النسخ المقابل عليها 1 - (ت) = نسخة تازة رقم (243, 234) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب تضمين الصناع
باب في الصانع يصنع خلاف ما استؤجر عليه من نسج أو بناء أو غيره
وقال ابن القاسم فيمن استأجر حائكًا لينسج له غزلًا سبعة في ثمانية فنسجه سبعة في ستة: كان صاحبُ الغزل بالخيار بين أن يأخذ ذلك الثوبَ ويدفع إليه أجره كله، أو يسلمه ويضمّنه قيمةَ الغزل 1.
واختلف في هذه المسألة في ثلاثة 2 مواضع: أحدها: إذا أخذ الثوب، فقال ابن القاسم: للصانع الأجر كله.
وقال غيره: له بحساب ما عمل 3.
والثاني: إذا ضمن، فقال ابن القاسم: له قيمة الغزل.
وقال غيره: له أجر 4 مثله 5، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إذا كان يوجد مثله 6 غرم المثل، وإن لم يوجد فقيمته.
والثالث: الإجارة في المستقبل، فقال ابن القاسم: تنفسخ الإجارةُ، وقال أصبغ: الإجارة ثابتة 7. وقيل: إن كان ذلك
للفاسد فالإجارة منفسخة، وإن كان تاجرًا وذلك شأنه لم تنفسخ، وهذا إذا كانت الإجارة على غزل بعينه 1 وقُضي فيه بالقيمة، فأما إذا كان الغزل موصوفًا، أو كان معينًا وقُضي فيه بالمثل- فإن الإجارة ثابتة، وعلى الحائك أن يعمل مثل الغزل ثانيةً، ولا أرى عليه إذا أخذ ذلك الثوبَ من الأجر 2 إلا بحساب ما عمل.
ولا يصح أن يستأجر على قيسٍ فيعمل دونه ويستحق عنه جميع الأجرة، وقد قيل: إنه يحتمل أن يكون ذلك 3؛ لأنه أدخل جميعَ الغزل في ذلك المصنوع 4، وهذا غير مستقيم؛ لأن مَن اسْتُؤجر على صفة فعمل أحسنَ وأقلَّ - لم يستحق بذلك المسمَّى، وقد قيل: المعنى أن له الأجر كله؛ أي ما ينوب ذلك من المسمى، وليس أن يُردّ إلى إجارة المثل.
وأرى إذا كان الحكمُ القضاءَ بالقيمة في الغزل وهو ثوب لابس 5 - أن يكون المستأجر بالخيار: فإن شاء فسخ عن 6 نفسه الأجرة، وإن شاء أن يتكلّف المثل ويعمل له؛ لأن التعيين من حقه ليس من حق الصانع.
وإن كانت الإجارة على أن يعمل له رداءً فعمل له عمامةً، فأحب أن يأخذ العمامة، كان فيها إجارة المثل، كان أكثر من المسمى أو أقل، إلا أن يقر الصانعُ أنه عمله على المسمّى، فيكون على المستأجر الأقلُّ من المسمّى أو إجارة المثل، فإن دفع المسمَّى لم يبقَ بينهما إجارةٌ، وإن دفع إجارة المثل عاد الجواب في بقاء العقد وفسخه على ما تقدم في أول المسألة.
فصل [في خيار المستأجر إذا خالف الصانع صفة في المصنوع]
ولو استأجر رجل 1 صائغًا ليصوغ له ذهبًا أو فضة على صفةٍ فصاغه على خلافها- كان الصانع بالخيار 2 بين: أن يعيد صنعته على ما اسْتُؤجر عليه بعد أن يُصفيه من اللحام 3 الذي خالطه، أو يغرم مثل الذهب أو الفضة، ثم يصوغه ثانية 4، إلا أن يكون الصانع فاسدَ الذمة، فيكون لصاحب الذهب أن يجبره 5 على كسره و 6 إعادته، ولا يلزمه أن يأخذ المثل من ذمته ولا تنفسخ الإجارة.
ولو كان ثوبًا فصبغه على غير الصفة، فإن قال له: أكحل، فصبغه أزرق 7، أعاده للصبغ حتى يعمله على ما وصف 8، وكذلك أخضر 9 شديد الخضرة فصبغه خفيف الخضرة, فإن قال له: أزرق، فصبغه أكحل، أو قال: خفيف الخضرة، فصبغه فوق ذلك، فإن كان ذلك 10 الصبغ ينقصه عن قيمته أبيض كان له قيمة ذلك النقص ولا يكون له أن يضمّنه قيمة ذلك الثوب إذا كان النقص يسيرًا، وإن كان لا يزيد في قيمته ولا ينقصه أخذه ولا شيء عليه، وإن كان يزيد في قيمته كان عليه الأقل مما زادت قيمته أو المسمّى من الإجارة.
وإن استأجره على أن يصبغه أحمر، فصبغه أخضر أو أزرق، كان له أن يضمّنه
قيمة الثوب أو يأخذه ويدفع قيمة الصبغ؛ لأنه قد 1 ملك التضمين، ويصح أن يجري الجوابُ فيه على ما تقدَّم: أنه يعتبر في ذلك الصبغ: هل نقصه أو زاده أو لم يزد ولم ينقص؟ لأن صاحب الثوب يقول: أنا لا أحب أن أضمن ولا أزيل ملكي عن ثوبي وأنت قد أفسدته، فيجري علي حكم من أفسد مِلْكَ الغير, قال عبد الملك بن حبيب: إلا أن يقول المالك: أنا أضمن ويأبي الصانعُ, فلا يكون له من زيادة الصنعة شيءٌ؛ لأنه قد أمكن من أخذ 2 صنعته.
وإن كانت الإجارة على قصارة فأخرجه أسودَ، فإن كان يقدر على إعادته- من غير فساد أعاده، والقول قول من دعا إلى ذلك منهما، فإن دعا صاحب الثوب إلى أنه 3 يغرمه قيمته، أو قيمة ما نقص، كان للصانع أن يأبى من ذلك، وكذلك إذا دعا إلى ذلك الصانع كان للآخر أن يجبره 4 على العمل، وإن كان لا يقدر على إعادته غرم قيمته أسمر 5، قال سحنون في كتاب ابنه: إلا أن يكون الفسادُ يسيرًا فيغرم قيمة ذلك العمل على حاله 6.
قال الشيخ -رحمه الله-: إنما تقوّم الصفة التي شُورِطَ عليها والصفة 7 التي عمل، فيحط من المسمّى بقدر ذلك، إلا أن تكون زيادة الصنعة على قيمته أسمر أقلَّ، فلا يكون عليه سوى ما زادت القيمة، أو تكون قيمته مصبوغًا أقلَّ من قيمته أسمر، فيكون له أن يرجع على الصانع بما نقصت قيمته ولا يغرم له شيئًا؛ لأنه أفسده.
وإن كانت الإجارة على خياطة الثوب، فخاطه مقلوبًا وذلك مما يحط من ثمنه، ومتى فُتق وأُعيد زال ذلك النقصُ، أو كان ذلك أقلَّ لعيبه، كان القولُ قولَ من دعا إلى فتقه وإعادته، وإن تساوى النقص فكأن النقص 1 الآن لأجل كونه مقلوبًا، وإذا أعيد وفتق 2 نقص لما يلحقه من التمريث، سواء كان القول قول صاحبه، فإن شاء أقرّه، وإن شاء أمره بفتقه وخياطته, وإن كان فتقه أشد لعيبه كان القولُ قولَ 3 الصانع، إلا أن يفتق ويغرم ما حط من ثمنه الآن، وليس عليه أن يدخل نفسه في أكثر من عيبه هذا، إلا أن يحب صاحبه ألا يغرمه أكثر من عيبه قبل فتقه، فيجبر الأجير 4 على إعادته.
