التبصرة للخميكتاب الوديعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368)

الجزء: 12 - الصفحة: 5975

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم (1)

كتاب الوديعة

باب في الإيداع وهل يضمن إذا ضاعت الوديعة (2)؟ وما يعد به مفرطًا، ومن أودع فأودع غيره

الإيدل جائزٌ لقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساءآية: 58]، وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة البقرة: 283]، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ" 3. ولا يؤتمن غير مأمون؛ لأن ذلك من إضاعة المال، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ اللهَ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ".
أخرجه البخاري ومسلم 4، ولأن ذلك يؤدي إلى12

الجزء: 12 - الصفحة: 5977

الاختلاف والجحود والشنآن واليمين الكاذبة، ولا تودع الحرم لغير ذي محرم إلا أن يكون مأمونًا له أهل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجَل بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنهُ مَحْرَمٌ" (1). وأجاز مالك لمن ادعى أمةً إذا أقام شاهدًا أو أقام لطخًا ووضع القيمة أن يسافر بها إذا كان مأمونًا، ومنعه أصبغ، والمنع أصوب للحديث: "لا يخلُوَنَّ" ولأن الخوف عليها من المدعي أشد؛ لأنه يقول: هي أَمَتي وحلال لي، فهو يستبيحها إذا غاب عليها.

فصل [في ضمان الوديعة]

ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن أودع وديعة فجعلها في بيته أو في صندوقه فضاعت: فلا ضمان عليه، وإن دفعها إلى زوجته أو خادمه لترفعها في بيته فلا ضمان، وهذا مما لا بد للناس منه، وقال أيضًا: إذا كانتا اللتين ترفعان له فلا ضمان عليه 6. وقال أشهب: إن استودعها عبده أو خادمه أو أجيره ممن هو في عياله أو غير عياله ضمن، وإن وضعها في بيته أو صندوقه أو غير ذلك من بيته أو بيت غيره ولم يأمنه عليها وَيُخَلى بينه وبينها لم يضمن 7.5 = حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه، من كتاب الأقضية برقم (1715)، ولفظ البخاري: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات.
وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

الجزء: 12 - الصفحة: 5978

قال الشيخ - رضي الله عنه -: إن وضعها في بيته أو جعلها في صندوقه ولم يقفل عليها، وكان لا يتصرف له 8 أحد، أو له أهل لا يخافهم عليها لم يضمن، وإن كان يخافهم ضمن إلا أن يقفل عليها، وإن كان عَهِدَ منهم الخيانة بعد القفل ضمن، وإن قفل، وإن شرط صاحبها أن يقفل عليها فلم يفعل ضمن، وإن لم يكن له أهل أو كانوا مأمونين.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: اجعلها في تابوتك ولا تقفل عليها، ففعل فسرقت ضمن؛ لأن السارق إذا رأى التابوت مقفلًا كان أطمع، ولو قال له 9: اقفل عليها قفلًا واحدًا، فقفل عليها قفلين لم يضمن 10. قال الشيخ - رضي الله عنه -: السارق يقصد التابوت وإن لم يكن عليه قفل؛ لأنه يعلم أنه 11 مما يرفع فيه فلم يكن لزيادة الأطماع وجه كما لم يكن إذا 12 قفل بقفلين.
قال: ولو قال له: اجعلها في قدر فخار، فجعلها في سطل ضمن، ولو قال له: اجعلها في سطل، فجعلها في قدر فخار لم يضمن 13. يريد: لأنه خالف إلى ما لا يقصد سرقته، والأول خالف إلى ما يقصد سرقته في نفسه وهو السطل، ولو قال له: اجعلها في هذا السطل، فجعلها في مثله لم يضمن، ولو لقيه في غير بيته فقال له: اجعلها في وسطك فجعلها في كمه أو جيبه ضمن.
ولو قال له: اجعلها في كمك فجعلها في وسطه أو في عمامته لم يضمن.
ولو قال: اجعلها في

الجزء: 12 - الصفحة: 5979

عمامتك فجعلها في وسطه لم يضمن.
ولو لم يشترط حيث يجعلها فجعلها في كمه أو في عمامته لم يضمن.
وفي جعلها في الجيب نظر.
وقال ابن وهب في العتبية: إن دفعت إليه وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعله فذهبت 14 لم يضمن 15. يريد: إذا جعلها هناك بحضرته أو بعد أن غاب وكانت الوديعة ثيابًا أو دراهم كثيرة مما الشأن ألا يجعل في كمه إلا عند القيام، كان كانت صرة دنانير ضمن؛ لأنه فرط، ولو أخذ نعله فنثرها ناسيًا ضمن.
ويختلف إذا قام ونسيها، فقال ابن حبيب: يضمن 16، ويجري فيها قول آخر ألا ضمان عليه 17 قياسًا على المودع مائة دينار فيدعيها رجلان وينسى أيهما أودعه، أو اشترى ثوبين من رجلين بالخيار فاختلطا ولم يدر لمن الجيد منهما، فاختلف هل يضمن لهما أو لا يكون عليه شيء؟ وأن يعذر بالنسيان أبين؛ لأنه لا يعد بالنسيان مفرطًا.
وقال ابن الماجشون فيمن أودع وديعة فأراد أن يأخذ ماله فأخطأ فأخذ الوديعة: هو ضامن، وهذا أصوب؛ لأن هذا أخطأ بفعل والأول بنسيان بغير فعل، وكذلك الذي نسي فنثرها من نعله ضمن بالفعل ليس بمجرد النسيان.

الجزء: 12 - الصفحة: 5980

فصل

ومن أودع وديعة فقد جعل النظر فيها إليه، فإن أخرجها عن نظره إلى نظر غيره ضمن إلا أن تكون هناك عادة أو عذر خوف عورة بيته أو سفر، فأما الزوجة فلا بأس أن يدفعها إليها لترفعها أو لتكون وديعة عندها، وهذا الشأن ألا يصون الرجل 18 ماله عن زوجته إلا أن يعلم منها خيانة إلا أنه لا يرفع نظره وتفقده، وكذلك أم ولده إذا علم منها الأمانة.
وقال ابن القاسم: إذا دفعها إلى خادمه لترفعها له لم يضمن 19. وقال أشهب: إن أودعها خادمه ضمن وليس دفع ذلك إلى خادمه أو أجيره الذي علم منه الأمانة والخير ليبلغاها البيت أو تكون في البيت فيقول لهما اجعلاها: في المخزن أو في التابوت مما يضمن به.
وإذا خاف المودع عورة منزله أو جار سوء، وكان ذلك أمرًا حدث بعد الإيدل جاز له أن يودعها ولا ضمان عليه، وإن كان ذلك الخوف متقدمًا قبل الإيدل والمودع عالمًا لم يكن له أن يودعها، فإن فعل ضمن وإن كان صاحبها غير عالم ضمنها، وسواء ضاعت عنده أو عند غيره إلا أن يكون ضياعها عنده لم يكن من السبب الذي يخاف منه، وقد يحمل قول ابن القاسم في قوله "يودعها إذا خاف عورة بيته" أن الوديعة ثياب أو عروض، ولو كانت دنانير وما أشبه ذلك مما يكنز 20 في الأرض، ولا يخاف ممن يخاف منه أن يضطره

