قال الشيح: إذا قَبِلَ استخلافَ الإمامِ كان إمامًا في موضعه ذلك، فإن كان موضعُ الإمام قريبًا تقدم إليه، وإن كان بعيدًا صلى بهم في موضعِهِ.
ويُستحب للإمام الأول أنْ يَستخلفَ من الصفِّ الأول، قال ابن القاسم: وإن استخلف بكلام وقال: يا فلان تقدم بهم، لم يَضُرهُم؛ لأنه في غير صلاةٍ.
وقال في العتبية: وإن قَدمَهُ في بعض القراءة قرأ الثاني من حيثُ انتهى الأولُ 2. وإن أحْدَثَ راكعًا فليرفع رأسَهُ ويستخلفُ من يدب راكعًا فيرفع بهم 3. وقيل: يستخلف قبلَ أَن يرفَعَ رأسَهُ؛ لِئلا يرفعوا برفعه 4. قال ابن القاسم: وإن استخلف في الجلوس تقدم بهم جالسًا، وفي القيام يتقدم بهم قائمًا 5.

وقال سحنون في كتاب ابنه: وإن استخْلَفَ الإمامُ رجلًا فلم يتقدم؛ حتى تقدم غيرُه وصلى المُسْتَخْلَفُ وراءَهُ- فصلاتهم تَامةٌ 1. فلم يَرَ استخلافَ الإمامِ مما يَلْزَمُ المستخلَفَ قبولُهُ، ولا يكون باستخلافِهِ إمامًا، وحمل قول مالك: له أن يستخلف- أن ذلك جائزٌ؛ لأن ذلك من حسن النظر لهم لما كانوا ممنوعين من الكلام، وليس بلازم له ولا لهم أن يستخلف؛ لأنهم إنما التزموا إمامَةَ الأول، ولم يجعلوا له أن يستخلف؛ لأن ما حدث على الإمام أمرٌ طَرَأَ لم يتحسسُوا إليه في حين ائْتِمَامِهِم 2 به فيجعلوا له أن يستخلف عليهم فيه، فإذا غلب الإمام 3 على تمام الصلاة- كانوا في حكم أنفسهم، فإن استخلف الإمام الأولُ رجلًا مكانَه كان المستخلَفُ بالخيار بين القبول والترك، وإن قَبِلَ أيضًا كانوا بالخيار بين الصلاة خَلْفَهُ أو يَسْتَخْلِفُوا غيرَهُ.
وهذا الذي يقتضيه قولُ سحنون.
واختُلِفَ في ثلاثةِ مواضعَ: أحدها: إذا صَلَّوا وحدانًا بغير إمامٍ.
والثاني: إذا صَلَّوا بإمامين.
والثالث: إذا استخلَفَ الأمام من فاتَته ركعةٌ، فقام بعد فراغِهِ من صلاة الإمام للقضاء، فيما يفعله من خَلفَه؟ فقال ابن القاسم في المدونة: إذا صلّوا وحدانًا كانت صلاتهم تامةً 4.

جارٍ التحميل