وإن كان الفساد لرداءة الخياطة، كان له أن يأمره بفتقه وإعادته على ما يخاط مثله، ويكون على الصانع الأقل من نقصه الآن، أو مما ينقص بعد 5 فتقه ولا أجرة له في الخياطة إذا دخلت الخياطة في القيمة وجبر بها النقص، وإن قال الصانع: إذا أنا 6 قلبته أنا أغرم ما ينقصه الفتق قبل إعادة خياطته ويكون لي 7 المسمى في الخياطة، كان ذلك له، وإن حدث به عيبٌ من غير الخياطة، حرقُ نارٍ، أو وقع عليه ما شانه، أو قطع منه شيء من غير موضعه- كان عليه قيمة عيبه ذلك قبل أن يخاط وله المسمَّى من الأجرة؛ لأن العيب ليس في الخياطة.
وإن كانت الإجارة على بناء دار فأخطأ في البناء كان عليه أن يهدمه
ويعيد 1 البناء على صفة ما شُورِط عليه، ويغرم قيمة ما أتلف من جير أو غيره، ويغرم ما نقصت القيمة من الآجُر والحجارة الآن 2 عن قيمته قبل بنائه، وإن أحب صاحبُ الأرض أن يقر ذلك البناء ولا 3 أجرة للعامل فيه؛ لأنه قد ملك نقضه ولا قيمة له فيما إذا نقض- لم يكن له ثمن ولا قيمة عليه فيما ينقض 4 من قيمة الأحجار و 5 الآجر لو نقض 6؛ لأنه لم ينقض بعدُ.
باب في تضمين الصناع
الصُنّاعُ على ضربين: مُنْتَصِب لتلك الصناعة، وغَيْر مُنْتَصِبٍ.
فالمنتصب: من أقام نفسَه لعمل تلك الصناعة التي اسْتُعْمل 1 فيها، كان يعملها في سوقها أو في داره.
وغير المنتصب: من لم يُقِمْ نفسَه لها 2، ولا منها معاشُهُ.
وفائدة الفرق بينهما: دعوى التلف، ودعوى الرد، وما يطرأ من الفساد في ذلك المستصنع.
فالمنتصب على الضمان فيما يقبضه ويغيب عليه، لا 3 يصدق في دعوى الضياع، واخْتُلِفَ في دعواه 4 الرد: هل يصدق أو يكون على الضمان حتى يثبت الرد؟ وهو فيما يكون فيه من فساد من سبب الصنعة على حكم المتعدي ضامنٌ، إلا فيما الغالب فيه حدوث مثل ذلك.
وغير المنتصب على الأمانة فيما يقبضه، فإن ادَّعى تلفًا أو ردًا قُبِلَ قولُه وحلف وبرئ، وسواء غاب عليه أو عمله في دار صاحبه، وإن أتى به وبه عيبٌ، خَرْقٌ أو حَرقُ نار كان القول قوله أنه من غير سببه ولا تفريطَ ويُسْتَظْهَرُ عليه في ذلك باليمين، إلا أن يكون مبرزًا في حاله وعدالته.
وإن كان العيب من شما الصنعة كان فيه 5 قولان: هل يضمن أم لا؟
وهذا الأصل في كل من أخطأ فيما أُذِنَ له فيه، والصوابُ أن لا ضمانَ عليه، إلا أن يعلم أنه غُرَّ من نفسه: بأنه لا يحسن تلك الصنعة، أو يقال: إن ذلك لا يكون إلا عن 1 تفريط- فيضمن.
ويتفق 2 المنتصب وغره إذا اختلفا فقال: أمرتك بغير تلك الصنعة، وقال الآخر: بل بما عملته، فإن ادَّعى المنتصب التلف فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يغيب على ما يعمله فيعمله في حانوت نفسه أو في بيته، أو يعمل 3 بحضرة صاحبه، أو يدعوه صاحبه إلى داره فيعمله عنده، فإن غاب عليه كان ضامنًا له 4 ولم يصدق في تلفه؛ لأن الغالبَ من الصناع عدمُ الأمانة، فلو صُدِّقُوا لاجْتَرَؤوا 5 على أموال الناس، وإذا علموا أنهم لم يُصدَّقُوا لم يَجْتَرِئوا عليها، قال مالك: يضمنون 6؛ لأن ذلك على وجه الحاجة إلى عملهم وليس على وجه الاختيار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لاجترؤوا عليها، ولم يجد الناس مستعملًا 7 لتلك الأعمال فيضمنوا لمصلحة تلك الناس.
قال: ومما يشبه ذلك من منفعة العامة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ" 8،
"وَلاَ تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلى الأَسْوَاقِ" 1 2. وإن دعاه لعمل ذلك عنده 3، كان القولُ قولَ الصانع في تلفه, وسواء حضر صاحب المتاع في حين عمله، أو غاب عنه فهو المصدق، ويختلف إذا عمله الصانع في حانوتِ نفسِهِ بحضرة صاحبه، فقال محمد: القول قول الصانع في تلفه، وفي كتاب ابن حبيب في مثل ذلك: أنه ضامن 4، وليس بحسن.
واختُلِف في سقوط الضمان في موضعين: أحدهما: إذا قامت البينة على الضياع، والآخر: إذا اشْتَرَطَ الصانعُ أنه مصدَّقٌ في ضياعه- هل يكون له شرطه؟ فأما إذا قامت البينة على الضياع لم يكن عليه ضمانٌ عند مالك وابن القاسم 5، وعلى أصل أشهب يكون ضامنًا قياسًا على 6 قوله في الرِّهان والعَواري: أنه ضامن مع قيام البينة، وعلى قوله في الورثة يقتسمون العين ثم يثبت على الميت دين، فإن ذلك مضمون مع قيام البينة 7 على الضياع 8، والأول أحسن؛ لأن أخذَ الصانعِ والمرتهنِ 9 والمستعيرِ لذلك- لم يَنْقِلْ ملك صاحبه عنه، ومصيبة كل ملك من مالكه ما لم يكن من الأجير 10 تعدٍّ, ولأن علةَ الضمان خوف الجحودِ، وإذا لم يكن جحود بَقِيَ على الأصل: أنه من مالكه.
وقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: إذا اشترط الصانع أن لا ضمان عليه فشرطه ساقط 1، قال مالك: ولو مكِّن من ذلك ما عمل منهم أحد حتى يشترط ذلك ولا بدَّ للناس من عمل ثيابهم 2. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن أشهب 3 أن لهم شرطَهم، يريد: ما لم يكثر ذلك منهم، فإن كَثُرَ اشتراطُهُم سقط ولم يوفَّ لهم بذلك.
واختلف بعد القول أنه شرط لا يوفى به، فقيل: الإجارة لازمة والشرط باطل، وقيل: إن أسقط الصانعُ الشرطَ 4 صَحَّت الإجارةُ، وإن تمسَّك به 5 فسخت إن لم يعمل، فإن عمل كان له الأكثر من المسمَّى أو إجارة المثل، ويجري فيها قول ثالث: أنَّ الإجارة فاسدة تفسخ مع القيام وإن أسقط الشرطَ، وتكون له مع الفوات إجارةُ المثلِ قلَّتْ أو كَثُرَتْ، قياسًا على قول مالك: إذا استؤجر على رعي الغنم، وعلى أنه غير مصدق فيما هلك، فقال مالك: الإجارة فاسدة وله إجارة المثل 6. فهذا شرط أن لا ضمان عليه 7 فيما عليه ضمانه، والآخر شرط ضمان ما لا ضمان عليه فيه، ولأن الصانع يحط من أجرته ليتمكن له ما 8 يجب من الخيانة وأن يذهب بما يعمله.
