التبصرة للخميصفحات 3617-3657

كتاب الوصايا الثاني

صفحات 3617-3657

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم

كتاب الوصايا الثاني

باب في اختلاف الشهادة (1) في الوصية

2 وإذا شهد شاهدان بوصية الثلث، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق هذا العبد وهو الثلث، وكانت الشهادة عن مجلسين، لم ينظر إلى أعدل البينتين، وكانت الشهادة بالعتق أولى إذا كان العبد ممن لا يرغب في ولائه.
واختلف إذا كان ممن يرغب في ولائه، وكان في الورثة نساء أو لم يكن، فقال ابن القاسم: الشهادة بالثلث أولى 3. وقال محمد: الشهادة بالعتق أولى 4. وهو أحسن؛ لأن الولاء أمر يبعد رجوعه ولا يتهم فيه الآن، وأرى الشهادة بالثلث أولى ليس للتهمة في الولاء، والتهمة ها هنا في الفرار من الشركة في كل ما يخلفه الميت من ثوب ومسكن وغيره، فيسكن معهم الدار ويستخدم العبد 5 ويدعوهم إلى البيع، ولو كانت الوصية بالثلث للمساكين، لكان1

أخف، وإن اختلفت 1 الشهادة عن مجلس واحد، كان 2 تَكَاذُبًا، فإن كان العبد ممن لا يرغب في ولائه قضي بأعدل البينتين للعتق أو للثلث، وإن تكافأتا في العدالة وقف بعضها بعضًا، ويعتق العبد بإقرار الورثة إذا لم يكن معهما غيرهما، وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: قد اتفقت الشهادات على وصية الميت، وأنها تستغرق الثلث، فعلى الورثة أن يخرجوا من الثلث لأهل الوصايا فيقتسمونه بينهم، فيأخذ الموصى له بالثلث نصف وصيته، ويعتق نصف العبد، وهو أبينها.
وإن شهد شاهدان أنه وصى بالثلث، وشهد وارثان أنه رجع عنه إلى عتق هذا العبد، وكان ممن لا يرغب في ولائه، كان العتق أولى على مذهب ابن القاسم، وإن شهد وارثان بالثلث لرجل، وشهد شاهدان أنه أوصى بالثلث لآخر 3، والشهاداتان عن مجلسين قضى بجميعهما وكان الثلث بين الموصى لهما نصفين، وإن كانت الشهادتان عن مجلس قضى بأعدلهما.
واختلف إذا تكافأتا 4 هل تقسم بينهما أو يكون لمن شهد 5 له الورثة؟ وأن يقسم 6 بينهما أحسن.
وإن كان الورثة أدنى عدالة فقضي بالثلث للآخر، كان لمن شهد له الورثة ثلث الباقي، وقيل: له الثلث كله، وكذلك في العتق إذا كان الحكم أن يبدأ بالثلث، ثم صار العبد إلى الشاهدين من الورثة، فقال ابن

القاسم: يعتق جميعه ويكون الغصب على الورثة.
وقال أشهب: يعتق ثلثاه، وهذا إذا اقتسما حتى صار العبد إلى الشاهدين، فأمَّا مع بقاء الشركة مع البنات، فإنه لا يعتق من العبد شيء؛ لأنَّ عتق نصيب من أقرَّ عيب على البنات.

باب فيمن أوصى بخدمة عبد وبمرجعه إلى عتق، أو إلى فلان أو أوصى مع ذلكـ بدنانير أو بالثلث

وقال مالك فيمن أوصى بخدمة عبده 1 لرجلٍ سنة ثم هو حر فلم يحمله الثلث ولا أجازت الورثة: عتق منه ما حمل الثلث بتلًا، وسقطت الخدمة 2. وقال أيضًا: ينظر إلى ما حمل الثلث منه فيخدم فلانًا سنة ثم يعتق ذلك الجزء بعد انقضائها 3. ولم يختلف أنه إذا جعل المرجع بعد الخدمة إلى فلان فضاق الثلث أنه لا يبدى أحدهما على الآخر، وإنما يقطع لهما من ذلك العبد بما حمل الثلث، ثم يختدم الموصى له بالخدمة ذلك الجزء، فإذا انقضت عاد إلى من جعل له المرجع ولم يجعل صاحب الخدمة بمنزلة من جعل له التبدية من الثلث فيقطع له بجميع الثلث إذا لم يحمل 4 الوصايا، وإنما قصد الميت قسمة ذلك بينهما فجعل لهذا خدمة ولهذا مرجعًا، ولهذا قال مالك مرة: إنه إذا جعل المرجع إلى عتق لا يبدأ العتق؛ لأن الميت ساوى بين الوصيتين ولم يبدِ إحداهما على الأخرى.
وإن قال: يخدم عبدي فلانًا سنة ولم يحمله الثلث ولم يُجِزْ الورثة، قطع للموصى له بالثلث شائعًا، وإن قال: له خدمته حياة العبد قطع له في عين 5

العبد بخلاف الأول؛ لأنَّ هذا أخرج العبد جملة عن الورثة فأشبه إذا أوصى برقبته، والأول فيه معاوضة؛ لأنه أخذ من خدمة العبد فوق نصيبه على أن أعطاهم 1 ماله 2 فيه من المرجع، وكذلك إن قال: يخدم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فيه معاوضة من الميت، فإن لم يجيزوا قطعوا له بالثلث.
كان قال: يخدم فلانًا سنة ثم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فلم يحمله الثلث، قطع للموصى لهما بالثلث شائعًا هذا بقيمة خدمته سنة والآخر بقيمة المرجع بعد سنتين، وإن أوصى بخدمة عبد وبعتق آخر وضاق الثلث، يدي بالعتق، وإن أوصى برقبة الآخر 3 لفلان تحاصا هذا بقيمة الخدمة على غررها والآخر بقيمة الرقبة، فما ناب المخدم أخذه شائعًا، وما ناب الآخر قطع له به في العبد، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو لفلان، وقال في آخر: هو لفلان، تحاصا فيضرب الموصى لهما 4 بالخدمة والمرجع بقيمة ذلك العبد بتلًا؛ لأنَّ الميت أخرج جميعه لهما ويضرب الآخر بقيمة العبد، فما ناب المخدم خدم الموصى له بالخدمة ما حمل الثلث منه, ثم كان مرجع ذلك القدر لمن جعل له، وما ناب الآخر أخذه في عين ذلك العبد أيضًا، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو حر ولفلان مائة دينار، فكان الثلث: العبد وخمسين دينارًا، أخذه الموصى له بالمائة وهي نصف وصيته وأخذ الآخر نصف الخدمة, ثم تحاصا في باقي الخدمة هذا بخمسين دينارًا وهذا بقيمة نصف 5 الخدمة، فإن

