التبصرة للخميصفحات 2285-2325

كتاب الظهار

صفحات 2285-2325

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370) 4 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

كتاب الظهار

باب في تحريم الظِّهار ومن نوى الظهار ولم ينطق به أو نطق به وأراد به الطلاق

الظهار محرم لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] وذكر الظهار ها هنا كناية عن الوطء؛ لأن الظَّهْرَ موضع الركوب، والمرأة مركوبة حين الغشيان.
فمن تعدى وظاهر لزمه ذلك حسب ما ورد به القرآن، فإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ 1 كأمي- كان مظاهرًا، وإن لم يذكر الظَّهْرَ، فقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، أو كأمي سواءٌ.
وقال مالك 2 في كتاب محمد: إذا قال: أنتِ أمي إن فعلتِ كذا وكذا، ففعلتْه 3، أنه مظاهرٌ 4. وهذا لقصد الحالف، ليس بمجرد اللفظ؛ لأن الظهار أن 5 يجعلها حرامًا كأمه، ومقتضى قوله: أنتِ أمي أن تكون الزوجة أُمًّا، وهذا

مستحيل أن يكون شخصاهما شخصًا 1 واحدًا، ولو قال: لا أمسك حتى أمسَّ أمي- لم يكن مظاهرًا، قال ابن القاسم في العتبية: فليمسها 2، ولا شيء عليه 3. ولم يره مظاهرًا؛ لأنه لم يلحقها بها في التحريم، ولم يشبهها بها 4، ولو أراد بذلك التحريم لكان طلاقًا 5. واختلف إذا قال أنتِ أحرم عليَّ من أمي، فقال محمد: هو ظهارٌ 6. وقال ابن القاسم في العتبية: هي طالق البتة 7. فوجه الأول: أنه ليس في بنات آدم أحرم عليه من أمه 8، فلم يلزمه أكثر من الظهار.
ووجه الثاني: أنه لم يعلق التحريم بها، وإنما علقه بغيرها، فخرج عن الظهار، وجرى على الحكم فيمن حرم زوجته، ولم يذكر أمه.
واختُلف أيضًا إذا قال: أنت عليَّ حرامٌ مِثْلَ أمي، فقال ابن القاسم: هو ظهارٌ 9. وفي مختصر الوقَار: أنها طالق البتة.
فإن راجعها بعد زوج- لم يطأها حتى

يكفر كفارة الظهار، وهذا جواب من أشكل عليه الأمر، هل يكون حكم هذا اللفظ الطلاق أو الظهار فألزمه إياها.
فإن قال: أنتِ عليَّ كبعض من حَرُمَ عليَّ مِنَ النِّساءِ- كان مظاهرًا؛ لأن الأم والأخت ممن حرم عليه من النساء.
واختُلف إذا قال: أنتِ حرامٌ مثل كل شيء حرمه الكتاب (1)، فقال مالك في المبسوط، وابن القاسم في العتبية: هو طلاق الثلاث، بمنزلة الميتة والدم وقال ربيعة: هو ظهار؛ لأن الكتاب حرم عليه أمه والميتة (2). قال الشيخ -رحمه الله-: القياس أن يلزماه جميعًا: الطلاق والظهار؛ لأن الكتاب حَرَّمَ عليه أمه والميتة، إلا أن تكون له نية في أحدهما.

فصل [فيمن تلفظ بالطهاروهو يجهل حكمه]

ومن قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وأراد به الطلاق، وهو ممن يجهل حكم الظهار، ويرى أنه طلاق- كان مظاهرًا غير مطلق، وفي مثل هذا نزل القرآن، وقد كان الظهار عندهم طلاقًا؛ فأنزل الله عز وجل فيه 3 الكفارة.
واختلف إذا كان عالمًا بموجب 4 ذلك، وأراد به الطلاق، فقال ابن عبد الحكم: في كتاب محمد: هو ظهار، ولا يلزمه طلاق 5. وقال ابن القاسم في12

كتاب ابن سحنون: يلزمه طلاق الثلاث، ولا تنفعه نيته إن نوى واحدة (1). وقال سحنون: له ما نوى (2). وهو أحسن؛ لأنه لم يُرِدْ أن يحرمها على نفسه، وإنما ألزم الطلاق بالنية لا باللفظ، وإذا كان ذلك لم يلزمه سوى ما نوى.
واختلف أيضًا إذا قال: أنت عليَّ حرام كأمي، ولم يسمِّ ظَهرًا وأراد به الطلاق، فقال في المدونة: يكون طلاقًا 1، وذكر سحنون عن غيره أنه يكون ظهارًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: تسميته الظهر وعدمه سواء، ولا حكم لِذِكْرِ الظَّهْرِ، وإنما هو كناية عن الوطء، والمعنى: وطؤك عليَّ حرامٌ كوطء أمي، وإذا كان ذلك فقد تضمنت المسألة لفظًا بالظهار بغير نِيَّةٍ، أو بنية للطلاق 2 بغير نطق 3. وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: فيمن كان له عبدان -ناصح ومرزوق- فَدَعَا ناصحًا، فأجابه مرزوق، فقال: أنتَ حرٌّ، فقيل: يعتق ناصح 4؛ لأنه هو 5 الذي نوى 6، وهذا موافق للقول بلزوم الطلاق دون الظهار.
وقيل: يعتق مرزوق فإن كان عتق بغير نية وهو موافق للقول بلزوم (1، 2) انظر: النوادر والزيادات: 5/ 291.

الظهار (1)، وقيل: يعتقان جميعًا؛ لأنه حصل في ناصح نية بغير نطق، وفي مرزوق نطق بغير نية، وعلى هذا يلزم (2) الظهار والطلاق.
وقيل: لا يعتق واحد منهما؛ لأن النية بانفرادها لا يلزم بها عتق، ولا طلاق، والنطق بغير نية لا يلزم به شيء أيضًا، فعلى هذا لا يلزم ظهار ولا طلاق.