والفرّان ضامن لما يأخذه من قمحٍ ليطحنه، أو عجينٍ ليخبزه، وهو في ذلك على حكم الصنَّاعِ.
ويختلف في القمح: هل يضمنه قمحًا أو دقيقًا؟ وفي العجين: هل يضمن مثله أو قيمته؟ وحاملُ ذلك إلى الفرّان ضامنٌ، لا يُصَدَّقُ إن ادَّعى التلفَ وإن لم يكن صانعًا؛ لأن حاملَ الطعامِ لما 1 يضمن، لما كانت أيديهم تُسْرِع إليه وإلى الخيانة فيه، والجواب إذا اختلف 2 حامله مع الفرّان في تسليمه إليه أو 3 في قبضه منه بعدما سلمه إليه مذكور فيما بعد هذا.
باب في الوقت الذي يضمن (1) فيه الصانع إذا ادعى الضياع، أو تعدى على ما استصنع فيه قبل العمل أو بعده أو (2) فلس أو وهب أو باع
وإذا ادَّعى الصانعُ تلفَ الثوب قبْل أن يصنعه، واختلفت قيمته يومَ قبضِهِ عن قيمته يومَ قُيِّم عليه، فإن قال: هلك يوم قبضته- غَرِمَ قيمته يومئذٍ، وإن قال: هلك الآن، وكانت قيمتُهُ اليومَ أقلَّ ضَمِنَ قيمتَه يومَ قبضه؛ لأن الدافعَ يكذبه، ويختلف إذا صدَّقه أو قامت البينةُ أنَّه رُئِيَ عنده بالأمس وقال: ضاعَ اليومَ، فقول ابن القاسم: الجواب كالأول، والقيمة يوم القبض 3. وقيل في 4 الرهن: القيمة فيه لآخر يوم رُئي عنده.
فعلى هذا يكون 5 في الصانع القيمة لآخر يوم 6 رئي عنده.
واختلف في الخياط يقطع الثوب، ثم يغيب عليه بعد قطعه، فقال في كتاب محمد: عليه قيمته صحيحًا قبل قطعه، ولو كانت شقة فقطع منها ثوبين، ثم ادعى ضياع أحدهما كان عليه قيمة 7 نصف الشقة صحيحة 8 لا قيمة نصف صحيح 9. وقال ابن القاسم في مختصر ما ليس في المختصر: يغرم قيمته12
مقطوعًا، وهذا أحسن؛ لأنه إنما غاب عليه مقطوعًا، فإن كان تعدَّى (1) فإنما تعدى على مقطوع.
ويختلف على هذا إذا أفسده الخياطُ بالخياطة أو بالقطع، فعلى قوله في الموازية (2): يغرم قيمته صحيحًا في الوجهين جميعًا (3)، وقال ابن شعبان: إذا (4) كان الفساد في القطع غرم قيمته صحيحًا، وإن كان في الخياطة غرم قيمته مقطوعًا.
وهذا فقه حسن، وهو بناء على قول ابن القاسم إذا غاب عليه أنه يغرم قيمته مقطوعًا، وإن كان (5) قيمته على حال ما غاب عليه، وإن كان الفساد في القطع كان الخطأ عليه وهو صحيح.
فصل [في قيمة المضمون تكوق يوم قبضه غير معمول]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم: فيمن دفع إلى قصّار ثوبًا ليغسله، أو إلى خياط ليخيطه ففعل، ثم ضاع بعد الفراغ، قال: عليه قيمته يوم قبضه غير معمول، قال: وإن أراد صاحب الثوب أن يؤدِّيَ الكراء ويُضَمِّنَه قيمته مقصورًا لم يكن ذلك له، قال: وإذا فرغ الخياط أو 6 الصانع من عمل ما في يديه، ثم دعا صاحب المتاع فقال: خذ متاعك فلم يأت حتى ضاع المتاع عند الصانع، قال: هو ضامن على حاله 7. يريد أنه لم يحضره، ولو كان قد أحضره ورآه صاحبه مصنوعًا 8 على صفة ما شرطه 9 عليه،12345
وكان قد دفع الأجرة إليه 1 ثم تركها عنده فادعي ضياعها- لصدق 2؛ لأنه خرج عن حكم الإجارة فصار إلي الإيداع.
وكل هذا علي أصله أن الضمان وقت وضع يده عليه.
وعلى القول أنه يغرم لآخر وقت رئي عنده يكون لصاحب الثوب ألا يدفع الأجرة ويغرمه قيمته 3 غير مقصور.
وعلى أصل 4 قول محمد: إذا ضاع بعد الفراغ ببينة أن للصانع الأجرة 5؛ لأنه قد أسلم الصنعة ووضعها في الثوب، يكون لصاحب الثوب أن يغرم الأجرة ويغرمه قيمته مصنوعًا.
وإن باعه جرى الجواب على الخلاف المتقدم، فعلى قول ابن القاسم في "المدونة" يكون صاحب الثوب بالخيار: بين أن يغرمه قيمته يوم قبضه، أو يجيز البيع ويكون له 6 من الثمن ما ينوب الثوب دون الصنعة، وعلى القول أن له أن يأخذه بأعلى القيم يكون صاحب الثوب بالخيار: بين أن يأخذه بقيمته يوم البيع لو كان غير مصنوع، أو بما ينوبه من الثمن، وعلى القول أن الصنعة قد سلمت إلى الثوب يكون له أن يغرم الأجرة ويأخذ الثمن الذي يبيع 7 به، والذي آخذ به أن يكون بالخيار: بين أن يأخذ الامصر من قيمتها يومَ باعها، أو 8 ما ينوبها من الثمن من 9 غير معمولة 10، أو يأخذ جملة الثمن الذي يبيع 11 به ويدفع الأجرة.
باب في ضمان أجير الصانع
وإذا دفع القصّار أو الخياط شيئًا مما استصنعه لأجير 1، فقال الأجير: ضاع ذلك، فإن لم يكن بان به ولا غاب عليه كان القولُ قولَه مع يمينه، وبرئ ويبقى الضمانُ على الأول، وإن بان به عن حانوت الصانع ضمن كما يضمِّنون الصناع 2.
وقال أشهب في "كتاب محمد": إذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت 3: ضمن 4، وقال في الخياط يدفع إلى أجرائه الثياب فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت: يضمنون 5. ورأى أن الضرورة تدعو الصناع إلى تسليمهم ذلك إلى أجرائهم وإن كانوا غير مأمونين، كما دعت إليهم في أنفسهم، ولصاحب المتاع أن يغرم الأجير إن شاء، فإن كانت القيمة يومَ قبض الأجير أكثرَ من القيمة يوم قبض الصانع كان ذلك له، وإن كانت القيمة أقلَّ رجع بتمام القيمة على الصانع؛ لأن الأجير صار غريمَ غريمِهِ، وعلى القول الآخر لا شيء على الصانع إذا ثبت أنه سلَّمه لأجيره.
