النسخ المقابل عليها 1 - (ت) = نسخه تازه رقم (234 & 243) 2 - (ر) = نسخه الحمزاويه رقم (110)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب كراء الدور والأرضين
باب فيمن اكترى دارًا وفيها شجر واشترط ثمرتها
1
ومن "المدونه" قال مالك 2: ومن اكترى دارًا وفيها شجر فاشترط ثمرتها، فإن كانت طابت جاز ذلك قليلة كانت أو كثيرة 3، وإن لم تطب جاز ذلك بأربعة شروط، وهي: أن تكون تبعًا للسكنى في القيمة، ويشترط جملتها، ويكون طيبها قبل انقضاء أمد الكراء، وكان قصده باشتراطها دفع المضرة في التصرف إليها جاز.
وإن قال: أردت بذلك الرغبة فيها خاصة لم يجز.
فمتى انخرم أحد هذه الشروط لم يجز.
فمنع إذا لم تكن تبعًا؛ لأنها مقصودة في نفسها، ويمنع إذا استثنى البعض إذا لم تكن تبعًا 4؛ لأن مضرة الدخول والتصرف باقية 5، ويمنع إذا كان طيبها بعد انقضاء الوجيبة؛ لأن الثمرة 6 تأتي ولا كراء
له.
فأما كونها تبعًا، بأن تكون قيمتها دون الثلث، ولا يجوز إذا كانت أكثر من الثلث.
واختلف إذا كانت الثلث ولم تزد، فروى ابن القاسم عن مالك المنع 1، وبلغه عنه الجواز.
وقد أجيز الثلث، ولم يجعل في حيز الكثير مساقاة البياض مع الأصول 2، وفي حلية السيف والمصحف أن يباع ما فيه من ذهب أو فضة، ولم ير أن ذلك من الربا لما يدخله من التفاضل.
3
وقياس قوله في الدار أن يمنع ذلك فيها ولا يبلغ به الثلث، ومما جعل الثلث فيه من حيز القليل، هبة ذات الزوج، ووصية المريض، فإنه لا مقال في ذلك للورثة، وإنما مقالهم فيما زاد على الثلث.
ومما جعل الثلث فيه من حيز الكثير: الجوائح، وجناية الخطأ إذا بلغت الثلث حملتها العاقلة.
وقال ابن شهاب: لا تحملها إلا أن يزيد على الثلث.
فأما الثمار فيفضل منها؛ لأن الغالب في السقوط أنه لا يبلغ الثلث، فإذا بلغ ما الغالب فيه السلامة، حط عن المشتري.
وقال ابن القاسم في اعتبار قيمة الثمرة في الدار: إن ذلك 4 على ما عرف من عادتها في كل عام بعد مؤنتها، وقيمة كراء الدار بغير ثمرة، مثل المساقاة إذا كان فيها بياض، يقال: ما قيمة الثمرة فيما عرف من بيعها في مضي أعوامه؟ ثم ينظر إلى قيمة السقي والعلاج فيحط من ذلك، ثم ينظر إلى ما بقي من
النفقة 1، فقد يكون ثمنها ثلاث مائة وتكون مؤنتها في عملها مائة وكراء الأرض خمسين ومائة، فلو لم تحسب المؤنة جازت المساقاة 2. وفي كلا الجوابين نظر؛ لأنه جعل القيمة في مسألة الدار على السلامة ثم حط ما ينوب السقي وقيمتها على هذه الصفة أعلى من الصفة التي دخل عليها مشتريها.
والصواب أن يقال: كم قيمتها على أن سقيها على مشتريها، وعلى أن المصيبة إن كانت من المكتري، وعلى أنه إن جاءت على خلاف المعتاد لم يكن له مقال؟ لأن ابن القاسم لا يرى له مقالًا متى 3 أجيحت، فينبغي أن تُقوَّم على ما 4 اشتري عليه، فإن كان الكراء بالنقد قُومت الثمرة بالنقد؛ لأنه أبخس لقيمتها، وإن كان الكراء على أنه يقبض مشاهرة قومت الثمرة على ما ينوبها يقبض مشاهرة.
وقوله في مسألة المساقاة: يحط من قيمة الثمرة قدر السقي والعلاج 5 غلط؛ لأن السقي والعلاج ثمن الثمرة فكيف 6 يصح أن يحط أحدهما الآخر، وإنما باع العامل منافعه، وهو ما يتولى من عمل وسقي بالجزء الذي يأخذه بعد الطيب، وإنما يطيب ذلك الجزء على ملك صاحب الحائط، ولهذا قيل: تجب فيه الزكاة إذا كان في جميعها 7 خمسة أوسق وإن كان العامل عبدًا أو نصرانيًّا، فإذا
كانت قيمتها سالمة ثلاث مائة وقيمة البياض مائة وخمسين، جازت المساقاة ولا يصح أن يحط العمل.
وقد ذكر عن أشهب أنه أجاز اشتراط بعض الثمرة.
والذي رأيت لأشهب أنه إنما أجاز ذلك إذا بيعت الأصول (1)، فاستثنى المبتاع بعض الثمرة أو بيع العبد واستثنى المشتري بعض ماله.
وقوله في هذين حسن؛ لأن ذلك الاشتراط لم يكن لأجل مضرة تدخل على المشتري، واشتراط جميع ذلك جائز مع الاختيار، وكذلك البعض، ولا يجوز ذلك في مسألة الدار؛ لأنها إنما أجيزت للضرورة.
وقد تتوزع في هذا الأصل (2) إذا كانت الثمرة تختلف في سنة أقل من الثلث وفي سنة أكثر وإذا جمع جميعها كان الثلث فأقل، وفي إذا كانت ديارًا ثمرة بعضها أقل من الثلث، وثمرة بعضها أكثر وجميعها الثلث فأقل، هل يجوز ذلك أم لا؟ وأرى أن يجوز ذلك في الدار الواحدة؛ لأنها منافع واحدة والقصد رفع الضرر منها، ولا يجوز في الديار ولا في السيوف إذا كانت جملة حلية (3) بعضها أقل من الثلث والآخر أكثر، وهو بمنزلة صفقة جمعت حلالًا وحرامًا.
فصل [في الثمار إذا دخلت في العقد ثم انهدمت الدار بعد سكنى ستة أشهر]
وإذا دخلت الثمار في العقد لأنها تبع 4 ثم انهدمت الدار بعد سكنى ستة أشهر، فإن كانت الثمرة لم تطب انفسخ البيع فيها ورجعت إلى البائع وحط عن123
المكتري 1 ما ينوبها 2. وهذا بخلاف الجائحة؛ لأنها صارت إلى صاحبها فلم يصح أن يأخذها وثمنها.
وإن كانت الثمار قد طابت وهي تبع للماضي، مضى فيها البيع للمكتري، وإن لم تكن تبعًا لماضي السكنى، كان فيها قولان، فقال محمد: يفسخ فيها البيع.
وقال ابن حبيب: لا يفسخ وهي للمكتري 3.
وكذلك في الزرع 4 يشترط مع الأرض ثم تستحق الأرض دون الزرع وقد بدا صلاحه، ففي "المدونة": يفسخ البيع فيه 5. وفي "كتاب محمد": يمضي البيع فيه.
وعلى هذا يجري الجواب إذا اشترى 6 الثمار مع الأصول وهي مأمورة فرد الأصول بعيب بعد طيب الثمرة، فقال في كتاب العيوب: ترد الثمرة.
وعلى القول الآخر: يمضي البيع فيها.
وأن يمضي كل ذلك أحسن؛ لأن العقد فيها كان صحيحًا وعلى وجه جائز لا يتهمان فيه أن يكون عملًا على فسادٍ 7، ولأن منع البيع في الثمار قبل بدو صلاحها لموضع الغرر، وهذا لم يدخلا على غرر وقد اشترى 8 بوجه صحيح وانتقلت وتغير حالها وهي في ضمان المشتري 9.
وقال ابن حبيب: لو استحقت الدار إلا مواضع الشجر وقد سكن
أشهرًا، رجعت الثمرة إلى المكتري طابت أو لم تطب، جذت أو لم تجذ، وهو بمنزلة من باع ثمرة قبل أن تطيب حين ضمها إلى ما ليس له 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: يفترق الجواب بافتراق الوجه الذي كانت به 2 في يديه، فإن كانت بشراء كان الجواب فيها على ما تقدم في الانهدام؛ لأن الغلة للمشتري إلى يوم الاستحقاق، وإذا كانت الغلة له كانت الثمرة مضافة إلى سلعة يملكها، وإن كانت الدار بيده بغصب كان الجواب 3 في الثمرة على الخلاف 4 في الغلة، فعلى أحد قولي مالك أن الغلة للغاصب يمضي البيع في الثمرة بمنزلة المشتري.
وعلى قوله: لا غلة للغاصب 5، تكون قد أضيفت إلى غير ملكه، وإن كانت في يده بميراث وطرأ عليه وارث أقعد منه، كان بمنزلة من أضاف إلى غير ملكه 6.
وعلى هذين الموضعين يصح 7 قول ابن الحبيب إلا أن يكون المكتري غير عالم فيختلف فيها؛ لأن العقد يسلم من الفساد ويكون بمنزلة استحقاق الأرض دون الزرع.
فصل [في الدار إذا لم تستحق وتقايلا بعد سكنى ستة أشهر]
ولو لم تستحق الدار ولكن تقايلا بعد أن سكن ستة أشهر، فإن طابت الثمرة وكانت الإقالة على أن تبقى 1 الثمرة للمكتري وهي تبع للماضي جاز، وإن لم تكن تبعًا لم يجز؛ لأنهما يتهمان أن يعملا على ذلك.
وإن كانت الإقالة على أن يرد 2 الثمرة مع الأصل بما ينوبها، جاز كانت تبعًا للماضي أو أكثر، وإن لم تطب لم تصح 3 الإقالة على أن تبقى للمكتري، وجازت على أن تبقى للمكري 4 إذا كانت تبعًا للباقي، وإن لم تكن تبعًا امتنعت الإقالة، فيمنعان من بقائها؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك ومن تسليمها؛ لأن الإقالة كابتداء بيع.
باب في كنس مراحيض الديار وفيمن اكترى دارًا على أن عليه إصلاح ما فسد منها
ومن اكترى دارًا كان كنس مرحاضها مما هو متقدم قبل العقد على المكتري 1، فإن كان لا يصح السكنى إلا بإزالته، جبر صاحب الدار على إزالته.
واختلف فيما حدث بعد العقد، فقال ابن القاسم في "المدونة": كنس الكنيف وإصلاح ما وَهَي من الجدران على صاحب الدار 2. وقال في المجالس: كنس ذلك على الساكن، وفي الفنادق على صاحبه دون المكتري، وأما ما لم يحتج إلى زواله في حال السكنى، فالشأن ألا يطلب 3 الساكن عند خروجه بزوال ذلك، وكذلك الفنادق الشأن أنه ليس على الساكن شيء.
ويختلف في متقبله من صاحبه على ما تقدم في الديار.
وكذلك الحمَّام إذا تَقبَّله رجل من صاحبه يختلف هل ذلك على متقبله أو على صاحبه؟ والجواب القنوات كالجواب في المراحض، فإن سكن المكتري دارًا بحدثان ما كنست 4 تلك القناة وطال 5 سكناه حتى احتاجت إلى كنس، كان على
الاختلاف المتقدم، هل ذلك على صاحب الدار، أو على الساكن، وسواء كانت تجري بالأثفال 1 أو بالغسالة؟ وإن كانت غير مكنوسة أو كان سكناه الأمد اليسير، لم يكن عليه شيء وكان ذلك كساكن الفنادق.
وقال مالك فيمن اكترى دارًا سنة بعشرين دينارًا على إن احتاجت الدار إلى مرمة رمها المكتري من العشرين دينارًا: لا بأس به 2. يريد: أن الكراء وإن كان مؤجلًا فإن هذا الشرط لا يفسد العقد؛ لأن القصد في ذلك ما يحتاج في الغالب إلى إصلاحه مثل خشبة تنكسر، أو ترقيع حائط، أو ما أشبه ذلك مما يقل خطبه ولا يؤدي تعجيله إلى غرر، فإن طرأ ما تعظم نفقته، مثل سقوط بيت، لم يلزمه الإنفاق فيه، وإن شرط الإنفاق من غير العشرين الدينار كان فاسدًا.
ويختلف إذا نزل وعمل وأصلح، فقال أصبغ في "كتاب محمد": له 3 قيمة ذلك صحيحًا يوم عمله 4. يريد: أن تكون عليه قيمة السكنى من وقت أصلح على أنها مصلحة.
وقد قيل في هذا الأصل: ليس له 5 قيمته يوم أصلح؛ لأنه بنى ذلك وأصلحه وعمله على أنه باق تحت يديه ينتفع به إلى يوم خروجه، فكان بمنزلة من لم يمكن من المبيع.
ثم يختلف هل تكون له قيمته يوم يخرج صحيحًا، أو منقوضًا؟ وقيمة ذلك صحيحًا أحسن؛ لأنه وضعه بإذن المالك ولم يكن
متعديًا فيعطى قيمته منقوضًا 1. فإن اكترى كراءً فاسدًا فأصلح وبنى بإذن صاحب الدار كانت عليه قيمة ما ارتفق به، يقال: بكم تكرى الدار على أنها على هيئة ما كانت وقت العقد على أن المكتري ينتفع بموضع كذا فيبنيه بيتًا كراء 2 ثم يكون له قيمة ذلك البناء منقوضًا يوم يخرج؛ لأنه فعله بغير إذن، وإلى هذا رجع مالك في "كتاب محمد" 3.
وقال ابن القاسم في "العتبية" فيمن اكترى دارًا سنة فسكن شهرًا، ثم انهدمت فبناها بما عليه من الكراء، ثم قدم صاحبها بعد تمام السنة: فله كراء ما سكن قبل الهدم، وكراء العرصة بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقض بنائه، إلا أن يعطيه قيمته منقوضًا 4.
يريد: إذا بنى بنقض من عنده على ملكه.
ولو بنى ذلك على ملك ربها لكان صاحب الدار بالخيار بين أن يرضى بذلك ويعطيه ما أنفق ويكون له قيمة الكراء على أنها مبنية، أو يعطيه قيمته منقوضًا بعد انقضاء الكراء ويكون له قيمة القاعة على أنها تكرى ممن يبنيها من عنده.
وإن بناها بنقضها، كان لربها أن يأخذ قيمة كرائها قائمة ولا شيء عليه للثاني؛ لأنه إنما أخرج البناء وهو التلفيق 5 ولا شيء له، ويصح أن يقال: لما كان ذلك التلفيق 6 لا يقدر صاحب الدار أن يأخذ كراءها مبنية إلا بذلك كان كالسقي والعلاج.
وقد اختلف فيه إذا سقى الغاصب، فقيل: له قيمته؛ لأنه لم يكن يقدر على الغلة إلا بتلك النفقة.
ولو اكترى رجل دارًا كراء صحيحًا ثم بنى فيها وزاد بغير إذن ربها، لم يكن عليه 1 كراء ما زاد من البناء؛ لأنه قد اكترى الانتفاع بجميعها، فقد كان له الانتفاع بتلك القاعة التي بناها بيتًا 2، وإذا انقضى الأجل كان صاحب الدار بالخيار بين أن يعطيه قيمة ذلك منقوضًا أو يأمره بقلعه.
واختلف إذا بنى بإذنه، فقال ابن القاسم: له أن يعطيه قيمته منقوضًا كالأول.
وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" عن مالك: ليس له أن يأخذه إلا بقيمته قائمًا 3، ولم يذكر الحكم إذا أَبَى.
وقال محمد بن مسلمة: إذا أَذِنَ للمكتري أن يبني بعشرين دينارًا ففعل ثم انقضت 4 الوجيبة وقال للمكتري: لا حاجة لي بالبناء واخرج، قال: إن أحبَّ المكتري أن يقيم في المنزل حتى يعطيه عمارته بالكراء.
باب في إجارة الحمَّامات وغيرها من العقار
إجارة الحمَّام للرجال جائزة إذا كانوا يدخلونه مستترين، وإجارته للنساء على ثلاثة أوجه: جائزة إذا كانت عادتهن ستر جميع الجسد، وغير جائزة إذا كانت العادة ترك الستر جملةً، واختلف إذا كانت العادة الدخول بالمئازر، فقيل لسحنون 1 في جامع "المستخرجة" في المرأة تدخل الحمَّام ما حد ما تستتر؟ قال: تدخل في ثوب يستر جميع جسدها.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: اختلف في 2 دخول النساء الحمام في هذا الوقت، فقيل 3: يمنعن، إلا لعلة من مرض لا يصلحه إلا الحمام 4، أو حاجة إلى الغسل 5 من حيض أو نفاس أو شدة برد 6. وقيل: إنما يمنعن لما لم تكن لهن حمامات بانفرادهن.
وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": يحرم دخول المرأة الحمام وإن كانت مريضة أو نفساء، إلا ألا يكون معها فيه 7 أحد.
فأجيز في القول الأول أن تنظر المرأة من المرأة ما فوق المئزر ولم يره عورة.
ومنعه في القول الآخر ورأى أن جميع جسد المرأة مع المرأة عورة ولا يجوز أن ينظر فيه بعضهن
إلى بعض، وهو أشبه 1؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَدْخُلِ الحُمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحمَّامَ" 2. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، فأجازه للرجال إذا كانوا بمآزر، ومنعه للنساء جملة من غير تفصيل، وهو حديث حسن السند أخرجه الترمذي في مسنده.
وفي هذا الحديث دليل على نبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يكن لهم يومئذ حمامات، وإنما أعلمه الله -عز وجل- أنها ستكون لأمته فكانت، وأقام لهم الشرع فيها بما يجوز وما لا يجوز.
ويعتبر مثل ذلك في إجارة الدور والحوانيت وغيرها، فلا تؤاجر الديار ممن يعلم أنه يأوي إليها بما لا يحل من شرب خمر أو غيره، ولا الحوانيت ممن يبيع فيها الغصوبات 3؛ لأنها معونة على ما لا يحل ويأخذ الأجرة مما لا يحل لفساد ذمته، ولا ممن يبيع فيها السيوف والرماح وغير ذلك من آلات الحرب؛ لأن المعهود اليوم ممن يشتريها أنه يريدها لإيذاء المسلمين أو لحربهم، ويتصدق بالكراء إذا لم يعلم بذلك حتى انقضت المدة، كالذي يكري حانوته ممن يبيع فيها الخمر، إلا أن يكون ذلك مما يراد به الغزو 4 وقتال من على غير الإسلام 5.
وكذلك الفنادق لا يؤاجر منها شيء لمن يأوي إليها الفساد، أو لمن يبيع
فيها ما لا يحل.
وإذا أكرى حانوته من يهودي أو نصراني وهو يعلم أنه يعمل بالربا، لم يعرض له؛ لأن ذلك من دينهم إذا كانوا يعملون بذلك مع أهل دينهم، وإن كانوا يعملون بذلك مع المسلمين، لم يؤاجر منهم، ولا يؤاجر ممن يعلم أنه يبيع الخمر فيه؛ لأنهم لم يعطوا العهد على أن يعلنوها 1، ولا داره ممن يتخذها كنيسة.
2
واختلف في ذلك إذا نزل على ثلاثة أقوال، فقيل: يفسخ ذلك مع القيام وتؤخذ الأجرة في الفوت ويتصدق بها، قال في كتاب الجعل: يفعل بها إذا قبض أو لم يقبض مثل ما وصفنا لك في ثمن الخمر.
وقال أيضًا: يتصدق بالأجرة أدبًا لهذا المسلم 3، ولم ينزله منزلة الخمر 4.
وقال في "المستخرجة": إذا أجر حانوته ممن يبيع فيه الخمر، فأرى أن يفسخ الكراء إذا لم يفت، فإن فات تم ولم أفسخه.
وإن أكرى دابته ممن يمضي 5 بها إلى الكنيسة، فإنه يمضي ولا يرد 6. وقد اختلف قول مالك في كراء الدابة، فأمضى إجارة الحانوت مع الفوت ولم يره بمنزلة من باع من الذمي خمرًا؛ لأن هذا باع منافع يجوز ملكها وبيعها بما يجوز قبضه وهي الدنانير والدراهم والمكتري يصرف تلك المنافع في ذلك الوجه، وهذا الوجه 7 يرجع إلى قوله أنه
يتصدق به أدبًا له؛ لأنه يؤدبه مرة في ماله إذا رأى ذلك، أو في بدنه دون المال، وأمضى الإجارة إلى الكنيسة؛ لأنهم أعطوا العهد على إظهار ذلك.
وأما إجارة الدار ممن يتخذها كنيسة، فإن كانوا قد أعطوا العهد على 1 ذلك وأباح لهم الإمام عملها، كان أخذ الإجارة على ذلك أخف.
وإن لم يعطوا ذلك وكانوا متعدين في عملها كان أشد ويتصدق بالإجارة على أحد القولين.
وإن أجّر داره من ذمي على أن 2 يبيع فيها زيتًا أو خلاًّ فجعل يبيع فيها الخمر فلم ينكر عليه ذلك رب الدار، كان له أخذ الأجرة؛ لأن المضرة فيما اكتريت له وفي الخمر سواء، وإذا لم يكن لرب الدار مقال من ناحية المضرة، كان المنع من وجه النهي عن المنكر، وكان رب الدار وغيره في ذلك سواءة غير أنه يؤخذ من الساكن فضل ما بين 3 الكراءين فيتصدق به؛ لأن الكراء لمكان ذكر 4 الخمر أكثر، ولا مقال فيه لرب الدار؛ لأنه لم يضر به.
ولو كان الكراء ليسكن فجعل يبيع الخمر، فإن لم يعلم بذلك المكري، قوم كراء تلك الدار ثلاث قيم، يقال بكم تكرى لتسكن؟ فإن قيل: بعشرة دنانير، قيل: بكم تكرى ليباع فيها ما يكون مضرًّا بها 5 كمضرة الخمر مثل الزيت والخل؟ فإن قيل: باثني عشرة كان للمكري المسمى وديناران، وهو فضل ما بين الكراءين، ثم يقال: بكم تكرى على أن يباع فيها الخمر؟ فإن قيل: أربعة عشر دينارًا، كان على المكري ما زاد على الاثني عشر فيتصدق به، وإن كان المكري عالمًا فتركه
ولم ينكر عليه، تصدق بجميع ذلك، هذا قول ابن حبيب؛ لأنه إذا أكراه للسكنى كان من حقه أن يمنعه من بيع الخمر للفساد الذي يدخل عليه من تلويث الدار والجدر، وإذا تركه ولم يمنعه كان قد فسخ الأول في الثاني لأنهما جنسان.
وعلى قوله في "العتبية" يترك له ولا يتصدق به عليه 1، بل هو في هذا أخف؛ لأن هذا أكرى 2 كراء صحيحًا فأدخل عليه المكتري 3 عيبًا فترك مقاله في العيب.
قال ابن حبيب: ولو أكراها ممن يبيع فيها الخمر فصرف ذلك إلى السكنى، كان الكراء سائغا للمكري 4.
يريد: لأن الأول كان غير منعقد بانتقالهما إلى الآخر كابتداء عقد، إلا أن تكون قيمة الثاني أقل، ويقول المكتري: لم أرض فيه المسمى، فيحط عنه ما بين الكراءين؛ لأن الزائد كان ثمن ما لا يحل.
وإن تعدى رجل على دار رجل أو حانوته فباع فيها خمرًا، فإن كان المعتدي نصرانيًّا أخذ منه كراءها.
واختلف إذا كان مسلمًا، فلم ير ابن القاسم له شيئًا؛ لأنه مستغرق الذمة يبيع الخمر.
وقال ابن حبيب: له الكراء، إلا ألا يكون له كسب إلا من ثمن الخمر.
والأول أحسن، ولا شك أن من هذا شأنه تستغرق ذمته.
باب القول فيمن اكترى من رجل نصف عبده أو دابته أو داره
1
قال: وإذا اكترى 2 رجل من رجل نصف عبده أو دابته أو داره، جاز ذلك 3، ثم هما في العبد والدابة بالخيار 4 بين أن يقتسما المنافع يومًا بيوم أو يومين بيومين، فيستعمله المستأجر في الأيام التي يصير إليه، يستخدم العبد ويركب الدابة، وإن شاء أجره من غيره، وإن شاء أن يؤاجر ذلك من أجنبي ويقتسمان الأجرة، وإن لم يكن العبد من عبيد الخدمة وكانت له صنعة لا يمكن الآن تبعيضها 5، ترك لصنعته واقتسما خراجه.
وأما الدار، فإن كانت تنقسم قسمت منافعها وسكن المكتري فيما يصير إليه أو أكراه، وإن كانت لا تحمل القسم أكريت وقسم كراؤها، إلا أن يحب أحدهما أن يأخذها بما يقف عليه كراؤها.
وإن كان العبد أو الدابة أو الدار شركة فأكرى أحدهما نصيبه بإذن شريكه 6، جاز وعاد الجواب في قسمة منافعها إلى ما تقدم إذا كان جميعها
لواحد منهما، فإن أكرى ذلك بغير إذن شريكه فلم يجز ودعا إلى البيع، كان ذلك له في العبد والدابة والدار إذا كانت لا تنقسم، وإن لم يدع إلى البيع ورضي ببقاء الشركة، لم يكن له رد الكراء، فإن كانت الدار تنقسم ودعا الشريك إلى قسمة المنافع، كان ذلك له 1 وقسمت بالقرعة، فما صار للمكري أخذه المكتري.
وإن أراد المكري أن يقسم بالمراضاة، كان للمكتري منعه من ذلك، وإن دعا الشريك إلى قسم الرقاب، كان ذلك له.
ومن حق المكتري أن يقسم بالقرعة، فما صار للمكري كان حق المكتري فيه 2، فإن اعتدلت قسمة المنافع مع قسم الرقاب، كان ذلك للمكتري 3، وإن كان ذلك صار للمكري أقل من النصف بما لا ضرر على المكتري فيه، حط من الكراء بقدره، فإن صار له أكثر وأمكن أن يصير 4 ذلك القدر الزائد مسكنًا 5، فعل وانتفع به المكري 6، وإن كان لا يتميز ولا يصير فيه مسكن بانفراده، بقي للمكتري ولا شيء عليه فيه؛ لأنه يقول: كنت في مندوحة عنه ولا حاجة لي فيه.
فصل [في كراء نصف معين]
وإن أكرى منه نصفًا معينِّا، كان الشريك بالخيار بين أن يجيز ويكون له النصف الآخر، أو يقاسمه المنافع، فإن صار النصيب المكرَى 1 للمكتري أخذه، وإن صار للآخر، كان بالخيار بين أن يجيز ويكون له الكراء أو يرد.
وإن صار بينهما وأجاز الشريك الذي لم يكن له الكراء في نصيبه، لزم ذلك المكتري.
وإن رد الكراء في نصيبه، كان المكتري بالخيار في قبول نصيب الذي أكرى أو رده.
وإن قال الشريك الذي لم يكر: أنا أقاسمه الرقاب، كان له ذلك، ثم ينظر حيث يقع نصيب المكري حسب ما تقدم، فإن صار في نصيب المكري مضى عقده فيه، وإن صار للآخر كان فيه بالخيار.
وإن لم يدع الشريك إلى قسمة الرقاب وقال: أنا آخذ بالشفعة، لم يكن ذلك له؛ لأن الكراء وقع على نصيب معين، فإذا أجاز ذلك كانت مقاسمة ولا شفعة فيما قسم.
واختلف إذا كان الكراء في نصيب 2 شائع، فقال مالك مرة: لا شفعة فيه.
وقال مرة: فيه الشفعة.
وهذا إذا كانت الدار تحمل القسمة وأراد، الشريك أن يأخذ بالشفعة ليسكن، وإن أراد ذلك ليكريه، لم يكن له ذلك، وهو بمنزلة من يأخذ بالشفعة ليبيع.
وكذلك الحانوت يكون بين الشريكين فيكري أحدهما نصيبه شائعًا، فلا شفعة فيه للآخر إذا كان لا يحمل القسم، أو كان يأخذ بالشفعة ليكري.
وإن كان يحمل القسمة وأراد أن يأخذ بالشفعة ليجلس فيه للبيع، جاز، فإن كان يكريه ممن يجلس معه لم يكن ذلك له.
باب فيمن أكرى دارًا بثوب فهلك قبل أن يقبضه أو وجد به عيبًا
وقال ابن القاسم فيمن كرى داره بثوب بعينه على صفة فضاع قبل قبضه وبعد ما سكن المكتري أو استحق: إن المكري يرجع بقيمة السكنى 1. وساوى بين استحقاقه ودعواه الضياع، وعلى قول محمد يكون المكري بالخيار 2 إذا ادعى ضياعه بين أن يفسخ الكراء ويرجع بقيمة ما سكن، أو يلزمه قيمته ويتمادى المكتري.
على سكن بقية السنة، وإن قامت بينة على ضياعه أو كان المكري صدقه على ضياعه 3، كان الجواب فيه كالمحبوس بالثمن، وإن لم يصدقه على ضياعه 4 ولا شهدت بذلك بينة، كانت مصيبته من بائعه وهو المكتري.
وإن قبضه المكري ثم وجد به عيبًا بعد أن سكن المكتري ستة أشهر، كان بالخيار بين أن يتمسك ولا شيء له، أو يرده ويرجع بقيمة السكن عن الماضي 5 وينفسخ الباقي.
وإن حدث عنده عيب واختار التمسك وكانت قيمة العيب العشر، كان لصاحب الدار أن يرجع على الساكن بقيمة عشر الماضي، ويرجع في عين عشر المستقبل إذا كان السكنى ينقسم على تلك الأجزاء، وإلا رجع به قيمة.
وهذا قول ابن القاسم 6. وقال مرة: يرجع بذلك الجزء شريكًا، وهو قول أشهب.
يريد: وينقلب الخيار للمكتري بين أن يرضى بالشركة أو يرد، ولم يمنع أشهب إذا رجع معه شريكًا أن يكون بالخيار، فإن أحب صاحب الدار أن يرد الثوب 1 رده وحده 2 وحوسب بما نقصه العيب الحادث عنده، فإن كانت قيمة العشر من الأصل 3، رجع في قيمة تسعة أعشار ما سكن ويبقى عشر عن العيب ورجع في تسعة أعشار المنافع في المستقبل ويبقى عشر عن العيب 4، فإن كان ينقسم ورضي المكتري أن يتمسك به، كان ذلك له وله أن يرده؛ لأنه اشترى الجميع 5 ويرجع بما ينوبه من العيب وهو نصف قيمة العيب إذا كانت الشهور متساوية، وإن كان لا ينقسم رده ورجع بنصف قيمة العيب.
باب في كراء الدار مشاهره أو مساناة
قال الشيخ -رحمه الله- 1: يجوز العقد في الرباع على ثلاثة أوجه، مدة معينة، فيقول: أكريك هذا الشهر أو هذه السنة؛ فهذا عقد جائز لازم للفريقين وليس لواحد منهما رجوع عنه.
والثاني: أن يذكر المدة ولا يعينها، فيقول: أكريك شهرًا أو سنة، فهو جائز أيضًا لازم لهما ويحملان في الابتداء بالسكن على الفور، وهو قول مالك 2 وابن القاسم 3؛ لأن هذا هو القصد بالابتداء، وإن لم يقع سكنى عقيب العقد وتراخيا عن ذلك المدة اليسيرة، كان له أن يسكن جملة المدة التي سمَّيَا 4 ولم يحط من تلك المدة 5 بقدر ما مضى من بعد العقد إلى حين قيامه، وهو في هذا الوجه بخلاف من عين المدة.
والثالث: أن يعقدا عقدًا لا يتضمن غاية ولا يفهم منتهاه، فيقول: أكريك كل شهر أوكل سنة بدينار، أو في كل شهر أو في كل سنة أو الشهر أو السنة بكذا وكذا ويذكر الابتداء، ويقول: أبتدئ بالسكنى من هذا الشهر أو لا يذكره، فاختلف عن مالك في ذلك، فروى ابن القاسم عنه أن العقد غير لازم لما كان لا غاية له ويكون المكري بالخيار، فإن أحب منعه من السكنى جملة، وإن أمكنه من السكنى كان له أن يخرجه متى أحب وللمكتري أن يمتنع من
السكنى، وإن سكن كان له أن يخرج بقرب ذلك إن شاء.
وروى عنه 1 مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" أنه يلزمهما أقل ما تقتضيه تلك التسمية فإن قال: كل شهر لزمه شهر واحد، وإن قال: كل سنة لزمه سنة واحدة 2، وهو أحسن؛ لأنهما أوجبا بينهما عقدًا ولم يجعلا فيه خيارًا فوجب أن يحملا على أقل ما تقتضيه تلك التسمية.
وان عقدا على أن ينقده كذا وكذا، لزمهما من العقد بقدر ما نقد قولًا واحدًا.
وإن قال: أكريك كل شهر بكذا 3 ونقد كراء شهرين، لزمه شهران.
وإن نقد كراء نصف شهر لم يلزمه على قول ابن القاسم سوى ما نقد، وعلى رواية مطرف وابن الماجشون يلزمه تمام الشهر 4.
وإن قال: أكريك كل سنة ونقد كراء سنتين لزمتا، وإن نقد كراء نصف سنة جرى على الخلاف المتقدم، ومثله إذا لم يشترطا نقدًا ثم تطوع به بعد العقد، فإنه يلزمه قدر ما نقد ما لم يكن ذلك النقد 5 دون ما يوجبه العقد على قول مطرف، وقد يلزم المكتري الصبر إلى مدة وإن لم يسمياها في العقد للعادة في ذلك، كالذي يكتري المطمر 6 يمطمر فيه قمحًا أو شعيرًا أو ما أشبه ذلك
كل شهر أو كل سنة بكذا وكذا، فليس للمكري (1) أن يخرجه، ولا يجبر الآخر على إخراج ذلك إلا أن تتغير الأسواق إلى ما العادة أن يباع في مثله، فإن لم يبع كان للآخر أن يخرجه، وهذه كانت العادة عندنا في كراء المطامر.
وإن أراد المكتري إخراج ذلك قبل غلائه، لم يكن للآخر منعه؛ لأن البقاء من حق المكتري، ويعفى عما يكون في ذلك من غرر في المدة؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه.
وينظر إلى العادة فى خزن الزيت فيحملان عليها.
وكذلك العادة اليوم فيمن يكري (2) المخزن للطعام في الصيف فيعلم المكتري أن قصده أن يشتي (3) عليه، فليس للآخر أن يخرجه قبل ذلك.
فصل [في كراء البيت شهرًا بعشرة درهم]
وقال ابن القاسم فيمن أكرى 4 بيتًا شهرًا بعشرة دراهم على أن له أن يسكن يومًا واحدًا 5 فكراء الشهر لازم وله أن يكريه ممن أحبَّ: فذلك جائز.
وإن كان على أنه لا يكريه، لم يكن فيه خير والكراء له لازم 6.
يريد: والشرط باطل.
وإن كان على أنه إن خرج رجع البيع إلى صاحبه ولم يحط عنه من الكراء شيء، كان كراء فاسدًا وعليه قيمة ما سكن ويفسخ متى أدركه وإن لم يتم الشهر، وليس للمدة التي يعقد كراء الديار إليها أمد123
يقتصر عليه، وذلك راجع إلى صفة المكرى والأمن عليه فليس الجديد كالقديم، فإن أكراه إلى مدة الغالب بقاء تلك الدار إليها وسلامتها فيه، جاز العقد والنقد، وإن كانت تلك المدة يتخوف ألا تبلغه، جاز العقد دون النقد.
باب فيمن اكترى دارًا (1) شهورًا فسكن للأهلة أو لغير الأهلة أو اكتراها سنين فمنعه المكري بعضها أو سكن معه طائفة منها وغير ذلك
ومن اكترى دارًا شهرًا فابتدأه بالهلال، فإن كان تسعة وعشرين يومًا، لم يكن له سوى ذلك، وإن ابتدأ السكنى لغير الهلال فكان الشهر الذي ابتدأ فيه تسعة وعشرين يومًا، أتم من الثاني تمام ثلاثين يومًا، وهذا قول مالك 2، فألزمه أتم الشهور، وإن كانت شهور 3 السنة في التمام 4 والنقصان سواءة ستة أشهر تامة، وستة أشهر ناقصة، فلم يكن أحدهما أولى بالنقصان من الآخر.
وقد قال محمد بن عبد الحكم فيمن قال: لله عليَّ صوم شهر، أنه يجزئه من ذلك تسعة وعشرين 5 يومًا، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الصيام، وقول عبد الملك بن الماجشون فيه 6، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرًا فاكتفى من ذلك بتسعة وعشرين يومًا، فقيل له في ذلك، فقال: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشرُونَ يَوْمًا" 7. واستحسن إن تشاحا أن يسكن تسعة وعشرين يومًا ويزيد ليلة إن كان ابتدأ السكنى بالليل، وإن ابتدأ بالنهار زاد يومًا دون ليلة فيكون ذلك1
عدلًا بينهما، ولو كان سكناه بعدما مضى من ذلك الشهر الشيء اليسير كاليوم واليومين ثم كان ناقصًا، رأيت أن يكون له عدد ما مضى منه خاصة؛ لأنه في معنى من ابتدأه من أوله.
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا ثلاث سنين فمنعه الكري سنة منها: إنه يسقط عنه كراء تلك السنة 1، إذا كان الكراء لا يتغابن فيه، فإن كان فيه غبن على المكتري، كان للمكري 2 أن يأخذ منه ذلك الزائد، وهذا إذا أسكنها الكري، ولو أكراها 3 كان المكتري مخيرًا بين أن يفسخ عن نفسه كراء تلك السنة أو يأخذ قيمة كرائها إن كانت القيمة أكثر من المسمى، أو يأخذ ما أكراها به ويحاسبه من ذلك بالمسمى الذي كان أكرى به.
وإن أمكن صاحب الدار المكتري من السكنى وأخلى الدار له وكان الامتناع من المكتري، كان عليه كراء 4 تلك السنين كلها إن أبقاها صاحبها خالية تلك السنين.
وإن أكراها بأقل من المسمى، حلف أنه لم يفعل ذلك رضّا بالإقالة وأن ذلك نظر له ليكون أخف فيما يغرمه.
وإن أكراها بأكثر وقال: أكريتها لنفسي، كان له ذلك الزائد.
وإن قال للمكتري: سلم ذلك الزائد وإن أشهد عندما أمكنه منها ولم يسكنها أن ترك خصومته ليس رضًا بالإقالة، كان ذلك له قولًا واحدًا.
وقال ابن القاسم: إذا سكن صاحب الدار طائفة منها، فقال المكتري: أنا
أعطيك حصة ما سكنت، إن ذلك له 1 وإن كان سكناه لأنه لم يمكنه من ذلك المسكن، كان بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه ما ينوبه من ذلك المسكن، أو يأخذه بقيمة ذلك المسكن إن كانت قيمته أكثر من المسمى.
وإن كان قصد الإقالة فيه، سقط ما ينوبه من الثمن.
وإن قال المكتري: ما تركته إلا لأطلبه بقيمة كرائه، حلف على ذلك وكان 2 له فضل كرائه على المسمى.
باب فيمن اكترى دارًا فأوقد فيها نارًا فاحترقت أو هدمها أو أكراها من غيره فهدمها
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارِّا وشرط عليه ألا يوقد فيها نارِّا فأوقد نارًا 1 لخبزه أو لطبخه فاحترقت: فهو ضامن 2. وإن لم يشترط ذلك واتخذ تنورًا فاحترقت الدار ودور 3 الجيران، قال 4: إن فعل من ذلك ما يجوز أن يفعله، فلا ضمان عليه.
يريد: إن كانت العادة نصب التنور في مثل تلك الدار وأوقد على وجه المعتاد، لم يضمن.
وإن كان لا ينصب فيها مثل ذلك، أو زاد في الوقيد؛ ضمن.
وإن لم يعلم هل زاد على المعتاد، أم لا؟ كان فيها قولان؛ أحدهما 5: أنه لا ضمان عليه، ومحمله على أنه فعل ذلك على الوجه الجائز حتى يثبت غيره؛ لأنه لا يتهم أن يتعمد إلى إحراق بيته.
والثاني: أنه ضامن حتى يثبت أنه فعل ذلك 6 على الوجه الجائز وأنه لم يفرط؛ لأنه الغالب أن ذلك لا يكون إلا عن زيادة في الوقيد وعن إهمال في التحفظ، قياسًا على الصانع والمرتهن يحترق بيته، وقد اختلف فيهما.
وإن اشترط عليه ألا يوقد نارًا فأوقدها فاحترقت الدار (1) وغيرها، ضمن الدار المكتراة خاصة إذا كان الوقيد على صفة لو أذن صاحب الدار المكتراة فيه لم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن التعدي عليه هو من حقه، وإن كان على صفة يكون لجاره منعه، ضمن جميع ما احترق.
فصل [فيمن اكترى دارًا ثم أكراها لثانٍ فهدمها]
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا ثم أكراها فهدمها الثاني: فضمان ذلك على مكتريها الثاني دون الأول 2. ولم يذكر صفة الضمان ولا الحكم في الكراء.
وكذلك إذا اكترى 3 دارًا فهدمها ولم يكرها، فيختلف في صفة الضمان وسقوط الكراء.
وإن هدمها المكتري، كان صاحب الدار بالخيار بين أن يضمنه قيمتها على أنه لا كراء فيها ويفسخ الكراء، أو يغرمه قيمتها على أنها مستثناة المنافع سنة إذا كان الكراء سنة ويكون له الكراء.
وإن هدمها صاحبها، كان المكتري بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه الكراء 4، أو يأخذ فضل قيمة الكراء إن كان أكثر من المسمى.
وإن هدمها أجنبي؛ سقط مقال المكتري في ذلك الكراء؛ لأن المنافع في ضمان بائعها -وهو 5 المكري- حتى يقبضها المكتري، ويكون صاحب الدار بالخيار بين أن1
يغرم الهادم قيمتها على ألا كراء فيها، أو يغرمه قيمتها مستثناة المنافع سنة ويأخذه بالمسمى الذي أكرى به؛ لأنه دين كان له على المكتري أبطله بهدمه لتلك الدار 1.
فأما إن أكراها المكتري ثم هدمت، فإنه لا يخلو هدمها من أربعة أوجه: إما أن يكون ذلك من صاحبها، أو من المكتري الأول، أو الثاني، أو أجنبي.
فإن هدمها صاحبها بدئ بالمكتري الآخر، فإن رضي بفسخ الكراء عن نفسه 2، كان المقال بين المكتري الأول 3 وصاحب الدار، وهو بالخيار في ثلاثة أوجه: بين أن يفسخ عن نفسه الكراء، أو يأخذ منه فضل قيمة الكراء على المسمى إن كانت القيمة أكثر، أو يأخذ منه فضل ما أكرى به من الآخر على المسمى إن كان هو أكثرهما؛ لأنه أبطله عليهم بهدم الدار.
وإن هدمها المكتري الأول، كان ربها بالخيار، إن شاء أغرمه قيمتها الآن على أنه لا كراء فيها وينفسخ الكراء، وإن شاء أغرمه قيمتها على أنها لا تقبض وعلى أنها تقبض إلى سنة ويأخذ منه الكراء، ثم يعود المقال بين المكتريين فيكون للمكتري الآخر أن يرجع على من أكرى منه بفضل قيمة الكراء إن كانت القيمة أكثر من المسمى، أو يفسخ عن نفسه الكراء إن كان المسمى أكثر.
وإن هدمها المكتري الآخر، كان لربها أن يغرمه قيمتها بتلًا على ألا كراء فيها، وإن شاء قيمتها على أنها تقبض إلى سنة ويغرمه مع ذلك ما اكترى به من المكتري الأول؛ لأنه دين له أبطله بهدمه الدار، وللمكتري الأول أن يرجع على
الثاني بقيمة 1 فضل الكراء إن كان فيه فضل.
وإن هدمها أجنبي، كان المقال بين صاحب الدار والهادم، وهو بالخيار بين أن يغرمه قيمتها بتلًا، أو على أنها لا تقبض إلا إلى سنة ويأخذ منه ما كان أكريت به حسبما تقدم وينفسخ الكراء ولا مقال لواحد من المكترين على صاحبه.
باب فيمن اكترى دارًا ولم يسم عياله ولا ما يعمل فيها
قال 1: ويستحب لمن اكترى دارًا أن يسمي عياله وما يعمل فيها؛ لأنه أسلم للغرر، فإن لم يفعل جاز.
وله أن يسكن بما أحب من العيال ما لم يتفاحش ذلك ويرى أن ذلك يؤدي إلى تغير الدار وتلويثها فيمنع من ذلك، فإن قدر على أن يحط من ذلك ما يضر، وإلا أكراها ولم يفسخ الكراء.
وإن ذكر عدد عياله ثم أحب أن يتزيد من الملك أو ممن يسكن معه، لم يمنع ما لم يأت ضررا.
ويختلف إذا اشترط عليه صاحب الدار ألا يسكن معه آخر فتزوج أو اشترى رقيقًا، فقال ابن القاسم: ذلك له، إلا أن يكون في ذلك ضرر فيمنع 2.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن اشترط شرطًا ليس بفاسد ولا ينتفع به مشترطه هل يوفي به؟ والقياس في هذه المسألة أن يوفي له بشرطه؛ لأن الشرط ها هنا حماية لما يخاف أن يدخل من الضرر، فأشبه من استأجر أجيرًا ليرعى له مائة شاة وشرط عليه ألا يرعى معها غيرها، وهو لو رعى معها خمسين لم يكن في ذلك ضرر بالمائة، فقال ابن القاسم: يوفي له بشرطه 3. فألزم الشرط وإن كان لا يضر؛ لأن لصاحب الغنم أن يزيد على نفسه في الإجارة ويفعل ذلك حماية لئلا تؤدي الزيادة إلى مضرته.
وكذلك رب الدار يحط من الأجرة لمكان الشرط حماية لئلا تؤدي الزيادة إلى مضره، وهو أحسن لوجهين؛ أحدهما: أن معلومِّا أن المسكن الذي يسكنه الواحد أنظف وأسلم منه إذا سكنه أكثر من ذلك، مثل: الزوجة، والولد، والعيال.
والوجه (1) الثاني: أن الشرط في هذا ليس لغير معنى، وأن القصد حماية كما تقدم، لئلا يؤدي ذلك إلى الضرر، فإن فعل قوم كراءها على ألا يسكن معه أحد، وعلى من أسكن معه فيكون له المسمى وفضل ما بين الكراءين.
فصل [فيما يجوز للمكري عمله في الدار التي اكتراها]
وأما ما يعمله فيها، فقال ابن القاسم: له أن يعمل فيها ما شاء من الأمتعة والدواب والأرحية والحدادين والقصارين ما لم يكن ضررا 2، وهذا إذا عمل واحد منهم رحاء 3 وجعل يعمل فيها القصار والماشية والنفر عند أهل الرباع ضرر ولا شك فيه، إلا أن تكون من ديار البادية فلا يمنع من الماشية.
وأما الدابة الواحدة للركوب، فإن كان 4 المكري يعلم أنه ممن يركب، وكانت العادة أن دابة الراكب تكون في داره لم يمنع، وإن لم يعلم أنه ممن يركب أو علم ذلك وكانت العادة أن الدابة تكون خارجة عن مسكنه؛ لأن الدابة تلوث الموضع 5 الذي تكون فيه، مُنِع.1
وكذلك إذا أراد أن يعمل فيها ظروفًا للخل، أو اللبن، أو للدباغ، فإنه يمنع من ذلك.
وكذلك لو أراد أن يجلس فيها ليبيع الزيت أو ما أشبه ذلك، فإنه يمنع من ذلك، إلا أن يكون ذلك الشأن فيما يعمل في ذلك الحانوت أو في ذلك السوق فلا يمنع 1.
باب فيمن سكن بزوجته في مسكن تملكه أو اكترته (1) أو عند أصهاره أو أبويه
وقال ابن القاسم فيمن بنى بزوجته في دارها ثم طلبته بالكراء عن 2 سكناه: لا شيء لها 3. يريد: لأن العادة أن ذلك على وجه المكارمة.
واختلف إذا كانت فيه بكراء وهو وجيبة، فقال ابن القاسم: لا شيء لها وهو بمنزلة منزلها.
وقال غيره: ذلك لها وعليه الأقل مما اكترت به أو كراء مثل ذلك المسكن 4.
والأول أبين إذا كانت نقدت، فإن لم تكن نقدت، كان الأمر مشكلًا هل أسكنته ليكون هو الذي يدفع أو هي؟، وأرى أن تحلف أنها لم تسكنه إلا ليدفع هو ذلك الكراء، ثم يكون عليه الأقل من ثلاثة أوجه: من 5 المسمى، أو كراء المثل في ذلك المسكن، أو كراء المثل فيما كان يحكم به عليه أن يسكنها إياه إذا كان ذلك المسكن فوق ما يحكم به عليه، إلا أن تكون قد أدت الكراء في تلك الشهور ثم كلمته بعد ذلك فيضعف كلامها عند 6 قيامها، وإن كان قيامها 7 عند شر حدث، كان ذلك أبين ألا شيء لها.1
وإن كان الكراء مشاهرة ولم تنقد، كان القول قولها.
وكل هذا إذا كانت العصمة باقية، فإن طلقها زال موضع المكارمة وكان لها أن تطلبه بكراء العدة، وسواء كانت في منزل تملكه أو بكراء وجيبة أو مشاهرة، نقدت أو لم تنقد، إلا أن له مقالًا إذا كانت في مسكن فيه فضل عما كان يحكم به عليه؛ لأنه يقول: إنما أغرم عما كان يلزمني أن أسكنها فيه ولو كنت ألزم بالكراء لم أسكن في هذا المسكن.
وإن كان يسكن بها في مسكن لأبيها أو لأمها، كان كمسكنها لا شىء لها عن مدة كانت في العصمة؛ لأن العادة جارية أن ذلك على وجه المكارمة ولا يطلب أحد ذلك إلا عند ما يكون من الاختلاف والمقابحة.
فأما الأخ والعم فالأمر فيهما مشكل، فيحلف ويستحق، إلا أن تطول المدة والسنون وهو لا يتكلم على ذلك فلا شيء له.
ومثله إذا سكن بزوجته عند أبويه ثم طلبا الكراء، فلا شيء لهما وذلك لأخيه وعمه، إلا أن يقوم دليل أن ذلك على وجه المكارمة.
باب فيمن أكرى دارًا (1) ثم مات أو مات المكتري أو تبين أنه ممن يشرب الخمر أو يأوي إلى الدار بفساد
ومن أكرى داره ثم مات أو مات المكتري، لم ينفسخ الكراء بموت واحد منهما، وإنما يفترق الجواب في تعجيل الكراء، فإن مات المكري لم يعجل، وإن مات المكتري تعجل وإن لم ينقض السكنى؛ لأنه دين ثابت، ولا يصح أن يرثه ورثته قبل قضاء ما عليه من الدين، لقول الله سبحانه في الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
وقد نزلت هذه المسألة في رجل اكترى حمامًا سنة ثم مات قبل انقضائها فتنوزع فيها هل يعجل، أو لا يعجل الدين لأن العوض وهو السكنى لم يقبض؟ والظاهر من قول مالك وابن القاسم أن يعجل؛ لأنه قال فيمن أكرى أرضه من رجل فزرعها ثم مات أو أفلس: إن المكري يحاص 2 الغرماء 3. فجعل له قبض الثمن قبل استيفاء المنافع.
وقال فيمن أكرى إبله إلى مكة لتحمل بزًّا ففلس المكتري ببعض الطريق: إنه أحق بالبز يباع له وتكرى الإبل للغرماء 4. ولا يصح أن يكري منافعه التي بالنقد ويتعجل الغرماء ما يباع به، ولا يقبض هو ثمن المنافع 5، ولا أن1
توقف عليه.
فإن قيل: إن الميت في تلك المسألة لم يفلس وأن الورثة يضمنون ذلك أو يأتوا بضمين إن لم يكونوا مأمونين، فقيل: ذلك أداء (1).
وقد ذهب إلى هذا أبو الحسن ابن القصار، فقال: إذا مات الغريم قبل الأجل إنما يسقط الأجل بموته؛ لأن الدين كان معلقًا بذمته فلما سقط الأصل المعلق بها انتقل الدين إلى تركته، فإن ضمنه الورثة تعلق بذمتهم، وإن لم يضمنوه قضي من تركته؛ لأن التركة لا يؤمن عليها البقاء.
قال ذلك في تضاعيف كلام وقع له في مسائل اللعان.
فصل [فيمن أكرى داره لآخر فأظهر فيها الفسق وغيره]
وقال ابن القاسم فيمن أكرى داره من رجل فظهرت منه دعارة، أو فسق، أو شرب خمر: فليس لرب الدار أن ينقض الإجارة، والسلطان يكف عنه أذاه وعن الجيران، وإن رأى أن يخرجه ويكريها عليه فعل 2.
وأرى أن يخرجه وإن لم يتيسر كراؤها من يومه وما قارب ذلك وتخلى حتى يأتي من يكتريها، فإن لم يأت مكترٍ حتى خرج الشهر الذي اكتراه، لم يسقط عنه الكراء.
وكذلك لو تبين أنه سارق يخشى على أبوابها وغير ذلك منه، لم يفسخ الكراء وأخليت عليه من يومه وأكريت متى أتاها مكترٍ.
وقال مالك 3 في "كتاب ابن حبيب" في الفاسق يكون بين أظهر القوم في1