كانت قيمتها خمسين كانت 1 الخدمة بينهما نصفين، وإن كان العبد كفاف الثلث تحاصا في 2 خدمته، هذا بقيمة الخدمة وهذا بمائة دينار، فإن كانت قيمة 3 الخدمة مائة اقتسماها نصفين، فإن مات العبد بعد خمس سنين كان فيه قولان: فقيل: ذلك حكم مضى ولا رجوع لأحدهما على الآخر، وقيل: ينقض الأول ويرجعان إلى ما كشف الغيب وقد كان الحكم المحاصة 4 بالخدمة خمس سنين فيحاص الآن بقيمة الخدمة على ألا غرر فيها 5، والآخر بالمائة فيغرم المخدم الفاضل عنده, وإن خلف العبد مائة دينار أخذها الموصى له بالعين 6، ورجع المخدم على صاحبه بقيمة ما أخذ من الخدمة, وإن خلف العبد خمسين دينارًا 7 أخذها الموصى له بالعين وهو نصف وصيته، ويكون للمخدم نصف الخدمة وهي سنتان ونصف وقد صارت إليه، ثم يرجع على صاحبه في سنتين ونصف 8 يتحاصان فيها، والقول الأول أحسن لأنَّه 9 حكم قد مضى وقد كانت القيمة 10 في الخدمة 11 تلك العشر سنين على غررها، وإنما قومت ما تساوى 12 مع إمكان أن يموت

العبد قبل، فلا يكون لمشتر تلك المنافع سوى ما قبض، وإذا كانت القيمة على هذه الصفة فلم يكشف الغيب أكثر مما كانا دخلا عليه، ويتحاص على غير هذا القول مما ترك العبد على ما كان يتحاصان في الخدمة قبل موته (1)، وإن لم يحمل الثلث إلا نصف العبد، ولم يجز الورثة أعتق نصف العبد بتلًا، وسقطت الخدمة والوصية بالمال، فإن قال الورثة: نحن نجيز عتق جميعه إلى الأجل، وسلم أهل الوصايا نصف الخدمة، كان ذلك لهم، ولم يكن للموصى لهما في ذلك مقال؛ لأنَّ الورثة لم ينتفعوا من ثلث الميت (2) بشيء، ولو قال الورثة: نجيز لأهل الوصايا جميع الخدمة ثم يعتق نصف العبد إلى الأجل لم يكن ذلك لهم.

فصل [فيمن أوصى بخدمة عبد من غير توقيت أو أوصى بالخدمة لرجل وبالرقبة لغيره]

وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ولم يوقت، كان محمله على حياة المخدم.
واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي، فقال ابن القاسم: محمله على حياة العبد 3. وقال أشهب: على 4 حياة المخدم 5. قال: ولو أراد حياة العبد أعطاه العبد بتلًا، والأول أحسن؛ لأن متضمن قوله له 6 خدمة عبدي على جميعها،12

ويصح أن يعطيه جميع الخدمة، ولا يعطيه الرقبة، ويبقى ميراثه وجنايته لنفسه، أو يحب أن يرى صنيعه فيه، أو يبقيه في يديه كالحبس لئلا يتلفه، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ومرجعه لفلان، خدم فلانًا حياته، فإن مات رجع إلى الآخر.
واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي ولفلان رقبته، فقال ابن القاسم: يتحاصان هذا بقيمة جميع خدمة العبد، والآخر بقيمة الرقبة 1. يريد على ألا خدمة فيها؛ لأنه يستحيل أن يكون جميع الخدمة لواحد حتى يموت، وللآخر الرقبة، وإنما يصح أحدهما خدمة بلا رقبة أو رقبة بلا خدمة، فلما استحال ذلك، حمل قوله على أنه أراد الحصاص، وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة، وإن كان اختلف لفظ أول المسألة وآخرها لأنه قال في أول 2 السؤال إذا قال: يخدم عبدي فلانًا، ثم قال: فأما إذا جعل لأحدهما الخدمة وللآخر 3 الرقبة، وعلى قوله في آخر المسألة: يصح جوابه، وهو أن يقول: لهذا خدمته ولهذا رقبته.
وأما إذا قال: يخدم فلانًا ورقبته لفلان، فيبدأ من جعلت له الخدمة ويكون للآخر المرجع، وظاهر قول غيره إذا جعل لواحد خدمته ولآخر رقبته 4 أنه 5 يخدم فلانًا حياته ثم يكون مرجعه للآخر.

فصل [فيمن أوصى بوصيتين لا يصح إنفاذهما معا]

وإن أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلث ماله، فإن أجازت الورثة تحاصا في ماله أو باعا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يستحيل إنفاذ الوصيتين، فحمل على أنه أراد الحصاص، وكذلك إن لم يجز الورثة تحاصا في ثلثه أرباعًا، وكذلك إن أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثي ماله، تحاصا في جميعه في الإجازة أسباعًا أو 1 الثلث إن لم يجيزوا أسباعًا 2. واختلف إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بعبد وهو ثلثه في القيمة فأجاز الورثة، فقيل: يكون للموصى له بالثلث ثلثا الثلث، وللموصى له بالعبد ثلثاه، ويكون ثلث العبد بينهما نصفين؛ لأنه وصى بثلثه مرتين.
وقيل: يكون لمن وصى له بالثلث جميع الثلث وللآخر جميع العبد؛ لأنه يصح مع الإجازة إنفاذ الوصيتين.
وإن لم يجز الورثة, كان الثلث بينهما نصفين.
وقيل: يبدأ صاحب الثلث ولا شيء للمعين 3؛ لأن الميت إنما وصى به من ثلثي الورثة.
وإن قال: لفلان عبدي هذا وقيمة ثلث ماله، ولفلان خدمة هذا الآخر وأجاز الورثة لصاحب الخدمة، كان له أن يختدمه ويقوم الورثة مقامه في المحاصة بالخدمة، فما نابه أخذوه.
وقال محمد فيمن أوصى بخدمة عبده لرجل وبعشرة دنانير لآخر، ولا مال له سوى العبد فأجاز الورثة للمخدم الخدمة: فإنه يباع ثلث العبد،

ويتحاصان 1 فيه هذا بالعشرة والآخر بقيمة الخدمة فما صار للمخدم أخذه، ثم يختدم ثلثي العبد حتى يموت فيرجع العبد إلى الورثة.
يريد إذا صار له في المحاصة قيمة ثلث الخدمة فأقل، فإن صار له أكثر، سلم الفاضل للورثة، ولا يزاد على وصيته، وهو بمنزلة رجل وصى لرجل 2 بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة للموصى له بالنصف، فإنه يحاص الموصى له بالثلث بجميع النصف، فما صار له في الحصاص أخذه، ثم أعطى الورثة تمام النصف وقد ذكرت فيما بعد إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة لصاحب النصف 3.

