كتاب الهبة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368)
الجزء: 7 - الصفحة: 3403
كتاب الهبة (1)
باب في هبة الثواب والوجه الذي تجوز عليه، وقدر الثواب وجنسه، وهل يمنع الرد ويوجب الثواب
هبة الثواب جائزة، وإن لم يسم العوض؛ لأن القصد من أخذها مكارمة الواهب، فجاز قبولها على ذلك، وقياسًا على نكاح التفويض في قول الله عز وجل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، فأجاز النكاح على ما يفرضه الزوج بعد العقد لما كان القصد فيه المكارمة 2، ولقول عمر - رضي الله عنه -: من وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته ما لم يرض منها 3. وأباح النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع العرية بخرصها تمرًا إلى الجذاذ 4. وهو الطعام بالطعام مستأخرًا والرطب باليابس، فأجاز ذلك لأن القصد المكارمة من1
الجزء: 7 - الصفحة: 3405
المعري، فتجوز الهبة إذا لم يذكر الثواب أو ذكره على وجه البيان فقال: خذ 5 هذه هبة ثواب أو هبتي للثواب لئلا يظن أنها لغير ثواب فينازعه أو يحلفه، واختلف إذا شرط فقال: أهبك هذا العبد على أن تثيبني.
فقال عبد الملك في كتاب محمد: الهبة فاسدة 6، ورأى أن فائدة الشرط رفع خيار الموهوب له، وذلك يخرجه عن حد المكارمة، وقال في ثمانية أبي زيد: يجب الثواب بنفس القبول، ولا خيار للموهوب له في الرد.
والمعروف من المذهب أنه بالخيار بعد القبض بين الإمساك أو الرد ما لم يفت، ويعتبر في ذلك خمسة أوجه:
أحدها: هل للواهب أن يحبس هبته حتى يثاب؟
والثاني: المصنف الذي يثاب.
والثالث: القدر 7 الذي يلزم قبوله.
والرابع: ما يفيتها.
والخامس: الوقت الذي يعتبر قيمتها فيه.
فقال ابن القاسم في كتاب الصدقة من المدونة: إن له أن يمنع هبته حتى يثاب 8. قال محمد: ليس له أن يمنع من قبضها.
وهو أحسن، والشأن أن تسلم 9 ثم
الجزء: 7 - الصفحة: 3406
يطلب الثواب، وإن كان الواهب مريضًا جاز أن يسلمها قبل القبض على القول الآخر، ويجبر على القول الآخر إلا أن يكون الموهوب له فقيرًا، فللورثة منعه منها، فإن قبضها منعوه من بيعها حتى يثيب، فإن كان موسرًا لم يكن لهم منعه من البيع على قول مالك في المدونة، ولهم منعه من البيع حتى يثيب على قوله في كتاب ابن حبيب؛ لأنه قال: لا يجبر الواهب على قبول القيمة (1)، فإذا لم يلزمه قبول القيمة كان له أن يمنعه من البيع أو يحدث ما يفيتها حتى يثيبه رضاه، إلا العلي من الجواري، فإنه بالغيبة يمنع الرد، خوفًا أن يكون أصابها، فإذا منع الرد لم يمنع الوطء قبل أن يثاب.
فصل [في الصنف الذي يلزم قبوله من الثواب]
اختلف في الصنف الذي يلزم قبوله من الثواب على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم: له أن يثيب 11 أي صنف أحب، إلا ما كان مثل الحطب والتبن، فإنه مما لا يتعاطاه الناس بينهم 12، وقال سحنون: يلزمه قبول ما أعطاه إذا كان فيه وفاء بالقيمة 13، وقال أشهب: الثواب من العين الدنانير والدراهم، ولا يجبر على قبول العرض 14. واختلف إذا وجد بالعبد أو العرض عيبًا، فقال ابن القاسم: يلزمه قبوله كان فيه بعد العيب وفاء بالقيمة أو كان أقل فأتم له القيمة ما لم يكن العيب10
الجزء: 7 - الصفحة: 3407
فاحشًا كالجذام والبرص 15، وقال أشهب: له أن يرد بما يرد به في البيع؛ لأنه إنما أخذه عن القيمة 16، وقول ابن القاسم أحسن، وليس القصد من الواهب إلا أن يعوض 17 أكثر مما خرج من يده، إلا أنه ينبغي أن يكون له مقال فيما كثير عليه وإن لم يبلغ الجذام، ولا يجبر على قبول ما يتأخر قبضه كخدمة العبد وسكنى الدار، ومن حق الواهب أن يكون الثواب نقدًا ولا يعوض آبقا ولا جنينًا ولا تمرًا لم يصلح للبيع، ومحمل الهبة في هذا الوجه محمل البيع، ولا يعوض من جنس الهبة وأكثر منها بعد الافتراق، ويمنع من 18 ذلك ما يمنع في البيع، فإن كانت الهبة طعامًا لم يأخذ أكثر، ولا أجود، خيفة أن يكون عَمِلا على ذلك.
واختلف هل يأخذ أدنى صفةً أو كيلًا؟ وأن يجوز أحسنُ، ولا تهمة في الخسارة، ويختلف إذا عوضه دقيقًا من حنطة فمنعه ابن القاسم في المدونة، قال: لأن مالكًا قال: من باع حنطة فلا يعوض من دقيقها 19، وهذا هو أحد قولي مالك فيمن باع زهوًا ثم أقال منه بعد أن صار تمرًا فمنعه مرة، وجعله بمنزلة من باع رطبًا بتمر، وأجازه مرة؛ لأنه طعامه بعينه، فلا يدخله طعام بطعام، وهو أحسن في الرطب والدقيق، فإن رد جملة الدقيق جاز، وكان الموهوب له قد تفضل بالطحن، فإن رد أقل كان الذي أمسك عوضًا عن الطحن، وان عوضه عنه تمرًا أو قطنية قبل أن يفزقا جاز، وأجازه في كتاب
الجزء: 7 - الصفحة: 3408
محمد بعد الافتراق إذا كان الأول قائمًا، ورآه في هذا الوجه أخف من البيع لما كان له أن يرد الأول، فيصير بمنزلة ما لو باعه حينئذٍ.
ويختلف إذا فات الأول فمنعه مالك وهو المعروف من قوله 20، وذكر محمد بن المواز عنه أنه أجاز أن 21 يثاب عن هبة الحلي إن كان ذهبًا فضة، وإن كانت فضة ذهبًا، بخلاف البيع 22؛ لأن هبة الثواب خرجت على وجه المعروف والمكارمة، فضعفت التهمة فيه، وأجراها على القرض، وعلى هذا يجوز أن يأخذ عن الحنطة تمرًا، ومنع ابن القاسم أن يثاب عن الثياب أكثر منها، خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، ويجوز ذلك على أحد قولي مالك في الحلي، وهو في الثياب أخف؛ لأن محمل الهبة محمل بيع النقد، ولا يتهمان في بيع النقد في العرض بأكثر منه، ويتهمان في الصرف وإن كان نقدًا على الربا، وإن عوضه منافع سكنى دار أو خدمة عبد أو ركوب دابة جاز إذا كانت الهبة قائمة.
واختلف إذا فاتت فمنعه ابن القاسم وقال: يدخله فسخ الدين في الدين 23، وأجازه أشهب في كتاب محمد، واختلف فيه عن مالك 24، وقد تقدم ذلك في كتاب الآجال، وإن أثابه دينًا قبل فوت الهبة جاز، وإن كان بعد فوتها جاز إذا كان الدين من جنس القيمة، وهو في القدر مثل القيمة فأقل، ولا يجوز أن يثيبه أكثر، ويدخله في جميع ذلك فسخ الدين في الدين، ويدخله مع ذلك في أكثر سلف بزيادة، وفي خلاف الجنس إذا كانت دنانير أو دراهم الصرف المستأخر.
الجزء: 7 - الصفحة: 3409
فصل [في قدر الثواب الذي يلزم قبوله]
وأما قدر الثواب فلم يختلف المذهب إذا فاتت الهبة أنه يجبر على قبول القيمة وليس له المطالبة بأكثر، واختلف إذا كانت قائمة، فقال مالك وابن القاسم في المدونة: إن أثابه القيمة لزمه قبولها 25، وسوى بين القيام والفوات 26.
وقال مالك ومطرف في كتاب ابن حبيب: للواهب أن يأبى، وإن أثابه أكثر من قيمة الهبة قال: وهو معنى قول عمر - رضي الله عنه - إنه على هبته ما لم يرض منها 27، وليس يلزمه قبول قيمتها 28، ولو أراد ذلك لباعها في السوق، وإنما أهداها رجاء الفضل، فإذا لم يعطه كان أحق بهبته، وإن تغيرت بزيادة أو نقص ما لم تفت بموت أو تكون جارية فيصيبها أو يغيب عليها- فلا ترد؛ لأن ذلك ذريعة لإحلال الفروج.
انتهى قوله، وأرى إن أثابه ما يرى أنه كان يرجوه من مثل هذا الموهوب له في مثل تلك الهبة- أن يلزمه قبوله، وسواء كانت قائمة أو فائتة، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو القياس.
الجزء: 7 - الصفحة: 3410
فصل [فيما يفيت هبة الثواب من حوالة أسواق أو بدن]
وأما ما يفيتها من حوالة أسواق أو بدن فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم في المدونة: لا يفيتها حوالة الأسواق 29، وقال في كتاب محمد: ذلك فوت، وسواء كان ذلك بزيادة أو نقص.
ولم يختلف عنه أنَّ تغير البدن بزيادة أو نقص فوت 30، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: تغير البدن بزيادة أو نقص 31 ليس بفوت 32.
وقال أشهب في كتاب محمد: تغير السوق والبدن سواء، إن كان بنقص كان المقال للواهب، وهو بالخيار بين أن يلزمه القيمة أو يرضى بأخذها ناقصة، فلا يكون للموهوب له، مقال 33. يريد: إلا أن يثيبه برضاه، وإن تغيرت بزيادة كان المقال للموهوب، فإن أحب أن يثيبه وإلا ردها، وإن كره الواهب، وسواء كانت الزيادة من فعله أو غيره، وإن اجتمعت زيادة ونقص لم ترد الهبة إلا باجتماع منهما، فإن أراد الموهوب له أن يردها بالزيادة 34 - كان للواهب أن يمتنع لأجل النقص 35، وإن أراد الواهب ألا يقبل الثواب ويأخذها لمكان
الجزء: 7 - الصفحة: 3411
النقص- كان للآخر المنع لأجل الزيادة، وقولهم في حوالة الأسواق حسن، فإن زاد جُبِرَ الواهب على قبولها إن أراد الموهوب له، وإن نقص لم يجبر؛ لأن عليه في ذلك ضررًا، وأما تغير الجسم فاستحسن إن زاد من غير فعله أن له أن يرد؛ لأنه لا ضرر على الواهب، وإن كان من فعله مثل أن يقصر الثوب أو يبني الأرض أو يغرسها- أن يكون فوتًا؛ لأن إحداثه رضًى بالتزام الثواب، وأما الدور والأرضون فقال ابن القاسم في كتاب محمد: الفوت في الهبة كالفوت في البيع الفاسد لا يفيتها إلا الهدم والبناء وخروجها من اليد 36، وعلى قول أشهب يفيتها ما يفيت العبد، والثوب 37، وقال في كتاب محمد في الطعام: يرد مثل كيله أو وزنه 38، وهذا يحسن إذا كان فوته بغير سببه، فأما إن أكله أو باعه فذلك رضًى بالتزام الثواب، فيلزم به، ويمنع رد المثل، وصبغ الثوب عند ابن القاسم فوت، وقال أشهب: ليس بفوت 39.
فإن كان الصبغ يزيد 40 - كان المقال للموهوب له أن يرد إن شاء، وإن كان ينقص 41 كان المقال للواهب له أن يأخذه بنقصه إلا أن يثيبه برضاه، وأما قول أشهب في هذا فيما يغرم فمثل قول مالك في كتاب ابن حبيب- إنه لا يجبر مع القيام على قبول الهبة، وإن أرضاه، وأن له رضاه أو يرده.
وإن كانت أمة فولدت من غير الموهوب له- امتنع الرد على القولين
الجزء: 7 - الصفحة: 3412
جميعًا، وإن أحب الموهوب له الرد مع الولد كان للواهب الامتناع لنقص الولادة، وإن أحب الواهب الأخذ لأن الولادة نقص كان 42 للموهوب له الامتناع لمكان زيادة الولد، وإلى هذا ذهب محمد، والقياس إذا كان في الولد ما يجبر النقص أن يكون له الرد وإن كره الواهب؛ لأنه لا ضرر عليه، وقياسًا على البيع يظهر فيه على عيب بعد الولادة.
وإن وهب شاة فاحتلبها لم يكن رضًى؛ لأنه غلة، وله الخراج بالضمان حتى يرد.
وقال سحنون: إن كان عليها صوف فجزه لزمته ولم يردها؛ لأنه نقص.
وأصل ابن القاسم أن له أن يردها، وهبته الصوف بمنزلة سلعتين فاتت الأدنى، فإن زوال الصوف عن الشاة ليس بعيب فيها، والغراس والبناء عند ابن القاسم فوت 43، وقال أشهب في كتاب محمد: ليس بفوت 44. والأول أحسن؛ لأن إحداثه ذلك رضًى بالتزام الثواب، وقال مالك: الحرث فوت 45. يريد: كان فيها زرع أم لا، وعلى قول أشهب ليس بفوت إن أسلمها بزرعها، وإن أقام عليه بعد حصاده أسلمها وحدها؛ لأن ذلك غلة، وكذلك النخل يردها بثمرها إن لم تطب، وإن طابت الثمار وجذها- رد الأصول دون الثمر.
ويختلف إذا لم تجذ وقد طابت أو يبست هل يردها أو تبقى له؟ والعتق والتدبير وتقليد الهدي وإشعاره فوت يوجب القيمة إن كان الموهوب له
الجزء: 7 - الصفحة: 3413
موسرًا، وإن كان معسرًا كان الواهب بالخيار بين أن يمضي ذلك ويتبعه بالقيمة 46، أو يرد فعله ويأخذ هبته، وقد عورض هذا بأن قيل: يجب أن يكون للواهب أن يبيعها في القيمة؛ لأن التقليد رضًى بالتزام الثواب، وقول ابن القاسم أصح؛ لأن الموهوب له يقول: إنما التزمت الثواب لفعل فعلته وهو التقليد والإشعار، فردك ذلك ردٌّ لرضاي، وإذا رددت الوجه الذي به التزمت الثواب- لم يلزمني ثواب، وإن كاتب العبد وهو معسر وكانت قيمته مكاتبًا وقبل الكتابة سواء مضت الكتابة، وبيع في الثواب على أنه مكاتب، وإن كانت كتابته أقل ردت الكتابة على القول إن الكتابة من ناحية العتق، ولم ترد على القول الآخر إنها من ناحية البيع إذا لم يحابه في الكتابة.
وقال محمد في الأمة تكاتب وإن كانت على غير وجه التجارة، واستدل أنه أراد العتق بالتخفيف 47 من الكتابة بما لا يكاتب به مثله - رد الكتابة، وإن علم أنه أراد وجه التجارة وطلب الفضل- كان الواهب أحق به من الغرماء إن فلس، وهي على كتابتها، فإن ماتت ورثها، وإن عجزت كانت أمة، وإن أدت كانت حرة، وولاؤها لمن عقد كتابتها 48.
وهذا يصح على القول إن الفلس نقض بيع، فلم يجعل له منها سوى ما بقي من الكتابة، والماضي للموهوب له كالغلة، وهذا كما قال: إن اشترى ثوبًا فلبسه ثم فلس إن البائع يأخذ الباقي بجميع الثمن، وإن كان قد أبلاه.
وعلى القول إن الأخذ من المفلس كابتداء بيع، وإن جنى جناية عمدًا كان فوتًا- أسلمه
الجزء: 7 - الصفحة: 3414
أو افتداه، وإن كان خطأ فأسلمه- غرم الثمن، وإن افتداه كان له رده.
فصل [فيمن أراد ردَّ بعض الهبة والتصرف في بعضها الآخر ببيع ونحوه]
وإن 49 باع بعض الهبة وكانت دارًا فباع نصفها، وأراد رد الباقي 50 - كان الواهب بالخيار بين أن يقبله ويأخذ الثواب عن المبيع 51، أو يلزم الثواب عن جميعها 52، وقال محمد: إن كانت عرصة لا يضيق ما بقي عما كان يريدها- رد الباقي، وأثاب عن المبيع 53، وهذا يصح على قول ابن القاسم، وقد اختلف في من وهب ثوبين فأراد أن يثيب عن أحدهما ويرد الآخر، فقيل: ليس ذلك له.
وقال أصبغ في المستخرجة: له ذلك 54.
والأول أشبه، وهو بمنزلة من اشترى ثوبين بالخيار صفقة واحدة فليس له أن يمسك أحدهما ويرد الآخر، وهذا مع قيامهما.
واختلف بعد القول أن ليس ذلك له مع القيام... 55 إن باع أحدهما وأراد رد الآخر 56 فقال ابن القاسم: إذا كان الوجه المبيع لزماه، وإن كان
الجزء: 7 - الصفحة: 3415
الأدنى رد الأجود، وقيمة الأدنى يوم قبضه، وقال محمد: له أن يرد الباقي، وإن كان الأدنى لأنه قد كان له أن يردهما جميعا، فإن فات أحدهما ببيع أو عتق أو زيادة أو نقص صار غير قادر على رد الفائت (1)، وقال يحيى: إن باع أحدهما لزماه، وإن كان المبيع الأدنى بمنزلة لو اشتراهما بالخيار فباع أحدهما، قال: ولقد بلغني ذلك عن سحنون، وأرى إن فات أحدهما بأمر أحدثه من بيع أو عتق أن يلزماه كما ذكر عن سحنون؛ لأنه لم يكن له أن يبعض الصفقة، وإن كان من غير سببه أو تغير في نفسه رد الباقي إن كانا متكافئين، وإن فات الأدنى، وكذلك إذا كان الفوت بسببه باع أو أعتق وكان ممن يجهل ويظن أن له أن يأخذ أحدهما وادعى ذلك فإنه يحلف ويرد الباقي بمنزلته إذا كان من غير سببه.
فصل [فيمن باع الهبة ثم اشتراها وأرأد ردها من غير ثواب]
وإن باع الموهوب له الهبة ثم اشتراها وأراد ردها ولا يثيب لم يكن ذلك له؛ لأن البيع رضى منه بالتزام الثواب، ولو حال سوقها أو حالت في نفسها ثم عاد أو عادت لحالها كان له أن يرد؛ لأن ذلك لم يكن بفعله فيعد راضيا، وإنما يمنع الرد لمكان الضرر بالواهب في نقصها أو نقص سوقها، فإذا لم ينظر في ذلك حتى ذهب الضرر سقط مقاله 58. والجواب في البيع الفاسد بعكس هذا، فإن باع ثم عادت إلى يده ردت، وإن حال السوق ثم عاد لم يرد، والفرق بينهما أنه في الهبة حق لآدمي فينظر هل57
الجزء: 7 - الصفحة: 3416
فعل ما يفهم منه الرضا، وفي البيع الفاسد حق لله -عز وجل-، فلم يعتبر الرضا بالتزام القيمة بالبيع الثاني؛ لأن المشتري مع البائع الأول رضيها لنفسه، وهي بعد ذلك تنقض، وإنما يعتبر هل في الرد ضرر على أحدهما، فإن عادت إلى يد بائعها لم يكن في الرد ضرر على أحدهما، وإن حال السوق سقط ملك البائع عنها، وإذا سقط ملكه لم يكن له سوى القيمة، ولا يراعى أن يعود إلى مثل السوق الأول، ولو قيل مثل ذلك إذا خرجت من يده ثم عادت إليه لم يبعد كما قال أشهب.
فصل [في الوقت الذي تضمن فيه قيمة الهبة]
اختلف في الوقت الذي تضمن فيه القيمة، فقال مالك في كتاب محمد: يوم وهبت.
وقال: يوم قبضت.
قال محمد: لأنه كان في قبضها بالخيار 59، وهذا الاختلاف على القول أن للواهب حبس الهبة حتى يثاب؛ لأنها محبوسة بالثمن، فإن دخل هذا على حبسها كانت المصيبة على القولين في المحبوسة بالثمن، وإن دخلا على التسليم كانت القيمة يوم الهبة؛ لأنها صارت ملكًا للموهوب له بنفس الهبة، وبقيت على الإيداع، وقول محمد: لأنه كان في قبضها بالخيار- ليس بحسن، وليست كبيع الخيار؛ لأن بيع الخيار على الرد حتى يقبله المشتري، ولهذا كانت المصيبة بعد القبض من البائع، وهبة الثواب على القبول حتى يرد، ولهذا كانت المصيبة قبل القبض وبعده من الموهوب له حتى يرد وكذلك نكاح التفويض على القبول حتى يرد ولهذا كانت فيه 60 قيمة المواريث ووقع فيه
الجزء: 7 - الصفحة: 3417
الطلب، فإن مات الواهب أو الموهوب له قبل قبض الهبة أو بعد قبضها وقبل الثواب- لم تسقط الهبة، فإن مات الواهب فورثته مكانه، فإن لم تكن قبضت- كان له أن يقبض الثواب ويسلمها، وعلى القول الآخر يسلمونها ويقومون بالثواب، وإن مات بعد أن قبضت كان لهم أن يقوموا بالثواب، أو ترد إليهم إن كانت قائمة، وإن مات الموهوب له وهي قائمة 61 كان ورثته بالخيار بين أن يثيبوا 62 أو يردوها، فإن فاتت أخذ من تركته الثواب، وإن فلس -وهي قائمة- كان للغرماء أن يسلموها أو يمكنوا الموهوب له من الثواب عنها، وإن فاتته كان بالخيار بين أخذها أو يسلمها ويضرب مع الغرماء بالقيمة، وإن مات وهي قائمة كان للغرماء أن يسلموها أو يثيبوه، وتباع لهم، وإن فاتت ضرب مع الغرماء بقيمتها ولم يكن له أن يأخذها.
الجزء: 7 - الصفحة: 3418
باب فيما فيه الثواب من الهبات وما لا ثواب فيه والثواب بين الأغنياء والفقراء والسلطان والزوجين والآباء والأبناء
ومن وهب هبة ثم قال: أردت بها الثواب، فإن كانت دنانير أو دراهم- لم يقبل قوله؛ لأن الشأن أنها لا توهب للثواب، قال ابن القاسم: ولو كان يرى أنه وهبها للثواب فلا شيء له 63. يريد: أن الواهب رأى ذلك ولم يره الناس.
قال مالك في المختصر: إلا أن يكون لذلك وجه 64، يريد: دليلًا على ما ادعاه، وإن كانت الهبة دارًا أو عبدًا أو عروضًا 65 أو شيئًا مما يكال أو يوزن لها قدر- قُبِلَ قوله، وإن كانت يسيرة لا يراد بمثلها الثواب- لم يصدق.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في صفائح الذهب ونقار 66 الفضة والسبائك والحلي المكسور: لا ثواب فيها، وهي كالدنانير 67.
واختلف في الحلي الصحيح، فقال ابن القاسم: فيه الثواب.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا ثواب فيه 68. واختلف في هبة الدنانير والدراهم وغيرها مما لا ثواب فيه إذا اشترط الواهب الثواب، فقال ابن القاسم: الهبة جائزة، وله الثواب
الجزء: 7 - الصفحة: 3419
من العروض والطعام 69. وقال أشهب في كتاب محمد: الهبة فاسدة؛ لأن ثواب الهبات من الدنانير والدراهم إلا أن يتراضيا بعد ذلك 70، وقول ابن القاسم أبين، فيقضى بالثواب على الحلي عند عدم الشرط؛ لأن العادة فيما يصنع ويستطرف أن هبته للثواب، ولمجوز هبة الدنانير والدراهم إذا اشترط أنها للثواب، ولا تفسد قياسًا على غيرها من الهبات، ويكون الثواب من غير العين، ومن وهب عبدًا أو عرضًا فغاب فعوض عن الموهوب له رجل آخر عرضًا أو عبدًا، وقال: أردت به الثواب- كان الموهوب له بالخيار بين أربع: بين أن يثيب عن الأولى أو الثانية أو يعطي قيمة الأولى أو قيمة الثانية، فإن كانت قيمة الأولى أو الثواب عنها أقل من الثانية- لم يكن له غيره، ولم يرجع الآخر على الواهب بشيء، وإن كانت قيمة الثانية أو الثواب عنها أقل- لم يكن له غير ذلك، إلا أن يتطوع بأكثر، فإن أثاب الثاني عينًا وقال: أردت به الثواب من الأولى- لم يقبل قوله، وإن قال: أردت السلف صدق، وكان له الأقل من قيمة الأولى أو السلف.
قال محمد: وإن أثاب الثاني قبل فوت الأولى فذلك فاسد، والموهوب له بالخيار، إن شاء رد القيمة على الذي وهب له، ويرجع المثيب الأول من قيمتها أو ما أثاب.
الجزء: 7 - الصفحة: 3420
فصل [في هبة القادم من السفر وفيمن أثاب من صدقة أو أثاب جهلا فيما لا ثواب فيه]
اختلف في الهبة للقادم من السفر كالطعام والفاكهة وما أشبهه، فقال مالك: لا ثواب فيه 71. وقال محمد بن عبد الحكم في مختصر حمديس: له الثواب.
وهو أبين، والشأن رجاء الثواب مما يقدم به المسافر إلا أن الناس على ضربين، فمنهم من لا يرضى الكلام على ذلك إن لم يكافأ، فهذا إن وقع بينهما بعد ذلك مقابحة أو مفاسدة فتكلم على هبته- لم يكن له شيء، ومنهم من يتكلم على الثواب، فذلك يقضى له به، فأما ما وهبه القادم لجيرانه أو الصديق عند قدومه فليس الشأن الثواب فيه، والشأن أيضًا فيما يهديه الصديق أو الجار في الجرس أو غيره من الولائم الثواب، إلا أنهم مختلفون أيضًا في القيام إن لم يثب فمن علم من مثله ألا يطلب- لم يكن له قيام ولا لورثته إن مات قبل أن يثاب، ومن كان 72 مثله يطلب الثواب- كان ذلك له ولورثته، وهي في الصحة والفساد على وجهين: إن كانت العادة أن يثيب من الأول بأقل- كانت جائزة؛ لأن الأولى مكارمة لما كان لا يعود إليه أكثر، فأشبهت القرض، وإن كان قصده أن يثاب أكثر، ولولا ذلك لم يهبه- كانت فاسدة وترد.
واختلف إذا كان الحكم في الهبة ألا ثواب فأثاب جهلًا منه أو أثاب من صدقة، فقال مالك: يرجع في ثوابه إن كان قائمًا ولا شيء له إذا فات.
وقال ابن القاسم: إن أثابه دنانير، فقال: أنفقتها أو هلكت- حلف وبرئ، وإن أثابه
الجزء: 7 - الصفحة: 3421
سلعة فهي له، وإن نقصت، وكذلك إن زادت إلا أن يعطيه قيمتها (1)، وأرى أن يرجع في عوض ثواب بعد الفوت إذا صون به ماله، ولا يصدق في الدنانير ولا غيرها مما يغاب عليه، كما لم يصدق في ذلك إذا استحق من يديه، فادعى التلف؛ لأنه يتهم أن يغيب ذلك، والتلف نادر، ويصدق وإن كان حيوانًا.
فصل [فيمن وهب هبة مطلقة ثم ادعى الثواب]
وإن كانت الهبة مطلقة لم يذكر فيها ثوابًا ثم قال: أردت الثواب، فإن كان له دليل على ذلك صدق، وإن كان هناك دليل أنه لا يراد بها الثواب -لم يصدق، وإن أشكل الأمر- لم يكن له شيء؛ لقول عمر - رضي الله عنه -: "من وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته" 74. فلم يجعل له فيها مقالًا إلا مع قيام الدليل؛ ولأن موضع الهبات والصدقات عدم الإعواض، والإعواض يخرجها عن الهبات إلى البياعات، فكانت على ما وضعت له إلا أن يعلم أنه أراد المبايعة، وإن كانت الهبة من فقير لغني- كان له الثواب، وإن كان من غني لفقير لم يكن له ثواب.
وقيل: إنه نادم؛ لأن المراد بالعطية للفقراء الصدقة، وإن كانت بين غنيين كان له الثواب عند مالك؛ لأن شأن الأغنياء المكافأة.
واختلف إذا كانت بين فقيرين، فقال مرة: لا ثواب له.
وذكر أبو الفرج عنه أن له الثواب؛ لأن رجاء الفقير من مثله مثل رجاء الغنيين، وقد يسقط الثواب بين الغنيين، وإن كانت من فقير لغني إذا كانت العادة ألا يراد بها73
الجزء: 7 - الصفحة: 3422
الثواب 75، وقال أشهب في كتاب محمد في هبة الغني أو الفقير للغني: له الثواب ما لم يرد بها عونًا في حاجة أو ذبًا 76، يريد: أن الشأن فيمن أهدى لمن يسعى له في حاجة أو صرف مظلمة، لا يريد: ثوابًا، وسواء كان الواهب غنيًا أو فقيرًا، وثوابه ما يتكلف من تلك الحاجة، ولا ثواب للسلطان إن وهب لغني، وهو قول محمد 77.