الجزء: 12 - الصفحة: 5981

لإخراجها لم يكن له أن يودعها، وإن حدث له سفر جاز أن يودعها، فإذا ثبت الإيداع والوجه الذي أوجب ذلك وهو خوف موضعه أو السفر برئ المودع.
قال ابن القاسم: ويصدق أنه أودعها زوجته وأنه أودعها 21 لهذه الوجوه وإن لم تقم بينة، ولا يصدق أنه خاف موضعه أو أراد سفرًا فأودعها لذلك.
وقال مالك فيمن اكترى دابة فلما قدم قال: أودعتها لأنها وقفت عليَّ- فإنه يصدق.
وعلى هذا يصدق في الوديعة أنه أودعها لخوف موضعه أو لأنه سافر إذا خفي أمره ولم يعلم هل سافر أم لا، وهو في الوديعة أبين؛ لأنه لا يتهم أحد أن يخرج الوديعة لنفسه 22 عن يده لغير عذر.
ومحمل قول ابن القاسم أنه يصدق إذا ثبت الخوف والسفر في الإيداع على أن المودع يصدقه في قبضها، ويقول: إنها ضاعت، فأما إن كذبه وقال: لم يدفع إلي شيئًا، لم يصدق على أصله في كل من أمر أن يدفع إلى غير اليد التي دفعت إليه إلا ببينة.
وقول عبد الملك: يصدق.
وبه أرى أن يقضى اليوم؛ لأن الشأن دفع الودائع من غير بينة.
ولو أراد من كان بيده وديعة أو بضاعة أو قراض أن يدفعه إلى من يبلغه لصاحبه ويُشهد عليه لم يقبل منه أحد.
وأما الزوجة فلا خلف أنه ليس عليه أن يُشهد عليها.

الجزء: 12 - الصفحة: 5982

ومن أودع وديعة وهو في سفر لم يجز له أن يودعها.
وقال ابن القاسم وأشهب: إلا أن يضطره لصوص فيسلمها لمن يرجو نجاته بها فلا يضمن 23. ومجمل ذلك على أن الذي تسلم إليه لا يخشى خيانته فيها ولو طرحها عنه عندما غشيه لصوص، ثم لم يجدها لم يضمن، فإذا كان الإيداع في الإقامة فأودعها عند حدوث السفر ثم عاد من سفره، فإن كان سفره ليعود كان عليه أن يأخذها ويحفظها؛ لأنه التزم حفظها حتى يأتي صاحبها فلا يسقط عنه إلا القدر الذي سافره.
وإن كان سفره على وجه الانتقال، ثم عاد كان له أن يأخذها وليس ذلك بواجب عليه.
وقال في المودع ينتقل بالوديعة: إنه ضامن 24، ولو كان في قرية ولم يجد ثقة يضعها 25 عنده أو خشي عليها إن تركها فخرج بها لم يضمن.
وقال فيمن حضرته الوفاة فأودع ماله فخرج به المودع ليدفعه لورثته فضاع: إنه ضامن 26. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: للقاضي أن يدفعه لورثته إن كان بلدهم بعيدًا ولا يبعثها إن كان قريبًا، فإن فعل لم يضمن، قال 27: بخلاف الوصي عليها يبعث بها فتضيع فإنه ضامن، وأجاز ذلك للقاضي؛ لأن الغالب من الورثة الرغبة في وصول المال إليهم.

الجزء: 12 - الصفحة: 5983

وقال مالك في كتاب الوصايا الأول من كتاب محمد فيمن مات في السفر وترك دنانير أو متاعًا، فيريد أو صياؤه أن يتسلفوا الدنانير حتى يردوها 28 إلى الورثة: فأما البز والمتاع فيباع؛ لأن له مؤنة وحمله من هناك يشق.
يريد: إن مات في غير بلده فكان حمله ونقله ضرورة، وقال في المبضع معه 29 يمر بالبلدة فتحدث له الإقامة: لا بأس أن يبعث بها إلى من بعثه إليه ولم يلزمه التمادي بها 30؛ لأنه لم يكن القصد من حاملها التمادي بها خاصة، وأجاز له أن يبعثها؛ لأن ذلك كان غرض صاحبها، وقد كان الصواب أن يرفع الأمر إلى قاضي الموضع كما قال أصبغ فيكون هو الناظر فيمن يبعث بها معه، وكذلك المودعَ يحدث له سفر ويخاف عورة منزله، والوصي يحدث له سفر- أجيز لهم أن يقيموا لها من رأوه من غير مطالعة حاكم.
والصواب أن يكون الحاكم الناظر لأربابها، وقد يكون استخف ذلك لفساد القضاة.
قال محمد في العبد يكون وصيًّا على أيتام فيبيعه سيده، أو يريد السفر: أن الأمر فيمن يكون مقامه للسلطان، وهذا القول يمضي 31 على الخلاف المتقدم في جميع هذه المسائل؛ لأن بيع العبد والسفر به بمنزلة سفر الوصي الحر لا فرق بينهما.
وعلى قول مالك يكون للعبد أن يقيم من رآه مكانه من غير مطالعة حاكم.

الجزء: 12 - الصفحة: 5984

باب في المودَع يخلط الوديعة بغيرها أو يخلطها غيره وهل يتسلفها أو يخرجها من ذمته بعد أن يتسلفها؟

وإن خلط الوديعة وهي دنانير أو دراهم بمثلها أو بغيرها مما يتميز منها لم يكن متعديًا ولا ضمان عليه إن ضاعت 32. وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا كانت الأولى كثيرة فخلطها بدراهم قليلة لم يضمن، وإن خلطها بمال عظيم 33 حتى أشهرها ضمن، وهذا يحسن إذا كانت في موضع لا يظن ذلك فيه، فأمَّا إذا كانت في تابوت أو صندوق لم يضمن؛ لأن السارق يقصد التماس الدنانير والدراهم من مثل ذلك لما كانت العادة أن يرفع فيها.
وإن أودع قمحًا أو شعيرًا فخلطه بدونه ضمن.
ويختلف إذا خلطه بمثله فأجاز ذلك في المدونة ولم يره متعديا 34. وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: هو ضامن ورأى أنه مما تختلف فيه الأغراض، فقد يكون عند الموح أنهما سواء ويرى غيره أن الوديعة أفضل، فليس للمودعَ أن يحكم لنفسه أنه مثله.
وقد منع ابن القاسم في كتاب الرهن الشريك من مقاسمة المرتهن في الطعام حتى يكون السلطان هو الذي يقاسمه 35، وقسمة الصبرة الواحدة

الجزء: 12 - الصفحة: 5985

أخف في اختلاف الأغراض فيما يقع في القسمة من الاختلاف من خلط الطعامين ومعلوم من الناس كراهية ذلك أن يخلط قمحه أو شعيره أو زيته وغيره.
وإذا كان المودعَ غير مأمون كان أبين أن يكون ضامنًا له؛ لأنه يتهم أن يجد لنفسه ويخلطه بدونه.
وإذا خلط الدراهم أو الطعام بمثله ثم ضاع بعض (1) ذلك كانا شريكين في الباقي على قدر ما لكل واحد منهما، ويتفق في هذا مالك وابن القاسم (2)؛ لأنهما كانا شريكين قبل الضياع بوجه جائز، وإذا صحت الشركة كان الضياع بمنزلة لو كان صاحب الوديعة هو المشارك له فيها، وقد تقدم في كتاب تضمين الصناع ذكر الدينار يختلط في غيره أنه لو نظر إلى ذلك الذي اختلط فيها قبل الضياع فلم يوجد، ثم ضاع منها شيء كانا شريكين في جميعها على قدر ما لكل واحد منهما على القولين جميعًا.