باب فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده, ولآخر بما بقي من ثلثه وما أشبه ذلكـ

وقال ابن القاسم فيمن أوصى لرجلٍ بخدمة عبده حياته، ولآخر بما بقي من ثلثه فكان العبد كفاف الثلث: أنفذتْ الخدمة لمن أوصى له بها، وكان للآخر مرجع العبد إذا انقضت الخدمة (1). وكذلك إن حبس دارًا على رجل حياته وهي كفاف ثلثه كان له مرجعها بعد موت المحبس عليه.
وكذلك إذا ضرب أجلًا، كان له المرجع بعد انقضاء الأجل، وإن فضل عن العبد أو الدار شيء أخذه الآن، والمرجع بعد، وإن لم يحمل الثلث قطع بثلث الميت للمخدم، وللمحبس عليه بتلًا، ولا شيء لمن وصى له بباقي الثلث؛ لأنه لم يبق من الثلث شيء، وأرى إذا قال لفلان خدمة عبدي، ولفلان (2) ما بقي بعده فخرج الورثة من ثلث الميت، أن يكون للموصى له بالخدمة قيمتها، وما فضل بعده للآخر.

فصل [فيمن أوصى لثلاثة نفر بعبده وبعشيرة دنانير وبباقي الثلث, فمات العبد قبل النظر في الثلث]

وقال محمد فيمن أوصى لرجل بعشرة دنانير، ولآخر بعبده، ولآخر بباقي الثلث، فمات العبد قبل النظر في الثلث، قال: يأخذ الموصى له بالعشرة وصيته من كل ما بقي بعد العبد كأنه لم يكن، ثم يحيى العبد بالذكر فتضم قيمته إلى ما12

ترك الميت، ثم يخرج من ثلث الجميع العبد والعشرة، فإن بقي شيء كان لصاحب باقي الثلث، وإلا فلا شيء له 1. وكذلك لو 2 باع ذلك العبد، لم يكن لصاحب باقي الثلث إلا ما بعده كأنه لم يبعه، أوكانت أمة فأولدها، لم يكن له إلا ما بعد قيمتها.
قال مالك: وإن قال: لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي، ولفلان عشرة، كانت العشرة مبدأة كمثل الذي قال له ما بقي من ثلثي؛ لأن أول الوصية وآخرها سواء 3. قال أشهب: هو بمنزلة قوله لفلان عشرة، ولفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي 4. قال محمد: وإن قال لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي بعدها، ولفلان عشرة، نظر ما بقي من الثلث بعد العشرة الأولى فيكون كشيء مسمى أوصى له به، ويحاص به صاحب العشرين، فما صار لصاحب باقي الثلث، أتم منه 5 لصاحب العشرة الأولى عشرته، ويصير الحصاص للأول أو لصاحب باقي الثلث جميعًا بالثلث، ثم يفضل الأول من ذلك بعشرة، وهذا إذا كان الثلث أكثر من عشرة، فإن كان عشرة فأقل فلا حصاص لصاحب باقي الثلث، والثلث بين صاحبي العشرتين 6 نصفين، وإن كان

الثلث ثلاثين، كان لصاحب العشرة الأخرى سبعة ونصف، وللأول مثلها، ويأخذ تمام عشرته، ثم يبدأ بصاحب باقي الثلث، ويبقى لصاحب باقي الثلث اثنا عشر ونصف 1. وقال أشهب: تخرج العشرة الأولى من الثلث، فإن بقي خمسة، تحاص فيها صاحب باقي الثلث، وصاحب العشرة المبهمة، فما وقع لصاحب الباقي أخذه، وما وقع 2 لصاحب العشرة الآخرة أتبعه مع صاحب الأولى، فاقتسماه نصفين 3. والأول أبين؛ لأن الميت لم يبد الأول على الآخر بل سوى بينهما.
وقال مالك: إذا قال: ثلثي لفلان، ولفلان من ثلثي عشرة دنانير، يدي صاحب العشرة، وإن قال: ولفلان عشرة، ولم يقل: من ثلثي، تحاصا، ثم رجع فقال يتحاصان وإن قال: من ثلثي 4. والأول أبين؛ لأنه انتزع العشرة من الثلث، وقد قال فيمن حبس على ولده وأجنبيين حائطًا وسمى لبعضهم كيلًا، وأبهم الآخرين يدي من سمى له كيلًا وهم أولى بما يخرج الحائط من الآخرين.
وقال في العتبية فيمن أوصى لثلاثة نفر بثلثه 5، ثم قال لفلان عشرة، ولفلان عشرون، وسكت عن الثالث فقال: للذي سكت عنه ثلث الثلث، ويعطى لهذا عشرة، وللآخر عشرون، ثم يقسم الباقي على ثلث الثلث، وعلى العشرة والعشرين بالحصاص 6.

وقال أصبغ في كتاب محمد: يأخذ المسكوت عنه ثلث الثلث، ويقسم الباقي بين المسمى لهما أثلاثًا، لصاحب العشرة جزء وللآخر جزءان 1. وعلى قول مالك في مسألة الحائط: يبدأ صاحب العشرة والعشرين، ويكون ما بقي للمسكوت عنه.
وقال ابن وهب في العتبية: إذا أوصى فقال: ثلثي لفلان، ولفلان عشرة دنانير، ولا تنقصوا صاحب الثلث شيئًا، كان الثلث كله له، ولا شيء للآخر، ولو قال: لفلان ثلثي، ولفلان عشرة، ولا ينقص منها شيء 2، والثلث عشرة، كانت له ولا شيء للآخر فجعلها منتزعة من الثلث، وإن قال: لا تنقصوا صاحب الثلث، كانت العشرة من ثلثي الورثة إن رضوا وإلا فلا شيء له 3.

باب فيمن أوصى بعمارة مسجد، أو بإطعام مساكين أو إطعام رجل بعينه

الوصيةُ بالمجهول على وجهين: أحدهما: ما لا غاية له كقوله: اسقوا كل يوم راوية، أو أطعموا خبزة.
والثاني: ما له غاية تنقطع بها فيضرب أجلًا ويقول: أعطوا فلانًا كل يوم درهمًا أو خبزة.
فاختلف إذا كانت الوصية للمساكين، أو لعمارة مسجد، ولم يضرب أجلًا، فقيل: محمل الموصي على أنه أراد جميع المال، فيقال للورثة: أجيزوا وصيته، فإن لم يفعلوا فحينئذ يرجع إلى الثلث.
وقيل: محمله على الثلث، ولا يقال للورثة شيء وهو أبين، وليس القصد من الميت أن يخرج ولده وأهله من جميع المال.
واختلف إذا اجتمع في الوصية مجهولان 1، عمارة مسجد وإطعام مساكين، فقيل: هو بمنزلة من وصى بمجهول واحد وقد جمعهما الثلث، وقيل: لكل وصية ثلث، فإن أجازت الورثة خرج ثلثا المال، وإن لم يُجزْ ردت إلى الثلث.
ويختلف في صفة القسمة، فعلى القول الأول إن ذلك وصية واحدة بثلث واحد يفض الثلث على قيمة ما يخرج منه كل يوم، لكل واحد بانفراده، وعلى القول إنها وصايا، ولم يجز الورثة يكون الثلث بينهما نصفين، وإن وصى مع

ذلك بمعلوم، عاد الخلاف المتقدم في القدر الذي يحاص به المجهول إن كان مجهولًا واحدًا هل (1) يحاص بالثلث، أو بجميع المال ومن جعلها وصايا ضرب لكل مجهول بجميع المال، أو بالثلث على القول الآخر، والقول إن بجميعها ثلثا واحدا (2) أحسن، فإن ضرب أجلًا فقال: اسقوا كل يوم راوية وأطعموا كل يوم خبزة سنة أو سنتين، نظر (3) إلى ما ينفق في تلك السنة من تلك (4) الوصية، فإن كان أكثر من الثلث قيل للورثة إن لم تجيزوا فاخرجوا من ثلث الميت، وإن كان ذلك أقل من الثلث (5) وأخذ الورثة بقية الثلث، ثم غلا السعر، انتزع منهم تمام الثلث، وإن كان مع ذلك وصية بمعين، كان الحصاص بقدر ما ينفق في تلك السنة.

فصل [فيمن أوصى بالنفقة على رجل بعينه]

فإن أوصى بالنفقة على رجل بعينه، فإن الوصية على ثلاثة أوجه: إما أن يسمى السنين أو حياته، أو يطلق الوصية فلا يذكر سنين ولا حياة، فإن أطلق الوصية، كان محملها على حياة المنفق عليه.
واختلف إذا قال: حياته في حد التعمير.
فقيل: تسعين سنة.
وقيل: ثمانين.
وقيل: سبعين.
وقيل: مائة، وهذا إذا كانت الوصية لواحد 6.12345

واختلف إذا كانت الوصية لجماعة بعد القول إنَّ الحد تسعون أو 1 مائة، فقال مالك: ثمانين لكل واحد 2. وقال محمد: سبعين؛ لأن الجماعة يحمل بعضها عن بعض فيموت بعضهم قبل السبعين، ويتأخر الآخر.
والقول بالسبعين في الواحد أحسن.
وإن كان الموصى له ابن سبعين، زيد عليها.
وروي عن مالك أنه قال: إن كان ابن ثمانين عمر تسعين، وإن كان ابن تسعين، عمر مائة 3. والوصية بالنفقة على وجهين: مقيدة مثل أن يقول يعطى كل شهر دينارًا 4، وكل يوم خبزة، ومطلقة.
فإن كانت مقيدة، أنفذت حسبما رسمه الميت، وإن كانت مطلقة، كانت له نفقة مثله، فليس ما يعرض للرجل

المتوسط، ومن له الهيئة كالمعروف بالبذاذة 1 والسؤال.
وقال مالك في كتاب محمد: يفرض الطعام والإدام، والماء والحطب والدهن، والثياب، ولا أدري ما ثياب الصون 2. وقال ابن أبي حازم في كتاب المدنين: له النفقة بغير كسوة.
وهو أقيس؛ لأن الذي عليه الناس اليوم أن النفقة غير الكسوة، وإنما يقولون نفقة وكسوة، ولا يرون أن ذكر النفقة يغني عن ذكر الكسوة، ولا يدخل عليه 3 في ذلك، وإن أوصى بدينار 4 كل شهر، ووصى مع ذلك بوصايا، وضاق الثلث، ضرب للموصى له بالنفقة بما وصى له على 5 التعمير.
واختلف فيما يصير له في المحاصة 6 على ثلاثة أقوال: فقال محمد، وابن نافع في المجموعة: إن صار له نصف وصيته، أنفق عليه نصف دينار في كل شهر 7. وقال مطرف: يعطى كل شهر دينارًا 8. وقال أصبغ: يدفع إليه 9 ما صار له في الحصاص 10 بتلًا؛ لأن الوصية

عالت 1. وأرى أن ينظر في ذلك، فإن كان قصد الميت أن يعطي ذلك 2 كل شهر لما يعلم من تبذيره، لم يعجل له، ودفع إليه دينار كل شهر؛ لأنَّ الميت قصد أن يوسع 3 عليه ذلك القدر من النفقة، وإن كان يعلم أن ثلثه يضيق عن جميع الوصايا، كان آكد ألا ينقص من الدينار 4، وإن كان قصد الميت رفق الورثة ليخرجوه من غلات، ولئلا يبيعوا في ذلك الرقاب، أو ما أشبه ذلك، عجل للموصى له ما صار في المحاصة.
وإن أشكل الأمر ولم يعلم قصده، لم يعجل، ويحمل على الظاهر أن الميت لم يرد تعجيل ذلك، وفي الباب الذي بعد: إذا أوصى بدينار 5 من غلة حائطه بقية ما يتعلق بهذا المعنى.
وقال محمد: التعمير والنفقة من يوم الموت 6. واختلف إذا وقف ذلك لينفق عليه فمات قبل انقضاء التعمير، وقبل أن ينفَّذ ما صار له في المحاصة، فقال مطرف: إذا صار 7 له في المحاصة خمسون دينارًا، وكان أوصى له بدينار في كل شهر فأنفق عشرة، رجعت الأربعون للموصى لهم، فإن استكملوا وصاياهم، وفضل شيء رجع إلى الورثة فاقتسموه على قدر مواريثهم، وانتقاض القسمة ها هنا والرجوع إلى ما كشف الغيب حسن؛ لأن المحاصة كانت بما عمر على الكمال، ولم ينقص منها شيء لمكان

الغرر (1)، ولا أرى للورثة في الفاضل شيئًا؛ لأنهم لم يجيزوا وصية الميت، وخرجوا من ثلثه فنماء ذلك الثلث، ونقصانه ومصيبته للموصى لهم وعليهم.