فصل [في اختلاف ألفاظ المظاهر في ظهاره]

لا يخلو المظاهر من أربعة أقسام 3: إما أن يجعل جملة الزوجة كجملة الأم، أو البعض كالبعض، أو البعض 4 كالجملة، أو الجملة كالبعض، فيقول: أنت عليَّ كأمي، أو ظهرك عليَّ كظهر أمي، أو رأسك كرأسها 5 أو كبطنها أو فخذها، أو رأسك أو فخذك كأمي، أو أنت كرأسها أو فخذها 6 أو بطنها، وأي ذلك قال وعلق التحريم به كان له حكم الظهار، وهذا إذا نوى تحريم الوطء في ذلك العضو الذي علق به التحريم من الزوجة.
ويختلف إذا نوى تحريم ما سوى الوطء، فقال: قُبْلتك أو ملامستك أو مضاجعتك عليَّ كظهر أمي، فعلى قول مالك- لا ينعقد فيه ظهار؛ لأنه قال في المظاهر: لا يقبِّل ولا يباشر؛ لأن ذلك لا يدعو إلى خير 7، فجعل منع ذلك12

حماية، خيفة أن يقع في الإصابة، ليس أنه يتعلق به الكفارة.
وقال أصبغ فيمن أخذ في الصيام عن ظهاره ثم قبّل أو باشر: لا شيء عليه.
وقال عبد الملك: يفسد صيامه، ويستأنفه.
وقاله سحنون، ثم رجع إلى أنه على صومه.
فعلى قول عبد الملك- يكون مظاهرًا إذا علق بذلك الظهار، إذا عم الظهار أو أفرد ذلك بالنية أو النطق، ومن لم يفسد به الصوم لم يجعل ذلك مما يتعلق به الظهار سواء أدخله في الجملة، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أفرده بالنية أو بالنطق، فقال: قُبْلتك أو مباشرتك عليَّ كظهر أمي، بخلاف من حرم الوطء.
فإن قيل: إنما لم يكن داخلًا في قوله: أنت عليَّ كظهر أمي؛ لأن المظاهر لم يقصد ذلك، وأن اللفظ إنما يتضمن الوطء، ولو قصد تحريم ما سواه، لانعقد به الظهار.
قيل: يلزمه على هذا أن تكون له نية إذا حرم الوطء في الفرج خاصة، وأبقى ما سوى ذلك من جسدها لا يكون حرامًا عليه، ولا يدخل في الظهار إلا ما نواه.

باب في الظهار بالجدّات والأخوات والأصهار والأجنبيات

الظهار ينعقد بمن سوى الأم من ذوات المحارم، كالجدة والخالة والعمة 1 والأخت والابنة وبنت الابن والبنت، كن من النسب أو الرضاعة، واختلف في انعقاده بالأجنبيات وبالذكران أصهارًا 2 كانوا أو غيرهم 3، فأما الأجنبيات فاختلف فيهن على خمسة أقوال: أحدها: أنه ظهار إلا أن يريد به الطلاق.
والثاني: أنه 4 طلاق إلا أن يريد به الظهار 5. والثالث: أنه ظهار وإن أريد به الطلاق 6. والرابع: أنه طلاق وإن أراد به الظهار 7. والخامس: أنه لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا.
فقال ابن القاسم: إن سمى الظهار كان ظهارًا، فإن قال: أنتِ عليَّ كفلانة كان طلاقًا، قال: لأنه إذا سمَّى الظَّهر علمنا أنه أراد الظِّهار 8.

فجعل ذلك إلى إرادته ونيته، وقال سحنون في السليمانية: إن لم يرد به الظهار فهو تحريم.
وقال محمد بن المواز: هو ظهار، وإن نوى به الطلاق 1، قال: وهو قول مالك وأصحابه.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: هو طلاق، ولا يكون الظهار إلا في ذوات المحارم، وهو الذي نزل فيه القرآن 2. وقال مطرف: إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر ابني أو غلامي لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وإنه لمنكر من القول 3. يقول: لا يكون ظهارًا لأنه غير ما نزل فيه القرآن، ولا يكون طلاقًا؛ لأنه لم ينوه، وإنما نوى ما يرى أنه تبقى معه العصمة، وعلى هذا يكون الظهار بالأجنبي غير منعقد؛ لأنه خارج عما نزل فيه القرآن، ولا يكون طلاقًا؛ لأنه لم ينوه، وإنما نوى ما يرى أن العصمة تبقى معه.
واختلف إذا لم يسم الظهر، فقال: كفلانة على قولين: فقال ابن القاسم في المدونة: هو طلاق 4. وقال أشهب في كتاب محمد: هو ظهار، إلا أن يريد الطلاق.
وعلى قول مطرف لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، فإن قال: كفلانة، وقال: نويت غير الظهار لم يكن مظاهرًا قولًا واحدًا.

فصل [في الظهار بالأجنبيات]

فإن قال: أنتِ عليَّ كظهر فلانة الأجنبية إن دخلت هذه الدار، ثم تزوج فلانة، ثم دخل الدار- فقال سحنون: لا شيء عليه، ويسقط عنه الحنث لما كانت يوم الدخول زوجة، فأشبه من قال: أنت عليَّ كظهر زوجتي 1. وقد اختلف في هذا الأصل هل يراعى حالها يوم اليمين أو يوم الحنث؟ وحَمْلُها على حالها يوم اليمين أحسن؛ لأن ذلك مقصده، ولا يحمل عليه 2 أنه أراد غير ذلك إلا أن يقال 3: إنه لما كان على بِرٍّ في يمينه كان له ألا يفعل، بخلاف من كان على حنث، فله وجه.
وإذا ظاهر بغير الإناث فقال لها 4: أنت عليَّ كظهر أبي أو ابني أو صهري أو غلامي- كان عند ابن القاسم مظاهرًا 5. وقال مطرف: لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وعلى قول عبد الملك يكون طلاقًا.

باب في ظهار المجبوب والمعترض والشيخ الفاني والمحرم والصبي والمجنون والنصراني والسكران والظهار من ملك اليمين.

اختلف في انعقاد الظهار على من لا يصح منه وطء، فقال عليّ بن زياد في كتاب ابن سحنون في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني: لا يلزمهم ظهار، قال: لأنهم لا يَصِلُونَ إلى الوطء 1. وقاله سحنون، ورأى أن القبلة 2 والمباشرة لا ينعقد بهما ظهار، وهو قول مالك في المدونة، لقوله: لأن ذلك لا يدعو إلى خير 3. وقد تقدم ذلك، وقول ابن الماجشون أحسن 4 في ذلك؛ لأنه كالوطء يوجب الابتداء على من أخذ في الصوم، وينعقد على المجبوب وغيره ممن لا يصلح للإصابة 5. وظهار المحرم على وجهين، فإن قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي ما دمت محرمًا - لم ينعقد عليه ظهار؛ لأنها في تلك الحالة عليه كظهر أمه، وهو بمنزلة من ظاهر، ثم ظاهر 6؛ فلا يلزمه الثاني؛ لأنها بالأول عليه حرام كظهر أمه، وإن قال:

أنتِ عليَّ كظهر أمي ولم يقيد، فيقول: ما دمتُ محرمًا- لزمه الظهار؛ لأن يمينه مع الإطلاق تتضمن جميع الأزمنة، اليوم وما (1) بعده.

فصل [في ظهار من لا يصح منه الطلاق]

ظهار من لا يصح طلاقه ساقط كالمجنون والصبي والنصراني والسكران وفقيد العقل (2) على اختلاف فيه (3)، ويصح ممن يصح طلاقه، وإن كان ممنوعًا من المال كالسفيه والعبد (4)، ولا خلاف في ذلك، واختلف في صفة دخول الإيلاء والظهار عليهما، لعدم الوطء.

فصل [في الظهار من الزوجات وملك اليمين]

الظهار يصح من الزوجات وملك اليمين، فأما الزوجة فتستوي فيه 5 الحرة والأمة والنصرانية، والصغيرة التي لا يجامع مثلها، والرتقاء والحائض؛ لأن الاستمتاع يصح منهن 6، وإن تعذر في بعضهن في موضع مخصوص، لم يتعذر في سائر الجسد، ويفترق الجواب في ملك اليمين، فينعقد الظهار فيمن يجوز له وطؤها كالأمة؛ يكون جميعها له، وأم الولد والمدبرة.1234

ولا ينعقد فيمن لا يجوز له 1 وطؤها كالأمة يكون له فيها شِركٌ، والمعتقة إلى أجل والمعتق بعضها؛ لأنهن عليه 2 حرام 3، كظهر أمه قَبل قوله ذلك.
وقال سحنون في المكاتبة مثل ذلك: هي كالمعتقة إلى أجل.
وأرى ألا شيء عليه إذا عجزت؛ لأن مقتضى يمينه على 4 ما كانت عليه ذلك اليوم، إلا أن ينوي: أدت أو عجزت، فيلزمه ذلك إذا عجزت، وكان بمنزلة من ظاهر من أجنبية، فقال: أنتِ عليَّ كظهرِ أُمِّي اليوم إن تزوجتك، فلا يلزمه اليوم، ويلزمه إن تزوجها 5.

باب في الظهار إلى أجل وإلى قدوم فلان، ومن قال: أَنتِ عليَّ كظهر أمي اليوم إن دخلتِ الدار

الظهار على وجهين: مطلق ومقيد: فالمطلق: ما لم يعلق بشرط 1 كقوله: أنت عليّ كظهر أمي، لا يزيد على ذلك، وهذا لا ينحل عنه بمرور وقتٍ، ولا يحله إلا الكفارة بعد العودة.
والمقيد: على أربعة أوجه: أحدها: أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي من اليوم إلى شهر أو إلى سنة.
والثاني: أن يقول: إذا مضى شهر أو سنة فأنتِ عليَّ كظهر أمي.
والثالث: أن يعلقه بشرط لا يدري أيكون 2 أو لا يكون، كقوله: إلى قدوم فلان، أو ما أشبهه.
والرابع: أن يجعله يمينًا، فيقول: إن كلمت فلانًا 3 أو دخلت دار فلان فأنت عليَّ كظهر أمي، فإن قال: أنتِ عليّ كظهر أمي من الآن إلى شهر أو إلى سنة كان في المسألة قولان، فقال في المدونة: يلزمه الظهار، وإن خرج ذلك الوقت 4. يريد: وإن لم يعد قبل ذلك في الأجل.
وروى عنه مطرف في مختصر ما ليس في المختصر أنه قال: لا شيء عليه إذا

خرج الأجل قبل أن يعود، وفرَّق بينه وبين الطلاق.
وذكر عن ابن عباس مثل ذلك، وهو أحسن، لحديث سلمة 1 بن صخر أنه ظاهر من زوجته 2 حتى يمضي رمضان، فلما مضى النصف وقع عليها ليلًا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "أَعْتِقْ رَقَبَةً..." الحديث، وهذا حديث صحيح، رواه الترمذي في جامعه 3، فهذا صاحبٌ كان يرى ذلك، أن يضرب للظهار أجلًا، وذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره عليه، ولو كان الأمر بخلافه لأعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعكسه أن يقول: إذا مضى شهر أو سنة فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فإنه يلزمه الظهار من الآن، وعلى قوله الآخر: لا يكون مظاهرًا 4 حتى يأتي ذلك الأجل، وقد اختلف الناس في الطلاق إلى أجل، والظهار أخف 5. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي إلى قدوم فلان، لم يكن مظاهرًا حتى يقدم فلان، بمنزلة من قال: أنت طالق إلى قدوم فلان، أنها لا تكون طالقًا حتى يقدم 6. وقد يفرَّق بين السؤالين: فيلزمه الظهار الآن، ولا يلزمه الطلاق حتى

يقدم؛ لأن (إلى) بابها انتهاء الغاية 1، فيجب أن تحمل على موضوعها 2 حتى يقوم الدليل على أنه أريد 3 بها الشرط، والمفهوم من قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي إلى قدوم فلان- أنها من الآن عليه كظهر أمه حتى يقدم، وأيضًا فإن له وجهًا يقصده الحالف أن يكون مظاهرًا ما بينه وبين القدوم، وقد فعله صاحبه، وليس يقصد أحد أن يكون طالقًا الآن وتعود زوجة إذا قدم فلان 4، وكذلك قوله: أنتَ حرٌّ إلى قدوم فلان 5، ليس القصد أن يكون حرًّا الآن، ثم يعود في الرق بعد قدومه، ويصح أن يريد: أنت عليَّ كظهر أمي من الآن إلى قدوم فلان خاصة 6، وإذا كان ذلك- وجب حمله عند عدم النية على ما يوجبه اللفظ، إلا أن يريد غيره.
وإن قال: إذا قدم- لم يلزمه ظهار حتى يقدم، وإن قال: أنت عليَّ كظهر أمي إن دخلت هذه الدار اليوم 7 أو كلمت فلانًا اليوم، فمضى ذلك اليوم ولم يدخل ولم يكلم- سقط عنه اليمين.
واختلف إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي اليوم إن دخلت الدار أو كلمت فلانًا، فجعله ابن القاسم كالأول لا شيء عليه إذا مضى ذلك 8 اليوم 9.

وقاله مالك ومطرف وابن عبد الحكم.
وقال محمد بن عبد الحكم فيمن قال: أنت طالق اليوم إن كلمتُ فلانًا غدًا، قال: إن كلمه غدًا فلا شيء عليه، وإن كلمه اليوم حنث؛ لأن ذلك الغد مضى وهي زوجة، وقد انقضى وقت وقوع الطلاق، وكان تعليق الطلاق به بعد ذلك في معنى المستحيل، وقيل: يلزمه الحنث، وإن جعل اليوم ظرفًا للظهار والطلاق، وإن وقع الحنث بعد ذلك اليوم، ويلزم على هذا أن يقول: لو تقدم له وطء زوجته بعد يمينه ثم حنث أن يكون عليه الكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب الطلاق من كتاب محمد فيمن قال لامرأة 1: إن تزوجتك فأنت طالق غدًا، فإن تزوجها قبل الغد فهي طالق، وإن تزوجها بعد مضي الغد 2 لم تطلق 3.

باب فيمن ظاهر من أربع نسوة ظهارًا واحدًا أو كرر الظهار على امرأة واحدة

اختلف إذا جمع أربع نسوة في ظهار واحد فقال: أنتن عليَّ كظهر أمي إن كلمتكن، فقال في المدونة: عليه ظهار واحد 1. وذكر 2 ابن خويز منداد 3 قولًا آخر أن عليه لكل واحدة كفارة.
واختلف أيضًا إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، فقال في المدونة: كفارة واحدة تجزئ 4، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: عليه في كل امرأة يتزوجها الكفارة، وإن قال: من أتزوج منكن أو من دخل الدار منكن أو من كلمتها كان قد أفرد كل واحدة بيمين، وعليه لكل واحدة كفارة.
وقال مالك 5 في كتاب محمد: إن قال: من أتزوج من النساء فهي عليَّ كظهر أمي عليه كفارة واحدة 6.

والقياس في هذا أن يكون عليه في كل واحدة كفارة؛ لأنه قد أفرد بقوله من (1)، وكذلك إذا قال: أيتكن تزوجت أو كلمت أو دخلت كان قد أفرد كل واحدة بيمين فلم ير مالك عليه في القول الأول إذا قال: أنتن (2) إلا كفارة واحدة؛ لأن العتق كفارة عن القول، قال ابن الماجشون في كتابه: إنما هي الكلمة الواحدة لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، فرأى مرة أن الطلاق كان (3) عندهم بالظهار، فقد كانت كل واحدة تطلق بتلك الكلمة، فجعل الكفارة عوضًا عن الطلاق.
واختلف إذا قال: إن دخلتن فدخلت الدار (4) واحدة منهن، فقال (5) ابن القاسم: لا شيء عليه حتى يدخل جميعهن، وقيل: يحنث فيهن جميعًا بدخول واحدة، ويوقف عنهنَّ، وقال (6) أشهب: يحنث فيمن دخلت خاصة، ولا شيء عليه في الأخرى حتى تدخل، فجعل لكل واحدة ظهارًا وكفارة لكل واحدة.

فصل [في تكرار الظهار على المرأة الواحدة]

تكرار الظهار على المرأة الواحدة على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون ذلك مجرَّدًا من اليمين كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ123456

عليَّ كظهر أمي.
والثاني: أن يعلق ذلك فيها بيمين، فيقول: إن دخلتِ الدار فأنت عليّ كظهر أمي 1، ثم يقول بعد ذلك 2: إن لبست هذا 3 الثوب فأنت عليَّ كظهر أمي.
والثالث: أن يكون الأول مجردًا عن اليمين 4، والثاني معلقًا بيمين.
والرابع: أن يكون الأول معلقًا بيمين، والآخر مجردًا من اليمين.
فإن كرر ذلك بغير يمين كان ظهارًا واحدًا، وكفارة واحدة، وصار في قوله الثاني كالواصف لها 5؛ لأنها بأول مرة هي عليه كظهر أمه، إلا أن يكون قوله الثاني على وجه التزام الكفارة فيلزمه، ولا 6 يكون له حكم الظهار، فإن نوى العودة وكفَّر عن الأول جاز له الوطء 7، وإن لم يكفر عن الثاني، وإن علق الظهار بيمينين 8، فقال: إن دخلت الدار، ثم قال: إن لبست هذا الثوب، فحنث في إحداهما ونوى العودة، وكفَّر ثم حنث في الأخرى كان عليه كفارة أخرى إذا نوى العودة 9.

واختلف إذا لم يكفر حتى حنث 1 في اليمين الأخرى، فقال المخزومي وعبد الملك بن الماجشون: كفارة واحدة تجزئه، وظاهر قول ابن القاسم في المدونة أن عليه لكل يمين كفارة، ومثله إذا لم يكفر عن يمينه حتى أوقع الظهار مجردًا من اليمين، فعلى القول الأول، عليه كفارة واحدة، وقال ابن المواز 2: عليه كفارتان 3. وإن كان الأول ظهارًا مجردًا ثم حلف فحنث قبل أن يكفر عن الأول، كان عليه كفارتان على قول محمد، وعلى قول المخزومي: كفارة واحدة عن الأول، وفرق أصبغ في المستخرجة إذا كان ظهاران أحدهما بيمين والآخر بغير يمين، فإن تقدم ما كان بيمين وحنث 4 ثم أردف ظهارًا مجردًا من اليمين كان عليه كفارة واحدة، وإن تقدم ظهار بغير يمين ثم حلف فحنث كان عليه كفارتان، فقال مالك 5 فيمن ظاهر بيمين فحنث وابتدأ الصيام فلما صام أيامًا ظاهر منها بغير يمين، ابتدأ الصوم عن الظِّهارين وسقط ما مضى منه، وإن جرد الظهار من اليمين الأول وابتدأ الكفارة عن الثاني 6 ثم ظاهر بيمين فحنث أتم الأول، وابتدأ الصيام عن الثاني، قال: هذا خلاف الأول، قال 7: لأن هذا وجب عليه بالحنث، ولم يكن هو أدخله على نفسه ابتداء فيكون تأكيدًا للأول، فعليه كفارتان 8.

باب فيمن أوقع الطلاق والظهار معًا

ومن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وهي عليَّ كظهر أمي فتزوجها، لزماه جميعًا: الطلاق والظهار.
وكذلك إذا قال ذلك في مجلسين وبدأ بالطلاق أو بالظهار؛ لأن اليمين الأول لم تقع على زوجته ولم توجب طلاقًا، وإنما هي معلقة بما يتزوج في المستقبل، فإذا تزوج وقعا معًا 1، ولا يقال أن أحدهما سبق الآخر، ولو قال 2 ذلك في زوجة في عصمته لم يدخل بها، وابتدأ بالطلاق، فقال: أنتِ طالق وأنتِ عليَّ كظهر أمي لزمه الطلاق دون الظهار، وفرق بين ذلك، وبين قوله أنتِ طالق، وأنتِ طالق، فقال: يلزمه تطليقتان، وإن كانت الطلقة 3 الثانية عطفت على مطلقة بانت 4، ولو كانت مدخولًا بها فقال لها: أنتِ طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، لزماه جميعًا لأنَّ الظهار ينعقد لو انفرد على المطلقة طلاقًا رجعيًّا، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا وأنتِ عليَّ كظهر أمي 5 لزمه الطلاق دون الظهار 6، وكانت كالتي لم يدخل بها إلا أن يقدم الظهار في السؤالين جميعًا، فيلزمه الطلاق والظهار.

وقوله في الظهار بعد الطلاق حسن لقول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]، وهذه بنفس الطلاق قد خرجت من أن تكون من نسائهم وصارت بنفس الطلاق عليه كظهر أمه، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب إذا قال: أنت طالق وأنت طالق 1؛ لأنها قد خرجت من العصمة بنفس الطلاق الأول، ووقعت الثانية على غير زوجة، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي.
ولو علق ذلك بالتي في عصمته بيمين، فقال: إن دخلتُ الدار فأنتِ طالقٌ، وأنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم دخل لزمه الطلاق والظهار، وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدار، ثم قال بعد شهر: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلتِ الدار أو 2 كلمتِ فلانًا؛ لأن اليمين بالظهار وقعت، والزوجة في العصمة، فلزماه جميعًا، وإن لم يكن دخل بها.

باب فيمن ظاهر وآلى أو آلى بالظهار أو حلف بالظهار ليفعلن

وإذا آلى وظاهر فقال: والله لا أطؤك وأنتِ عليَّ كظهر أمي، كان للزوجة أن توقفه عند مضي الأربعة أشهر من يوم قال 1. ويختلف فيما يلزمه حينئذ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مخاطب حينئذ بالإيلاء خاصة، فإن كفر كفارة الإيلاء سقط مقالتها، ثم يضرب الأجل للظهار 2. والثاني: أنه مخاطب بالكفارتين جميعًا، كفارة الإيلاء وكفارة الظهار.
والثالث: أنه مخاطب بكفارة الظهار، ثم بالإصابة لا يجزئه غير ذلك؛ لأنه قد اجتمع إيلاء وظهار.
وقد اختلف في حكم كل واحد منهما 3 بانفراده، فقيل في الإيلاء: يسقط بالكفارة 4، وقيل: لا يسقط إلا بالإصابة، وقيل: في الظهار إن الأجل من بعد الرفع، وقيل: من 5 يوم ظاهر كالإيلاء 6. ثم يختلف هل يسقط حكمه بالكفارة أو الإصابة بعد ذلك، فعلى القول

أن الإيلاء يسقط حكمه (1) بالكفارة، وأن الأجل في الظهار من بعد الرفع يجزئه إذا أخرج كفارة الإيلاء، ولا شيء عليه إلا أن يقوم بالظهار فيضرب له الأجل، وعلى القول إن الأجل (2) من يوم ظاهر يكون لها أن تقوم بإخراج الكفارتين جميعًا، وعلى القول أنه مخاطب في الإيلاء بالإصابة يلزم بإخراج كفارة الظهار، ثم بالإصابة وهو أحسن؛ لأن الزوجة لها حق في الإيلاء بالإصابة (3) فعليه أن يرفع كل شيءٍ يمنع منه.

فصل [في حكم الإيلاء والظهار]

وقال ابن القاسم فيمن قال: إن قربتكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي، إنه مولٍ حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط الإيلاء ولزمه الظهار 4، وقد اختلف في الوجهين جميعًا في انعقاد الإيلاء، وفي إباحة الوطء 5، فقال مرة فيمن حلف ألا يطأ بعتق ما يملكه ليس بمولٍ؛ لأنه إن وطئ لم يكن عليه عتق، فعلى هذا لا يكون موليًا حتى يصيب فينعقد عليه اليمين.
واختلف في الوطء على أربعة أقوال، فقيل: يمنع الوطء جملة؛ لأن مغيب الحشفة يوجب الحنث والنزع 6 وطء ممن وقع عليه الظهار، وقيل: له مغيب123

الحشفة، ثم ينزع لأنَّ النزع 1 ليس بوطء عنده، ولو نزع بعد طلوع الفجر لم يكن مفطرًا، وقيل: يطأ ولا ينزل.
وقيل: ذلك له، وإن أنزل فقال محمد: يمنع من الإصابة 2. وقال مطرف في الثمانية: يجوز من ذلك ما يوجب الغسل.
وظاهر المدونة أن له الإصابة التامة، ثم ينعقد عليه الظهار، ولا تلزمه الكفارة إلا أن يطأ بعد ذلك 3، وقيل في الحالف بطلاق البتة: إن وطئ زوجته إن له أن يصيبها وينزل ثم يحنث 4، فعلى هذا يكون له أن ينزل ثم ينعقد عليه الظهار، واختلف بعد القول إنه يمنع منها، هل يعجل الطلاق، ففي كتاب محمد قولان: أحدهما: أنه يعجل عليه الطلقة، إذ لا بدَّ له من الطلاق، والآخر: أنه يصبر 5 عليه حتى تتم 6 الأربعة أشهر فتطلق عليه، قال: ولا رجعة له غير أنهما يتوارثان 7. يريد 8: لأن الأصل في الطلقة الواحدة إذا كانت بعد البناء وليست على وجه الفداء أن فيها الرجعة والميراث، فامتنعت الرجعة ها هنا لحق الزوجة؛ لأن الرجعة ليصيب، وهذا ممنوع من الإصابة، فإن رضيت الزوجة جاز، وكانت رجعة على الصحيح من المذهب.

ولا أرى لها في العدة نفقة إذا كانت غير ممكنة من الرجعة، فكذلك إذا رضيت على القول إنه لا يجوز رضاها في ذلك، وإن الرجعة لا تصح.
وقد اختلف في النفقة مع بقاء الزوجية إذا نشزت هل لها نفقة؟ فهو في هذا أبين، وقال محمد فيمن قال: إن لم أكلم فلانًا فأنت علي كظهر أمي، ولم يضرب أجلًا، قال: هذا مما ليس له تعجيل الكفارة، ولا الحنث، فلا يطأ؛ لأنَّ موت المحلوف عليه يوجب الكفارة بمنزلة أن لو ضرب أجلًا فإن كفر قبله 1 لم يجزئه.
فجاوب في هذا على أصله أن حياة المحلوف عليه كالأجل، وعلى القول الآخر إنه ليس كالأجل يكون له أن يلزم الحنث ثم ينوي العودة إن أحب ويكفر.

باب في دخول الإيلاء على الظهار

يدخل الإيلاء على الظهار؛ لأن الظهار يمنع الوطء، فلها أن تقوم بحقها في ذلك كما تقدم إذا آلى، والأجل فيه أربعة أشهر كأجل الإيلاء.
وقد اختلف عن مالك هل الأجل من يوم ظاهر أو من يوم ترفعه، والأول أحسن؛ لأن المظاهر قاصد إلى تحريم الوطء، ومعنى الظهار: أنَّ وطأَكِ عليَّ حرامٌ كوطء أمي، والمولي قاصد إلى (1) الامتناع باليمين، وليس بمنزلة من حلف بالطلاق ليفعلن، فإن الأجل من يوم رفعه؛ لأنه لم يقصد الامتناع من الوطء، ولعل الحالف بالطلاق ليفعلن جاهلًا (2) لا يعلم أن يمينه (3) يمنعه من أهله، ولأنه لو وطئ ما حنث في الطلاق.

فصل [في دخول الإيلاء على المظاهر]

الإيلاء يدخل على المظاهر إذا كان قادرًا على إسقاط الظهار بإحدى الكفارات الثلاث 4 التي ذكر الله عزَّ وجلَّ، فإن كان معسرًا وعاجزًا عن الصوم وكان العجز والعسر أمرًا طرأ بعد عقد الظهار لم يدخل عليه إيلاء، فإن كانت تلك حاله حين ظاهر دخل عليه الإيلاء؛ لأن الظهار تحريم123

الوطء 1، فإذا عقده 2 على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله كان قد قصد الضرر بنفس الظهار، ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء رجاءَ أن يحدث له رأي في ترك القيام 3، وإلى هذا يرد ما في الرواية في ظهار المعسر.
وإذا كان ذلك طارئًا بعد الظهار لم يدخل عليه إيلاء، ولم يطلق عليه عند الأربعة أشهر، وإن للزوجة القيامَ بالفراق إذا تطاول عجزه عن إحدى الكفارات الثلاث، قال مالك في كتاب محمد: إذا لم يتبين ضرره فلا يوقف إلا 4 أن يتطاول 5. فجعل لها القيام حينئذٍ لما كان هو سبب الامتناع 6 بخلاف من دخل الامتناع عليه بالجباب والخصاء أو علة منعت ذلك منه؛ لأنه لا سبب له فيه، والظهار له فيه سبب.
وقد قال مالك فيمن قُطع ذكره بعد البناء إن لزوجته أن تقوم بالفراق، فالمظاهر أولى، وإذا كان عاجزًا عن العتق وقادرًا على الصيام كان عليه أن يقدم الصوم قبل انقضاء الأربعة الأشهر فلا ينقضي الأجل إلا وقد وفّى به، وحلّت له الزوجة ويبين ذلك للزوج إذا كان ممن يجهل ذلك 7 الحكم، فإذا قامت

الزوجة وضرب له الأجل، قيل له: عليك أن تقدم الصوم بمدة فلا يأتي الأجل إلا وقد حلت الزوجة، وكذلك الجواب على القول أن الأجل من يوم ظاهر يؤمر بمثل ذلك.
واختلف إذا انقضت الأربعة الأشهر ولم يصم هل تطلق عليه أو يصبر عليه ليصوم؟ فقال ابن القاسم: يكون لها أن توقفه 1، قال سحنون: وروى غيره أن وقفه لا يكون إلا من بعد 2 ضرب السلطان الأجل 3. وقال ابن القاسم أيضًا: إذا قال بعد مضي الأربعة أشهر: دعوني أصوم شهرين إنه يؤخر 4. والقول الأول أحسن، ولا يزاد في الأجل فوق ما جعل الله عز وجل له 5 إلا أن يكون الزوج ممن يجهل الحكم ولم يبين 6 له، فقد يعذر.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتابه: إن ابتدأ صوم الشهرين بعد ضرب السلطان الأجل بما 7 قد تنقضي الأربعة الأشهر 8، ويبقى عليه من صومه إنه يطلق عليه، فإن انقضى الصوم وهي في العدة كان له أن يرتجع، وإن ارتجع 9 قبل انقضاء الصوم ثم انقضى الصوم،.............

وهي في العدة 1 كانت رجعته رجعة صحيحة 2، قال: ولو ابتدأ الشهرين في الأربعة عندما ضربت له 3 فمرض حتى صار لا يتم له في الأربعة لم يطلق عليه، وإن كان توانى وأفطر لغير عذر طلق عليه 4، وليس قوله في 5 هذا الآخر بالبين؛ لأنه يقول لم يكن علي أن أبتدئ الصوم في أول الأربعة ولي أن أؤخر وأبتدئ بعد مضي شهرين؛ لأنها مدة أقدر على الفيء فيها.
ويختلف إذا كان ممن يقدر على العتق والإطعام 6، فقال عند مضي الأربعة: دعوني حتى أعتق أو أطعم، فقالت الزوجة: لا أؤخره.
قال محمد في هذا الأصل: لا يؤخر ولا يزاد في أجل الإيلاء ولا يؤخر 7.

باب فيمن ظاهر وهو معسر فأيسر أو دخل في الصوم وهو معسر ثم أيسر

من ظاهر وهو موسر فأعسر أو معسر فأيسر، أو صحيح فمرض أو مريض فصح لم ينظر إلى حاله يوم ظاهر، واختلف هل ينظر إلى حاله يوم العودة أو يوم يَكَفِّر؟ فالظاهر من قول مالك أن ينظر إلى حاله يوم يكفر 1، فإن كان اليوم الأول يوم العودة موسرًا بالعتق ثم أعسر كان له في 2 اليوم 3 أن يصوم، وإن كان عاجزًا عن الصوم 4 ولا يقدر على العتق كان له أن يطعم.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن كان موسرًا بالعتق فلم يعتق حتى أعسر فصام ثم أيسر فليعتق، وإن كان صام قال: ولم أسمعه 5. فرأى أن الكفارة على الفور فما كان مخاطبًا به لو عجله 6 لم ينتقل 7 حكمه بتراخيه، وهذا يصح على أحد أقوال مالك إن الكفارة تلزمه بالعودة، وإن طلق أو مات، ويلزم ابن القاسم أن يقول: إذا كان معسرًا فأيسر إن له أن يصوم إلا أن يحب أن يعتق ويأتي بما هو أفضل، وإن كان مريضًا فصح وهو عاجز عن العتق إن له أن يطعم إلا أن يحب أن يصوم.

وأحسن ذلك أن يقال: إنها على الوقف لا على الفور، ولا على التراخي، وأن تكون معلقة بالوقت الذي يريد فيه المسيس؛ لقول الله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3].
فإذا أحب المسيس 1 كفّر على أن يكون من حاله حينئذ أراد تعجيل الوطء أو تأخيره، ولو أصاب قبل الكفارة، وبعد أن نوى العودة وجب عليه أن يعجل الكفارة حينئذ، ولا يؤخرها؛ لأنها وجبت عليه قبل ذلك، ولو بساعة، فإن هو أخّرها بعد ذلك حتى انتقل حاله كان مخاطبًا الآن بما كان مخاطبًا به وقت أحب المسيس، ولا يراعى ما انتقل إليه حاله مما هو أعلى في الكفارات أو أدنى، قال القاضي أبو الحسن 2 ابن القصار: الاعتبار عند مالك في الكفارة وقت الأداء، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: أن العتق قد تقرر في ذمته؛ لأنه عاد وهو موسر فلا ينتقل إلى الصيام إذا أعسر، فإذا عاد وهو معسر فقد تقرر 3 الصيام في ذمته، فإن أيسر لم يلزمه العتق، فإن أعتق أجزأه، وقول آخر مثل قولنا، وهو 4 قول أبي حنيفة: يعتبر وقت التكفير، والقول الثالث: يعتبر أغلظ أحواله 5.

باب في ظهار السفيه والعبد

وإذا ظاهر السفيه وهو موسر بالعتق عاجز عن الصيام كان الأمر إلى وليه، فإن رأى أن العتق خير له من الطلاق أمره بالعودة، وأعتق عنه، وإن لم ير ذلك لأن العتق يجحف بماله أو لأنه ممن يتكرر منه اليمين بالظهار أو يكون مِطْلاقًا (1)، فإن أعتق عنه طلق هو (2) بعد ذلك- لم يعتق عنه، وكان للزوجة أن تقوم بالطلاق، إذا مضت أربعة أشهر، وقيل: يطلق عليه (3) من غير أجل لأن الصبر إلى تمام الأجل لا يعيد، بمنزلة من قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة (4). واختلف إذا امتنع من (5) العتق وكان قادرًا على الصوم، فقيل: لا يصح منه الصوم؛ لأنه موسر، وقيل: له أن يصوم لأنه في معنى المعسر لمَّا حيل بينه وبين ماله مع حاجته إلى أهله، والأول أحسن؛ لأنه موسر، والمنع من العتق نظر له، وإمساك عليه.

فصل [في ظهار العبد وما يصح أن يكفر به]

وظهارُ العبد لازمٌ، ولا يصح منه العتق، وإن كان موسرًا؛ لأنَّ الولاء لسيده 6، ويلزمه الصوم إذا كان قادرًا عليه، ولا يضر بسيده.12345

واختلف إذا كان مضرًا به، فقال ابن القاسم: للسيد أن يمنعه 1، وقال ابن الماجشون وأصبغ وابن شهاب ويحيى بن سعيد في كتاب ابن حبيب: ليس له أن يمنعه 2. واختلف بعد القول إن له منعه إذا منعه من الصوم وأذن له في 3 الإطعام، فقال محمد: يجزئه.
وأصوب ذلك أن يكفر بالصيام، وقيل: لا يجزئه الإطعام، وهو 4 قادر على الصيام.
واختلف إذا كان عاجزًا عن الصوم وأذن له في الإطعام، فقال ابن القاسم: يجزئه 5. وقال ابن الماجشون في المبسوط: لا يجزئه؛ لأن الصدقة إنما تخرج إلى من يعطاها، وفيها ملك السيد بعد ما أذن 6، ولو شاء رجع فيها، وقول ابن القاسم في منع الصوم إذا كان مضرًا به أحسن؛ لأن العبد أدخل على نفسه ما منعه من الإصابة باختيار منه، فليس له أن يَحُلَّ ذلك بما يضر بسيده، والقول إذا منع من الصوم لأجل الضرر أن يجزئه الإطعام أصوب، بخلاف السفيه يمنع من العتق فإنه لا يجزئه الصوم؛ لأن منع السفيه من العتق لحقّه ونظر له، ومنع العبد من الصوم لحق سيده، والمنع مستحق عليه بالملك، وإذا كان ذلك ملكًا لغيره لم يكن مستطيعًا، وجاز له أن ينتقل إلى الإطعام، وإذا مكّنه السيد

من الإطعام أجزأه؛ لأنه مالك حتى ينتزعه السيد، ولو قدرنا أنه ملك مترقب لم أر للسيد أن يرجع في ذلك الإذن، ولا أن ينتزع الكفارة لما تعلق للعبد فيها من الحقِّ، ولو جاز ذلك لكان القول إنه جائز أحسن؛ لأنَّ أدنى مراتبه أن يكون بمنزلة من أُطعم أو أُعتق عنه، فإن منعه السيد من الصوم والإطعام كان للزوجة أن تقوم بالطلاق لحقها في الإصابة، فإن كان العبد عالمًا أنَّ لسيده منعه من الصوم كان ذلك أبين في الطلاق عليه؛ لأنه أدخل نفسه في المنع مختارًا مع علمه أن جُلَّ ذلك ليس إليه 1. ثم يختلف هل تطلق عليه إذا قامت أو بعد أربعة أشهر، ففي السليمانية: إذا حلف بعتق ما يتباعد إلى عشرين سنة ثم وقع عليه ظهار إن كانت عنده رقبة أعتقها، وإن لم تكن عنده فهو كمن لم يجد رقبة.
يريد: أنه يجزئه الصوم مثل أحد القولين في السفيه، وعلى القول الآخر لا يجزئه لأنه موسر.
والمنع لأجل يمينه لا لعسر، وهو أحسن.

باب فيمن ظاهر من امرأته ثم طلقها أو كانت الزوجة أمةً فاشتراها

ومن ظاهر من زوجته بغير يمين ثم طلقها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج عادت على حكم الظهار 1، ولو كانت الزوجة أمة فظاهر منها ثم طلقها ثم اشتراها، أو اشتراها وهي زوجة فانفسخ النكاح بالشراء كانت على حكم الظهار لا تحل حتى ينوي العودة، ثم يكفّر عن ظهاره 2. ولو حلف بالظهار فحنث ثم طلق أو اشترى فكذلك يعود على حكم الظهار 3، فإن لم يحنث حتى طلقها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج لم يكن عليه ظهار، فإن طلقها واحدة ثم ارتجعها أو تزوجها بعد أن 4 انقضت العدة لم تسقط يمينه حتى يحنث، وهي عنده، وإن اشتراها بعد طلقة ثم حنث وهي في ملكه لم يكن مظاهرًا؛ لأن العصمة التي حلف فيها زالت، وعكسه أن يحلف بظهار أمته فلم يحنث حتى باعها ثم تزوجها ثم حنث وهي زوجة له لم يلزمه ظهار؛ لأنَّ الملك الذي حلف فيه قد ذهب، ولا يضاف ملك إلى نكاح أيهما تقدم، وإن حلف وهي في ملك له ثم باعها ثم عادت إليه بمِلك، فإن عادت إليه بميراث ثم حنث لم يكن مظاهرًا، وإن عادت بشراء جرى على قولين، فقول مالك وابن القاسم يكون مظاهرًا، وكأنه مِلك واحد 5، وعلى قول ابن

بكير لا يكون مظاهرًا، فإن كان نكاحان وبينهما ملك حلف وهي زوجة فلم يحنث حتى طلق ثم اشتراها ثم باعها ثم تزوجها- عادت على العصمة الأولى، فإن حنث كان مظاهرًا، وإن كانا ملكين بينهما نكاح لم يبن ملك الثاني على الأول؛ لأن النكاح الذي بينهما صحيح البيع الأول، ورفع التهمة، ويصير كالميراث؛ لأنه إذا حلف ثم باع ثم اشترى اتهم أن يكون أظهر البيع وكانت ذريعة.
وإذا تزوجها بعد البيع لم يسقط حكم النكاح، وإذا صح النكاح ارتفعت التهمة من البيع الأول، وإن حلف وهي زوجة ثم اشتراها فانفسخ النكاح ثم باعها ثم تزوجها ثم 1 حنث لم يكن مظاهرًا؛ لأن العصمة الأولى زالت، وهذا نكاح مبتدأ بمنزلة من قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم اشتراها فانفسخ النكاح، ثم باعها ثم تزوجها ثم دخل 2 - لم يطلق عليه؛ لأن العصمة التي حلف بها زالت، وهذا نكاح مبتدأ ولم يحنث بالطلاق وأوقع عليها طلقة إن كان قد بقي له فيها تطليقتان.

باب في عودة المظاهر وبماذا يكون عائدًا

واختلف في الكفارة هل تجب بالعودة أو تصح ولا تجب؟ واختلف في العودة ما هي؟ فقال في المدونة: العودة إرادة الوطء والإجماع عليه 1، وقال مرة: الوطء نفسه 2، وقال أيضًا: الإجماع على الإمساك والوطء 3، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والطحاوي: إذا وطئها قبل الكفارة ثم مات أو ماتت فلا كفارة عليه، وإن كان قد أتى محرمًا في وطئها قبل الكفارة، وكذلك لو وطئها مرارًا، ولا يجوز أن يطأ إلا بعد الكفارة، وذكره ابن القصار عن الليث، وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد القدرة على طلاقها، وقال داود: إعادة القول 4. وقال مجاهد والثوري: تجب الكفارة بمجرد القول بالظهار 5. ووجه هذا القول أن يقول: إن الظهار محرم بعد نزول الآية، فقد عفا الله عزَّ وجلَّ عمن قال ذلك قبل تحريمه، فمن تعدى وعاد فقال ذلك بعد العلم بأنه محرم كانت عليه الكفارة عن ذلك القول الذي هو منكر وزور، ووجه القول أنه يعود بإعادة القول أنه عفا الله عمن 6 قال ذلك مرة، فإن عاد فقال ذلك مرة أخرى كانت الكفارة 7، وذهب مالك إلى أن الكفارة ليست للقول،

وإنما هي لمضمونه، والمراد به، وقد كان المراد به في أول الإسلام الطلاق، فالعودة أن ينوي الإمساك، ورأى 1 مرة أنَّ المراد به بعد نزول الآية تحريم الوطء مع 2 بقاء العصمة، فالعودة أن ينوي الرجوع إلى الوطء، وتردد الأمر عنده مرة، هل المراد بالظهار ما كان في أول الإسلام، وهو الطلاق أو تحريم الوطء، فأمره أن يجمع على الوجهين جميعًا الإمساك والوطء 3. فعلى القول إن العودة الوطء تكون الكفارة قبل ذلك تبيح الوطء، ولا تجب بمنزلة من أراد أن يصلي نفلًا، فإنه يقال له: أنت متطوع ويجب عليك إذا أردت ذلك أن تقدم قبله طهارة، فإن انثنى عزمه لم تجب عليه صلاة ولا طهارة، فكذلك المظاهر ليست الإصابة واجبة، فإن أراد ذلك وجب عليه أن يقدم الكفارة، فإن انثنى عزمه لم يكن عليه شيء، ورأى مرة أنه لا تجب بالنية حتى يعزم؛ لأنَّ كثيرًا ما تكون النية على وجه التدبير، وما يؤامر المرء به نفسه.

جارٍ التحميل