فصل [فيمن استودع قمحًا وشعيرًا فخلطهما]

وإن كان عند رجل وديعتان: قمح وشعير، فخلطهما- ضمن لكل واحدٍ منهما ما خلط له، فإن اختارا رفع العدِّ أو أن يأخذاه مخلوطًا ويكونان شريكين فيه- جاز ذلك عند ابن القاسم وأشهب ومنعه سحنون 38.3637

الجزء: 12 - الصفحة: 5986

واختلف بعد القول بجواز ذلك في صفة الشركة، فقال ابن القاسم: على القيمة.
يريد: قيمة القمح معيبًا والشعير غير معيب، ولم يجز أن يقتسماه على ذلك.
وروى عنه أبو زيد أنه قال: وإنما يقتسمان الثمن 39. قال في المدونة: ولو قال لصاحبه: أنا أغرم لك مثل حنطتك أو شعيرك وأخذه كله لم يجز 40. وقال أشهب في مدونته: يكونان شريكين على السواء لا على القيم، إذًا يكون القمح بالشعير 41 متفاضلًا، ألا ترى لو أن رجلين قالا: اخلط شعيري بقمحك لتكون شركة على القيم لم يجز، كان قال أحدهما لصاحبه: أنا أغرم لك مثل قمحك أو شعيرك واخذ هذا كله، جاز ذلك على وجه التراضي، وليس ذلك كله 42 له في وجه القضاء، وهذا نص قوله: ولو ضمن أحدهما التعدي، وقال أحدهما 43: أنا أبقى على الشركة، جاز ذلك على قول أشهب إذا كان الذي ضمن هو صاحب الشعير 44؛ لأن صاحب القمح يكون شريكًا بقفيز قمح معيب، سواء 45 كان الذي ضمن صاحب القمح- لم يكن لصاحب الشعير أن يشارك بالنصف؛ لأنه ياخذ أفضل 46 من حقه إلا أن يرضى بذلك التعدي.

الجزء: 12 - الصفحة: 5987

وعلى قول ابن القاسم: يجوز أيهما ضمن؛ لأن الشركة على القيم وعليه 47 يقتسمان الثمن، فجعله ابن القاسم إذا رفعا العد بمنزلة ما لو اختلطا بأمر من الله تعالى، وكأنهما لم يختارا تضمينه قط ويصير بمنزلة ما لو خلطهما ريح أو دابة مشت عليه، فخلطته فالشركة على القيم يباع ويقتسمان الثمن على القيم القمح معيب والشعير غير معيب، ولا تجوز قسمته على القيم؛ لأنه ربا فلو كان لكل واحد منهما قفيز وقيمة القمح معيبًا ديناران وقيمة الشعير دينار غير معيب، فلو اقتسماه على القيم أخذ صاحب القمح قفيزًا وثلثًا والآخر ثلثي قفيز، وإذا كان كذلك كان نصف ما في يد صاحب القمح شعيرًا، وهو ثلثا قفيز أخذه عن ثلث قفيز قمح، وذلك ربا، وإنما يجوز أن يبقى بينهما على أن لهذا فيه 48 قمحه ولهذا شعيره، ثم يباع فيأخذ كل واحد منهما ثمن شيئه.
ولو سقط ثوب في صبغ صباغ وقيمة الثوب ديناران والصبغ دينار كان بالخيار بين أن يكون بينهما شركة على ذلك الثلث والثلثين، أو يبقى على أن يكون كل واحد منهما باقٍ على ملكه 49، فإذا باعاه قسما الثمن 50 على قدر قيمته يوم البيع، وإن نقص الصبغ يوم بيع أو نزل سوق الثوب كانا شريكين على قدر قيمتهما يوم البيع.
وذهب أشهب في الطعامين أنهما لما ملكا التضمين إنما يأخذان ذلك عن الواجب في ذمة المتعدي، فلا يجوز إلا على التساوي بمنزلة ما لو كان لهما ذلك في ذمته من غير تعدٍّ فأخذاه عن الواجب في الذمة، فلا يجوز إلا على التساوي،

الجزء: 12 - الصفحة: 5988

وإن أرادا قسمته جاز؛ لأن بيع نصف قفيز قمح بنصف قفيز شعير جائز، ولم يجبر أحدهما على أن يسلم جميعه ويأخذ مثل نصيبه فيكون قد بيع عليه ملكه بمثله جبرًا.
وأمَّا سحنون فله في منع رفع العداء ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون ذلك صار كالفائت وأن ما لهما سالم في الذمة فليس لهما أن يجبراه على أخذ هذا كما قال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن صبغ ثوبًا متعديًا أن ليس لصاحبه أن يأخذه، وليس له إلا القيمة أو يكونا رفعا الضمان للشركة ليتجرا بثمنه في المستقبل، فمنع ذلك، وإن كانت الشركة في هذا على المساواة؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل ويكونان بمنزلة من أخرج قفيز قمح وقفيز شعير ليتجر بثمنهما في المستقبل فيفسد، وإن دخلا على المساواة لموضع التمادي أو يكونان رفعا العداء ليقتسماه على القيمة.

فصل [في تسلف المودع الوديعة فقيرًا كان أو موسرًا]

وليس للمودع أن يتسلف الوديعة إذا كان فقيرًا.
ويختلف إذا كان موسرًا والوديعة دنانير أو دراهم، وليس له ذلك إذا كانت عروضًا أو مما يقضى فيه بالقيمة، ولا مما يكال أو يوزن إذا كان مما 51 يكثر اختلافه، ولا كان يتحصل أمثاله كالكتان.
واختلف في القمح والشعير وما أشبهه هل يلحق في الجواز بالدنانير والدراهم؟ فأمَّا الدنانير والدراهم فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فمنع ذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 5989