فصل [فيمن أوصى أن تكرى أرضه من فلان]

ومن أوصى أن تكرى أرضه من فلان بثمن سماه، والثلث يحملها أو لا يحمل، وأجاز الورثة، عرضت على فلان 2 بما سماه الميت، فإن أبى إلا أن يحط عنه من تلك التسمية، لم يكن ذلك له، وسقطت وصيته، وهو في هذا بخلاف من قال: أكروها منه، ولم يسم فإنه يوضع عنه ثلث الكراء، إلا أن يكون في التسمية هضيمة بينة مثل أن يقول: أكروها منه بعشرة، وكراؤها عشرون فيعلم أنه أراد أن يهبه نصف المنافع، فيعطى ذلك النصف بغير شيء، وإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، قطعوا له جميع 3 ثلث الميت في الأرض، وغيرها.1

باب في اختلاف الوصايا واختلاف أحكامها

الوصية عشرة 1 فالأول: أن يكون قدرها الثلث، ويجعلها في صنف 2 لا يلحق الورثة بإخراجه 3 منه ضرر.
والثاني: أن يعول على ثلثه 4، ويجعله بحيث يجوز حسب الأول.
والثالث: أن يوصي بالثلث، ويجعله فيما يضر بالورثة إخراجه كالذي يأخذ الحاضر ويترك الغائب، أو يأخذ النَّاضَّ ويجعل لهم الدين.
والرابع: أن يعاوض ورثته ويبايعهم فيأخذ المنافع والغلات، ويترك لهم المرجع، أو يترك 5 لهم المنافع، ويجعل لنفسه المرجع، أو يأخذ حاضرًا دون الثلث، ويترك كثيرًا غائبًا.
والخامس: أن يقصد الضرر بورثته دون البر لنفسه، وما لا ينفع في عاجل الدنيا ولا في آجل 6 الآخرة.
والسادس: أن يجتمع في الوصية شيئان: العول على الثلث، ويجعلها فيما يضر بهم، أو يتعذر بيعه.
والسابع: أن يجتمع العول والمبايعة.

والثامن: أن يجتمع العول والمبايعة، ويجعلها فيما يضر بهم.
والتاسع: 1 أن يجتمع في ذلك ما يريد به الضرر، وما يريد به البر 2. والعاشر: ألا يكون عول، ويريد بر نفسه، وضرر الورثة، فإن كانت التركة صنفًا عبيدًا أو ديارًا أو عروضًا فوصى بشيء بعينه من ذلك وهو الثلث فأقل، جاز وليس للورثة أن يقولوا له 3: الثلث شائعًا وليس له أن يأخذ ذلك المعين لنفسه.
وكذلك إن كانت عبيدًا، أو متاعًا فأراد أن يأخذ أحد المصنفين، وهما في إنجاز 4 البيع إن أريد سواء، وليس لهم أن يقولوا: إنما يأخذ ثلث كل صنف.
وكذلك إن كانت التركة عينًا فوصى بالدراهم دون الدنانير، أو بالدنانير دون الدراهم، وهو في القيمة الثلث فأقل أو كانت كلها دنانير، وهي مختلفة السكك فوصى منها بما 5 قيمته الثلث وهو أجود سكة 6، وأدنى وزنًا أو أوزن وأدنى سكة، فترك فضل العدد لمكان جودة السكة، أو ترك فضل الجودة لمكان كثرة العدد، فذلك جائز، وإن كره الورثة، ولم ير ذلك من الرِّبا بينه وبين الورثة، وإن كانوا شركاء له بالموت.
وكذلك لو خلف عينًا، ودينًا والدين دنانير ودراهم فأوصى بالدين، جاز

إذا حمل الثلث عدده.
واختلف إذا كان في العدد أكثر من الثلث، وفي القيمة الثلث فأقل، فقيل: تجوز الوصية؛ لأنَّ الدين كعرض فلو وصى له بعرض، وله عين لجاز إذا حمل الثلث قيمته، وقيل يجعل 1 في الثلث العدد.
قال مالك: وليس له أن يوصي بالعين ويترك لهم 2 الدين.
وأرى إذا كان الدين حالًا على موسر حاضر غير مُلِدٍّ، أو مؤجلا لا يتعذر بيعه وقيمته إن بيع الثلثان فأكثر أن تجوز الوصية، وإن كره الورثة.
كما قال: لو أوصى بالعين، وجعل لهم عرضًا وهو مما لا يتعذر بيعه.
وكذلك إن كانت التركة ديارًا، أو حمامات، أو حوانيت، أو عبيدًا، أو متاعًا 3، فله أن يجعل ثلثه في أي ذلك أحب، وإن لم يرض الورثة إلا أن يكون الذي ترك لهم مما يتأخر بيعه بالأمر البين ويعلم أن غرضهم فيما يصير إليهم 4 من التركة 5 البيع ليس الاقتناء.
والقسم الثاني: إن جعل الوصية بحيث يجوز له حسبما تقدم، وعال على ثلثه، مضت وصيته في الصنف الذي جعلها فيه، ويكون المقال للورثة في الزائد على الثلث خاصف فإن أجازوه وإلا كان لهم رد الزائد خاصة إذا كانت التركة دنانير ودراهم أو مكيلًا أو موزونًا، وإن كان فيها ربا مما لا يجوز

بين الأجنبيين مثل أن يخلف مائة شعيرًا ومائة قمحًا فوصى بالشعير وهو الثلث، فإنه يمضي ويصير إلى الورثة المائة القمح على 1 الثلثين.
واختلف عن مالك إذا كانت التركة ديارًا أو عبيدًا أو متاعًا، فقال مرة: إن لم يجز الورثة، قطعوا بالثلث شائعًا 2. وقال أيضًا: يحط ذلك الزائد من الموصى به خاصة، وهو أحسن؛ لأن للميت أن يجعل ثلثه في تلك العين، وإنما مقالهم في الزائد.
والقسم الثالث: إن وصى بالثلث فأقل، وجعله مما يضر بالورثة فوصى بالحاضر، وترك لهم الغائب، كان الورثة بالخيار فإن لم يجيزوا كان للموصى له ثلث الحاضر، وثلث الغائب.
واختلف إذا كان عينًا وعقارًا أو عينًا وعبيدًا، وأوصى بالعين.
فقال مالك: ليس له أن يأخذ العين، وبقيهم في العروض 3. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى بعشرة دنانير، ولم يخلف عينًا غيرها، وله عروض وشوار ورقيق ودواب 4، قال: تدفع الدنانير في الوصية وإن كره الورثة، قال: وسواء أوصى 5 بعشرة بعينها، أو قال: عشرة 6. وقال ابن الماجشون في المجموعة: إذا كان ما سوى العشرة بعيد الغيبة، أو بطئ

البيع، خير الورثة بين أن يدفعوا الدنانير، أو يقطعوا له بالثلث من الجميع 1. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن وصى بعشرة دنانير، وليس له إلا مال غائب، أو ديون على الناس فيريد 2 الموصى له أن يتعجل العشرة ويقول الورثة: إذا تقاضينا أعطيناك قال: يخير الورثة بين أن يعجلوا له ذلك، وبين أن يقطعوا له بالثلث، فينظر قدوم الغائب، أو يتقاضى 3 لنفسه 4. وقال في كتاب محمد: لا يخير 5 هنا، ويباع للوصية 6. قال: ومن أوصى بعشرة دنانير لرجل، وليس له إلا مائة دينار دينًا فقبض من المائة عشرة أفيخير الورثة؟ قال: لا؛ لأنه على 7 علم أن ماله دين، وإنما أشركه في المائة بعشرة، ولم يقل من أولها، ولا 8 من آخرها وقد أوصى بعشرها 9، قال: ولو كان 10 الميت قبض منها خمسة عشر قبل أن يموت، أو كانت عنده خمسة عشر من غيرها، خير الورثة بين دفع العشرة نقدًا، أو القطع بالثلث 11.

القسم الرابع 1: فإن أوصى بالخدمة، أو بالسكنى وترك لهم المرجع، أو ترك لهم الخدمة 2 مرة وأخذ المرجع والرقاب جميع مال الميت 3، كانت مبايعة منه لهم؛ لأنَّ الورثة يستحقون ثلثي الرقاب بتلًا فقد أخذ ثلثي مالهم بتلًا 4، من الخدمة، وأعطاهم ثلث الرقبة، أو أعطاهم ثلث الخدمة، وأخذ منهم ثلثي المرجع، فإذا كان ذلك، كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوا وصيته 5، أو يقطعوا لأهل الوصايا بالثلث بتلًا؛ لأنَّ مقال الورثة لم يكن لأنه عال 6 على الثلث فيحط الزائد، وإنما كان مقالهم لمكان ما حبس من الرقاب، أو المنافع.
وكذلك إذا كان أخذ حاضرًا 7، ولم يستوعب الثلث، وترك لهم الغائب، وهو 8 أكثر من الثلثين 9 ولم يجز الورثة، خرجوا من الثلث شائعًا؛ لأنَّ مقال الورثة لم يكن للزائد فيقطع في عين الموصى به.
وروي عن أشهب أنه قال: يقطع في عينه 10. يريد لأنه إذا قطع في عينه صار له من الخدمة فيه أكثر مما يكون إذا قطع له من جميع التركة، فكان ذلك من جميع التركة 11، وكان ذلك أقرب لقصد الميت.

القسم الخامس 1: إن قصد بالوصية ضرر الورثة من غير منفعة له مثل أن يوصي بدار أن تهدم أو شجر أن تقطع أو ثوب أن يحرق، وأن يبقى ذلك موقوفًا لا يسكن ولا يستغل، ولا يقام عليه ويترك حتى يهلك، وكل هذا الوصيةُ به باطل، فلا تنفذ إن قصد الضرر، ويقول الله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [سورة النساء آية: 12]، ولا إن لم يقصد الضرر لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة آية: 205]. القسم السادس 2: فإن قصد بالوصية ضرر الورثة، وجعلها فيما يتعلق به قربة لله سبحانه، لم يجز.
قال مالك وابن القاسم وأشهب فيمن أوصى لوارث بثلث ماله، وقال: فإن لم يجز ذلك الورثة فهو في سبيل الله: لم تجز للوارث، ولا في سبيل الله؛ لأنه من الضرر 3. وإن قال: ذلك في سبيل الله 4 إلا أن يدفعها ورثتي لابني، أنفذت في سبيل الله إن لم ينفذوها للابن.
وقال ابن القاسم: إن قال غلامي هذا لابني وله ولد سواه، فإن لم يجيزوه له فهو حر كان ميراثًا، ولا حرية له 5. ولو قال: هو حر إلا أن ينفذوه ورثتي لابني، كان كما قال 6.

وقال أشهب في كتاب محمد: لا يجوز وهو من الضرر 1، وسواء عنده قال: هو لابني فإن أبوا فأعتقوه، أو هو عتيق إلا أن ينفذوه لابني.
وحملوا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12] على العموم فيما يكون ضررًا 2، وإن كان الثلث.
وقيل: معنى قوله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12] ألا 3 يوصي بأكثر من ثلثه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إنه عتيق قدم ذلك أو أخره، وهو أحسن؛ لأن العتق مما يراد به البر، وإنما أراد أن يؤثر به ولده، فإن لم يكن قدمه لآخرته، وأدنى منازله مشكل هل أراد الضرر أم لا؟ وليس هذا مما يقطع به 4 أنه أراد به الضرر، فلا تسقط وصيته 5 بالشك.
واختلف في مثل ذلك في الزوجة تتصدق بثلثها إرادة الضرر بزوجها، فقال مالك في كتاب ابن حبيب 6: ترد صدقتها 7. وقال ابن القاسم: ذلك ماض والأمر فيهما واحد، الزوجة والموصي 8، وأرى أن تجوز الوصية إذا كانت الثلث، وإن قصد بها ضرر الورثة، ومحمل الآية على ما زاد على الثلث؛ لأنه حينئذ قد وصى بأموالهم وذلك ضرر حقيقة، وأما إذا كانت الوصية بالثلث فهو ماله، له أن يجعله في العتق والصدقة أو أي

القرب أحب، وإن كان قد أشرك في النية ألا يتركه لورثته، وقد يكون وارثه ولدًا 1 عاقًّا، أو سفيهًا يتلف ماله فيما لا يحل، أو عاصيًا يكون عدوًا له، فلا يجب أن يترك ثلثه لمثل هؤلاء فلا يمنع من الوصية.
وإن أراد أن يوصي لموسرٍ وغير ذلك مما لا يراد به الأجر لأشبه أن يمنع إذا أراد ضرر الورثة.
وقال 2 في كتاب محمد فيمن قال: غلامي يخدم فلانًا لبعض ورثته حتى يبلغ، ثم هو حر، فإن لم يجز الورثة فثلثي صدقة، كانت الخدمة لجميع الورثة، ثم يكون حرًا إذا بلغ الوارث، وهذا إذا أخرج من الثلث 3. قال محمد: وإنما وقع الضرر ها هنا في الوصية بالخدمة، وأما الحرية فجائزة قائمة إلى وقتها.
القسم السابع 4: فإن عال على الثلث، وأخذ الحاضر، وترك لهم الغائب، كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوا الوصية حسبما وصى 5، أو يجمعوا له ثلثه في 6 الحاضر حسبما 7 قصد، ويرد الزائد على الثلث، أو يقطعوا بثلث الحاضر والغائب.

