التبصرة للخميصفحات 4210-4217

كتاب بيع الآجال

صفحات 4210-4217

باب في هدية المديان ومبايعته

قال مالك: ولا يقبل الرجل من غريمه هدية إلا أن يكون ذلك قد عُرف بينهما قبل المداينة 1. يريد: ويهاديه بالقدر الذي كان يجري بينهما، وإن لم يكن بينهما في ذلك عادة، لم يجز، وردت، وقد عُلم من غير واحد أن ذلك لمكان الدين فإذا قضاه لم يُهد إليه شيئًا، فهي ربًا، وقد كان في الجاهلية يزيده ليؤخره.
ولا فرق بين أن تكون تلك الزيادة طعامًا، أو كسوةً، أو ذهبًا قبل الأجل أو بعده، فإن كانت الهدية قائمة ردَّها، وإن فأتت غرم المثل أو القيمة فيما يقضى فيه بالقيم، وإن هلكت بأمر من السماء أو حال سوقها غرم القيمة.
واختلف في مبايعته قبل الأجل: فأجيز بخلاف الهدية، وكره خيفة أن تكون زيادة من الغريم في الثمن إن كان هو المشتري أو سماحة إن كان هو البائع فتكون هدية مديان 2. فإن نزل ذلك نُظر إلى الثمن فإن كان هو 3 ثمن مثله أو كان فيه غبن علي الغريم بالشيء اليسير حمل على السلامة، وإن كان الغبن كَثِيرًا، لم يجز، ويكره أن يشتري الغريم من الطالب بعد محل الأجل لئلا يتذرعا بذلك إلى هدية مديان، أو فسخ دين في دين، فإن فعل ولم يكن فيه سماحة أو كانت وقضاه الدين بفور 4 ذلك مضى، وإن طالت علمت 5 تلك

السماحة أنها لموضع التأخير فترد السماحة.
ويكره أن يبيع الطالب من الغريم خيفة أن يزيده في الثمن ليؤخره أو يعملا على فسخ دين في دين، فإن نزل ذلك، وكان ثمن الثاني يسِيرًا مما لا يتهمان فيه على فسخ دين في دين، ولم يزده في الثمن مضى، وإن زاده في الثمن وأعقبه تأْخيرًا حملا على أنهما قصدَا بالزيادة التأخير، وإن كان ثمن الثاني قريبًا من الدين الأول حملا على فسخ دين في دين إلا أن يعلم أنه اشترى الثانية ليقضيها لغريم آخر، أو ما أشبه ذلك فيجوز.
قال عطاء 1: وكذلك من قارضته، فلا تقبل منه هدية كالدين 2؛ لأن القصد إذا لم يكن بذلك عادة بينهما قبل أن يفعل ذلك، ليقره في يديه إذا كان الآن 3 نَاضًّا، وإذا نص ألا يأخذه ويتمادى في العمل، وتكره هدية صاحب المال للعامل؛ لأنه يفعل ذلك ليتمادى له في العمل إن كان فيه خسارة فيجبرها وإن لم تكن فيه خسارة 4 ليتمادى في العمل ولا يفاصله في الربح الآن.
وقد اختلف فيمن كان في يديه قِراضٌ على النصف هل يجوز أن يزيده 5 على أن الثلث 6 لأحدهما، فمنعا مرة 7 لهذا الوجه الذي تقدم ذكره.

باب في المقاصة في الديون

وإذا كان لرجلين لكل واحد منهما على صاحبه دين، فإن كان الدينان دراهم، أو دنانير وهما في السكة والوزن سواء، جاز أن يتقاصا عند ابن القاسم، حل الأجلان، أو حل أحدهما، أو لم يحلا، اتفق الأجلان 1، أو اختلفا 2. وقال ابن نافع: يجوز إذا حلَّا أو حل أحدهما، ولا يجوز إذا لم يحلا اتفق الأجل أو اختلف 3 4. وروي عن مالك أنه منعه 5 إذا اختلف الأجل، ووقف إذا اتفق الأجل 6. فأجيز في القول الأول؛ لأن ذمتيهما تبرأ الآن، ولا يبقى لأحدهما على الآخر شيء.
ورأى ابن نافع أن الذمم لا تبرأ، وأن كل واحد منهما أحال على صاحبه بما لم يحل فيدخله فسخ دين في دين.
وجعل 7 في القول الآخر إذا اختلف الأجل؛ لأن المكايسة تدخل فيه، وإذا استوى الأجل لم تكن فيه 8 مكايسة؛ لأنهما إذا حل الأجل على وجهين:

إما أن يكونا موسيرين فلكل واحد منهما أن يمسك ما عنده قضاء عن الآخر، أو أحدهما موسرًا فله أن يمسك ما عنده قضاء عن المعسر، وليس كذلك إذا اختلف الأجل.
وإن كان أحد الدينين أجود وحل الأجلان، أو حل الأجود منهما، أو لم يحلا وكان الأجود أولهما حلولًا، جازت المقاصة 1، وإن حل الأدنى، أو كان هو أولهما حلولًا، لم يجز ودخله ضع وتعجل، وكذلك إن كان أحدهما أكثر عددًا فتتاركا على ألا يطلب صاحب الأكثر الفضل.
تجوز المقاصة حسب ما تقدم في الأجود، وهذا إذا كان الدينان من بيع.
وإن كانا من قرض فحلا جميعًا، جازت المقاصة إذا كان أكثرهما أولهما قرضا، وإن كان الأكثر آخرهما قرضا لم تجز المقاصة عند ابن القاسم واتهم على سلف بزيادة، وأجازه ابن حبيب وغيره 2، ورأى أن زيادة العدد والجودة واحدة، وإن حل أحدهما وهو الأقل أو لم يحلا وكان أقلهما أولهما حلولًا، لم تجز المقاصة، وإن حل الأكثر أو كان هو 3 أولهما حلولًا وأولهما قرْضًا، جاز، وإلا لم يجز، وإن استوى الأجل، جاز ما لم يكن الأكثر آخرهما قرْضًا.
وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع، جازت المقاصة ما لم يكن الذي حل أولهما حلولًا الأقل وما لم يعد إلى المقرض أكثر.
وإن كان أحد الدينين دنانير والآخر دراهم، جازت المقاصة، إن حل الأجلان، وإن حل أحدهما أو لم يحلا وقد اتفق الأجلان أو اختلفا لم تجز

المقاصة عند مالك وابن القاسم (1)؛ لأن المبايعة يدخلها الصرف المستأخر وفسخ الدين بالدين، بخلاف أن يكونا من جنس واحد فيجوز إذا حل أحدهما قولًا واحدًا، وعلى القول ببراءة الذمم يجوز وإن اختلفا ولم يحلا، وهو أحسن وليس القصد منهما أن يبقى دين صاحبه في ذمته ليستوفيه من نفسه إذا حل الأجل.

فصل [في حكم المقاصة إن كان الدينان من العروض]

وإن كان الدينان عرُوضًا، وهما من جنس واحد والجودة سواء، كان الجواب فيهما كالجواب في الدنانير، يجوز إن حلا 2 أو حل أحدهما، ويختلف إن لم يحلا واتفق الأجل أو اختلف 3، وإن كان أحدهما أجود، فإن حلا، أو حل الأجود، أو كان أولهما هو 4 حلولًا، جازت المقاصة، وإن حل الأدنى أو كان هو أولهما حلولًا، لم يجز، ويدخله ضع وتعجل، وهذا إذا كانا من قرض، فإن كانا من بيع، لم يجز إن حل أحدهما أو لم يحلا 5، ويدخله ضع وتعجل إن حل الأدنى أو حط عني الضمان وأزيدك إذا حل الأجود.
وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع، فإن كان المتأخر في الذمة المبيع لم تجز المقاصة؛ لأنه إن كان أجود دخله حط عني الضمان وأزيدك، وإن كان أدنى دخله ضع وتعجل.
وإن كان المتأخر في الذمة هو القرض، جازت1

المقاصة، وإن اختلف الأجل ولم يحل، لم تجز (1) إن كان هو الأجود، ولم تجز إن كان الأدنى، وإن كانا من جنسين أحدهما كتان والآخر حرير، جازت المقاصة إن حلا.
ويختلف إن حل أحدهما أو لم يحلا اتفق الأجلان، أو اختلفا: فقال ابن القاسم في المدونة: إن حل أحدهما أو لم يحلا واتفق الأجل جازت المقاصة، وإن اختلف الأجل ولم يحلا (2) لم تجز (3). وقال محمد: إن حل أحدهما لم تجز المقاصة، وإن لم يحلا واتفق الأجل جاز ما خلا المصارفة (4).

فصل [في حكم المقاصة إن كان الدينان طعامين]

وقال ابن القاسم في الطعامين إن كانا من قرض: فلا بأس بالمقاصة حلا أو أحدهما أو لم يحلا 5، اتفق الأجلان أو اختلفا، وإن كانا من بيع لم تجز المقاصة بحال حلا أو لم يحلا، وإن كان أحدهما قرضا والآخر بيعا جازت المقاصة إن حلا، ولم تجز إن حل أحدهما أو لم يحلا، اتفق الأجل أو اختلف 6. وعلى قول ابن نافع تمنع المقاصة وإن كانا من قرض إذا لم يحلا، اتفق الأجل أو اختلف على حسب قوله في الدنانير.1234

وقال أشهب: إن كان الطعامان من بيع، جازت المقاصة إذا (1) استوت رؤوس الأموال، وتكون إقالة، والإقالة تجوز وإن لم يحلا (2). واختلف قوله إذا كان أحدهما من قرض والآخر من بيع، فقال مرة: تجوز المقاصة إذا حل أحدهما، وإن حل أجل السلم (3)، جازت المقاصة (4). وإن كان أحدهما قمحا والآخر تمرا، فإن حل الأجلان وكانا من قرض جازت المقاصة، وإن حل أحدهما أو لم يحلا، اتفق الأجل أو اختلف لم تجز المقاصة على قول ابن القاسم.
وعلى القول ببراءة الذمم تجوز، وهو أقيس في هذا وفي جميع ما تقدم مما قَصَدا فيه المبايعة أن تجوز؛ لأن ذمتهما تبرأ من الآن.

فصل [في دخول الفساد على المقاصة]

وإذا سلمت المقاصة من الفساد فيما يفعلانه الآن، فإنه يعتبر هل يدخله الفساد من أصل المداينة؟.
فإن كان الدينان دنانير وهي متساوية، وكان أحدهما من ثمن قمح، والآخر من ثمن 5 تمر، لم تجز المقاصة على أصل ابن القاسم في المدونة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا قصدا إلى بيع تمر بقمح 6 ليس يدًا بيد، والمقاصة فيما بين ذلك1234

لغو إلا أن تكون البيعتان نقدًا، أو الأولى مؤجلة والثانية نقدًا، وأخذ عن المبيع الأول مثل ما كان يباع به نقْدًا، فيجوز، وإن كان الثاني أكثر ثمنًا، لم تجز.
وكذلك إذا كانت المقاصة في عروض أسلم بعضهم إلى بعض فيها، فإن اتفق رأس المال أو كان الأول أكثر، جاز، وإن كان الأول أقل، لم تجز المقاصة؛ لأنهما يتهمان على سلف بزيادة، وإن كان رأس مال أحد العوضين 1 دنانير والآخر دراهم، لم تجز المقاصة على قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنهما يتهمان على صرف مستأخر.
وتجوز على ما قال 2 في المجموعة، إلا أن يكون رأس مال الأول أقل فيما يكون الصرف يوم أسلم الأول، وإذا سلمت المقاصة من الوجهين جميعًا فيما يفعلانه الآن وفي أصل المداينة، جازت، واختلف إذا فسدت وكانت التهمة على صرف مستأخر، أو بيع طعام بطعام ليس يدًا بيد، فقيل: تفسخ المقاصة خاصة، وقيل: يفسخ البيع الآخر ويصح الأول، والأول أحسن إذا كان المنع حماية، ولم تجر بينهما في ذلك الموضع عادة، فإن كانت العادة التحيل لمثل ذلك فسخ البيع الأول والثاني.
تم كتاب بيوع الآجال بحمد الله وحسن عونه

جارٍ التحميل