مالك في كتاب اللقطة، وكره ذلك في العتبية، ثم أجازه إذا أشهد على سلفها وقال: وقد أجازه بعض الناس.
وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يجز، وإن كانت بغير رباط ولا ختم جاز.
وأرى أن ينظر إلى المودع، فإن كان يعلم منه أنه لا يكره ذلك فيما بينه وبين المودع لأمانته أو لكرم طبعه جاز، وإن كان يعلم منه الكراهية لم يجز؛ لأنه لو جحد ذلك عليه حين الدفع أو قال: أُحرم 52 عليك أن تتسلفها، لم يختلف أنه ممنوع من الانتفاع بها، وإذا أشكل أمره كره ذلك.
وأمَّا القمح والشعير والزيت وأشباه ذلك فظاهر قول ابن القاسم في المدونة: إنه إن تسلفها مضت على وجه السلف؛ لأنه أجاز إذا تسلفها أن يخرج المثل من ذمته كالدراهم، فلو كانت عنده مما تختلف فيه الأغراض كالعروض لم يصح إخراج المثل من الذمة ولم يجز السلف، وهو قول عبد الملك أنه ضامن إذا خلطها كالعروض، فلا يجوز على هذا تسلفها.
وقال محمد فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه: كان لصاحبها أن يأخذ الثمن إن شاء، فلم يجز السلف، وهو أحسن.
ولا أرى لأحد اليوم أن يتسلف شيئًا من ذلك؛ لأن المعهود من الناس أنهم لا يرضون ذلك ولا يحل التصرف في ملك إنسان بغير إذنه 53.

الجزء: 12 - الصفحة: 5990

فصل [في المودع يتسلف الوديعة ثم يخرجها من ذمته إلى أمانته]

اختلف في المودع يتسلف الوديعة وهي دنانير أو دراهم ثم يخرجها من ذمته إلى أمانته.
فرأى مالك وابن القاسم في المدونة: أن ذلك له، قال محمد: فإن ضاعت بعد ذلك فلا شيء عليه.
وقال يحيى بن عمر: قال مالك قد صارت دينًا في ذمته ولا يبرأ إلا بردها إلى ربها، قال: وهو قول أهل المدينة 54، وقال ابن الماجشون: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ إلا بردها إلى ربها، كان تسلف بعضها ضمن جميعها؛ لأنه متعد في حلها، ولو أشهد على إخراجها من ذمته لم يبرأ إلا بردها إلى ربها.
وأرى أن يبرأ بردها، ويصدق أنه ردها إذا لم يكن أشهد على تسليفه إياها، وإن كان أشهد برئ إذا ردها ببينة، إلا أن يكون قصد بالإشهاد خوف الموت لحق المودع فيبرأ وإن لم يشهد على ردها.
وقال أبو إسحاق بن شعبان: إذا أذن له صاحبها أن يتسلفها لم يبرأ إلا بردها إليه 55، ولا يختلف في هذا؛ لأن السلف من المالك وصارت كسائر الديون، فلا تخرج من الذمة إلا بالأداء للمسلف 56.

الجزء: 12 - الصفحة: 5991

وقال ابن القاسم: إذا أخذها المودع على غير وجه السلف ثم ردها برئ، ومحمل قوله على أن ذلك لم يعلم أنه قصد أكلها وأنه ردها إلا من قوله، فلا يؤخذ بغير ما أقر به، ولو علم تعديه عليها قبل ردها لم يبرأ إلا بردها إلى صاحبها، وسواء أشهد على ردها أم لا؛ لأنه أخرج نفسه من الأمانة فأخذها على غير وجه السلف.
وقال محمد فيمن استودع دابة فركبها، أو ثوبًا فلبسه، ثم ادعى أن ذلك هلك بعد نزوله ونزعه (1): فإن شهدت بينة بركوبه ولباسه لم يصدق، وإن لم يعلم ذلك إلا من إقراره صدق، وفي كتاب ابن سحنون: أنه لا يصدق، ورأى أنه مقر بالعداء مدع لدفع العداء (2). والأول أبين، إلا أن يرى أنه قال ذلك لما يخاف أن يكون تشهد عليه بينة؛ لأنها عاينت ذلك.

فصل [هل للمودع أن يخرج الوديعة من ذمته إذا تسلفها وكانت عينًا؟]

للمودع أن يخرج الوديعة 59 من ذمته إذا تسلفها 60 وكانت عينًا، وليس له ذلك إذا كانت عرضًا، وسواء وقف القيمة أو المثل، فإن وقف القيمة قال: المودع لم آمنك على قيمة، وإن وقف المثل قال: قد كان لي ألا أجيز سلفا وآخذك بالقيمة.5758

الجزء: 12 - الصفحة: 5992

وأجاز ذلك له في المدونة إذا كانت الوديعة مما يقضى فيها بالمثل كالقمح والشعير وما أشبه ذلك، وليس بالبن؛ لأن الدنانير لا تختلف فيها الأغراض وهذه تختلف فيها الأغراض، وليس له أن يحكم لنفسه أنه مثل الأول، إلا أن تشهد بينة على صفة الأول وعلى رده وأنه مثل الأول، فقد يستخف مثل هذا.

الجزء: 12 - الصفحة: 5993

باب فيمن بعث معه بمال فقال: أوصلته ولم أجد المبعوث إليه فرددته، فكذبه المبعوث إليه أو ربه

وإن قال: ادفع هذا المال لفلان من دين له عليَّ أو هبة أو صدقة أو ليصرفه 61 عني، فقال بعد ذلك: قد فعلت، وقال الآخر: لم تدفع إليَّ شيئًا، فإن كان المبعوث معه أخذه على أن لا يشهد على الدفع- كان القول قوله مع يمينه، وإن كان المال من دين 62 حلفا جميعًا -الرسول والمبعوث إليه- ورجع بالدين، وإن كان هبة أو صدقة حلف الرسول وسقطت الهبة والصدقة.
واختلف إذا أخذ المال ولم يشترط ذلك على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: إن لم يقم الرسول بينة بالدفع غرم 63. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: إذا كان الدين يسيرًا مثل الثوب والطعام وما لا يؤخذ بمثله براءة- كان القول قول المبعوث معه مع يمينه، وإن كان كثيرًا مما يؤخذ بمثله البراءة ضمن إذا لم يشهد.
وقال ابن الماجشون: القول قول الرسول مع يمينه ولم يفرق بين قليل ولا كثير.
وقال في الدين: إن قال: ادفعه لفلان من دين له عليَّ قبل قوله.
وإن قال: اقض عني الدين لم يبرأ إلا ببينة، وهذا أحسن مع عدم العادة؛ لأنه لا يختلف أنه أمين في حين كونه في يده، وفي حين التسليم القول قوله أنه فعل ما ائتمن عليه، وقد قيل في قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾

الجزء: 12 - الصفحة: 5994

[سورة النساء آية: 6] أن ذلك لرفع التنازع، وليس لأنه لا يقبل قوله كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة آية: 282] إلا أن تكون العادة الإشهاد فلا يبرأ إلا بذلك 64. وقال ابن القاسم: إذا قال: ادفعه ليكون وديعة عنده أو ليفرقه على المساكين، فقال: قد فعلت، وقال الآخر: لم يوصل إليَّ شيء -حلف وغرم الرسول، وإن قال: أوصله وفرقته على المساكين- صدق وبرئ الرسول.
واختلف إذا قال: أوصله وضاع قبل أن أفرقه، هل يصدق ويبرأ الرسول أم لا؟ وقوله أنه مصدق أحسن؛ لأن الإشهاد خوف جحود المبعوث إليه، فإذا لم يجحده لم يضره ترك الإشهاد، فكذلك ينبغي أن يكون الجواب في الوكيل على قبض الدين إذا صدقه أن يبرأ، وإن كان اختلاف الرسول مع 65 الباعث، فقال: لم أجد المبعوث إليه فرددت المال إليك وأنكره الباعث- كان القول قول الرسول إذا أقبضه بغير بينة، والقول قول الباعث إذا أسلمه ببينة وكان الإشهاد خوف جحوده، وإن كان القصد بالإشهاد أنه صدقة أو هبة لفلان أو ليفرقه على المساكين- كان القول قول الرسول في رده؛ لأن هذه شهادة على الباعث أنه بتل ذلك لفلان أو للمساكين.
ومن بعث بنفقة إلى زوجته فقال الرسول: دفعتها إليها وكذبته 66 لم يقبل قوله عند ابن القاسم إذا حلفت وضمن إلا أن يقيم بينة بالدفع، وقال ابن الماجشون في المبسوط: القول قول الرسول مع يمينه ويبرأ، وقال ابن القاسم في

الجزء: 12 - الصفحة: 5995

المدونة فيمن كانت عنده وديعة، فقدم الموح فطلبها منه، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك وصدقه أهله وولده: إنه ضامن ولا ينفعه إقرارهم، إلا أن يقيم بينة على ذلك فيبرأ إذا كان يشبه ما أنفق ولم يكن صاحب الوديعة يبعث بالنفقة 67. ومحمل قوله على أن الزوج ادعى أنه خلف النفقة أو بعث بها ولم تستعد 68 الزوجة في غيبته، فكان القول قوله مع يمينه أنه خلف أو بعث، ثم يكون له الرجوع على زوجته إن أحب أن يرجع عليها، ثم لا رجوع لها على المودع، أو يرجع على المودع، ولا رجوع للمودع عليها إذا قال نعلم أنه كاذب لم يبعث ولم يحلف.
واختلف إذا كان لا علم عنده هل صدقته 69 أم لا؟ هل يرجع عليها؟ فروى ابن وهب عن مالك: أن القول قول الزوجة أنها أنفقت من عندها إذا كانت ذكرت ذلك وشكت في مغيبه، وإن لم تستعد فعلى هذا يكون القول قولها مع يمينها أنه لم يخلف ولا بعث وتحاسب بما أخذت من الوديعة، إلا أن يثبت الزوج أنه خلف أو بعث فيكون له أن يرجع على المودع إن أحب؛ لأنه لم يدفع بقضية من سلطان وقد كان الوجه ألا يدفع بقولها 70 حتى يكشف السلطان ويحلفها.

الجزء: 12 - الصفحة: 5996

فصل [فيمن أودع مالا وجارية وادعى إنفاق الوديعة عليها]

ومن أُودع مالًا وجارية، فقال: أنفقت الوديعة على الجارية، فقال المودِع: كنت خلفت عندك النفقة لها- كان القول قول الودعَ مع يمينه أنه لم يقبض إلا الجارية بلا نفقة.
وقال في المدونة فيمن رفع إلى السلطان في دابة في يده أنها وديعة من سنة وأنه أنفق عليها من عنده وأراد أن تباع له في النفقة: أن ذلك له إن ثبت تاريخ الإيداع.
يريد بعد أن يحلف أنه لم يخلف لها نفقة، وعلى هذا الوجه 71 لو خالفه 72 ربها وقال: خلفت النفقة- لكان القول قول المودع، ولو قال في الجارية: خلفت النفقة عندها و 73 قالت: كنت أنفق على نفسي من عندي- لكان القول قولها، وإن قال في الدابة: إنها وديعة من سنة ولم يثبت ذلك لم يقبل قوله، لإمكان أن تكون من شهر، وكثير ما ينزل مثل 74 هذا في الفنادق؛ يغيب المكتري، فيقول المكري: عنده كراء- سنة أو أكثر.
يريد: أن يباع له 75 من مال الغائب بقدر ذلك، فليس ذلك له إلا أن يثبت مدة الغيبة.

الجزء: 12 - الصفحة: 5997

باب فيمن بعث بمالٍ ثم مات المبعوث إليه أو الباعث أو الرسول

وإذا قدم الرسول فوجد المبعوث إليه قد مات، فإن علم الرسول أنه من دين دفعه إلى ورثته، وكذلك إذا مات الباعث دفعها إلى المبعوث، وإن كان هبة أو صدقة لم يدفعه، وسواء مات الباعث أو المبعوث إليه.
قال ابن نافع: لأنه قد كان لصاحبها أن يرجع فيها.
وإن كان أشهد بذلك المال كان الإشهاد على ثلاثة أوجه:

  • فإن أشهد أنه بتله لفلان وجعل هذا الحائز له صحت العطية، وسواء مات الباعث أو المبعوث إليه، فمان مات الباعث دفعها إلى المبعوث إليه، وإن مات المبعوث إليه دفعها إلى ورثته.
  • وإن أشهد أنه بتلها لفلان ولم يجعل الرسول حائزًا له فمات المبعوث إليه أخذها ورثته.
    واختلف إذا مات الباعث، فقال في كتاب الصدقة من المدونة: تمضى للمعطى له 76. وهذا إنما يصح على القول أنها لا تفتقر إلى قبض وإنما تسقطها التهم.
    وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: هي ميراث إلا أن يقول: حزها له.
  • وإن كان الإشهاد على الرسول والتحفظ منه ليس على تبتيلها للمبعوث إليه كان بمنزلة من لم يشهد فأيهما مات رجعت إلى ربها؛ لأن الإشهاد على التبتيل شهادة على المتصدق للمتصدق عليه، وبالتحفظ شهادة على الرسول،

الجزء: 12 - الصفحة: 5998

قال مالك في العتبية: وإن لم يدر الرسول لم بعثت ردها، فأجاز له ردها؛ لأن ذلك غرض الباعث، رد ماله إذا لم ينفذ فيما أراده، وإن بعث بالمال ليتصدق به المبعوث إليه على الباعث أو يكون عنده وديعة رد المال على أصل مالك، وسواء أشهد أو لم يشهد (1).