القسم الثامن 1: وإن اجتمع فيها عول ومبايعة وجعلها فيما يضر بهم، وإن أوصى بمعينات، وصى لهذا بعبد، ولهذا بدار، ولهذا بثوب، وضاق الثلث، تحاصوا، وضرب لكل واحد بقيمة وصيته.
وكذلك إذا اشتملت على أجزاء، وأوصى هذا بسدس ماله، ولهذا بثلثه، ولهذا بنصفه ولم يجز الورثة، تحاصوا الثلث أسداسًا 2 وأخذ الموصى له بالسدس سدس الثلث، والآخر ثلثه، والآخر نصفه.
واختلف إذا اشتملت على جزء وشيء 3 بعينه على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة: يتحاص جميعهم في الثلث 4. وقال أبو محمد عبد الوهاب: فيها ثلاث روايات: إحداها: البداية بالجزء.
والثانية: أن تبدأ التسمية على الجزء.
والثالثة: أنهم يتحاصون بقدر وصاياهم 5. فأما تبدية الجزء إذا وصى هذا بثلثه، ولآخر بعبد، ولآخر بدار؛ فلأن الثلث للميت يصرفه 6 حيث أحب، والعبد والدار من الثلثين، وهما حق للورثة، فإذا لم يجيزوا، سقطت وصيتهم، ولو أوصى لرجل 7 بسدس ماله،

ولآخر بدار هي قدر ثلثه، بدي بالسدس، ويخير الورثة بين أن يجيزوا الدار، أو يقطعوا له منها بتمام الثلث.
وأما تبدية العبد أو الدار على الثلث فإنه حمل الميت 1 في وصاياه على أن يريد بها الثلث، ولا يزيد فيها 2 شيئًا من غيره كأنه انتزع التسمية ممن الثلث، وجعل الباقي لصاحب الثلث، ويلزم على هذا ألا يقال: إنه عال في وصيته، ولا يقال 3 للورثة إنه قد وصى بأكثر من الثلث فهل تجيزون؟ والقياس تبدية الثلث؛ لأنه أوصى به؛ لأنه هو الذي يملك من التركة، ولا مقال فيه عليه، وما سوى ذلك فقد جعله من الثلثين، فإن أجازت الورثة، وإلا سقط.
وقيل أيضًا 4: إذا أوصى بثلثه لرجل، وبعبد لآخر إنَّ ثلث العبد قد وصى به مرتين؛ لأن ثلثه داخل في الوصية لصاحب الثلث، فيكون الثلث بينهما نصفين، وقيل فيمن أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلثه فإن أجازت 5 الورثة لصاحب النصف، ولم تجز للآخر فإن الثلث يضرب فيه الموصى له بالنصف بثلاثة أسهم والآخر بسهمين، فيصير لصاحب النصف ثلاثة أخماس الثلث، ويتم له الورثة من مال الميت تمام النصف، وإن أجازوا لصاحب النصف، ولم يعلموا بالموصى له بالثلث، كان للموصى له بالنصف سدس المال

بإجازة الورثة، ثم يضرب 1 هو والموصى له في الثلث 2 بضرب الموصى له بالنصف بثلاثة أسهم 3، ويضرب الآخر بسهمين فيصير له خمسَا الثلث، وللآخر ثلاثة سهام والسدس 4.

باب [فيمن أوصى بعتق عبد وله مال غائب ولا يحمله ثلث المال (1) الحاضر]

وقال مالك فيمن أوصى بعتق عبد وله مال غائب ولا يحمله ثلث الحاضر، قال: يوقف العبد حتى يقدم الغائب 2. قال ابن القاسم: وإن كان الغائب بعيدًا، أو أجله بعيدًا، لم يعتق ثلث الحاضر 3. وقال سحنون: إلا أن يخاف تلف الحاضر فيكون في الوقف ضرر على الموصي، والموصى له فما يشتد 4 وجه طلبه 5، ويعسر 6 جمع 7 المال 8، فالغيبة 9 على ثلاثة أوجه: فإن كانت قريبة، انتظر جمع 10 المال، ثم 11 يعتق وإن كان بعيدًا كخراسان من مصر والأندلس، فيعتق الآن ما حمل الثلث، وإن كان على غير ذلك، وقف عند ابن القاسم 12؛ لأن الورثة يقولون: نحن شركاء الميت فيما خلفه، فليس له أن1

ينتفع منه بشيءٍ دوننا، فيعتق ما حمل ثلث الحاضر، ويحال بيننا وبين التصرف بالبيع وغيره فيما رق 1 منه، فإما أن يقال 2 ننتفع 3 جميعا 4 أو نمنع 5 جميعا 6. وقال أشهب وسحنون: يعتق ما حمل الثلث الآن، فإن لم يخلف سواه، أعتق ثلثه ووقف ما بقي، وكلما حضر من الغائب شيء، زيد في عتق العبد بقدر ثلثه 7، وهذا أقيس؛ لأنَّ وقف عتق 8 ثلث العبد مضرة عليه من غير منفعة للورثة.
وإذا كان الغائب في مثل خراسان أو الأندلس وأعتق منه ثلثه، جاز للورثة بيع الثلثين، ثم يختلف إذا قدم الغائب هل ينقض البيع ليستكمل ما بقي، أو لا ينقض؛ لأن البيع كان مع العلم بهذا المال؟ واختلف فيمن مات عن زوجة حامل، ولا ولد لها، أو لها 9 ولد هل تعطى الآن شيئًا، أو حتى تضع؟ فقيل: تعطى 10 الثُّمن، فإن أسقطته، أو ولدته ميتًا، أتم لها الربع أو لا

تعطى الآن 1 شيئًا حتى تضع وكذلك إذا كانت حاملًا ولها ولد فقيل: لا تعطى شيئًا ولا ولدها شيئًا حتى تضع، وقيل تعطى الثمن 2، وللولد نصف الباقي، لإمكان أن يكون ذكرًا.
وقيل: ثلثه لإمكان أن يكون الحمل غلامين.
وقيل: الربع، لإمكان أن يكونوا ثلاثة، وقيل: الخمس، لإمكان أن يكونوا أربعة.
وأرى أن تعطي الزوجة الآن الثمن كان لها ولد سوى الحمل أم لا، وأن يعطى الولد إن كان نصف الباقي؛ لأن الغالب من الحمل واحد وقد 3 يحتمل أن يكون ذكرًا وغيره نادر، ولا يراعى النادر.

باب [فيمن أوصى لرجلين أحدهما وارث]

ومن أوصى لرجلين أحدهما وارث، ولا وارث له غيره، جازت وصية الأجنبي 1 إذا كانت الوصية لهما بثلثي المال فأقل؛ لأن الذي ينوب الأجنبي الثلث، وكذلك إن كانت الوصية بأكثر من الثلثين، ولم يجز الوارث، فإن للأجنبي الثلث 2، وكذلك إن كانت وصيتان، لكل واحد شيء بعينه، وهما في القيمة الثلثان، فكانتا متكافئين 3 فتجوز وصية الأجنبي.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد فيمن هلك عن وارث واحد، وأوصى بثلثه لأجنبي، ثم قال: ثلثي لفلان يعني الوارث، أو قال: ثلثي لفلان الوارث، ثم قال: ثلثي 4 لفلان الأجنبي، قال 5: فإن كان الأجنبي هو الآخِر، كان له الثلث كله، وإن كان الوارث الآخِر، كان له الثلث كله؛ لأنه انتزاع من الأجنبي.
فجعل الثلث بمنزلة العبد المعين 6 يوصي به مرتين، فجعله للآخر منهما.
وإن كان للميت ورثة سوى الموصى له، وكان جميع الوصية الثلث فأقل، مضت الوصية للأجنبي، وكان الورثة بالخيار في نصيب الوارث، وإن كانت أكثر من الثلث، ولم يجز بقية الورثة، تحاص الموصى لهما، فما صار للوارث،

دخل فيه جميع الورثة، وإنما لم يجعل في المسألة الأولى محاصة؛ لأن ما ينوب الوارث ليس بوصية في 1 الحقيقة، فليس يأخذه بالوصية، وإنما يأخذه بالميراث بكتاب الله عز وجل، وإن كان معه وارث، كان ما فضل به أحدهما على الآخر وصية؛ لأنه يعطيه أكثر مما جعل الله تعالى له بالميراث 2. واختلف فيمن مات عن ثلاثمائة دينار 3، وخلف ابنًا وابنة 4، وأوصى بثلث ماله لأجنبي، وأوصى أن تقسم 5 المائتان بين الذكر والأنثى بالسواء في صفة الحصاص، فقال ابن القاسم: تضرب للابنة بخمسين؛ لأنه سمى للذكر مائة، فيكون للبنت خمسون، والزائد وصية.
6 وقيل: يضرب بثلث المائة؛ لأن حقها من المائتين ثلثها 7، والزائد وصية.
وقد قيل فيمن أوصى بالثلث، وبتسمية: إنه لا يضرب صاحب التسمية مع صاحب الثلث بشيءٍ، فعلى هذا لا تضرب الابنة مع الأجنبي؛ لأن له ثلثه أخرجه فيما أحب من وجه البر، وبقي الثلثان فضل فيه أحد الولدين على الآخر، ولم يقصد أن يدخل شيئًا من المائتين في الثلث.
وقال محمد فيمن أوصى بثلث ماله وألا تنقص 8 أمه من السدس، قال: يعزل

الثلث، ويقسم الباقي على الورثة ثم ينظر ما بقي للأم إلى تمام السدس ففيه تحاص، فما صار لها فإن أجازه 1 الورثة وإلا رجع ميراثًا، ولو أجازوا لها وللأجنبي، خرجوا من نصف المال، وقسم الورثة الباقي على مواريثهم بالذي تقوم منه الفريضة من 2 ثمانية عشر، للموصى له بالثلث ستة، وللأم السدس من الباقي، وهو اثنان الباقي إلى تمام سدس الجملة واحد فيه تحاص، فيقسم الثلث بينهما أسباعًا فيكون للموصى له بالثلث ستة أسباعه، وللأم سبع الثلث 3. وقال في امرأة خلفت زوجًا، وأمًا، وأختين لأم، وأختين شقيقتين 4، أو لأب، وأوصت ألا تنقص الأم من السدس شيئًا، فأجاز الورثة، فإن الوصية بالعول من عشرة، للأم منها سهم فأسقط 5، وتبقى تسعة فتعطى الأم سدسها من رأس المال، ويقسم الباقي على تسعة، قال: وكذلك لو تركت الأم نصيبها للورثة، أو قالت: نصيبي عندي، ولم يكن وصي لها بشيء 6.

باب في الوصية بالحج

ومن أوصى أن يحج عنه، أنفذت وصيته، فإن لم يعين من يحج عنه استؤجر حر بالغ غير صرورة، وإن استؤجر صرورة أجزأ.
واختلف في العبد، والصبي بالجواز 1 والمنع 2، واختلف بعد القول بالمنع هل يجزئ؟ فقال ابن الجلال: ذلك جائز، ومنعه ابن القاسم 3، فإن فعل لم يجز في الصبي، وأجزأ في العبد إذا كان يظنه حرًّا واجتهد.
يريد: ويستأجر حرًّا من بقية الثلث.
وقال غيره: الوصي ضامن، وإن جهل أنه عبد، ويجري فيه قول آخر: ألا شيء عليه.
وإن كان عالمًا أنه عبد، وجاهلًا بوجه العلم كما قال في أحد الشريكين: يشتري شراء فاسدًا.
قال: 4 لا شيء عليه، وليس كل الناس فقهاء، فهو في العبد أبين ألا شيء على الوصي للاختلاف في جواز استئجاره ابتداء، وأرى أن يجزي؛ لأن العبد ممن يصح منه التقرب بهذه العبادة، وإن لم تفرض عليه، وإذا صح منه التقرب بها 5، صح أداؤها عن غيره، وإن كان الموصي غير صرورة، أو صبيًا، كان أبين في الجواز، وإن قال الميت: يحج عني فلان، لم 6 يعدل عنه إلى غيره إن رضي، وإن لم يرض، وكان الموصي صرورة،

جارٍ التحميل