وإن فسد شيء من سبب الصنعة لم يكن على الأجير شيء، والغرم على الصانع، إلا أن يكون الأجير قد فرَّط أو ضيع فيكون لصاحبِ الثوبِ أن يطلب الأجيرَ إن أحبَّ، وإن أحبَّ أغرم 6 الصانعَ ورجع الصانع 7 على الأجير.
باب في ضمان الصانع ما لاصنعة له فيه إذا (1) كان المستصنع لا يستغني عنه
وذلك كالكتابِ المستنسخ منه، والثوبِ يُطرز على مثله، أو ما يُصاغ عليه، وجَفْنِ السيف إذا كان متى أُسْلِمَ إلى الصانع بغير جفن فسد، وظرفِ القمحِ والعجينِ.
واختلف في ضمان الكتابِ الذي يُنتسخ 2 منه، والدملجِ الذي يُصاغ عليه، والمثالِ يطرز عليه 3، فقال محمد بن المواز: الصانع ضامن لذلك.
وقال سحنون: لا ضمان عليه 4. والأول أحسن؛ لأن تسليم ذلك إليهم لم يكن 5 على اختيار ولا رضًا بأمانتهم، وإنما كان ذلك ضرورة، كما اضطر إلى تسليم ما يصنع له، ولو كان ذلك لا يضمن لم يضمن الصانع إلا لما له صنعة في جميعه: كالنسج، والصبغ، والخياطة إذا كان بقيمته من الأصل، ولا يضمن الشقة إذا أخذها ليطرزها؛ لأن صناعته في طرف و 6 في جزء منها يسير، وما سوى ذلك الطرف لا صنعة 7 له فيه، وكذلك الثوب يأخذه ليصلح طوقه أو أسفله، فلما سلموا أنه ضامن لجميع ذلك الثوب لما كانت الضرورة تدعو إليه، وأنه لا يقدر على تسليم الذي يضع الصنعة 8 فيه إلا بتسليم جميعه، وكذلك يضمن 9 ما لا صنعة له فيه من هذه الأشياء للضرورة إلى ذلك.1
وقال محمد بن المواز: يضمن الصيقل السيف دون الجَفْن إذا لم يستأجر على شيء من إصلاحه، ولا يضمن الظرف الذي يكون فيه القمح والعجين 1. وهذا خلاف لقوله الأول أنه يضمن المثال، وأن يضمن ذلك أحسن؛ لأن تسليم ذلك عليه 2 لم يكن على وجه الاختيار.
باب في الصانع يدعي الرد، وكيف إن جعل له أن (1) يسلم ذلكـ إلي غيره فقال: قد فعلت, وخالفه الآخر
واختلف في الصانع يدعي الرد وينكره الدافع، فقال مالك وابن القاسم: هو ضامن إلا أن يقيم البينة على الرد 2. وقال عبد الملك بن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا أخذ ذلك من غير بينة كان القول قوله في الرد مع يمينه، وإن أخذه ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة 3. والأول أحسن.
وكل ما كان مضمونًا كان حكمه في ذلك حكم الدين، من ذلك: الرهن، والعواري، وما بيع على خيار 4، وكل ذلك مضمون إن ادعى التلف، ولا يقبل قوله في الرد وكذلك الصناع 5 لا يقبل قولهم في الرد كما لا يقبل قولهم في التلف؛ لأنهم لم ينزلوا في ذلك منزلة الأمن، ولأنَ الوجهَ الذي يترقب من الصانع في دعوى التلف يُتخوف مثلُه في دعوى الرد، إلا أن يكون الرهن والعارية والمبيع على خيار- حيوانًا، فيكون القولُ قوله في التلف وفي 6 الردِّ، ولو كان شيئًا مما يغاب عليه في إجارةٍ أو قراضٍ أو وديعةٍ - لكان القولُ قوله في الرد كما يقبل قوله في التلف.
واخْتُلف إذا جعل له أن يسلمه بعد الفراغ لغسَّالٍ أو طرَّازٍ فقال: قد فعلتُ، وأنكره الآخر أو صدقه وقال: ضاع عندي، فقال ابن الماجشون في1
"كتاب ابن حبيب": القول قول الصانع أنه دفعه، كما يقبل قوله في رده 1.
وقال أصبغ في "ثمانية أبي زيد": لا يقبل قولُه.
وهو أصل ابن القاسم إذا كذبه الغسال أو الطراز، لوجهين: أحدهما: أنه لا يقبل قوله في الردِّ فكيف لا يقبل قوله في تسليمه في آخر، والوجه الثاني: أنه يقول لا يقبل قول المودع في تسليم الوديعة إلى يد آخر، وهو 2 في هذا أبين ألا يقبل قوله.
وأرى أن لا يُقبل قولُهُ في التسليم، كما لا يُقبل قولُه في الردِّ 3، ويختلف إذا صدقه وقال: ضاع مني، وأن يُقبل قوله أحسنُ فيحلفان جميعًا: يحلف الصانعُ لقد سلَّمه إليه، ويحلف الآخرُ: لقد ضاع مني 4، وتكون مصيبتُه من صاحبه، إلا أن يكون الثاني منتصبًا، فيضمن، إلا أن تقوم له بينة.
وعلى هذا يجري الجواب في حامل القمح والعجين، فإن قال: سلمتُ ذلك إلى الفرّان، وكذَّبه، حلف الفرانُ وضمن الحاملُ.
واختلف بعد تسليمه في رده إلى الذي يحمله، فقال الفرّان: وديعة رددتُه إليه، وكذَّبه الحاملُ، حلف الحاملُ أنه لم يأخذ منه وغرم الفرانُ، وإن قال أحدهما: صَدَقَ وصل إليَّ وضاع عندي، برئ من ادَّعى تسليمَه؛ لأنَّ الشأنَ تسليمُ ذلك بغير بينة، وضمن الآخرُ.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" في الطَّحَّان يدَّعِي تلفَ القمحِ: أنه يَغْرَمُ مثلَه دقيقًا على ما عرف النَّاسُ.
قال محمد: بل يغرم مثلَه قمحا 5. فرأى ابنُ القاسم أن يُغَرِّمَهُ دقيقًا؛ لأن الشأنَّ بِمِصْرَ أنَّ القمحَ يُدْفَعُ إلى
الطحانِ بوزنٍ ويسلمه الآخرُ دقيقًا بوزنٍ، فهو إن أخذه بالوزن قمحًا كان عليه طحنه ويسلمه دقيقًا بوزن، فلم يكن في 1 إغرامه إياه قمحًا فائدةٌ لما كان عليه طحنه.
باب في الثوب وغيره يفسد عند الصانع وما يضمن من ذلكـ
لا يخلو إفسادُ الثوبِ عند الصانع من ثلاثةِ أحوالٍ: إما أن يكون ذلك 1 من سبب الصانع، أو من سبب غيره من الآدميين، أو من 2 غير هما: كالفأرِ، والسوسِ، والنارِ.
فإن كان الفسادُ من قِبَلِ الصانعِ في القِصارةِ أو الطِّرازِ أو الخياطةِ، وكان يستطاع أن يعادَ القِصارةُ، أو يُفْتَقُ الطَّرْزُ والخياطةُ ويعمله على ما شرطه عليه- لزمه ذلك، وإن كان لا يستطاع ذلك، وكان الفساد يسيرًا غَرِمَ النقصَ ولم يضمن جميعَه، وإن كان كثيرًا ضَمِنَ جميعَه وقد تقدَّم ذلك.