فصل [فيمن بعث بمالٍ ثم مات الرسول في الطريق أو بعد الوصول وفقدت الوديعة]

واختلف إذا مات الرسول في الطريق أو بعد الوصول فلم توجد الوديعة، وقال المبعوث إليه: لم يصل إليَّ شيء، فقال مالك في المدونة: إن مات بعد أن وصل فلا ضمان عليه، وإن مات في الطريق فما أحرى أن تكون في ماله 78. وفي كتاب محمد عكس هذا، قال: إن مات قبل الوصول لم يضمن، وإن مات بعد الوصول ضمن.
وقال أشهب: يضمن مات قبل أو بعد.
قال في مدونته 79: لأنه لو كان حيًّا فقال: دفعتها لم يقبل قوله إلا ببينة، فوجه القول الأول؛ لأنه في الطريق مودع، وهو يقول في الوديعة إذا مات المودع ولم توجد الوديعة أنها في ماله وبعد الوصول وكيل على الدفع، ومحصوله أنه امتثل ما وكل عليه، وقد يخفى على ورثته من كان أشهد على دفعها فلا يضمن بالشك وليس كالحي يطلب بذلك فيعجز.77

الجزء: 12 - الصفحة: 5999

فأما تضمينه إذا مات في الطريق، فيحسن إذا كانت له إقامة بعد قبضها وكانت عينًا وكان مثله يتصرف في الوديعة، ولا يحسن إذا كان قبضه لها عند خروجه، أو ليلة مبيته أو كانت عروضًا وكانت له إقامة، وسواء مات في الطريق أو بعد الوصول، وليس الشأن أن يتسلف فوجب أن يبقى فيها على الأصل في الأمانات أنها ليست في الذمة.
ومن كانت قبله وديعة فذكر عند موته أنها في موضع كذا فلم توجد هناك كانت مصيبتها من صاحبها لقول الميت: لم أتسلفها.
واختلف إذا لم يذكر شيئًا حتى مات هل يكون ذلك في ذمته والوديعة ثلاثة: عرض, وعين, ومكيل وموزون، فيحمل العين بعد موت المودع على السلف، وفي العروض على التلف، وفي المكيل والموزون في الحاضرة على التلف، وفي البادية على السلف.
والودائع أمانات ومصيبتها من أربابها، إلا ما قام الدليل على تصرف المودع فيها، فالشأن في العين أنها مما تسرع يد المودع إليها في السلف ويرى مضرة على صاحبه فيه وأن مثله يقوم مقامه فحملوه على الغالب، وهو السلف دون النادر وهو الضياع، إلا من علم منه أنه لا يتسلف فيحمل على عادته إلا أن يعلم أنه نزل به ما يضطره إلى السلف.
وأما العرض فليس العادة تسليفه فيحمل عند عدمه على أنه تلف، إلا أن يعلم من مثل ذلك المودع الاستخفاف وقلة الأمانة فيكون في ذمته، وكذلك المخازن تودع بالحاضرة بالمكيل والموزون، فليس الشأن الافتيات عليها.
وأما أهل القرى فالشأن أن تسرع أيديهم إليه كالعين في الحاضرة، وإذا كان الحكم أن تكون الوديعة في الذمة فإنه يضرب بها مع الغرماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يضرب بها لما كان الضمان مختلفًا فيه وأنه إنما يضمن

الجزء: 12 - الصفحة: 6000

بغلبة الظن من غير قطع، ولابن القاسم في كتاب الشركة نحو هذا، فقال في متفاوضين أودع أحدهما وديعة ثم مات قال: تكون في نصيبه دون شريكه لما كان أمره فيها مشكلًا، هل ضاعت أم لا،؟ 80 ولو حمله على التصرف فيها لكانت في جميع المال؛ لأنه على أحد الأمرين، إما أن يكون تجر فيها فهي في جميع المال أو أنفقها فقد ترك عوضها في المال؛ لأنه لو لم ينفقها لأنفق من المال.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن مات فوجد في تابوته كيس فيه مال مكتوب عليه لفلان ابن فلان، فإن كانت بخط الميت دفعت إلى من ذكر فيه وإلا لم تدفع إليه 81. وقال أصبغ: إن خط صاحب المال على الكيس ووجد في حرز مستودع قضي له به 82. وأرى أن يلزمه بتعريف ما فيه.

الجزء: 12 - الصفحة: 6001

باب في التداعي في الوديعة، وإذا ادعى المودع ردها أو تلفها أو أنكر الإيداع أو أقر وادعى التلف أو الرد و (1) تصادقا على الرد واختلفا هل ذلك عين (2) الوديعة أو غيرها؟

وإذا ادعى المودع تلف الوديعة كان القول قوله، وسواء أخذها ببينة أو بغير بينة.
واختلف في يمينه، فقيل: لا يمين عليه لأنها تهمة وهو أشبه، وقيل: يحلف إلا أن يكون عدلًا.
وقال في المبسوط: يحلف متهمًا كان أو غير متهم 85، ورأى أن الناس قد استحقوا التهم وتغير حالهم فجعل اليمين حماية إلا أن يتبين رجل بالصلاح والخير.
وإذا ادعى الرد وكان قبضه بغير بينة كان القول قوله في الرد ويحلف مأمونًا كان أو غير مأمون 86؛ لأن هذا يدعي عليه التحقيق أنه لم يرد، والأول يتهمه أن تكون ضاعت، إلا أن تطول المدة مما يعلم أن مثل المودع لا يستغني عنها فيه لما يعلم من قلة ذات يده، أو يمر 87 عليه عشر فتضعف اليمين إذا كان8384

الجزء: 12 - الصفحة: 6002

المودع عدلًا، وإن كان القبض ببينة ليكون الرد ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته، أو قال المودع: أخاف أن تقول هي 88 سلف فأشهد لي أنها وديعة أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض فيكون القول قوله في ردها بغير بينة.
وإن أنكر الإيداع، فلما شهدت البينة باعترافه ادعى التلف أو الرد لم يصدق 89. قال أشهب في مدونته: لا يصدق؛ لأنه خرج من حال الأمانة بالجحود 90. واختلف إذا أنكر الإيداع، فلما شهدت عليه البينة أقام البينة بالرد، فقيل: لا تقبل بينته 91؛ لأنه كذبها بقوله: ما أودعتني؛ لأن مضمون قوله لم تودعني أنه لم يكن رد؛ لأن من لم يودع لا يرد.
وكذلك إذا قال: ما اشتريت منك، فلما أقام عليه 92 البينة بالشراء أقام هو عليه بينة بالدفع.
وقد قيل: يقبل قوله في الموضعين جميعًا وهو أحسن؛ لأنه يقول: أردت أن أحلف ولا أتكلف بينة، وقد سقط قولي إني لم أودع ولم أشتر، وثبت أنه قد كان إيداع وبيع، ومن أودع أو اشترى يصح منه الرد والقضاء، وهذه البينة تشهد بذلك.
وإن قال: أودعتني ألف درهم ثم قال: لم أقبضها منك لم يصدق.

الجزء: 12 - الصفحة: 6003

ولو قال: اشتريت منك ثوبًا، ثم قال: لم أقبضه منك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الشراء يقع على العقد.
وقوله أودعتني يتضمن القبض، وإذا لم يقبض فلم يودع، ولو قال: أعرتني ثوبًا ألبسه أو دابة أركبها، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن قوله ذلك محتمل أن يكون قبض أو لم يقبض فلا يرد قوله بالشك، ولو قال: فلبسته أو ركبتها، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله 93. ولو قال: آجرتني 94 ثوبك أو دابتك، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه.
ولو قال: بعثت معي بمائة دينار أو أبضعت ذلك معي، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله، وإن قال: أقرضتني أو قارضتني لم يقبل قوله.
واختلف إذا قال: أقرضتك وقال الآخر: أودعتني وقد ضاعت، وقال ابن القاسم: القول قول الدافع 95، وقال أشهب: القول قول القابض، وهذا هو الأصل؛ لأنه يقول: قبضت المال على أنه باق على ملكك، فكان أولى من قول من ادعى انتقال الملك.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الإنسان لا يودع دنانيره ويخرجها عن بيته إلا لضرورة خوف مكان أو سلطان، فإن كان القابض ممن لا يودع في الغالب ويحتاج مثله إلى السلف كان أبين في قبول قول الدافع، وإن كان مثله يودع ونزل بالدافع بعض الأسباب التي توجب الإيداع كان القول قول القابض.