واختلف في الهبة له، فقال ابن شعبان لا ثواب عليه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن كان الواهب فقيرًا فله الثواب، وإن كان غنيًا فلا ثواب له 78. وقوله في الفقير حسن؛ لأني 79 لا أجده يقصد بذلك ذبًا عن مال ولا اكتساب جاه.
وأما الغني فلا ثواب له؛ لأن القصد اكتساب جاهه أو ذب عن مال إلا أن يكون ذلك عند ما لزمه من مطالبات فيفعل ذلك رجاء الترك فلا يفعل، أو طارئًا قدم بتجارته كالأعلاق النفسية يهديها إليه؛ فالشأن في مثل هذا الثواب، إلا أن يعلم أنه اراد اكتساب جاه؛ فيهدي بعض ما يقدم به، أو يريد المقام والسكنى أو تلزمه مغارم فلا ثواب له إن ترك له ما يرى أنه رجه، وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا ثواب فيما يوهب لفقيه أو لرجل صالح 80. قال ابن شعبان: وهي تجب على من وهبها له.
يريد: إلا أن تكون الهبة بين فقيهين أو ما أشبه ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3423
فصل [في الهبة بين الزوجين وبين الوالدين والولد وبين ذوي الأرحام]
واختلف في الزوجين، فقال مالك: لا ثواب بينهما إلا أن يقوم لمن قام به دليل مثل الرجل الموسر تهبه زوجته الجارية الفارهة، يطلبها فتعطيه إياها استقرارًا لصلته، وفي الرجل يهب مثل ذلك لامرأته 81، وذكر أبو محمد عبد الوهاب في الزوجين قولين: الثواب، وسقوطه 82، والأول أحسن؛ لأن قصد كل واحد منهما بهبته التواصل والتعاطف، وهي من الرجل لامرأته أبين إلا أن يكون لقوم عادة فيحملون على عاداتهم، وقال ربيعة: هي من الرجل حسن صحبة، ومن المرأة مواساة ومعونة 83.
ويختلف في الثواب بين الوالدين والولد على ما تقدم في الزوجين، فلم يجعل بينهم في المدونة ثوابًا، إلا أن يكون هناك دليل، فقد يهب الرجل لابنه استقرارًا لما عنده، وما يرى الناس أنه وجه ما طلب بهبته، وعلى القول في الثواب بين الزوجين يكون القول قول من ادعى الثواب من هذين، ودعوى الابن الثواب من الأب أبين من دعوى الأب الثواب من الابن إلا أن يكون قليل ذات اليد والابن موسرًا.
واختلف في ذوي الأرحام فقال ابن القاسم في المدونة في عطية ذي رحم لرحمه في الجد والجدة، والأخ والعمة وابن العم: إن علم أنه أراد الثواب، فإن
الجزء: 7 - الصفحة: 3424
أثابوه وإلا رجع في هبته وما علم أنه لم يرد ثوابًا مثل الغني يصل قرابته الفقراء فلم يصدق.
ولم يذكر الحكم إذا عدم هذان الدليلان للواهب، والموهوب له؛ لأن هبة الغني للفقير لا ثواب فيها، وإن كانا أجنبيين والأقارب مختلفون وأقواهم في سقوط الثواب الجد والجدة يهبان لولد الولد، وليس كذلك هبته لهما 84.
الجزء: 7 - الصفحة: 3425
باب في الهبة أو الثواب يستحقان أو يوجد بهما عيب
وإذا وجد بالهبة عيبًا أو استحقت- كان الحكم في رجوع الموهوب له على الواهب على حكم البياعات فيرد من العيب ما يرد به في البيع، فإذا رد أو استحقت- رجع في الثواب إن كان قائمًا، وفي قيمته يوم قبضه إن كان فائتًا، وإن كان الثواب عينًا أو ما يكال أو يوزن- رجع بمثله، وهذا أصل قول مالك وابن القاسم 85 وأشهب، إلا في وجه، وهو أن يثيب عرضًا بعد فوات الهبة، فإنَّ مذهب أشهب ألا يرجع في الثواب وإن كان قائمًا؛ لأنه قال: إنما يجب الثواب بالعين 86، وإنما أخذ العَرْض 87 عن القيمة ولم يأخذه عن الهبة، فإذا رد الهبة رجع بقيمة الهبة؛ لأن القيمة ثمن العَرْض 88.
الجزء: 7 - الصفحة: 3426