وإن كان ذلك من فعلِ غير 3 الصانعِ وعَلِمَ ذلك ولم يكن في ذلك 4 من الصانع تفريطٌ - كان الغُرْم على الأجنبيِّ دون الصانعِ، وإن كذبه الدَّعَى عليه حلف وبَرِئَ، وكان الغُرْمُ على الصَّانعِ، وإن صدَّقَهُ برئ الصانعُ وغرم 5 الأجنبيُّ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ أنْ يُواطِئَهُ على الإقرار في مثل ذلك.
وإن كان هلاكُهُ منهما جميعًا، فكان من الصانع تفريطٌ ومن الآخر إفسادٌ 6 - كان لصاحب الثوب أن يُطالبَ بقيمة ثوبِه أيهما أحبَّ، فإن أخذ بذلك الصانع رجع الصانعُ على الأجنبيِّ، وإن أخذ بذلك الأجنبيَّ لم يَرجع الأجنبيُّ على الصانع بشيء، وإن كان من الصانع تسليطٌ بغلط أو عَمْدٍ كان
لصاحب الثوب أن يبتدئ بالصانع.
واختُلف: هل له أن يبتدئ بالأجنبيِّ؟ فإن ابتدأ بالأجنبي (1) لم يرجع الأجنبيُّ على الصانع، وإن ابتدأ بالصانع، نظرتَ: فإن كان ذلك التسليط بعمد لم يرجع على الأجنبي بشيء، واختلف إذا كان تسليطه (2) بغلط.
فصل (3) [في تضمين الصانع إذا تعمد التفريط في المضمون]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم في القَصَّار ينشر الثوبَ على حَبْلٍ، فيمرّ إنسانٌ بحملٍ فيخرقه: إن الغُرْمَ على الذي خرقه ولا شيءَ على القصار وإن كان الذي خرقه عديمًا 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: وإن كان من القصار في ذلك مشاركة؛ لأنه لم يُعَلِّه 5 عن المارة، أو ينشره 6 في موضع يخاف عليه فيه لكان لصاحب الثوب أن يُغَرِّم أيهما أحب، فإن غَرَّم 7 الأجنبيَّ لم يرجع بذلك على القصّار، وإن غَرَّم 8 القصارَ رجع به 9 على الأجنبيِّ، هذا ظاهر المذهب، واستحسن أن لا يكون عليه شيء إذا لم يتعمد ولم يرد ذلك؛ لأن القصار عرض به لما خرج بفعله عن المعتاد.
وقال ابن القاسم فيمن وضع قلالًا في طريق الناس، فعثر عليها إنسانٌ فكسرها: إنه ضامن 10. قال محمد: وإن انكسرت رِجْلُ الذي عَثَرَ عليها فلا شيء عليه، كان وضعها في غير موضع عمدًا أو ليرفعها مكانه وليس ليعثر123
عليها أحد (1). قال الشيخ -رحمه الله-: وأرى إذا وضعها استراحةً ثم يرفعها أو ما أشبه ذلك- أن يضمن له ولا يضمن هو ما حدث عنها، وإن جعل ذلك موضعًا لها وهو موضع المارة ضمن ما حدث عنها ولم تضمن له، إلا أن يتعمد الآخرُ كسرَها، ولو مرَّ بها إنسان في ليل فكسرها لم يضمنها له، إلا أن يتعمد الآخرُ (2)، وسواء كان الآخر جعل ذلك موضعًا لها أو استراحةً ليرفعها؛ لأنه غرّر بها وكان عليه أن يقف عندها ليصرف المارة عنها.
فصل [في تضمين الصناع ما يتلف في أيديهم إلا إذا أقاموا بينة على عدم التفريط]
وقال مالك 3 في "المدونة" في القَصّار يأتي بالثوب وفيه أثر يزعم أنه قرضُ فأرٍ، قال: هو ضامن إلا أن تقوم له بينة أنه قرضُ فأرٍ وأنه 4 لم يفرط 5. وقال ابن حبيب: إذا ثبت أنه قرضُ فأرٍ أو أنه لَحْسُ سُوْسٍ لم يضمن القصارُ ولا المرتهنُ.
وإن ادّعى المالك أنهما ضيعا حلفا 6؛ لأن الفأر والسوس غالبٌ، وقولُ مالك في القَصّار أنه ضامن حتى يثبت أنه لم يفرط- حسنٌ؛ لأنه قد علم منهم استعمالَ المتاعِ، ويحملون فيه 7 اللحم والسمك وغيره من الطعام مما هو السبب في قرض الفأر.12
وأما الخياط 1 وما أشبهه 2، فمحمول على أنه لا سبب له في ذلك الفساد، وأيضًا فإنه ليس كل مصنوع يتحفظ به أو يجعل في تابوت أو صندوق، ولا كل مصنوع يخشى عليه من الفأر، فما كان الشأن أنه لا يجعل في غلق ولا 3 يخشى ذلك عليه- فلا شيء على الصانع فيه، ولا يكلف البينة أنه لم يفرط.
وأما السُّوْسُ فإن كان السببُ في ذلك طولَ 4 مَطْلِ الصانعِ ولم يتفقده بالنَّفض والنَّشر- كان مفرطًا وضمن، وهو في الرهان أشكل؛ لأن صاحبه دخل على بقائه إلى مدة يتسوس فيها 5 ولم يُلْزِم المرتهنَ تفقُّدَه.
وقد قال ابن وهب في "الدمياطية" في المرتهن: يضمن الرهن إذا اسْتاسَ عنده 6.
ولم ير ابن القاسم في "المدونة" على الصانع في الحريق شيئًا إذا ثبت احتراقُه أو ثبتتْ سرقتُه 7، وسوّى بين الحرق والسرقة 8. وقال مالك 9 في "كتاب محمد" في الحريق: يضمن وإن رُئي ذلك في النار، وكذلك الرهن.
قال محمد: ذلك صواب حتى يعلم أن النار ليست من سبب الصانع 10. فرأى ابن القاسم أن النار فاعلة بنفسها فأشبهتْ الفأرَ والسوسَ، ورأى مالك أن الإنسان سببها وهو موقدها وأن إحراقها لمجتمل أن يكون؛ لأنه تصرف بها فيسقط منها ما، أو لأنه جعلها مجاورة لما أحرقت فترامى إلى غيره، أو لأنه لم يحسن حفظها، وكذلك هو السبب فيه، وهو أشبه من القول الأول.
باب في سقوط الضمان عن الصانع فيما حدث عن صنعته إذا كان الغالب حدوث ذلكـ من غير تفريط
و 1 قال مالك وابن القاسم وأشهب في "كتاب محمد" في الصانع يدفع إليه القوس يغمزه، والرمح يقومه، والفص 2 ينقشه فينكسر ذلك: لا ضمان عليه إلا أن يغر أو يفرط.
وقال محمد: و 3 لا يضمن من دفعت إليه لؤلؤة ليثقبها فتنكسر 4، قال أصبغ في "العتبية": إذا انخرم الثقب فلا 5 يضمن 6، ولو نفد الثقب لضمن 7 8. يريد: إذا وضع الثقب في غير موضعه.
واختُلف إذا احترق الخبزُ عند الفران، والغزلُ عند المبيض، فقيل: لا ضمان عليه؛ لأن النار تغلب، وقال محمد بن عبد الحكم: هو ضامن 9.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى الثقات من أهل المعرفة بتلك الصنعة، فإن قالوا: إن مثل ذلك يكون من غير تفريط لم يضمن، وإن قالوا: إن ذلك عن تفريط لأنه زاد في الوقيد أو أفرط 10 في التأخير ضمن، وليس كل الاحتراق سواء، وكذلك إذا أخرجه عجينًا فينظر: هل ذلك لتقصير في الوقيد أو لتعجيل في الإخراج؟
وكذلك الغزل يحترق، فإن قيل: إن ذلك من سبب قلة الماء أو فساد في القدر ضمن.
وإن قيل: إن ذلك يكون من غير تفريط لم يضمن، وهذا إذا أحضر الغزل أو الخبز محترقًا وعرف أنه الذي استؤجر عليه أو صدقه فيه، فإن لم يأت بشيء وقال: فسد فطرحته، لم يصدق وكان ضامنًا إذا لم يحضره 1، وإن أتى بالخبز 2 ولم يعلم أنه الذي استؤجر عليه ولم يصدقه صاحبه فيه ضمن إذا كان يعمل مثل ذلك لنفسه؛ لأنه لا يدري هل الذي أفسده متاعه أو متاع الناس؟ ويتهم أن يكون ذلك متاعه، وإن كان عمله للناس 3 خاصة صدق؛ لأن تمييز ذلك إليه ولا يعلم إلا منه، ولا يتهم أن يفر من أحدهما إلى الآخر، وكذلك إذا كان يخبز لنفسه وكان ذلك مما لا يختلط؛ لأن أحدهما نقي والآخر ليس كذلك، أو كان أحدهما كبيرًا والآخر لطيفًا، فإذا تبين أنه ليس من الصنف الذي يخصه قُبِلَ قولُه وبَرِئَ 4.
باب في الخياط والصيرفي والدليل يخطئ فيما استؤجر عليه
وإذا استُؤجر خياطٌ على قَيْس ثوبٍ، فقال له: إن كان يقطع ثوبًا اشتريته.
فقال له: إنه يقطع ثوبًا فاشتراه على قوله، ثم وجده دون ذلك، فإن لم يكن غَرَّ من نفسه لم يضمن، واختلف في الأجرة، وإن غَرَّ من نفسه لم تكن له أجرة واختلف في ضمانه.
وإن استُؤجر صيرفيٌّ ينتقد دراهمَ، ثم وجد فيها بعد ذلك 1 زيوفًا، فإن لم يكن غَرَّ من نفسه 2 لم يضمن.
ويختلف في الأجرة حسب ما تقدم، وإن غَرَّ ضمن وله أجره، وهذا بخلاف الأول؛ لأن هذا يأخذ منه جيادًا، فصار إلي غرضه فيما بدل 3 له 4 العوض، والآخر لم ينتفع بما بدل 5 له العوض وإن ضمنت له القيمة.
ولو قال للخياط: إن كان يُقْطَعُ قميصًا فاقطعه وإن كان لا يكسو قميصًا فلا تقطعه، فقطعه، ثم تبين له أنه عاجز، فإن غَرَّ من نفسه ضمن قولًا واحدًا؛ لأن هذا غرور بفعل، والأول غرورٌ بقول؛ لأنَّه قاس ولم يقطع، وألزم مالك في المسألة الأولى الثوب للمشتري 6. والأحسن 7 أن له أن يرده عليه لأنه قد علم أنه لو علم أنه 8 لا يكسو لم يشتره.
وإن كان البائع عالمًا أنه لا يقطع قميصًا كان ذلك أبين في رده عليه، إلا أن يكون قيس الخياط وكلام المشتري
معه 1 على قياسه في غيبة صاحبه.
وإن قال: دلّني على جاريةِ فلانٍ أشتريها لصفة 2 بلغتْهُ عنها فَدَلَّهُ على غيرها فاشتراها، فإن لم يَغرَّ لم يضمن، واختلف في الجعل، وإن غَرَّهُ لم يكن له جعل، واختلف في ضمانه، وإن كان البائع عالمًا قبل البيع أن المشتري إنما اشتراها لأنه يراها أنها أمةُ فلانٍ - كان له أن يردها عليه.
وكذلك إذا قال له: دلّني على ابنة فلان لأتزوجها، فَدَلَّه على غَيْرِها، فالجواب 3 على ما تقدم، وقد قيل: لا شيء له من الأجرة في الدلالة على النكاح وإن لم يخطئ بخلاف الدلالة على البيع، وأراه جائزًا ولا فرق بينهما؛ لأن ذلك يأخذه لمكان عنائه معه.
وإن استُؤجر لِيَدُلَّ على طريقٍ فأوصله إلى غيره ولم يَغرَّ من نفسه، فقال في "كتاب محمد": له الأجرة.
وقال أشهب في "كتاب ابن القرطي": لا أجرة له 4. وهو أحسن؛ لأن الطريق التي 5 استؤجر عليها لم يمر عليها، ولو أخطأ من بعض الطريق لكان له من الأجرة بقدر ما يصل منه 6، وإن كان على البلاغ لم يكن له شيء، وإن غَرَّ من نفسه لم يكن له أجرة.
ويختلف: هل يضمن ما 7 هلك لأجل خطئه من بهيمة أو لصوص أكلوهم في تلك الطريق؟ وإن كان عالمًا بمن كان في تلك الطريق من اللصوص كان أبين؛ لأنه غرور بفعل.
باب في اختلاف الصانع ومن استأجره في الصفة التي استأجره عليها، وكيف إن قال: ليس (1) هدا الثوب الذي كنتُ (2) استأجرتُك عليه
وإذا نسج الحائك الغزل سبعًا في ست، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآخر: بل بثمان في سبع 3، أو كان اختلافهما في خياطة، فقال أحدهما: عربية، وقال الآخر: رومية، وأتيا جميعًا بما يشبه النسج 4 والخياطة، أو اختلفا في صبغ فقال أحدهما: أحمر، وقال الآخر: أخضر، أو ما أشبه ذلك وأشبه ما قالا؛ لأن الصباغ 5 يصبغ الصبغتين 6 والثوب مما يحسن أن يصبغ بهما- كان في المسألة قولان: فأصل مالك وابن القاسم أن 7 القول قول الصانع أنه لم يتعدَّ، وأن الإجارة كانت على ما صنعه، ويسقط عنه حكم التعدي 8، ويستحق المسمى من الإجارة 9 10، وهو قول مالك في العتبية أن القول قول الحائك 11. وفي "المدونة": أن القول قول الصباغ 12. وقال سحنون: القول قول الصانع في طرح التعدي، والقول قول صاحب الثوب في الأجرة، ويكون عليه الأقل من المسمى أو إجارة المثل 13. يريد: مع12
يمينه، إلا أن يكون المسمّى أقلَّ فلا يمين عليه، وإن أحبَّ أن يبقى الصانع معه شريكًا بالصنعة كان ذلك له، ويجري فيها قول آخر: أن يكون القولُ قولَ صاحب الثوب مع يمينه: أنه لم يستأجره على ذلك، ويضمنه قيمة الثوب إن أحبَّ قياسًا على أحد القولين في الوكيل يشتري ثمرًا، ويقول بذلك أمرتني، ويقول الآمر: أمرتك بقمح، فقال ابن القاسم مرة: إن 1 القول قول الآمر ولا يلزمه الثمن لأنهما أمينان، فهذا أمن على ما يشتريه 2، وهذا أمن على ما يصنعه 3.
وهذا في الصانع أبين 4 أن لا يقبل قوله لأنه بائع لسلعته أو منافعه فكان 5 القول قول المشتري أنه لم يشتر منه هذا وإن أتى الصانع بما يشبه دون الآخر؛ لأن عادته أن يصنع جنسًا واحدًا وهو الذي صنع، أو كانت عادته الصنفين 6، ولا يصنع في مثل ذلك الثوب 7 إلا الصنف الذي عمله الصانع - كان القول قوله مع يمينه: أنه لم يتعدَّ، ويستحق المسمَّى قولًا واحدًا، فإن أتى صاحب الثوب بما يشبه دون الآخر حلَف، وكان القول قوله لأنه الغارم، فيحلف 8 أنه لم يشتر منه 9 هذا الصبغ.
ومثله لو اختلفا في صنفين، فقال أحدهما: أزرق، وقال الآخر: أحمر، وقال صاحب الثوب: أنا أسقط مقالتي في التضمين، وأحلف أني لم أستأجره على هذا فأدفع عن نفسي غرم الإجارة في هذه الصنعة ويكونان شريكين-
كان ذلك له.
ولو صبغه أزرق فقال 1 الآخر: كانت الإجارة على أكحل- لكان القول قول صاحب الثوب على القولين جميعًا؛ لأن ذلك الصبغ ليس بفوت وهذا قادر على أن يعيده على صفة ما حلف عليه الآخر، فإن رضي بذلك الصانع أن يصبغه أكحل، وإلا حلف ولم يستحق من المسمى إلا بقدر ما حلف عليه 2 صاحب الثوب؛ لأن القول قول الصانع: أنه لم يبع الزائد على الصفة التي صبغ.
وقال مالك في "المدونة" في الصواغ تدفع إليه فضة فيصوغها سوارين، فقال الآخر: استعملتك لتعملها خلخالين- فالقول قول الصواغ 3. يريد فيدفع عن نفسه العداء؛ لأنها لو كسرت وأعيدت نقصت، وعلى قول سحنون يكون القول قول صاحب الفضة أنه لم يستأجره ليعملها 4 سوارين، والقول قول الصانع أنه لم يتعدَّ ويكونان شريكين، هذا له قدر الفضة والآخر قدر الصنعة، إلا أن يحب صاحب الفضة أن يعطيه إجارة المثل إذا كانت أقل والله أعلم.
باب في القصار (1) يخطئ فيدفع الثوب إلى غير صاحبه، فيقطعه الآخر أو يخيطه أو يلبسه
ومن "المدونة" قال ابن القاسم في القصار يخطئ فيدفع الثوب إلى غير صاحبه فيقطعه الآخر أو يخيطه، ثم يأتي صاحبه: إن له أن يأخذه ويدفع إلى الخياط أجر الخياطة، فإن أبى أن يدفع أجر الخياطة كان الذي خاطه بالخيار بين أن يعطيه قيمته صحيحًا أو يسلمه بخياطته، فإن أسلمه كان صاحبه بالخيار بين أن يمسكه أو يسلمه للقصار ويغرمه قيمته 2. وقال سحنون: إذا أبى صاحب الثوب أن يعطي أجر الخياطة، لم يكن له إلا أن يضمن القصار ثم يقال للقصار: أعطه أجر خياطته، فإن أبى أعطاه الآخر قيمته غير مخيط، يريد مقطوعًا، قال: فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه وهذا بخياطته 3. قال الشيخ -رحمه الله-: لا خلاف أن لرَبِّ الثوبِ أن يُغرم القصارَ قيمة ثوبه صحيحًا، وإنما الخلاف في حكم القصار ورب الثوب مع القاطع، فاختلف في أربعة مواضع: أحدها: هل يغرم القصار ما نقصه القطع؟ والثاني: هل لصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه في الخياطة؟ والثالث: إذا لم يكن على القاطع أن يغرم عن القطع شيئًا وتمسك به لمكان خياطته: هل يغرم قيمته صحيحًا أو مقطوعًا؟ والرابع: إذا لم يختر أن يمسكه لموضع خياطته وسلمه: هل يسقط1
مقاله في الخياطة أو يكون شريكًا بها؟
فأما الغرم عن القطع ففيه ثلاثة أقوال: فرأى ابن القاسم 1 شيء لصاحبه على القاطع بما 2 كان قادرًا على أن يأخذ قيمته من القصار صحيحًا ولا يكون للقصار على القاطع شيء 3؛ لأنه سلَّطه على القطع، إلا أن يكون القصار عديمًا فيرجع على
القاطع بما نقصه القطع؛ لأنه مستحقٌّ لثوبه في يد من قطعه.
و 4 القول الثاني: أن 5 للقصار أن يغرمه قيمة القطع قياسًا على قول مالك في "كتاب محمد" فيمن اشترى ثوبًا فأعطاه البائع غيره فقطعه المشتري: إن عليه قيمة القطع 6، يريد: لأن البائع سلمه، وهو يرى أنه مجبور على تسليمه، وكذلك القصار القول قوله 7.
والقول الثالث 8: أن لا شيء على القاطع وإن كان القصار عديمًا قياسًا على أحد القولين فيمن اشترى عبدًا فقتله خطأ فقد قيل: لا شيء على القاتل، فكذلك 9 القاطع، إلا أن يقوم دليل أنه عالم أنه 10 غير ثوبه؛ لأنه أجود بالشيء البين، أو أطول بالشيء الكثير - فلا يصدق أنه لم يعلم.
وأما الخياطة، فقال ابن القاسم: لا يأخذه صاحبه إلا أن يدفع أجرة الخياطة 11. وقيل: إن نقصت الخياطة من قيمته كان لصاحبه أن يأخذه بلا
غُرمٍ إن أحب، وإلا ضمن القصار.
وهذا راجع إلى الخلاف: هل تكون الشركة بقيمة الخياطة أو بما زادت؟ والصواب أن تكون الشركة بما زادت الصنعة فإن لم تزد لم يكن له شيء، ويجري فيها قول ثالث: أن لا شيء له وإن زادت، قياسًا على أحد القولين فيمن استحق قمحه وقد طحن: أن لا شيء على المستحق؛ لأن الطحن 1 والخياطة ليست بسلعة أضيفت إليها كالصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا أبى المستحق أن يدفع أجرة الخياطة وأمسكه القاطع لموضع خياطته: أنه يغرم قيمته صحيحًا 2. وقيل: يغرم قيمته مقطوعًا.
وهو 3 أحسن؛ لأن ابن القاسم لم يجعل عليه للقطع شيئًا إذا أسلمه، وكذلك 4 ينبغي إذا أمسكه أن لا يكون عليه في القطع شيء.
وقال ابن القاسم فيمن اشترى ثوبًا فأعطاه البائع غيره فقطعه: إن لصاحبه أن يأخذه مقطوعًا ولا شيء على القاطع، وإن خاطه لم يكن له أن يأخذه، إلا أن يدفع أجر الخياطة، فإن أبى قيل للآخر: أعطه قيمته صحيحًا، فإن أبى أسلمه بخياطته.
وقال سحنون: إذا أبى هذا أن يعطي أجر الخياطة وأبى الآخر أن يعطيه قيمة الثوب كانا شريكين 5.
وقال مالك في "كتاب محمد": إذا قطع المشتري الثوب، فإن أدركه البائع أخذه، وإن لم يدركه لم يكن عليه فيه شيء وكان للمشتري ثوبه 6؛ لأنه يقول: لا أريد ثوبين وإنما اشتريت ثوبًا بدينارين ولم أرد ثوبًا بعشرين 7. وإن كان الثاني
دون ثوبه لكان له أن يرده وما نقصه القطع ويأخذ ثوبه، وله أن يدفع قيمته يوم قبضه، ثم يكون بالخيار في ثوبه: فإن أحبَّ أخذه، وإن أحب لم يأخذه؛ لأنه يقول: لم أرد إلا ثوبًا ولم أرد ثوبين، فيلزمه ما نقصه 1 القطع.
وقول ابن القاسم أبين 2؛ لأن البائع أخطأ على ماله وسلطه على قطعه, ولو باعه لمن أسلمه 3 إليه لم يكن عليه سوى الثمن الذي باعه به، وإن ضاع وثبت ضياعه ببينة كانت مصيبته من البائع، ويأخذ المشتري ثوبه في جميع ذلك.
ومحمل قول مالك أن الثاني يمضي في الأول وإن كان الثاني أثمن - على أنه تلف ببينة؛ لأن البائع طالب الفضل فإذا ضاع قال: أنا 4 أسقط مقالتي في ذلك الفضل وأمضيه له بثوبه.
وكذلك إذا فات بلباس ولم يُصَوِّن به مالَهُ؛ لأن الأول كان يغني عن الثاني، وإن فات ببيعٍ كان للبائع أن يأخذ ما بيع به ويسلم الثوب الذي بقي عنده، ويتفق في هذا الموضع مالك وابن القاسم، إلا أن يُرَى أن فضل ما بين الثوبين لا يخفى على مثل ذلك المشتري، فيحمل على أنه قطعه بعد معرفته أنه غير ثوبه، ويلزمه غرم قيمته ويأخذ ثوبه.
وقال مالك: إذا أمر البزاز بعض قومه أن يدفع الثوب إلى مبتاعه، ثم قال بعد ذلك: إن الثوب المقبوض غير المبيع، أحلف بالله ورد عليه الثوب، ولو كان هو دافعه لم يصدق إلا أن يأتي بأمر يعرف فيه صدقه من رقم الثوب أنه أكثر مما باعه به أو شهادة 5.
فصل [في ضمان اللابس للثوب ما نقصه]
وإن لبس الثوب الذي سلمه إليه القصار فلم ينقصه اللباس - لم يكن عليه للمستحق شيء، وإن نقصه شيئًا 1 نظر إلى قيمة ذلك النقص، فإن كان نصف دينار ولو لبس ثوبه لنقص نصف دينار- كان عليه أن يغرم لصاحبه قيمة ذلك النقص، وسواء ها هنا كان القصار موسرًا أو معسرًا؛ لأنه صَوَّن ماله بخلاف القطع، ومثله إذا كانت قيمة نقصه نصف دينار ولو لبس ثوبه لنقصه دينارًا 2. ولو 3 كان نقص هذا الملبوس دينارًا، ولو لبس ثوبه لنقصه نصف دينار - لغرم اللابس نصف دينار وغرم القصار نصفًا إن كان موسرًا؛ لأن اللابس لم يُصَوِّن مالَهُ وصار في هذا الوجه كالقطع، وإن كان معسرًا غرم اللابس على أصل ابن القاسم جميع الدينار 4. وقال أشهب: إذا لبس كل واحد منهما 5 ثوب صاحبه 6 ضمن كل واحد منهما 7 ما نقص ثوب الآخر، فإن 8 أخلقاهما ضمن كل واحد قيمة ثوب الآخر ولا شيء على الغسَّال 9. وعلى أصل ابن القاسم يتبع الغسال بفضل ما بين القيمتين، فإن لم يجد 10
له شيئًا فحينئذٍ يغرم اللابس، وإن كان 1 اللابس عالمًا كان عليه أن يغرم ما نقصه اللباس، وسواء كان القصار موسرًا أو معسرًا، فإن كان اللابس معسرًا رجع على القصار ثم يتبع القصار اللابس، وإن لبس كل واحد منهما ثوب صاحبه وهو عالم رجع من له الفضل على صاحبه، فإن كان معسرًا غرم القصار ذلك الفضل ثم أتبع به اللابس 2.
باب في من اشترى سلعة ثم مات هو والمشتري (1) وجهل ورثتهما معرفة الثمن
وقال ابن القاسم في "المدونة" فيمن اشترى سلعةً ثم مات هو والبائعُ قبلَ دفع الثمن، وجهل ورثتُهما الثمنَ قال: يحلف ورثة المشتري أنهم لا يعلمون بما 2 اشتراها به أبوهم، ويحلف ورثة البائع على مثل ذلك، ثم تُرَدُّ السلعُ 3 إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كانت فائتة، قال: وإن ادَّعى أحدُهما معرفةَ الثمن وادَّعى الآخرون 4 الجهلَ - كان القولُ قولَ من ادَّعى المعرفةَ منهما إذا أتى بأمر سداد يشبه 5، فيفسخ 6 البيع إذا كانت قائمة 7 بعد أيمانهما على جهل الثمن بمنزلة إذا ادعيا التحقيق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وأرى ألا يُفسخ البيعُ ويغرموا 8 الأوسط من القيمة؛ لأنهما متفقان أن في الذمة دينًا 9 لا يدريان 10 كم هو، فوجب أن يغرم الأوسط 11 مما شك فيه.
ولو كان ورثةُ الميتين عصبةً وممن يُرَى ألا 12 علم عندهم - لم يكن بينهم يمين ورُدَّتْ على أصله مع القيام، وغرم الأوسط من القيمة مع الفوت من غير1
يمين على أحد من 1 الفريقين.
وإن كان يُرَى أنَّ عند أحد الفريقين علمًا دون الآخر - كانت اليمين في جنبة من يرى أن عنده علمًا 2 خاصة.
وإذا كانت اليمين على الفريقين؛ لأنهما ممن يظن بهم العلم فحلف أحد الفريقين ونكل الآخر - نَظرْتَ: فإن حلف ورثةُ المشتري غرموا الأقلَّ مما يشبه، وإن حلف ورثةُ البائع كان لهم الأكثرُ 3 مما يشبه، وقيام السلعة ها هنا وفوتها سواءٌ، بمنزلة لو ادعيا التحقيق فحلف أحدهما ونكل الآخر: أن السلعة لا ترد مع القيام، ويكون القولُ قولَ من حلف منهما من بائعٍ أو مشترٍ.
فإن ادَّعى أحدُ الفريقين العلمَ بالثمن وأتى بما يشبه، ثم نكل عن اليمين وأشبه أن يكون عند الفريق الآخر من ذلك علم - حلفوا أنه لا علم عندهم، ثم ينظر إلى من نكل: فإن كان ورثة البائع كان لهم أقل مما 4 يشبه أن تباع به, وإن كان ورثة المشتري كان عليهم أكثر ما يشبه أن تباع به، وإن نكل من ادَّعى الجهلَ وصار النكولُ من الفريقين جميعًا رُدَّتْ على قول ابن القاسم إن كانت قائمةً، أو قيمتَها على أوسط ما تباع به إن كانت فائتة، وإن نكل من ادَّعى العلمَ وكان الفريق الآخر ممن لا يُظن به علمٌ - لم يكن عليهم يمين، وعاد الجواب فيمن لا يمين عليه إلى ما تَقدَّم لو حلفوا مع كونهم ممن يظن بهم العلم، ومثله إذا أتى من ادَّعى العلم بما لا يشبه، وحلف 5 الآخرون أنهم لا علم عندهم، أو لم يحلفوا؛ لأنه لا يظن بهم علم - فإن لمن أتى بما لا يشبه الأقلَّ إن كانوا 6 ورثة البائع 7، وعليهم الأكثر إن كانوا ورثة المشتري.