الجزء: 12 - الصفحة: 6004

فإن قال: غصبتني، وقال الآخر: أودعتني كان القول قول القابض إلا أن يكون مثله لا يودع ويشبهه الغصب أو معروفًا به، فيكون القول قول المدعي للغصب ويغرمه المال، وإن كان مثله لا يودع ولا يغصب كان القول قول المدعى عليه؛ لأنه بريء الذمة فلا يغرم بالشك، وإن قال: أودعتني وقال الآخر: دفعتها إليك من القرض أو القراض الذي لك قبلي - كان القول قول الدافع.
وقال أشهب: إن كان القرض أو القراض بغير بينة كان القول قول الدافع، وإن كان الأصل ببينة كان القول قول القابض إلا أن يكون الرد ببينة.
قال ابن القاسم: فإن كان قبل الدافع ألفان أحدهما قرض والآخر وديعة، فقال القابض: قبضت التي هي وديعة فادفع إليَّ القرض، وقال الآخر: دفعت القرض وقد ضاعت الوديعة - كان القول قول الدافع (1)؛ لأنه مصدق في ذهاب الوديعة وتصير هذه المدفوعة هي الدين.
وقال أشهب: إذا كان الدفع الآن ببينة كان القول قول الدافع، وإن كان بغير بينة كان القول قول القابض، والأول أحسن؛ لأنه يصح أن يتداين ببينة ثم يقضي بغير بينة ليشهد بعد ذلك.

فصل [في تسليم الوديعة بأمارة المودع أو بكتابه وهل تلزم بهما؟]

وليس على المودع أن يسلم الوديعة بأمارة المودع ولا بكتابه، وإن اعترف المودع أنه خطه إلا أن يثبت الرسول عند الحاكم أنه خط المودع، قال في كتاب96

الجزء: 12 - الصفحة: 6005

محمد: لأن صاحب الحق لو كان حاضرًا لم يجز له أخذها حتى يشهد له بما يبرأ به.
يريد: لأن من حقه الإبراء، والإشهاد عند القبض لا يبرئه، إلا أن يعرف المودع أنه رضي لصاحبها تسليمها بذلك أو رضي الآن بتسليمها فيلزم ما رضي به، وإن رضي أن يدفعها إلى الرسول بغير أمارة ولا كتاب والوديعة عين والمودع موسر جاز رضاه وألزم ما ألزم نفسه من ذلك، فإن أنكره المودع أن يكون أرسله قام المودع بالمثل فلم يكن على صاحبها في ذلك ضرر إن قال: لم أبعث، وإن كانت عرضًا أو غير ذلك مما لا يُقضى على متلفه بالمثل أو عينًا والمودع معسرًا لم يجز ورد رضاه؛ لأن في ذلك ضررًا على صاحبها إن قال: لم أبعث، إلا أن يكون الرسول ثقة مأمونًا ممن يغلب على الظن صدقه، فيمكن من قبضها ويلزم الآخر ما رضي به.
وإن وقع الدفع بأمارة أو كتاب من غير ثبت أو بقول الرسول خاصة، ثم قدم المودع فأنكر أن يكون بعثه كان القول قوله مع يمينه أنه لم يبعثه ولا كتب، ثم يكون بالخيار بين أن يغرم الرسول أو المودع، فإن غرم الرسول لم يرجع بها على المودع 97. واختلف إذا أغرمها المودع هل يرجع بها على الرسول، قال ابن القاسم في المدونة: إذا صدق الرسول ودفع إليه ثم قدم الغائب وأنكر وأغرم المودع - كان له أن يرجع بها على الرسول.
وقال أشهب في مدونته: لا يرجع بها، وقال محمد بن المواز: إذا دفع بالكتاب أو بأمارة ثم أنكر المودع وحلف ثم أغرم المودع كان له أن يرجع على القابض وعلى قول أشهب لا يرجع 98.

الجزء: 12 - الصفحة: 6006

وإن قال المودع أمرتني أن أدفعها إلى فلان صدقة عليه وأنكر ذلك صاحبها وأن يكون أذن له في خروجها عن يده كان القول قوله مع يمينه ثم يغرمها أيهما أحب، وإن صدقه أنه أذن له أن يدفعها إليه وقال: لتكون عنده وديعة وقال الرسول: أذنت لي أن أدفعها إليه على وجه الصدقة عليه - كان القول قول ربها إذا كان الرسول غير عدل.
واختلف في جواز شهادته إذا كان عدلًا فأجازها ابن القاسم.
وقال أشهب في مدونته وعبد الملك في المبسوط: لا تجوز شهادته وأرى أن تجوز إذا كانت قائمة أو فائتة وهي عين والمبعوث إليه موسر؛ لأنه قد كان له أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها، ولا تجوز الشهادة 99 إذا كان فقيرًا لو كانت عروضًا؛ لأن المبعوث إليه 100 ضامن لها؛ لأنه أتلفها بقوله ذلك، فإن رجع صاحبها على متلفها لم يرجع بها الغارم على الرسول.
واختلف إذا رجع بها صاحبها على الرسول، هل يرجع الرسول على من قبضها منه، فعلى قول أشهب لايرجع عليه 101، وقال عبد الملك: يرجع 102. وأرى الرجوع في هذه الأسئلة الأربعة مفترقًا:

  • فيسقط رجوعه في كل موضع يعترف المودع أن القابض قبض بوجه

الجزء: 12 - الصفحة: 6007

صحيح، وأن المودع ظالم في إغرامه.

  • ويرجع في كل موضع يكون من القابض على شك هل قبض بوجه صحيح أم لا؟
  • فإذا كان دفعه بخط المودع أو بأمارة أو بقوله: ادفعها صدقة عليه لم يرجع.
  • وإن كان دفعه بقول القابض أرسلني إليك رجع؛ لأنه يقول: حملت قولك على أنه يصدقك ولو علمت أن المودع يخالفك لم أدفع إليك.

