التبصرة للخميكتاب الذبائح

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243) 3 - (م) = نسخة مراكش رقم (112/ 1) 4 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا

كتاب الذبائح

باب فيما تجب ذكاته من الحيوان

الحيوان في الذكاة على ثلاثة 1 أوجه: حيوان بريُّ له نفس سائلة؛ لا يحل إلا بذكاة.
وبحري لا حياة له في البر؛ يحل من غير ذكاة 2. وبريٌّ ليست له نفس سائلة، وبحري له حياة في البر.
واختلف فيهما، هل يحل أكلهما من غير ذكاة؟ فقال مالك في كتاب ابن حبيب: من احتاج إلى شيء من خشاش الأرض لدواء أو غيره مما لا لحم له ولا دم فذكاته كذكاة: الجراد، والعقرب، والخنفساء، والجُندَب 3، والزُّنْبُور، واليَعْسوب، والذَّرّ، والنمل، والسوس، والحَلَم، والدود، والبعوض، والذباب.
وقال في الحلزون 4: لا يؤكل ميتته.
وما وجد 5 حيًّا فسلق أو شوي؛ أُكل 6.

واختلف في الجراد، فقال مالك في المدونة: لا يؤكل بغير ذكاة 1 وقال مطرف: يؤكل بغير ذكاة، وعامة السلف 2 أجازوا أكل ميتة الجراد.
3 قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: حكم هذه الأشياء حكم دواب البحر، لا ينجس في نفسه، ولا ينجس ما مات فيه من ماء.
4 وقال في المدونة في ترس البحر: يؤكل بغير ذكاة 5، وفي مختصر الوقَار: استحب ذكاته؛ لأن له في البر 6 رعيًا.
وقال مالك في كتاب محمد في السلحفاة، ترس 7 صغيرة تكون في البراري: هو من صيد البر، ولا يؤكل إلا بذكاة 8. ولا يؤكل طير الماء إلا بذكاة 9، وقال عطاء: حيث يكون أكثر فهو من صيده.
وجعله داخلًا في عموم قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]، وقد يحمل القول في ذكاته على القول في ذكاة السلحفاة، والسلحفاة أبين لطول الحياة في البر.

وذكر أبو محمد عبد الوهاب في شرح المدونة عن ابن نافع أنه قال في الضِّفدِع يموت: أنه ينجس 1، وينجِّس ما مات فيه.
فمنع في القول الأول من أكل خشاش الأرض بغير ذكاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
والمراد: ما مات حتف أنفه 2. وأجيز ذلك في القول الثاني؛ لأن التحريم ورد فيما كانوا يأكلونه ويذبحونه من الأنعام دون هذه الأشياء.
وقالوا: أنتم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله.
يريدون: ما ذبحتم.
ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفي الآخَرِ دَاءً" أخرجه البخاري 3. وفي حديث 4 أنه يبدأ بالذي فيه الداء 5، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج منه شيء، ولا يفسد الطعام، ولو كان مما يحتاج إلى ذكاة؛ لم يأمر بذلك.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ" 6. وهذا الحديث أصل في كل ما ليس له نفس سائلة.

ولا وجه للاحتجاج أنه "نثرة حوت" 1 لوجهين: أحدهما: أن ذلك لا يعرف إلا من قول كعب الأحبار 2، يخبر عما في كتبهم.
ولا خلاف أنه لا يجب علينا العمل بمثل هذا، ولا تعبَّدنا به.
والثاني: أنه الآن من صيد البر، فيه 3 يخلق، وفيه يعيش، فلم يكن لاعتبار الأصل وجه لو صح ذلك.
وقد حكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على المحرم 4 فيه بالجزاء، وجعله من صيد البر.
واختلف بعد القول أنه لا تؤكل ميتته، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يؤكل، إلا أن يموت بفعل يفعله بها، بقطع أرجلها أو أجنحتها، أو بطرحها في

نار، فيسلقه أو يقليه 1. وقال أشهب في مدونته: لا يؤكل إذا قطعت أجنحته أو أرجله، ثم مات قبل أن يسلق، ولا يؤكل إلا أن يقطع رأسه أو يعتمل 2 حيًّا 3. يريد: يطرح في ماء أو نار.
وقال أبو الحسن ابن القصار: لا تؤكل ميتته.
ولو وقع في قدرٍ أو نار وهو حيّ فاحترق؛ أُكل.
وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وابن وهب: أخذه ذكاة.
وعلى قول مالك وابن القاسم وأشهب أنه يحتاج إلى ذكاة، فإنه يسمِّي الله سبحانه عند فعله بها ذلك؛ وينوي به الذكاة.
واختُلف إذا سلقت الأحياء مع الأموات أو الأرجل معها، فقال أشهب في مدونته: يطرح جميعه، وكله حرام.
وقال سحنون في النوادر: تؤكل الأحياء بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر 4.

باب في صفة الذكاة، وذكاة المريضة

ذكاة الإنسي فيما بين اللبة والمنحر، والوحش 1 في جميع الجسد، إذا كان في حال 2 الامتناع بنفسه، فإن صار أسيرًا؛ كان كالإنسي، ذكاته فيما بين اللبة والمنحر.
فإن عاد إلى التوحش؛ كانت ذكاته بالإصطياد في جميع الجسد.
واختُلف في الإنسي يتوحش أو يسقط في بئر ولا يقدر على ذكاته 3 في الحلق: فقال مالك وابن القاسم: لا يؤكل بما يؤكل به الوحشي 4. وهو على أصله في أن الذكاة فيما بين اللبة والمنحر.
وقال عبد الملك بن حبيب في البقر تتوحش: لها أصل ترجع إليه من بقر الوحش، فإذا توحشت حلت بالصيد 5. والحيوان على ضربين: مقدور عليه؛ ذكاته تختص بالحلق، وهو الإنسي.
وغير مقدور عليه؛ ذكاته في جميع جسده، وهو الوحشي.
فإن صار أسيرًا؛ لم تحل ذكاته، إلا بما يحل به الإنسي، وإن لم يأنس.
فعلم أن ذلك لم يكن لأجل كونه من الوحش، وإنما ذلك لعدم المقدرة على الذكاة بالموضع المختص.
فإذا كانت العلة عدم المقدرة، وأنه إذا قدر على

الوحشي؛ كانت ذكاته ذكاة الإنسي.
وكذلك ذكاة الإنسي (1) إذا توحش؛ ذكاته (2) ذكاة الوحش، وذلك ضرورة لعدم المقدرة على اختصاص الحلق بالذكاة، وقياسًا على قول ابن حبيب في الشاة والبعير يقعان في البئر، فلا يستطاع فيهما على ذبح ولا نحر، إلا في ظهر أو جنب، قال: قد جاءت فيه رخصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3)، فمن أخذ بها؛ جاز ذلك له.
وإذا جاز (4) أكل هذه بالطعن في الظهر والجنب؛ جاز مثل ذلك في البعير إذا ندَّ.

فصل [في أنواع ذكاة الإنسي]

ذكاة الإنسي عند مالك على ثلاثة أوجه: ذبح، ونحر، وبالخيار بين الذبح والنحر.
فذكاة الغنم والطير والنعام بالذبح، فإن نُحرت؛ لم تؤكل.
وذكاة الإبل بالنحر، فإن ذُبحت؛ لم تؤكل.
وذكاة البقر بالذبح والنحر 5، المُذكِّي لها بالخيار 6. وأجاز عبد العزيز بن أبي سلمة ذبح الإبل، ونحر الغنم والطير.
وقال1234

أشهب في مدونته: إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح؛ أكل إذا فعل، وبئس ما صنع 1. وقال ابن بكير: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر 2. فأجاز مالك في البقر الذبح 3؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرف 67]، والنحر 4؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَزْوَاجِهِ البَقَرَ 5.واتبع في الإبل 6 والغنم والطير العمل أن الشأن في هذه النحر، وفي هذه الذبح 7. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نحر قي حجة الوداع بضعًا وستين من الإبل، ونحر عليٌّ - رضي الله عنه - ما غبر 8. وقال لأبي بردة بن نيار 9 في جذعة من المعز: "اذْبَحْهَا..." الحديث 10. وقال الله -عز وجل-: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾

[الصافات: 17].
والذبح: ما يذبح، وقد كان كبشًا.
ورأى ابن أبي سلمة وأشهب أن النحر والذبح ذكاة يسدّ بعضها مسدّ بعض، قياسًا على ذكاة البقر 1؛ لأنه كله حيوان إنسي.
وهو قول الليث والشافعي وأبي حنيفة وعطاء وأحمد وإسحاق وأبي ثور 2. ورأى ابن بُكير 3: أن الذبح ينوب عن النحر؛ لأنه يأتي على ما يأتي عليه النحر من قطع، ولا يرى النحر يأتي على الذبح؛ لأن النحر يجتزأ منه بقطع ودج.
وفي المبسوط، قال: أمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مناديًا ينادي: النحر في الحلق واللبة 4. فإذا كان النحر لا يختص بموضع من الحلق ولا بعدد، ويجزئ منه ودج ينهر الدم منه؛ لم يكن يمنع أكل ما ذبح من الإبل.
وقال مالك في المدونة في الشاة والبعير يقعان في البئر، فلا يُستطاع أن ينحر البعير، ولا أن تذبح الشاة، قال: ما اضطروا إليه في مثل ذلك؛ فعلوا 5، فإن ما بين اللبة والمنحر منحر ومذبح.
إن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز 6. هذا جنوح منه إلى الخلاف في ذلك؛ لأنه لا تخلو هذه الضرورة من أن تنقل الحكم فيباح في جميع الجسد، كما قال ابن حبيب.
أو لا تنقل الحكم، فيبقى كل واحد من هذين على أصله.
= برقم (1961).

فصل [في صفة الذبح]

اختُلف في صفة الذبح، والمجمع عليه ما حصل فيه أربع صفات: أحدها: أن يقطع الحلقوم والوَدَجَين والمَرِيء 1. والثاني: أن يستأصل قطع 2 كل واحد منهما.
والثالث: أن تكون الجوزة 3 إلى الرأس، أو يكون القطع فيها.
والرابع: أن يكون الذبح في مرة واحدة.
واختلف في أربع مواضع في المسألة: إذا اقتصر على ما سوى المريء.
وإذا لم يستأصل القطع، وقطع النصف من كل واحد فأكثر.
وإذا كانت الجوزة 4 إلى البدن.
وإذا بَعَّضَ الذبح، فرفع يده ثم أعادها بالفور.
فأما أعداد ما تقع فيه الذكاة؛ فقال مالك مرة 5: يجزئ من ذلك الودجان والحلقوم 6 وزاد في كتاب أبي تمام: المريء.
ورأى أنها في أربع.
وقال في كتاب الصيد إذا أدرك الصيد، وقد أنفذت مقاتله: يستحب له أن يفري أوداجه 7.

قيل: وإن فرى الكلب أو البازي أوداجه؟ قال: هذا قد فرغ من ذكاته كلها 1. ولم يراعِ الحلقوم؛ ولو كان ذلك لقال يجز على الحلقوم 2؛ لأنه يصح أن يعض الكلب بأنيابه الجانبين، فيصيب الودجين دون الحلقوم 3، وقال مالك في المبسوط في رجل ذبح ذبيحة، فقطع أوداجها، ثم وقعت في ماء: لا بأس بأكلها.
وفي البخاري عن عطاء، قال: الذكاة: قطع الأوداج 4. وروي عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَا فَرَى الأَوْدَجَ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضَ نَابٍ أَوْ حَزَّ ظُفُرٍ" 5. وفي الصحيحين: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ" 6. وهذا الحديث وإن كان السبب في السؤال عن الذي يُذكِّي به، فإنه يتضمن الموضع الذي يقع فيه الذكاة 7؛ لاختصاصه بما ينهر الدم، ولم يقل: ويقطع الحلقوم والمريء.
وأما إذا لم يستأصل القطع؛ فذكر الشيخ أبو محمد في النوادر عن ابن حبيب: أنه إذا قطع الأوداج ونصف الحلقوم فأكثر؛ أكلت.
وإن قطع منه أقل؛

لم يؤكل 1. وفي العتبية في الدجاجة والعصفور: إذا أجيز 2 على أوداجه ونصف 3 حلقه أوثلثه 4؛ فلا بأس بأكله 5. وقال سحنون: لا يحل؛ حتى يجيز 6 على جميع الحلقوم والأوداج 7. وأما الجوزة 8؛ فإن وقع الذبح فيها أجزأت، واستكمل دائرها.
ويختلف إذا قطع نصفها، وأجاز الباقي إلى البدن.
أو لم يقطع منها شيئًا 9، وصار جميعها إلى البدن.
فإن قطع نصفها وجاز الباقي إلى البدن؛ أكلت على قول ابن القاسم؛ لأنه لو وقف عند قطع النصف أكلت على قوله، فلا يضر في الباقي إذا جاز إلى البدن، أو بقي لم يقع فيه قطع 10. ولم تؤكل على قول سحنون.
وأما إذا صار جميعها إلى البدن؛ فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: لا

تؤكل.
وقال محمد بن المواز: قد خرج الحلقوم إذًا صحيحًا.
وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وأبو مصعب وغيرهم (1): تؤكل (2). وأنكر أبو مصعب القول بمنع الأكل، وقال: هذه دار الهجرة والسنة، وبها كان المهاجرون والأنصار والتابعون، أَو كانوا لا يعرفون الذبح؟!! ولم يذكروا عقدة، ولم يعبأوا بها (3). وعلى هذا لا يكون الحلقوم شرطًا في الذكاة؛ لأنها (4) إذا صارت إلى البدن وقعت الذكاة في الودجين، وخرج الحلقوم- كما قال محمد- صحيحًا (5).

فصل [في تبعيض الذكاة وما يمنع منه]

ومن شرط الذكاة أن يؤتى بها في فورٍ واحد، فإن بعّض ذلك، فرفع يده قبل تمامها، ثم ردّها بعد أن بَعُد ما بين ذلك؛ لم تؤكل.
واختلف إذا أعادها بفور ذلك، فقال ابن حبيب: إذا رفع يده، فقيل له في ذلك، فرجع بالفور؛ أكلت.
وقال سحنون: لا تؤكل، إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ولو ردها 6 مكانه، وأجهز 7. وروى ابن وضاح عنه: أنه كره أكلها، قال 8: وتأول بعض أصحابنا عليه أنه إن رفع يده كالمختبر، أو ليرجع فيتم،12345

فأتم بالفور؛ أكلت 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لو عكس الجواب لكان أشبه، فيقول إن رفع وهو على شك ليختبر؛ لم تؤكل.
وإن كان يرى أنه أتم، ثم تبين له غير ذلك؛ أكلت؛ لأنه أعذر ممن رفع على شك.
وأرى أن تؤكل في كلا الحالتين؛ لأن حكم ما فعل بالفور حكم الفعل الواحد.
ويكره إذا أتمّ الذكاة: أن يتمادى، فيقطع الرأس.
قال مالك: فإن فعل أكلت، إذا لم يتعمد 2. يريد: إذا لم يتعمد 3 ذلك من أول الذبح، فلا يضره إذا تمادى بعد ذلك.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن فعل ذلك ليد سبقته؛ أكلت، وإن كان متعمدًا لنخعها عن غير جهل 4؛ لم تؤكل.
والقول الأول أحسن، إلا أن تكون نيته 5 من الأول أن يبين الرأس جملة، ولم يفصل النية، فينوي ذكاة موضع والتمادي، فإنها لا تؤكل.
وإن ذبح شاة بسكين ففرى 6 الأوداج والحلقوم، وهو لا ينوي الذكاة؛ لم تؤكل؛ لأن الذكاة تفتقر إلى نية.
وإن ذبح من القفا؛ لم تؤكل؛ لأن النخاع يقطعه قبل، وإن أنفذت 7 مقاتلها قبل الذبح؛ لم تؤكل.

فصل [في كيفية النحر وموضعه]

النحر في نقرة المنحر 1، ويجزئ 2 منه ما أنهر الدم.
ولم يشترطوا فيه 3 الودجين والحلقوم، كما قالوا في الذبح.
وظاهر المذهب 4 أنه حيث ما طعن ما بين اللبة والمنحر؛ أجزأ إذا كان في الودج 5. وفي المبسوط: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث مناديًا: النحر في الحلق 6 واللبة 7 وقول مالك: ما بين اللبة والمنحر 8 منحر، ومذبح، فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز.
9 ولا يجتزئ في ذلك بالطعن في الحلقوم بانفراده 10، دون أن يصيب شيئًا من الأوداج؛ لأن ذلك مما لا يسرع معه الموت.
وإنما يجزئ من ذلك ما كان يثج 11 معه الدم ويسرع بالموت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا أَنْهَرَ

الدَّمَ..." (1). وإذا كان النحر في المنحر؛ قطع الودجين؛ لأنه مجمع لهما، ويصير النحر والذبح على القول إنه (2) في الودجين واحد، يرجع الأمر فيهما إلى معنىً واحد.

فصل [في ذكاة المريضة التي لم تشارف الموت]

الذكاة تصح في المريضة إذا لم تشارف الموت.
واختلف إذا شارفت الموت.
فقال مالك في المريضه تضطرب للموت إن 3 تركت ماتت: وإن ذُكيت أُكلت 4. وفى مختصر الوقَار: اذا مرضت؛ فبلغت مبلغًا لا يُرجى فيه حياة 5؛ لا تؤكل، وإن ذكيت.
والأول أحسن؛ للحديث أن أَمَةً لكعب بن مالك - رضي الله عنه - كانت ترعى غنمًا بسلع، فأبصرت شاة تموت 6، فأدركتها فذكتها 7 بحجر، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "كُلُوهَا" أخرجه البخاري ومسلم 8. وإذا لم يتحرك من الذبيحة شيء بعد الذبح؛ أكلت إذا كانت صحيحة،12

قال محمد: إذا كان دمها يَشْخَب 1. وكذلك أرى في المريضة الظاهرة الحياة، ولم تشارف الموت.
فإن شارفت الموت؛ لم تؤكل، إلا أن يكون هناك دليل على بقاء الحياة عند الذبح.
واختُلف في صفة ذلك: فقال ابن حبيب: إن كانت تطرف عينها، أو تضرب بيد أو رجل، أو تستفيض نفسها في جوفها ومنحرها، قال: وأي هذه الحركات الأربع كان منها عند مر السكين في حلقها، فإنها تؤكل 2. وقال محمد: وسأل رجل أبا هريرة - رضي الله عنه - عن شاة ذبحت، فتحرك بعضها؟ فأمره أن يأكلها.
ثم سأل زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، فقال: إن الميتة لتتحرك.
ولم يزد على ذلك.
وقال ابن وهب سألت مالكًا عن ذلك، فقال: إذا كان مثل الشيء الخفي؛ فقول زيد أجمل.
فأما إذا كان الروح جاريًا، فلا بأس بأكلها.
قال محمد: ومما يعرف به الروح 3 في المريضة: تحريك الرِّجْل والذنب.
وذكر عن زيد بن أسلم مثل ذلك 4. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا كانت العين تطرف 5. والذنب يتحرك، والرجل تركض.
وظاهر قوله: أنها لا 6 تؤكل إلا بحركة هذه الثلاث جميعًا، وإنما طلب ذلك بهذه الأشياء؛ لأن أمرها إذا سُوبقت بالذبح مشكل، هل كان موتها

عن 1 الذبح، أو عن الحالة التي كانت بها؟ وأنها لما حركت للذبح، أو حرك رأسها، أو أنزل يده على حلقها؛ ماتت حينئذ، ولم تمت بالذبح.
وذلك لأنا نجد الرَّجُل يكون في مثل تلك الحياة 2، وإذا حُرِّك ليستقبل به القبلة أو لغير ذلك 3؛ طفا بالحضرة.
وإذا أشكل الأمر لم تؤكل بشك، فلا بد من دليل بيِّن على أن موتها كان عن 4 الذبح.
فإن اجتمع حركة الرِّجل والذنب والعين؛ أُكلت، وذلك أبينها 5. وكذلك، إذا كان 6 جوفها يستفيض وينزل 7. وأما الاختلاج الخفيف، وحركة العين؛ فترك أكلها أحسن؛ لأن الاختلاج والشيء الخفيف يوجد من اللحم بعد خروج النفس.
وحركة الرجل والذنب أقوى من حركة العين؛ لأنه يصح انتقال الحياة من الرِّجلين 8، ويبقى الرمق اليسير عند الحلق وفي الرأس، ولا يصح ذهاب ذلك من الرأس والحلق وبقاؤه في الرِّجل ولا غيره من أسفل الجسم 9. وذلك يوجد في بني آدم.
يبتدأ ذهاب الحياة من الرجلين 10 والأسفل،

ويبرد 1 ذلك، ولا يذهب ذلك من الأعلى؛ لأن الأصل في الحياة من الدماغ.
وأما خروج الدم بانفراده، فلا يكون دليلًا على الحياة؛ لأن الدم 2 يخرج من الميتة إذا فجر ذلك منها بفور موتها، وحرارة جسمها.
وإنما يعدم منها بعد ذلك إذا بردت، فيجمد الدم، إلا أن يخرج بقوة اندفاع حسب عادته في الحياة، فليس خروجه من الحية 3 كخروجه من الميتة، وإذا بلغت الشاة إلى حالة يشك في حياتها، هل ذلك لغمرة هي فيها، أو لأنها ماتت، ثم ذبحت؛ كان طلب الدليل بعد ذلك 4 الذبح فيها أكثر من التي علمت حياتها قبل الذبح، ثم شك، هل كان ذهاب حياتها قبل 5 الذبح، أو بعده.
ومن هذا المعنى: المنخنقة والمتردية، وهو مذكور فيما بعد.

باب فيما تصح به الذكاة

الذكاة جائزة بكل مجهز من: حديد، أو قصب، أو عود، أو حجر، أو زجاج؛ لحديث رافع بن خديج - رضي الله عنه -، قال: يَا رَسُولَ الله إِنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا أَنْهًرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّاَ الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" أخرجه الصحيحان؛ البخاري ومسلم 1. واختلف في الذكاة بثلاث؛ العظم والسن والظفر على أربعة أقوال، فأجاز ذلك مالك في المدونة بالعظم 2. ومنعه في كتاب محمد بالسن والظفر 3. وقال ابن حبيب: لا يؤكل ما ذبح بالظفر والسن إذا كانا مركبين 4. قال: وإن كانا منزوعين 5 ولم يصغرا عن الذبح وعظما حتى يمكن الذبح بهما؛ فلا بأس 6. وقال أبو الحسن ابن القصار: رأيت لبعض شيوخنا أنه مكروه بالسن، مباح بالعظم.
قال 7: ومذهب مالك أنه لا يستبيح الذكاة بالسن والظفر، هذا

الظاهر من مذهبه.
وعندي أن السن إذا كان عريضًا محدودًا 1، والظفر كذلك وقعت به الإباحة 2، كالعظم.
ولكنه مكروه كالسكين الكالة.
وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان منفصلًا 3 وعند الشافعي أنه لا تقع الإباحة بالعظم ولا بالسن ولا بالظفر، وإن كان منفصلًا 4. فالظاهر من قول أبي الحسن: أنه حمل قول مالك أنه لا تصح الذكاة بالسن والظفر بحال، متصلًا كان، أو منفصلًا، وأنه هو أجاز ذلك في الوجهين جميعًا، وإن كان متصلًا 5؛ لأنه قال: وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان متصلًا.
وقال في احتجاجه: لا فرق بين متصل أو منفصل.
يريد: إذا قطع وفرى الأوداج والحلقوم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الحكم في المتصل والمنفصل سواء 6؛ لأن الاستثناء ورد فيهما جملة، ولم يفرق، فوجب حمله على ما يقع عليه هذه التسمية على أي حال كانا.
والنهي محتمل أن يكون ذلك 7 شرعًا لا يؤكل 8 ما ذكي بهما وإن أنهر الدم، أو لأن شأنهما أن لا يجهزا أو لا ينهرا الدم.
والأشبه: أن ذلك لما علم - صلى الله عليه وسلم - من شأنهما، لما كان فعلهما فعل المعراض بعرضه، هذا هو 9 المعروف من

فعلهما.
فإن قدر أن فعلا 1 فعل الحديد أو غيره مما يجهز؛ أكل ما ذكي بهما، ولا فرق بين العظم والسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ" 2. فجعل العلة كونه عظمًا، فوحب أن يجري العظم في الحكم 3 حكم السن، ولا ينبغي أن يذكى بغير الحديد، إلا عند عدمه لحديث أوس - رضي الله عنه - 4: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" أخرجه مسلم 5. فإن فعل وذبح بغير الحديد مع وجوده أجزأ 6. ويكره أن يحد المدية 7 بحضرة الشاة، وأن يذبح واحدة وأخرى تنظر.
وفي كتاب محمد، عن ابن عمري - رضي الله عنهما -: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -أن تُحَدَّ الشفار، وتوارى عن البهائم 8. وقال مالك: رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلًا يحدُّ شفرته، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدرة، وقال: أتعذب الروح، ألا فعلت هذا قبل أن

تأخذها 1. وكره أن تذبح الشاة، وأخرى تنظر 2. وفي كتاب محمد: عن نوف 3 أن صِدِّيقًا أو نبيًّا ذبح عجلًا بين يدي أمه، قال: فخبل، فبينما هو تحت شجرة، وفيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ منه إلى الأرض، فغر 4 فاه، وجعل يصيح، فرحمه، وأخذه، فأعاده في وكره فرد الله إليه عقله".
وإذا منع أن يحد الشفرة 5؛ بحضرة الشاة فأحرى أن يمنع من ذبح واحدة بحضرة أخرى.
قال محمد: ويأخذ الجزرة 6 أخذًا رفيقًا بغير عنف، ويضجعها على شقها الأيسر متوجهًا بها 7 إلى القبلة، ورأسها مشرف، ويأخذ بيده اليسرى الجلدة الذي تحت حلقها من اللِّحْي الأسفل، فيجزها؛ حتى يتبين له 8 موضع السكين في الذبح، ثم يمر السكين مرًا مجهزًا من غير ترديد، ولا ينخع 9، ويقول: بسم الله، والله أكبر.
وإن كانت أضحية؛ فأحب إليّ أن يقول: ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم.

قال ابن القاسم: وإن كان أعسر؛ فلا بأس أن يضجعها على شقها الأيمن 1. وقال ابن حبيب: ويكره للأعسر أن يذبح، فإن فعل واستمكن 2؛ أكلت 3 ويستقبل بالذبيحة القبلة، ونهى مالك الجزارين أن يدوروا بالحفرة للذبح، وأمرهم أن يستقبلوا القبلة 4. واختلف إذا ذبح لغير القبلة، فقال ابن القاسم: تؤكل، وبئس ما صنع 5. وقال محمد: إن كان ساهيًا أكلت، وإن كان متعمدًا؛ فلا أحب أن تؤكل.
وقال ابن حبيب: إن تعمد ولم يجهل مكروه ذلك؛ حرم أكلها 6. وكذلك قال مالك 7، ورواه ابن وهب 8 عن الشعبي وابن شهاب 9، قال: وقد نَحَى بذبحه منحى الذبح لغير الله.
ومن لم يسم الله -عز وجل- عند الذكاة، فإن كان سهوًا؛ أكلت.
واختلف في المتعمد: فقال مالك وابن القاسم في المدونة: لا تؤكل.
وقال ابن القاسم: والصيد عندي مثله 10. وحكى ابن القصار عن الشيخ أبي بكر الأبهري وابن الجهم: أنهما حملا قول مالك في منع الأكل على وجه الكراهية

والتنزه.
وفي شرح ابن مزين عن عيسى 1 وأصبغ: أنها حرام، لا يحل أكلها.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يكن استخفافًا أكلت 2. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأصل في التسمية قول الله -عز وجل-: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36]، فأمر بالتسمية عند النحر.
والوجوب: سقوطها إلى الأرض عند النحر،؛ لأن السُّنة في الإبل أن تنحر قيامًا، وقال - صلى الله عليه وسلم -لعدي بن حاتم - رضي الله عنه -: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ وَسَمَّيْتَ اللهَ فَكُلْ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلاَبٌ غَيْرُهَا فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ اللهَ 3 عَلَى كِلابِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهَا" 4. فجعل عدم التسمية تمنع الأكل، وكذلك قول الله -عز وجل-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، فأباح الأكل بوجود التسمية، ومنع بعدمها.
فأخبر الله -عز وجل- أن الوجه في الجواز لأكل ذبيحة المسلم لأنه يُسمِّي، والمنع لذكاة المجوسي؛ لأنه لا يسمي.
فنص 5 أن الجواز والمنع لأجل التسمية، ليس لأجل الدِّين.
فإن قيل: إنه لا تؤكل ذبيحة المجوسي، وإن سمَّى؛ قيل: قد أخبر الله -عز وجل- في هذه الآية: أن المنع لأجل عدم التسمية؛ لأن ذلك شأنهم، وأخبر في آية أخرى أنه لا تؤكل

ذبيحته 1 لأجل دينه لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فحمل أهل العلم أن ما عداهم -وهم المجوس- بخلافهم، وأنه لا تؤكل ذبيحتهم، فإذا كان المنع في مسألة لعلتين؛ جاز أن يحتج بإحداهما، ويُسكت عن الأخرى.

باب فيمن تصح منه الذكاة

الذكاة تصح من مسلم بالغ عاقل غير مضيّع لصلواته، ومن كتابي ذبح لنفسه، وهذه جملة متفق عليها.
ولا تصح من خمس: صغير لا يميز معنى العبادات، ومجنون، وسكران ذاهب العقل، ومجوسي.
واختُلف في ذكاة أربع: البالغ إذا كان مضيعًا لصلواته، والصبي إذا لم يحتلم، والمرأة، والكتابي يوكله المسلم على أن يذبح له.
فأجاز مالك ذبائحهم 1. وقال في كتاب ابن حبيب: لا تؤكل ذبيحة الذي يدع الصلاة، ولا ذبيحة الذي يضيعها ويعرف بالتهاون بها؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: "لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلاَةِ، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ" 2. وقال مالك في كتاب محمد: تكره ذبيحة الصبي والمرأة من غير ضرورة، وتؤكل إن فعلا 3. وقال أبو مصعب: لا أحب أكل ذبيحة الغلام إذا لم يحتلم، ولا ذبيحة المرأة.
وإن ذبحا في حال الضرورة؛ فلا أحب ذلك أيضًا.
وروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط في النصراني يوليه المسلم أن يذبح له، فقال: لا، إنما يحل لي 4 آكل طعامه.
وأمَّا شيء بيدي ملكه

أوليه إياه فلا 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الذكاة تعبُّد 2 تفتقر إلى نية، فلو رمى رجل شاة بسكين ففرى الأوداج والحلقوم، وهو لا يريد الذكاة؛ لم تؤكل لعدم النية.
وإذا كان ذلك لم تصح ذكاة فاقد 3 العقل من مجنون ولا سكران، ولا صغير لا مَيْز عنده، وتصح إذا كان عنده ميز.
قال مالك: إذا أطاق الذبح وعرفه 4. وتجوز ذبيحة المرأة للحديث: أنَّ أمة لكعب بن مالك - رضي الله عنه - كانت ترعى غنمًا بسلع، فأبصرت بشاة موتًا، فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "كُلُوهَا" أخرجه البخاري ومسلم 5. وفي هذا الحديث خمس فوائد: جواز ذكاة النساء، والإماء، والذكاة بالحجر، وذكاة ما أشرف على الموت، وذكاة غير المالك بغير وكالة.
وأرى أن تؤكل ذبيحة من يترك الصلاة؛ لأنه مسلم.
ومعنى الحديث: أنه 6 ليس بينه وبين أن تجري عليه أحكام الكفر، فيستباح دمه، إلا ترك الصلاة.
ولا يكون كافرًا إلا بالجهل بالمعرفة.
وترك 7 الصلاة لا يزيل المعرفة من القلب.
ولم تحرم ذكاة الكتابي لقول الله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5].
يعني: ذبائحهم.
ومنع ذكاة المجوسي بهذه الآية على من قال بدليل الخطاب، وبقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ

اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121].

فصل [فيما يحل من ذبائح أهل الكتاب]

ذبائح أهل الكتاب تحل بثلاثة شروط: أن يكون المُذكَّى ملكًا لهم، ومما يجوز لهم أكله، ولم يُهلوا به لغير الله.
واختُلف في ذكاتهم ما هو ملك لمسلم، وقد تقدم الكلام عليه، وفي ذبائحهم للصليب ولعيدهم وللكنيسة، وفي ذكاة اليهود كل 1 ذي ظفر، وفيما وجدوه فاسدًا عندهم، وفي شحومهم.
فقال مالك فيما أُهِلَّ به لغير الله، فذبحوه لأعيادهم أو كنائسهم، قال في كتاب محمد: أو لعيسى أو لميكائيل يُكره، ولا أحرمه 2. قال ابن حبيب: وما ذُبح للصليب بمنزلة ما ذبح للكنيسة لا بأس به 3. وعلى هذا يجوز ما ذُبح لعيسى 4 أو لميكائيل أو للصليب.
وقال ابن شهاب فيما ذُبح لأيام يسمي عليها 5 مثل أبي قرقس حلال، لا بأس به.
قال: وقد أحل الله تعالى طعام الذين أوتوا الكتاب، وقد علم أنهم يذكرون 6 مثل ذلك، وكره ذلك مالك 7؛ لقول الله سبحانه: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ

اللَّهِ بِهِ} [النحل: 115]؛ خيفة أن يكون مرادًا بالآية، ولم يحرمه لعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، وأن يكون المراد: غير الكتابي.
والصحيح: أنه حلال.
والمراد فيما أُهِلَّ لغير الله به، وما 1 ذُبح على النصب: الأصنام، وهي ذبائح المشركين.
قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾: هي الأصنام التي كانوا يعبدون في الجاهلية.
قال: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب 2 أصنام 3. وفي البخاري، قال زيد بن عمرو بن نفيل: أَنَا لاَ آكُلُ مَا تَذْبَحُونَ لأَنْصَابِكُمْ 4. يعني: الأصنام.
وأما ما ذبحه 5 أهل الكتاب، فلا يراعى ذلك فيهم، وقد جعل الله سبحانه لهم حرمة، فأجاز مناكحتهم وذبائحهم لتعلقهم بشيءٍ من الحقِّ، وهو الكتاب الذي أنزل عليهم، وإن كانوا كافرين.
ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح؛ لم يجز أن يؤكل شيء من ذبائحهم، إلا أن يُسأل هل سمي المسيح 6، أو ذبح للكنيسة، بل لا يجوز، وإن أخبر أنه لم يسم المسيح؛ لأنه غير صادق.
وإذا لم يجب ذلك؛ حلت ذبائحهم كيف كانت 7. واختُلف عن مالك فيما وجده اليهود من ذبائحهم فاسدًا لأجل الرئة، وهي التي يسمونها الطريف، بالإجازة والكراهة.
فقال مرة: كل ما حرموه

على أنفسهم فليس بحرام في كتاب فلا بأس بأكله ثم كرهه 1 وثبت على الكراهة، ولم يحرمه 2، فكره ذلك لقول الله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، وهذا ليس من طعامهم.
وأجازه؛ لأن المراد من طعامهم: ذبائحهم.
ولأن هذا قصد الذكاة والذبح.
وقوله في ثاني حال: إن كانت على صفة كذا؛ لا آكلها، لا يرفع ما تقدم من الذكاة.
واختُلف في الشحوم؛ فقال في كتاب محمد: هي محرمة 3، وقال في المبسوط: لا بأس به 4. وقاله ابن نافع.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني أكله، ولا أحرمه 5. وحكى ابن القصار عن ابن القاسم وأشهب أنها محرمة.
6 واختلف في تذكيتهم كل ذي ظفر نحو الاختلاف في الشحوم، فقيل: ليس بذكي، وهو حرام.
وقيل: يُكره.
وقيل: جائز.
وقيل: يجوز الشحم؛ لأن الذكاة لا تتبعض.
ولا يجوز هذا.
وقال أصبغ في قول الله -عز وجل-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا...﴾ الآية [الأنعام: 146]، فقال 7: قال أشهب: كل ما كان محرمًا بكتاب الله سبحانه؛ فلا يأكله المسلم من ذبائحهم.
ولا بأس بما

حرموه على أنفسهم.
1 وقال ابن القاسم: لا يؤكل هذا ولا هذا.
وقال ابن وهب: يؤكل ما حرمه الله -عز وجل- عليهم، وما حرموه على أنفسهم.
وهو قول محمد بن عبد الحكم 2. قال: إنما أخبر الله سبحانه عمّا حرم 3 عليهم في التوراة، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحليل ذلك.
واحتج من نصر القول الأول بقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهو ما أحل لهم قبل ذلك.
وقال ابن الجهم: المعنى ذبائحهم.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 4: مضمون الآية: الإخبار عما كان محرمًا في التوراة، وقد نسخ ذلك بما خوطبوا به من الدخول في شرعنا، إلا أنهم معتقدون أن ذلك التحريم باق، وأن هذه الذكاة ليست بذكاة.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم أنها ذكاة بغير نية 5. فسواء كان ذلك 6 المذكَّى مِلْكًا لهم، أو لمسلم وكَّلهم 7 على ذبحه.
ورأى ابن وهب أن ذلك ذكاة؛ لأنه نوى الذكاة، وإن كانت عنده فاسدة 8. ويختلف على هذا لو وكَّل رجلٌ رجلًا على أن يذبح له بعيرًا أو أن ينحر له شاة، والآمر يعتقد أن تلك ذكاة، والمأمور لا يعتقد ذلك، فلا يكون ذكيًّا على

قول ابن القاسم.
وهو ذكِيٌّ على قول ابن وهب؛ لأنه نوى الذكاة لمن وكَّله، واعتقاده أنها ذكاة فاسدة ليس إليه.
ففارق بهذا من رمى شاة بحديدة فذبحها، ولم يرد ذبحها.
ويختلف على هذا، لو ذبح إنسان شاة اقتداء بما رأى الناس عليه من ذلك، وهو لا يعلم أن ذلك شرع، ولا أنها 1 لا تؤكل إلا بذلك.
وأما الشحوم؛ فالأمر فيها أشكل، فيصح أن يقال: إنها محرمة، وأن الذكاة تتبعض كما قال محمد بن مسلمة: إنها تتبعض 2 في شرعنا، فلا تنفع في الدم، وتنفع فيما سواه.
ويصح أن يقال: إنها 3 تنفع في الشحم؛ لأنَّ التبعيض في ذلك لله سبحانه، فإذا نسخ ذلك من شرعهم، وكانت النية للذكاة، موجودة منهم، وصحت؛ كانت للجميع؛ لأن التبعيض منهم لا يصح، بخلاف ما لا يعتقدون ذكاته جملة 4. ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه -، قال: أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالتَزَمْتُهُ وقُلْتُ: لاَ أُعْطِي اليَوْمَ مِنْ هَذَا أَحَدًا شَيْئًا، فَالتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتبَسِّمًا.
أخرجه البخاري ومسلم 5.

باب في ذكاة الجنين

الجنين على وجهين؛ فإن لم توجد 1 فيه حياة لم تنفع فيه ذكاة، ولم يدخل في ذكاة أمه، إن ذُكيت.
وإن جرت 2 فيه حياة صحت ذكاته بانفراده، وأن 3 يدخل في ذكاة أمه إن ذُكيت.
ودليل وجود الحياة عند مالك: أن يتم خلقه، وينبت شعره، قال: لا بدَّ من هذا، وهذا 4. وإذا كان ذلك، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تذكّي أمه فيموت بموتها.
والثاني: أن يخرج حيًّا.
والثالث: أن تلقيه 5 حيًّا من غير ذكاة كانت في الأم.
فإن ذكيت الأم فخرج ميتًا، كانت ذكاة أمه ذكاة له.
وإن خرج حيًّا، ثم مات بالحضرة، وسبقهم بنفسه، كان فيه قولان: فقال مالك في كتاب محمد: يُكره أكله 6. وقال يحيى بن سعيد: لا يؤكل إلا أن يموت قبل خروجه، وبعد ذكاة أمه 7. وقاله ابن الجلاب 8. قال: وإذا انفصل الجنين حيًّا، واستهلَّ صارخًا؛ انفرد بحكم نفسه، ولم

يحل بذكاة أمه.
وقال ابن حبيب: إن خرج وبه من الحياة ما يرى أنه يعيش لو ترك أو شك فيه؛ لم يؤكل إلا بذكاة، وإن 1 لم تكن ذُكيت الأم.
وإن ألقت 2 ولدها ميتًا؛ لم يؤكل.
وكذلك إذا كان به من الحياة ما يرى أنه لا يعيش أو شك فيه هل يحيا؟ 3 لم يؤكل 4، وإن أدركت ذكاته.
وإن كانت حياة بيّنة يرى أنه يعيش لو ترك صحت ذكاته.
والأصل في دخوله في ذكاة الأم: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ"، وهذا حديث صحيح 5 ذكره الترمذي، وذكره غيره 6. تمَّ كتابُ الذبائح بحمدِ الله وحُسن عونه

جارٍ التحميل