فصل [فيمن أُودع أمة فزوجها فحملت وولدت]

ومن أُودع أمة فزوجها فحملت وولدت ثم استبرأها، فإن أجاز النكاح سقط عنه حكم التعدي، وسواء فسخ النكاح لحقِّ الله -عز وجل- أو ثبت على أحد القولين، فإن لم يجزه فسخ قولًا واحدًا، وكان للسيد المطالبة بالعيبين، عيب عادة الزوجية، وعيب الولادة، وإن تعالت من نفاسها سقط عيب الولادة، إلا أن تكون من العلي وينقصها عند المشترين عيب الولادة، وإن تعالت من النفاس فتكون له المطالبة بذلك، وقد سقط عيب عادة الزوج إذا كانت من العلي؛ لأن الشأن أنها تكتسب للوطء وليست كالوخش، ثم ينظر في العيب فإن كان يسيرًا أو في الولد جبر للعيب لم يكن للسيد سوى أمته، وإن كان العيب كثيرًا وفي الولد جبر له كان السيد بالخيار بين أن يأخذ أمته وولدها ولا شيء له من قيمة العيب أو يضمن المودع قيمتها، وليس كذلك إذا اُشتريت فَزَوَّجَها فولدت، وكان في الولد جبر للعيب، فإنه يردها، رضي البائع أو سخط؛ لأنه زوَّج بوجه صحيح، ومن حقه إذا وجد عيبًا أن يرد ويجبر البائع على قبولها وإن حدث بها عيب، ويغرم العيب أو يجبر بالولد إن كان هناك ولد

الجزء: 12 - الصفحة: 6008

على قول مالك، والمودع متعد فلم يكن له أن يردها معيبة إذا كان العيب كثيرًا إلا برضى المودع، وجعل له منها أن يجبر البيع بزيادة الجسم إذا حسن حالها وزادت؛ لأنها زادت بماله، ولا فرق بين زيادة الجسم وزيادة الولد، وإنما يراعى ألا يكون على الأول ضرر، فإذا عاد إلى يده مثل ما خرج منها ارتفع الضرر، وإن أتى المودع وهي حامل وكان عيب الحمل يسيرًا أخذها وقيمة العيب، وإن كان كثيرًا كان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها أو يأخذها وما نقص العيب.
واختلف إذا ماتت من الولادة، فقال مالك: لا ضمان عليه، وقال ابن القاسم: هو ضامن (1) وهو أصوب؛ لأن التسليط على الوطء تسليط على الولادة، ويلزم على قول مالك إذا لم تمت ووجدها حاملًا أن يجبره على قبولها حاملًا ولا شيء له سواها وإن كانت وضعت.
وأمَّا ما قيل فيمن غر من أمة فزوجها وهو عالم فاستحقت بعد ما ولدت أن الزوج يرجع بالصداق ولا يرجع بما غرم في الولد، فإن ذلك حسن؛ لأن الولد بقي للأب ولم يؤخذ منه كما أخذت منه الزوجة.

فصل [فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟]

واختلف فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟ فمنع ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم: ظننته أنه قال ذلك للحديث: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك" 104.103

الجزء: 12 - الصفحة: 6009

وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا علم أن على الجاحد دينا 105 إن قيم عليه لم يكن ذلك له 106 في المحاصة، فلا يأخذه، وإن علم أنه لا دين عليه فلا بأس، ورواه ابن نافع وزاد: إذا أمن أن يحلف كاذبًا فليأخذ قدر حقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يأخذ ذلك وإن كان عليه دين ما لم يفلس، وقال محمد بن المواز في كتاب الإقرار الأول: ومن غصب مني شيئًا ثم خفي لي أخذه بعينه أكنت آخذه؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإن لم أجد الشيء بعينه وظفرت له بغيره من ماله، قال: لو أعلم أنه لا دين عليه يحيط بماله لم أر عليه شيئًا 107. والصواب أن له أن يجحده ما أودعه مكان حقه عليه؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]؛ ولقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة، وقالت: إنه رجل مسيك، فهل عليَّ جناح أن آخذ من ماله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ"، وقد قيل في معنى الحديث: ولا تخن من خانك فتأخذ فوق حقك، وإن كان عليه غرماء جاز أن يحبس 108 جميعها إذا كانوا عالمين بفلسه وتركوه يبيع ويشتري ويقضي، أو شكوا في حاله فتركوه، وإن كان ظاهره عندهم اليسر ولو علموا ضربوا على يده - جاز لهذا أن يحبس ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة.
وإن كانت الوديعة عرضًا جاز له 109 أن يبيعها ويحبس الثمن مما له عليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 6010

واختلف هل يجحدها إذا كان يحلفه وفي صفة اليمين؟ فقال مالك: إنما يجوز له أن يجحده إذا أمن من أن يحلفه كاذبًا.
يريد أن المودع يقول له: احلف أني ما أودعتك، وقيل: يحلف ما أودعتني شيئًا، ينوي: يلزمني رده، وقيل: ينوي: إلا وَلِي مثله، أو يحرك به لسانه، وكلُّ ذلك واسع.

فصل [في الإيداع إلى الصبي والسفيه]

ولا ينبغي أن يودع صبي ولا سفيه؛ لأن ذلك تعريض لإضاعة المال، فإن أودعهما فأتلفاها بإنفاق أو غيره لم يكن عليهما ضمان ولا تباعة، إلا أن يثبت أنهما أنفقا ذلك فيما لا غنى لهما عنه ولهما مال فيكون له أن يتبعهما في ذلك المال؛ لأنهما صونا به مالهما، فإن ذهب ذلك المال ثم أفادا غيره لم يتبعا فيه، وإيداع العبد مذكور في كتاب المأذون له.
تمَّ كتاب الوديعة, والحمد لله وحده, يتلوه إن شاء الله تعالى

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعة
باب في الإيداع وهل يضمن إذا ضاعت الوديعة (2)؟ وما يعد به مفرطًا، ومن أودع فأودع غيرهفصل [في ضمان الوديعة]فصلباب في المودَع يخلط الوديعة بغيرها أو يخلطها غيره وهل يتسلفها أو يخرجها من ذمته بعد أن يتسلفها؟فصل [فيمن استودع قمحًا وشعيرًا فخلطهما]فصل [في تسلف المودع الوديعة فقيرًا كان أو موسرًا]فصل [في المودع يتسلف الوديعة ثم يخرجها من ذمته إلى أمانته]فصل [هل للمودع أن يخرج الوديعة من ذمته إذا تسلفها وكانت عينًا؟]باب فيمن بعث معه بمال فقال: أوصلته ولم أجد المبعوث إليه فرددته، فكذبه المبعوث إليه أو ربهفصل [فيمن أودع مالا وجارية وادعى إنفاق الوديعة عليها]باب فيمن بعث بمالٍ ثم مات المبعوث إليه أو الباعث أو الرسولفصل [فيمن بعث بمالٍ ثم مات الرسول في الطريق أو بعد الوصول وفقدت الوديعة]باب في التداعي في الوديعة، وإذا ادعى المودع ردها أو تلفها أو أنكر الإيداع أو أقر وادعى التلف أو الرد و (1) تصادقا على الرد واختلفا هل ذلك عين (2) الوديعة أو غيرها؟فصل [في تسليم الوديعة بأمارة المودع أو بكتابه وهل تلزم بهما؟]فصل [فيمن أُودع أمة فزوجها فحملت وولدت]فصل [فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟]فصل [في الإيداع إلى الصبي والسفيه]
كتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل