النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
كتاب المساقاة
باب القول (1) في جواز المساقاة
الأصل في ذلك حديث ابن عمر قال: "عَامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خلافَةِ عُمَرَ، ثم أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء" 2، وقال أيضًا: لما ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خيبر كانت الأرض لله ولرسوله، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم بها على أن يكفوا نخلها ولهم 3 نصف الثمرة، فقال لهم: "نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" 4.1
وحديث أبي هريرة قال: "قالت الأنصار (1) للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبيْنَ إِخْوَانِنَا مِنَ (2) المُهَاجِرِينَ النَّخِيلَ، فَقَالَ: "لاَ، تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ".
فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
فَكَانَتْ فِي أَيدِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ" أخرجه البخاري في كتاب الشروط وغيره (3).
فصل [في ما تجوز فيه المساقاة]
والمساقاة تجوز على النصف حسبما ورد في الحديث 4، وعلى الثلث والربع، وأكثر من ذلك وأقل؛ لأنها مبايعة، فجاز أن تكون من الرخص والغلاء على ما يتراضيان عليه؛ ولأن الحوائط تختلف في الأعمال، فمنها ما يقل تكلفه فيه فيقل جزؤه، ومنها ما يكثر تعبه فيه فيكثر جزؤه.
وقال مالك: لا بأس أن تكون المساقاة على أن جميع الثمرة للعامل 5.
قال ابن القاسم: لأنه إذا جاز أن يترك بعض الثمرة بالعمل جاز أن يتركها كلها 6.
قال مالك في كتاب ابن حبيب: وذلك أن من الحوائط ما لو اشترط123
صاحبه من ثمرته شيئًا لم يجد من يساقيه عليه 1، ولا يقوى هو على عمله، وإن تركه هلك ومساقاته كله أنفع له بعد 2 اليوم.
انتهى قوله.
فعلى تعليله تكون مساقاة حقيقة، ويجبر العامل على العمل أو 3 يستأجر من يعمل إلا أن يقوم دليل على أنه أراد الهبة لقلة المؤنة وكثرة الخراج، فلا يجبر على العمل، ويجري على أحكام الهبة، ومتى أشكل الأمر حملا على المعاوضة، لقوله: أساقيك ورب الحائط أعلم بمنافعه وبمصلحة ماله، والله أعلم.
باب في مساقاة الحائط الغائب
وقال ابن القاسم في من ساقى حائطًا بالمدينة وهو بالفسطاط: إن وصف الحائط فلا بأس 1.
قال الشيخ 2: تصح المساقاة بشرطين: بمعرفة ما يتكلف من العمل، وبمعرفة ما يأخذه عن عمله من العوض.
فأمَّا ما يتكلف من العمل فيذكر ما فيه من الرقيق والدواب أو لا شيء فيه، والماء هل هو بالعيون أو بالغَرْب أو بعل 3، والأرض وما هي عليه من الصلابة وغيرها إذا كان يتكلف أن يقلّبها ويعمر 4 ما بين الشجر.
وأما العوض فيعرف أجناس الثمار، وعدد الشجر، وكم القدر المعتاد فيما يوجد فيها، وإن كان الحائط حاضرًا مشى فيه ونظر 5، ورآه وسأل صاحبه 6 عما يمكن أن 7 يخفى عليه من حمل النخل أو غير ذلك.
ويختلف إذا كان صاحب الحائط عالمًا بما يخرج، هل يجوز 8 إذا لم يعلمه 9
قياسًا على البائع يعلم كيل صبرته ولا يبين ذلك للمشتري؟ وإذا كان هذا الحائط أول عام 1 يطعم فيه يسأل أهل المعرفة عن المعتاد في إطعام مثل هذا النخل أول عام، ثم يساقيه بعد المعرفة.
وإن كانت المساقاة عامين أو أعوامًا سئل: كم العادة فيما يتتقل إليه حاله ويزيد في كل عام في الغالب؟ فإذا عرف ذلك عقد السقاء، وإذا صحت المساقاة كان على العامل أن يسقي، إن كان بالعيون إذا جاءت تلك النَّوبة، وإن كانت له عيون 2 تخصه سقى على العادة، وكذلك إن كان بالغرب فإنه يسقي في الأوقات المعتادة، فإن كانت العادة 3 أربع سقيات في الشهر، فسقى ثلاثًا وعطل سقيةً من كل شهر لم يستحق الجزء المسمى كله، وإن 4 كان صاحب الحائط بالخيار بين أن يحط من الجزء المسمى ربعه، أو يُغرمَهُ قيمة تلك المنافع التي عطل، وهو بمنزلة رجل باع منافعه بعرض، ثم حبسها تعديًا حتى فات ما اشتريت به، فإن مشتريها بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه البيع فيها ويسقط عنه الثمن، أو يغرمه قيمتها ويدفع ثمنها.
وقد قال ابن نافع: يحط من الجزء بقدر ما عطل.
وقال سحنون مثل ذلك في من ساقى زيتونًا على أن يحرثه سككًا فعطل بعضها، يحط من المسمى بقدر ما عطل.
ولم يتكلم إذا أحب 5 أن يدفع المسمى ويغرمه قيمة المنافع 6. وأصل قولهم 7 أن ذلك له.
ولو ساقاه حائطًا غائبًا على أن يخرج ما فيه من العبيد والدواب ويأتي بذلك من عنده، على القول بإجازة ذلك، فلم يخرجهم وعمل ما بعدهم- كان صاحب الحائط بالخيار بين أن يحط عنه من المسمى بقدر ذلك؛ لأنه عطل ذلك، أو يُغَرِّمهُ قيمة عمل ذلك الرقيق والدواب ويوفيه المسمى 1.
وإن كانت المساقاة على أن يُبقي فيه رقيقه ودوابه، ثم تعدَّى صاحب المال فأخرجهم، وأتم العامل العمل من عنده- كان له أجر ما عمل، ولا يزاد في المساقاة على الجزء الأول؛ لأن ذلك الزائد لم يتعد 2 صاحب الحائط، بخلاف تعدي العامل إذا عطل.
ومن "العتبية" و"كتاب محمد" قيل لمالك: أرأيت إذا أتى الله عزَّ وجلَّ المساقاة بالسيل فدخل الحائط وأقام فيه أيامًا، أترى لصاحب الحائط أن يحاسبه بشيء من ذلك؟ قال: لا يحاسبه بشيءٍ من ذلك 3.
وأرى أن للعامل أن يأخذ جزأه كاملًا وإن لم يتكلف السقي بغرب ولا غيره.
والقياس أن يحاسبه بذلك إلا أن يكون العامل هو الذي رد الماء إلى الحائط، أويكون سقى الحائط بالعيون فلا يُحط عنه لمكان السيل شيءٌ.
باب في رقيق (1) الحائط ودوابه وأجزائه، والحكم في خلف ما هلك من ذلك، وما يجب على العامل أن يعمله، واشتراط معونة صاحب المال
لا يخلو الحائط في حين 2 المساقاة من أربعة أوجه: إما أن تكون فيه كفاية من الرقيق والدواب، أو لا شيء فيه، أو فيه كفاية بعضه، أو فيه أُجرَاء يعملون 3 بأجر، فإن كان فيه كفاية 4 أو لا شيء فيه- جازت المساقاة على ما هو عليه، ولا يجوز أن يخرج من هذا ما فيه، ولا يعمد الآخر بما ليس فيه 5. وهذا قول مالك وابن القاسم.
وقد اختلف في هذين الموضعين، فقال ابن نافع ويحيى بن عمر في كتاب ابن مزين: إذا كان في الحائط رقيق لا يدخلون إلا بشرط، ولو اختلفا فقال رب الحائط: إنما ساقيتك على ألا يعمل رقيقي 6. وقال الآخر: على أن أعمل بهم، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقال ابن نافع: ولا بأس أن يشترط من الرقيق ما ليس فيه، فرأى مالك1
أن ذلك سُنة تتبع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساقى خيبر وفيها 1 حوائط كثيرة، فلم ينزع لأحد ولا زاد لأحد، ومعلوم أنها لا تكون على صفة واحدة من العمارة، والقول الآخر أقيس.
وإذا جاز أن يساقي ما فيه كفاية على أن يكون على العامل ما سوى ذلك - جاز أن يعمر الخالي، ويجوز أن يخلي العامر قياسًا على ما هو على 2 الأول غير عامر، ولأنها إجارة يتعين العوض عنها بقدر ما يتكلف فيه فيرخص لما فيه 3 من الكفاية، ويزاد لعدمه.
وقد ذهب مالك مرة إلى القياس ولم يمر على ما وردت به السنة، فقال: إذا كان في الحائط رقيق، كان خلف ما هلك من ذلك على رب الحائط 4. وهذا هو القياس؛ لأنهما إن دخلا على أن يخلفا 5 -كان غررًا، فإن سلموا لآخر مدة 6 السقاء- لم يكن على العامل إلا ما يستوى 7 عملهم.
وإن هلكوا أو أبق العبد أو تلفت الدابة في أول العمل كان عليه أن يأتي بمثل ذلك 8 إلا أنه لم يرو عن النبي -عليه السلام- أنه أخلف لأحد من أهل خيبر شيئًا، وإن كان في الحائط بعض كفايته، كان مطلق المساقاة على قول مالك أن يغرما فيه والتمام على العامل، وعلى قول ابن نافع يكون ما فيه لرب الحائط،
ويجوز أن يشترط تمام ما يحتاج إليه من ذلك 1 وإن كان في الحائط أُجَراء، والكراء غير وجيبة كان حكمه حكم ما لا رقيق فيه وإن كان وجيبة أو 2 إلى مدة تنقضي فيها المساقاة، كانوا كرقيق الحائط لا يصح إخراجهم على قول مالك 3، ويجوز على قول ابن نافع أن يخرجهم ويجعلهم يعملون له في غيره 4.
وإن انقضي أمد 5 الإجارة في نصف مدة السقاء كان ما بعد أمد الإجارة على الساقي قال 6: فإن مات أحد منهم 7 كان الخلف على رب الحائط إلى انقضاء أمد الإجارة.
واستحب 8 مالك إذا كان الحائط كثيرًا ولا رقيق فيه ولا دواب، أن يشترط العبد الواحد والدابة الواحدة 9. فإن اشترط من ذلك غير معين فأتى به، ثم هلك أو تلف- كان خلفه على رب الحائط، وإن كان معينًا فقال: هذا العبد أو هذه الدابة- لم يجز إلا أن يشترط على رب الحائط خلفه؛ لأن إطلاق 10 العقد يقتضي إذا كان معينًا أن عليه من العمل ما 11 بعده؛ فإن تلف
في أول كل عام 1 كان عليه جميع العمل، وإن سلم إلى انقضاء السقاء، لم يعمل إلا ما بعده، وهذا غير، وليس الخلف في هذا بمنزلة من استأجر شيئًا بعينه؛ لأن العامل لم يشتر منافع شيء مما في الحائط، وإنما يعملون لربِّ الحائط في ماله، وإنما يدخل العامل على أن عليه من العمل ما بعد ذلك.
ولو أراد صاحب الحائط أن يخرجهم ويأتي بمن يعمل عملهم، لم يكن للعامل في ذلك مقال.
واختلف إذا اشترط العامل معونة 2 رب المال؛ فمنع ذلك ابن القاسم وقال: يرد العامل إلى مساقاة مثله 3.
وقال سحنون: يجوز إذا كان الحائط كبيرًا مما يجوز فيه اشتراط الغلام 4. والأول أحسن؛ لأن اشتراط معونة رب المال بمنزلة اشتراط غلام بعينه، فلا يجوز إلا أن يشترط الخلف، وإلى هذا ذهب ابن القاسم في "المدونة" فقال: لأن مالكًا أجاز اشتراط الغلام إذا كان لا يزول، وإن مات أخلفه، يقول: إنما أجاز ذلك مالك بشرط 5 الخلف، فلو شرط خلف رب المال إن مرض أو مات جاز 6.
وقال مالك في "العتبية" في رجلٍ قال لرجلٍ: تعال اسق أنا وأنت حائطي على أن لك نصف الثمرة، لا يصلح ذلك، قال: وإنما المساقاة أن يسلم الحائط إلى 7 الداخل 8. فجعله كالقراض، فعلى هذا لا يصلح وإن اشترط الخلف.
فصل [في نفقة رقيق الحائط ودوابه وعماله]
واختلف في نفقة رقيق الحائط ودوابه؛ فقال مالك في "المدونة": ذلك على العامل ولا خير في اشتراطها على رب الحائط 1. وقال في "مختصر ما ليس في المختصر": هي على رب الحائط.
فقدم في القول الأول الحديث؛ لأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملته أهل خيبر أنه تكلف من ذلك شيئًا، وقدم في القول الآخر القياس؛ لأن رقيق الحائط ودوابه تعمل للمالك في ملكه، ومقتضى المساقاة تكلف العمل وأن يعمل ما بعدها، ولأنه يدخله بيع 2 الطعام بالطعام متأخرًا؛ لأن بعض الثمرة عوض عنه.
وقال ابن حبيب: إذا سوقي الحائط وفيه أجراء، أُجْرتُهم على رب الحائط، ولا يصلح أن تشترط على العامل، ونفقتهم وكسوتهم على العامل وإن لم يشترط عليه بمنزلة رقيق الحائط 3. يريد: إذا كانت الإجارة على أن نفقتهم على صاحب الحائط، وعلى أحد قولي مالك تبقى نفقتهم على الذي استأجرهم.
وإذا كانت الإجارة غير وجيبة فتركهم على 4 المساقي يعملون، ولم يعملوا بعقد السقاء- كان على المساقى لهم 5 إجارة المثل، كانت أقل من
المسمى أو أكثر، فإن كانت أكثر من المسمى قال الأجراء: إنما عملنا بذلك بمعاقدة مع صاحب الحائط، وليس لك معنا عقد.
وإذا كانت أقل قال العامل: إنما تعديت على منافعي (1)، فعلي قيمتها (2)، ولا يلزمني المسمى؛ لأن العقد كان فيه مع غيري (3).
فصل [في ما يجب على العامل وصاحب الحائط]
فأما الدلاء والحبال إذا لم يكونا في الحائط -على العامل، فإن كانا فيه- كان على العامل ما بعد نفادهما 4، فإن سرقا كان الخلف على صاحب الحائط، فإن أخلف جديدين استعملهما المساقي 5 إلى أجل ما يرى أنه بقي من استعمال الأولين، ثم يأخذهما صاحب الحائط، ويأتي العامل بما يستعمل مكانهما حتى ينقضي السقاء؛ لأن الأمد الذي يستعمل فيه هذان معلوم، بخلاف العبد والدابة؛ لأن 6 حياتهما مجهولة، وقد يبقيا حتى تنقضي المساقاة أو يموتا قبل ذلك، فلو دخلا على حياتهما كان غررًا.
وكنس 7 البئر، والعين، وتنقية ما حول النخل ليستنقع فيها الماء، وبناء 8123
الزُّرنوق 1، والقفُّ 2 وإصلاحهما إن فسدا على صاحب الحائط، فإن شرط ذلك على العامل- جاز فيما قلت نفقته، ولم يجز فيما تكثر فيه النفقة، وهذا أصل قول 3 مالك، وقد تقدم في هذا القياس على الخبر؛ لأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر من يتكلف شيئًا من ذلك، والظاهر أن كل ذلك كان على العاملين.
واختلف قوله في الإبار، وهو التلقيح فجعله مرة على صاحب الحائط، ومرة على العامل 4. ومنهم من يتأول ذلك ويقول: معنى قوله: على 5 صاحب الحائط؛ الشيء الذي يلقح به، ومعنى قوله: على العامل، عملُ ذلك وتعليق ما يحتاج إلى تعليقه.
وليس بالبين؛ لأن الإبار هو الفعل.
وقال ابن حبيب: سَرْوُ 6 الشَّرَب على العامل 7. وهو أشبه، وقال مالك: على العامل الجداد والحصاد 8. وقال ابن القاسم: الدراس على العامل، قال: لأنهم لا يستطيعون أن يقسموه إلا بعد دراسه كيلًا 9.
واختلف في عصر الزيتون، فقال ابن القاسم في المدونة، ذلك على ما اشترطا، إن 1 اشترطاه على العامل أو على صاحب الحائط فلا بأس 2. ولم يذكر الحكم في عدم الشرط.
وقال ابن المواز وسحنون: ذلك عليهما.
وقال سحنون: منتهى المساقاة جناه 3.
وقال ابن حبيب: العصر على العامل.
وإن شرط ذلك 4 على صاحب الحائط وكان له قدر لم يجز 5، وردَّ العامل إلى إجارة المثل.
إلا أن يكون تأولًا يسيرًا جاز 6، والأول أصوب، وإنما يتضمن المساقاة عمل ما تحتاج إليه الغلة وهي قائمة، فإذا زايلت الأصول- سقط عنه العمل، وكذلك أرى في الدراس أن يكون عليهما، وسواقط النَّخل: بلحه وليفه، وما يزال من جرائده، وينزع عنه التمر 7 من عراجينه، وتبن الزرع- بينهما، وكذلك ما يكون عن الزيتون بعد عصره.
باب في مساقاة النخل إذا كان مختلفًا يطعم بعضه دون بعض
ومن "المدونة" 1 قال ابن القاسم فيمن ساقى حائطًا فيه نخل قد أطعمت، ونخل لم تطعم: لم يجز؛ لأن فيه منفعة لرب الحائط يزدادها على العامل في الحائط؛ لأن بيعه قد حلَّ، والحائط إذا أزهى بعضه ولم يزه بعضه- حلَّ بيعه 2.
قال الشيخ 3: مساقاة النخل على أربعة أوجه:
فتجوز في وجه، وهو: إذا كان كثيرًا قد بلغ حدَّ الإطعام، عجز عنه صاحبه أو لم يعجز، كانت فيه ثمرة أو لم تكن، السنة والسنتين أو أكثر من ذلك.
ويمنع في ثلاث مسائل، وهي: أن يكون وديًا لم يطعم، أو كبيرًا وفيه ثمر قد بدا صلاحه على اختلافٍ في هذا الوجه.
ويمنع أن يجتمع 4 في سقاء واحد ما بدا صلاحه وما لم يبد صلاحه، وإذا كان كذلك، فإن الحائط إذا أطعم بعضه دون بعض على ستة أوجه: فإن كان قد أزهى بعضه، وليس بباكور وهو جنس واحد- جاز بيع جميعه 5، وإذا جاز بيع جميعه لم تجز مساقاته على قول مالك في "المدونة" 6. وقال في "كتاب
محمد" فيمن ساقى حائطًا بثمرة من حائط آخر على أن لصاحب الأصل نصف الثمرة أو أقل أو أكثر، فقال مالك: إذا كان ذلك بعد أن طابت ثمرة صاحب الحائط 1 الذي يعطى منه فلا بأس إذا كان السقي معروفًا فهو بمنزلة الأجرة 2 وأجازه سحنون أيضًا وقال: هذه إجارة، وهو بمنزلة البيع فكما جاز أن يبيع نصفها فكذلك يجوز أن يؤاجره بنصفها.
وإن كان الذي طاب باكورًا وهو بعيد اللحوق بما لم يطب، وكانت المساقاة على أن يسقي جميع الحائط ويأخذ الجزء مما طاب خاصة- جاز ذلك، وتكون إجارة بمنزلة من أعطى حائطين قد طاب أحدهما على أن يأخذ الجزء مما طاب خاصة ومما لم يطب- لم يجز 3. وإن كانت المساقاة على أن يسقي جميعه ويأخذ الجزء مما لم يطب خاصة، أو مما طاب ومما لم يطب- لم يجز ذلك 4. وإذا كانت المساقاة على أن يسقي ما طاب وحده، ومنه يأخذ جزأه- جاز 5 على أحد قولي مالك.
وإن كانت على أن يسقي ما لم يطب ومنه يأخذ جزأه- جاز قولًا واحدًا، وإنما لم يجز أن يسقي الحائط على أن يأخذ الجزء من الثمر 6 مما طاب ومما لم يطب؛ لأنها صفقة جمعت مساقاة وبيعًا، وهو أيضًا جُعْلٌ وبيعٌ، ويدخله مساقاة ما لم يطب بجزء من غيره؛ لأن أجرة ما طاب أقل، وخدمة ما لم يطب أكثر،
وكل هذا إذا كان كل واحد منهما كثيرًا؛ لأنه مقصود في نفسه.
وإن كانت المساقاة على أن يسقي جميع الحائط، ويأخذ جزأه مما لم يطب وهو الأكثر، والذي طاب يسير مختلطًا بما لم يطب جاز.
قال مالك في "كتاب محمد" فيمن ساقى نخلًا وفيها رمان قد طاب وهو لصيق النخل ومعها يشرب فذلك جائز، وهو لربِّ النخل، ولا يصلح للعامل أن يشترط منه شيئًا 1. ومحمل قول مالك في جواز مساقاة ما قد طاب، إذا لم يكن في الحائط رقيق ولا دواب، أو كانوا فيه وشرط إطعامهم على صاحب الحائط، فإن شرط على العامل فسد، ودخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وعلى قول مالك في مساقاة ما صلح من الثمار: أنها إجارة، تكون الجائحة إن أجيحت قبل اليبس من صاحب الحائط، ويرجع العامل بقيمة إجارته في جميع الثمرة؛ لأنه إنما يسقيها بماء البائع وعمله في ذلك تبع.
باب في المساقى يعجز عن العمل قبل صلاح الثمرة أو بعده أو يموت وفي الإقالة من المساقاة والعامل يساقي صاحب الحائط أو غيره
1
وقال ابن القاسم في المساقى يعجز بعد صلاح الثمرة فإنه: يباع نصيبه ويستأجر عليه منه، فإن كان فضل كان له، وإن كان نقص اتبع به 2.
وقال سحنون: إذا عجز رُدَّ إلى صاحبه، بمنزلة ما إذا عجز قبل صلاحه، قال: والمساقاة أولها لازم كالإجارة، وآخرها إذا عجز كالجعل يسلم لربه ولا شيء له.
والقول الأول أبين، وقد يخالف 3 هذا الجعل؛ لأنه عقد لازم لا خيار فيه قبل العمل، ويجبر العامل على العمل ويباع فيه ماله حتى يعمل وإذا كان ذلك، كان من حق صاحب الحائط أن تباع الثمرة ويتم له العمل.
وأجاز ابن القاسم أن تعمر ذمة العامل مع فقره؛ لأنها ضرورة إن لم يمكن من ذلك هلكت ثمرته.
وأرى أن يكون صاحب الحائط بالخيار بين ثلاثة: بين أن يباع ذلك النصيب بالنقد ويستأجر بالثمن كما قال ابن القاسم، أو يباع بثمن مؤجل ويجعل الأجل إلى اليبس والجداد ويستأجر أجيرًا إلى مثل ذلك، على أن الأجرة مؤجلة إلى الأجل الذي اشترى إليه المشتري، فإن وفى العمل وزن
المشتري 1 وقبض الأجير، أو يباع ممن يعمل بذلك الجزء على وجه الإجارة ليس على وجه المساقاة؛ لأنه لا فرق بين بيعها بعين أو بمنافع، ولا فرق في جواز الإجارة بعين أو بثمرة، فإن كان الثمن لا يوفي ولم يرض صاحب الحائط بالسلف- رد إليه الحائط، ثم يختلف هل يكون له عن ذلك العمل 2 عوض أم لا؟
وقال ابن القاسم: إذا عجز قبل صلاح الثمرة ساقى من أحب أمينًا، فإن لم يجد أسلم الحائط إلى صاحبه 3.
قال الشيخ: للمساقي أن يساقي غيره عجز أو لم يعجز؛ لأن العمل في الذمة، ويجوز له أن يدفعه لأمين وإن لم يكن مثله في الأمانة، فإن عجز ولم يجد من يأخذه إلا بمثل الجزء الأول، كان صاحب المال بالخيار بين أن يساقى على ذلك أو يردّ إليه، ويكون أحق بما ساقى به غيره.
وإن كان لا يجد من يأخذه إلا بالثلثين، أو لم يجد من يأخذه إلا على وجه الإجارة- كان صاحب المال بالخيار بين أن يساقيه على ذلك 4 ويحبس السدس، أو يستأجر عليه ويسلفه حتى تباع الثمرة بعد الطيب، فإن لم يف بالسلف اتبعه بالباقي، وبين أن يسترجع حائطه ولا شيء للعامل، وإن مات العامل قبل تمام العمل وخلف يسارًا 5، استؤجر منه حتى يتم العمل، رضي الورثة أو كرهوا؛ لأن العمل مضمون في الذمة، وإن لم يخلف مالًا وعجز الورثة عن القيام به سلم الحائط لصاحبه ولا شيء
للورثة، وهو قول مالك وابن القاسم.
والقياس أن يكون للعامل على 1 الماضي إذا عجز، ولورثته إذا مات، ولم يخلف شيئًا إذا أتم العمل صاحب المال، وسلمت الثمرة قيمة 2 ما انتفع به من العمل الأول قياسًا على قولهم في الجعل على حفر البئر، ثم يترك قبل تمام العمل اختيارًا، وأتم العمل صاحب البئر: أن للأول بقدر ما انتفع به من عمله، فمن غلب على العمل أعذر.
وأولى أن يكون له بقدر ما انتفع به من عمله 3، ولا يذهب عمله باطلًا فيأخذ ذلك عينًا؛ لأن الثمرة لا تستحق إلا بتمام العمل.
وقال ابن كنانة في "كتاب المدنيين" في شريكين في زرع عجز أحدهما، قال: يقال للشريك أنفق، فإذا بلغ بع، فإن عجز عما أنفق أتبعه بالباقي؛ لأن العمل كان يلزمه وإن كره، وليس مما يستطاع أن يقسم وإن ترك هلك 4.
وللعامل أن يساقي صاحب الحائط على مثل الجزء الأول عمل أو لم يعمل، ويفترق الجواب إذا اختلف الجزء الأول 5: فإن أخذه على النصف ورده على الثلث واستفضل سدسًا جاز إذا لم يعمل، ويختلف فيه إذا عمل فظاهر قوله في "المدونة" أنه جائز، ومنع ذلك مالك في "العتبية" قال أشهب: لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك 6 أن يسقي فيبيع 7 شهرًا ثم
يعيده إليه 1 قبل طيبه ويأخذ جزءًا بعد الطيب.
وإذا انقضى العام الأول جازت الإقالة إذا لم يعمل من الثاني، ويختلف إذا عمل من العام 2 الثاني، ثم أقاله بجزء موافق أو مخالف يأخذه على النصف وحده 3، ويرده على أن لربِّ 4 الحائط الثلث.
وعلى قول مالك في "العتبية" لا تجوز الإقالة إلا بشرطين: إذا 5 كانت قبل أن يعمل من العام الثاني، والجزء موافق للأول، فإن عمل من الثاني لم تجز عنده الإقالة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا من الأول على أن يعملا 6 عامًا وبعض آخر 7 بثمرة عام، وفي ذلك زيادة من العامل 8، ويتهمان إذا رده على الثلث أن يكونا عملا على أن يسقي عامًا وبعض آخر، ليأخذ من ثمرة الأول النصف، ومن ثمرة الثاني السدس.
وقال محمد فيمن أخذ حائطًا على النصف فرده على أن 9 الثلثين لصاحب 10 الحائط: لا بأس به إذا كانت الزيادة من الحائط بعينه وهذا وهم وغلط في الحساب، ولا يصح أن تكون الزيادة من الحائط؛ لأن لصاحب الحائط من الثمرة النصف، فكيف يزيده من نصيبه؟ ولا يصح أيضًا أن يدفعه
لغير صاحب الحائط على أن الثلثين للثاني؛ لأنه إن شرط ذلك السدس من تلك الثمرة كان قد باع على صاحب الحائط ما لم يبعه منه، وإن اشترط أن يدفع ذلك من ذمته كان بيع الثمرة على جزأين 1: جزء من الحائط، وجزء من الذمة، وذلك فاسد.
وقال ابن القاسم في المساقي يتبين أنه سارق مبرح يخاف أن يذهب بالثمرة أو يقلع الجذوع، وفي المكتري دارًا 2 يخاف أن يبيع 3 أبوابها، قال: ليس له أن يخرجهما من المساقاة والكراء وليتحفظ منهما 4. وقد قال مالك في من باع سلعة من رجل مفلس بثمن إلى أجل ولم يعلم بفلسه: إن البيع لازم 5.
وفي كل هذا نظر، وهذا عيب على المكري 6 والمساقي، وليس يقدر على التحفظ من السارق، وليس عليه أن يتكلف التحفظ منه.
وأرى أن تكرى 7 الدار عليه، ويساقى الحائط، وهو في المساقاة أشد ضررًا؛ لأنه يخفي ما سرق منه، وصاحب الحائط بالخيار بين أن يساقيه أو يستأجر عليه بالعين، فيعمل في ذلك على ما هو أحسن له، وللعامل الأول ولمن باع من مفلس وهو لا يعلم:
أن يرد البيع إن شاء ولو كان المشتري مشكوكًا في يساره بما 1 يشتريه، لم يجز البيع إلا بعد معرفته بذمته؛ لأن الثمن إذا بيع من الموسر بخلافه من المعسر، وقد قال مالك فيمن وكَّل رجلًا على أن يأخذ له سلمًا، فقال المسلم: إن أقرَّ لي 2 وإلا فأنت ضامن لم يجز؛ لأنه لا يدري على أي الذمتين دخل.
باب في المساقاة الفاسدة
ولا تجوز المساقاة على أن يبدأ أحدهما بمكيلة، ثم الباقي بينهما أنصافًا أو أثلاثًا، ولا بأس أن يساقى على أن لأحدهما جزءًا من عشرة أو أكثر، والباقي بينهما نصفين؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء معلوم: لأحدهما خمسة ونصف، وللآخر أربعة ونصف.
قال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إن قال: اسق 1 هذا النخل وأصلحه وألقحه ولك من كل نخلة عَذق، فلا خير فيه، فإن قال: لك 2 من كل نخلة مدّ جاز.
فأجرى الجواب في هذا مجرى الجعالة فيمن قال: بعْ هذا ولك من ثمنه درهم، فهو إن باع أخذ الدرهم من ذلك الثمن، وإن لم يبع أو باع وذهب الثمن منه قبل أن يوصله إلى ربه- لم يكن له شيء، وكذلك الثمرة إن سلمت أخذ ذلك المد، وإن لم تسلم فلا شيء له.
وإن قال: اسق هذين الحائطين على أن ثمرة هذا لك، وهذا لي- لم يجز؛ لأنه غرر، فقد يصيب أحدهما ويخطئ الآخر، فإن نزل كان أجيرًا فيهما، وهذا قول ابن القاسم، فأمَّا ما عمله لصاحب الحائط فله أجره ولا خلاف في ذلك.
ويختلف فيما عمله لنفسه إن أجيحت ثمرته، وألا شيء له أحسن؛ لأن صاحب الحائط لم يساقه فيه، وإنما باع منه ثمرة بيعًا فاسدًا، فإن أجيحت لم يكن له في ذمة البائع شيء، وإن سلمت الثمرة كان له أجر مثله ما لم يجاوز الثمرة.
وإن قال: ثمرة هذا الحائط بيننا، وثمرة هذا الآخر لي أو لك 1 - لم يجز، ويكون للعامل أجره في ثمرة الحائط الذي شرطا ثمرته لأحدهما حسب ما تقدم.
فإن شرطاها لصاحب الحائط كان له أجره وإن جاوزت الثمرة.
وإن شرطاها للعامل كان له أجره ما لم يجاوز الثمرة.
ويختلف في الذي شرطا ثمرته بينهما هل يكون فيه أجيرًا أو على مساقاة مثله؟ وأرى أن يكون للعامل الأقل من المسمى، أو مساقاة المثل، إن شرطا المنفرد لصاحب الحائط، وإن شرطاه للعامل كان له الأكثر.
وقال ابن حبيب: إذا كانت المساقاة على أن البرني بينهما وما سواه 2 لصاحب الحائط: كان في البرني على مساقاة المثل.
وفي الآخر أجيرًا.
وإن كان ما سواه للعامل كان أجيرًا في الجميع؛ لأن الزيادة إذا كانت لرب المال أخف؛ لأنه يعود إلى تقليل جزء الثاني، وإذا كانت الزيادة للعامل كان أجيرًا؛ لأنه شرط أن تكون الزيادة من غير الحائط.
وقال ابن القاسم فيمن دفع نخلًا مساقاة خمس سنين وفيها بياض على أن يعمله العامل لنفسه أول سنة، ثم يرجع البياض إلى صاحب الحائط يعمله لنفسه لم يجز لأنه غرر، قال: وكذلك لو كانا حائطين يعملهما العامل سنة 3 ثم يجد 4 أحدهما، ويعمل في الآخر سنة لم يجز 5.
وقال ابن حبيب: إن فات بالعمل قبل مساقاتهما جميعًا أول سنة 1 فإن قيل: النصف، كان له فيهما في تلك السنة النصف، ثم يقال: ما مساقاة الذي بقي في يديه وحده سنتين؟ فإن قيل: الثلث؛ كان له في هذه السنة وحدها 2 الثلث.
وهذا صحيح؛ لأنه قد استحق النصف في أول سنة قبل أن يشرع في الثاني، ثم قوم الثاني عامين؛ لأن مساقاة الحائط عامًا واحدًا، بخلاف مساقاته عامين؛ لأن السنين يحمل بعضها عن بعض كما قيل فيمن ساقى حائطًا عامين مساقاة فاسدة فعمل عامًا، فلا ينزع من يده حتى يُتِمَّ العام الآخر.
وقال ابن القاسم فيمن ساقى حائطًا ثلاثة أعوام وفيه في العام الأول ثمرة قد طابت كان أجيرًا 3 في العام الأول، وفي العامين على مساقاة المثل، فإن نظر في ذلك في أول عام 4 ولم تجد الثمرة أعطي أجر مثله ولم يمكن من التمادي، وإن لم ينظر في ذلك حتى شرع في العام الثاني لم ينتزع منه حتى يتم الثالث 5. وهذ الجواب في كل موضع يرجع فيه إلى أجر المثل فإنه يعطى أجره عن الماضي، ولا يُمَكَّنَ من التمادي.
وكل موضع يكون فيه على مساقاة المثل لا ينتزع منه بعد العمل حتى يتم ما دخل فيه؛ لأن مساقاة المثل إنما يأخذها جزءًا من عين الثمرة، فلو أخرج قبل تمامها ذهب عمله باطلًا، والإجارة متعلقة بالذمة دنانير أو دراهم، فإذا خرج قبل تمام العمل لم يذهب عمله باطلًا.
وأرى في كل موضع يرد فيه إلى مساقاة مثله تكون مساقاة المثل فيه أكثر من المسمى
أن يرد في عمله كله إلى إجارة المثل؛ لأنه إن أعطي الزائد على المسمى كان قد بيع على صاحب الحائط من الثمرة ما لم يبعه منها، وإن قصر العامل على المسمى ظلم، إلا أن يرضى العامل بالمسمى ويسقط مقاله في الزائد، أو يرضى صاحب المال أن يدفع ذلك الزائد ثمرة، أو يكون الزائد الشيء اليسير.
وقال مالك فيمن له حائط تهوّر بئره ولجاره بئر، فقال له جاره: أنا آخذ حائطك مساقاة وأسقيه بمائي: لا بأس به، قال ابن القاسم: فأجاز هذا على وجه الضرورة 1.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: معنى ذلك إذا كان الماء الذي يسقي به هو فضل بئره؛ لأن لصاحبه أن يأخذه منه على ما أحب أو كره.
فأجازه مالك لأنه لم يزد ذلك 2 عليه بالمساقاة شيئًا، ثم سمعته بعد ذلك يقول: ما يعجبني مسألة مالك؛ لأنه إنما له أن يأخذ ماءه حتى يصلح بئره، وهذا يتركها ولا يعمل 3.
باب في زكاة الحائط المساقي
1
وتزكى ثمرة الحائط المساقى على ملك صاحبها، فإن كان جميعه خمسة أوسق كان فيه الزكاة، وإن لم يَنُبْ كل واحد إلا وسقان ونصف.
ويزكي العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا.
وإن كان الحائط لعبد أو نصراني لم يزك العامل وإن صار له نصاب وهو حر مسلم، وهذا قول مالك، ورأى أن نصيب العامل إنما يطيب على ملك الدافع، ولهذا قال: إذا أجيحت الثمرة سقط عنه العمل.
وقال أشهب في "كتاب محمد": سألت مالكًا عن المساقى في النخل وغيره تصيبه جائحة أترى فيه 2 جائحة؟ فقال: لا، فقلت: أرأيت الجائحة إذا أصابت الثمرة، أللمساقى أن يخرج؟ قال: لا.
فجعل عليه العمل وإن أجيحت الثمرة.
وهذه الرواية تقتضي أن يكون طيب 3 نصيب العامل على ملكه، وأن يسقيها من الآن لنفسه، ويكون فيها كالشريك، ولا تجب الزكاة إلا على من في نصيبه نصاب إن اختلفت أجزاؤها، وإن أصابا أربعة أوسق ولكل واحد منهما نخل بانفراده، وفيها من الثمرة ما إن أضافه إلى نصيبه من المساقاة كان نصابًا- فإن الزكاة تجب 4 عليه.
فصل [في اشتراط الزكاة من صاحب الحائط أو المساقي]
ويجوز لصاحب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل، وللعامل أن يشترط الزكاة 1 على صاحب الحائط، وقال في كتاب محمد: لا يجوز أن يشترط ذلك العامل على رب الحائط 2 ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] والأول أحسن؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء يقل للعامل إذا اشترط عليه ويكثر إذا اشترط على رب الحائط.
واختلف إذا كانت الثمرة أقل من نصاب، فقيل: يقتسمان الثمرة على عشرة أجزاء، ستة لصاحب الحائط، وأربعة للعامل.
وقيل: اتساعًا على حسب ما كانا يقتسمان ما بعد الزكاة.
وقيل: نصفين.
والأول أقيس؛ لأن الزكاة إنما تخرج عن رب الحائط ولا شيء للعامل فيها، ألا ترى أن الزكاة تجب إذا كان جميعًا خمسة أوسق، وتجب على العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا؟
ويختلف أيضًا إذا كانت المساقاة على النصف فأصاب أقل من نصاب، فعلى القول الأول يكون لصاحب الحائط خمسة ونصف، وللآخر أربعة ونصف؛ لأن الزكاة لو كانت نصابًا إنما تؤخذ عن ملك صاحب الحائط، وقد كان له خمسة ونصف ويُخْرِج منها جزءًا عن الزكاة عن ملكه، وإذا كان دون النصاب كان له.
باب في المساقاة إلى أجل، ومن أعطى أرضًا لمن يغرسها ثم تكون في يديه مساقاة
المساقاة إلى أجل السنتين والثلاث على وجهين: فإن أريد انقضاء السقاء بانقضاء الثمرة التي تكون في تلك السنين جاز، وإن كان القصد التمادي بالعمل إلى آخر شهور تلك السنة وإن جذت الثمرة- لم يجز، وكان العامل في السنتين: الأولى على مساقاة مثله، وفي العام الآخر من حين تجد الثمرة إلى آخر ذلك العام على إجارة المثل؛ لأن الثمرة التي تطيب بعد انقضاء المدة التي ضربا لم يبعها منه، ولو رد فيها إلى مساقاة المثل لأعطي ما لم يشتره، وبيع على الآخر ما لم يبعه.
وقال مالك في "كتاب محمد" في من ساقى حائطًا من صَفَر سنة إحدى وسبعين ومائة إلى صَفَر من سنة ثلاث وسبعين، فإن وافى الأجل قبل طيب الثمرة وقبل جدادها - لم تخرج من يديه حتى يستكمل المساقاة فيه، وحتى يتم جداده.
ومحمل قوله على أن الجداد قريب من انقضاء ذلك الأمد، وهي 1 أنهما كانا يريان أن الثمرة تطيب في تلك المدة فيكونان قد قصدا إلى بيعها، ولو كان الطيب يتأخر عن تلك المدة بالشيء البيّن لم يصح ذلك؛ لأنه استعمله على بيع منافعه في تلك المدة؛ ليأخذ ثمرة عامين.
فصل [في المساقاة إلى أجل]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن أعطى أرضه لمن يغرسها: فإذا بلغت كانت في يديه مساقاة عشر سنين لم تجز 1.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: فإن نزل هذا وكان الغرس من عند صاحب الأرض، كان الغارس 2 أجيرًا فيما عمله قبل أن يطعم، ويخرج متى عثر على ذلك، ما لم يبلغ الإطعام فيها، فيبقى في يديه على مساقاة المثل بقية ذلك الأجل، وقيل في مثل هذا: يكون له الأقل من المسمى أو سقاء المثل.
واختلف إذا كان الغرس من عند العامل وفات بالعمل، فقيل: ذلك فوت، وله قيمته وقت وضعه في الأرض وقيمة خدمته إلى وقت يخرج من العمل، ما لم يبلغ الإطعام فيمضي على مساقاة المثل.
وقيل: ليس ذلك فوتًا؛ لأنه باعه بيعًا فاسدًا 3 على أن تبقى يده عليه ينتفع بثمرته بعد الطيب، وذلك تحجير عليه من بائعه، وليس بتمكين تام، والغرس له، وعليه قيمة ما أصلحت الأرض ونمت فيه، وله قيمته يوم يخرج عن الأرض قائمًا؛ لأنه غرسه بوجه شبهة وبإذن من مالك الأرض، ويبقى هناك للأبد.
وقيل: قيمته مقلوعًا، والأول أبين.
باب في عقد المساقاة هل تلزم بالقول؟ واختلاف المساقيين قبل العمل وبعده
المساقاة تلزم بالعقد، وهو قول مالك وابن القاسم.
وقال أشهب في "العتبية" فيمن أخذ حائطًا مساقاة فلم يعمل حتى خرج منه (1) لصاحب الحائط بربح سدس الثمرة: لا بأس بذلك في قول من يقول: إن السقاء إذا وجب بينهما لم يقدر واحد منهما على الترك وإن لم يعمل فيه (2). فأبان أنها مسألة خلاف.
وقال سحنون: أولها لازم كالإجارة، وآخرها إذا عجز كالجعل؛ لأن الجعل إذا ترك قبل تمامه لم يكن له فيما عمل شيء.
فصل [في الدعوى في المساقاة]
الاختلاف في المساقاة 3 من ثلاثة أوجه: أحدها في الجزء، والثاني في دفعه، والثالث في الصحة والفساد، فإن اختلفا في الجزء، فقال صاحب الحائط: لك الثلث، وقال الآخر: النصف، فإنْ كان اختلافهما قبل العمل وأتيا بما يشبه تحالفا وتفاسخا.
وإن اختلفا بعد العمل كان القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه وأتى الآخر بما يشبه حلف، ولم يكن للعامل إلا ما حلف12
عليه صاحبه، فإن نكلا عن اليمين وأتيا بما لا يشبه رُدَّ إلى مساقاة المثل.
ويختلف إذا أتى أحدهما قبل العمل بما يشبه دون الآخر، هل يكون القول قوله مع يمينه وتثبت المساقاة، أو يتحالفان ويتفاسخان؟ فعلى ما ذكره أشهب يكون كالقراض إن رضي أحدهما بما قال الآخر وإلا رد بغير يمينٍ.
وإن قال صاحب الحائط: كانت المساقاة على أن يبدأ العامل بمكيلة كذا، والباقي نصفين.
وقال الآخر: بل الجميع بيننا نصفين، ولا تبدية لي عليك 1. فقد أقر له بأكثر فكان القول قول مدعي الصحة 2، وسواء كان اختلافهما قبل العمل أو بعده، ويحلف 3 على ذلك قبل تمام العمل، وأما بعده: فإن كانت مساقاةُ مثله النصفَ فلا يمين عليه 4، وإن كانت مساقاةُ المثل أكثرَ من النصف حلف صاحب الحائط 5، وإن نكل حلف العامل وأخذ الفضل، وإن قال العامل: شرطت أن أبدأ بمكيلة، والباقي بيننا نصفين، وقال الآخر: نصفين 6 من غير تبدية- كان اختلافًا في الثمن، فيحلف مع القيام مدعي الفساد وحده، وتفسخ المساقاة؛ لأن منزلة من ادعى الفساد منزلة من أتى بما لا يشبه في الثمن، والسلعة لم تفت 7. فإن قال صاحب الحائط: لي صنف كذا، ولك صنف كذا، وقال الآخر: على أن 8 الجميع بيننا نصفين- كان القول قول
صاحب الحائط مع يمينه، وإن كان مدعي الفساد؛ لأنه لم يقر ببيع شيء من الصنف 1 الذي ادعاه العامل.
وقال مالك في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه سنة أو أكثر، ثم قال العامل بعد فراغها: لم تدفع إليَّ من الثمرة شيئًا؟ فقال: إذا جد- فلا شيء عليه.
باب في المساقى يعري ما سوقي عليه
ولا بأس أن يعري العامل جميع حظه من المساقاة أو جزءًا منه: نصفه، أو ربعه، أو أكثر، أو أقل، أو جزءًا من نخلة 1، أو نخيل بعينها.
وإن أعرى جميع نخلة أو نخيل- جاز قدر نصيبه منها، وليس للمُعْرَى أن يقول بجميع نصيب العامل من جميع المساقاة في هذه النخيل حتى تكمل عريتي 2، وكذلك لو كان المعري هو صاحب الحائط، فالجواب فيه على ما تقدم إن أعرى جميع حظه أو بعضه أو شيئًا بعينه.
باب في مساقاة المديان والمريض
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن عليه دين يحيط بماله ثم ساقى حائطه: ذلك جائز، بمنزلة أن لو أكرى أرضه أو داره وعليه دين، فإن قام الغرماء بعد ذلك لم يفسخ الكراء ولا المساقاة، وإن ساقى أو أكرى بعد أن أقام عليه الغرماء، كان لهم أن يردوا فعله 1.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إذا عقده قبل قيام الغرماء عقدًا يمنع من بيع الرقاب- كان لهم أن يردوا عقده في الكراء والمساقاة؛ لأنه يتهم أن يكون فعل ذلك ضررًا بهم، فيمنعون من تعجيل أخذ ديونهم، وإذا كانت المساقاة قبل الدين أو بعده وفي يديه ما يوفي بدينه ثم طرأ عليه ما أذهب ذلك المال- لم ترد المساقاة قبل أمدها أو بعد، وكان مقاله في بيع الحائط دون نقض 2 المساقاة، وسواء كان قيامهم قبل العمل أو بعده.
فقال ابن القاسم: يباع على أن هذا مساقى كما هو، قال 3: وليس هذا باستثناء 4. وقال غيره: لا يجوز البيع ويبقى موقوفًا إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: وإن كانت المساقاة عامًا واحدًا والثمار مزهية جاز بيع الأصل قولًا واحدًا، ثم ينظر في بيع نصيب المفلس من الثمرة، فإن كان بيعها على الانفراد أثمن بيعت على الانفراد، وإلا بيعت مع الأصول، وإن
كانت الثمار مأبورة جاز بيع الأصل بغير خلاف.
ويختلف في إدخال نصيب المديان في البيع مع الأصل، فأجازه ابن القاسم وقال: ليس هذا باستثناء يؤثر 1 في نصيب العامل إذا لم يدخل في البيع 2. وهو أحسن؛ لأنه قد سبق بيعه بوجهٍ جائزة وإنما يكون الاستثناء فيما بقي على ملكه وهو قادر على أن يدخله في البيع، ويجوز ذلك أيضًا على مذهب أشهب؛ لأنه يجيز ذلك وإن لم تكن مساقاة، إن استثنى نصف الثمرة، وإن أحب المفلس أن يؤخر بيع الثمار حتى تطيب؛ لأنه أثمن، ودعا الغرماء إلى إدخالها في البيع مع الأصل كان ذلك لهم؛ لأن من حقهم أن يباع لهم الآن كما قدر على بيعه، ولا يؤخر لسوق يرجى في ذلك، وإن كانت الثمار غير مأبورة كان الخلاف في بيع الرقاب.
فعلى قول ابن القاسم يجوز بيع الرقاب، ونصيب العامل المفلس 3 من الثمرة، بخلاف ما لم يعقد فيه مساقاة، وعلى قول غيره يوقف بيع الأصل و 4 الثمرة؛ لأن عنده لا يجوز استثناء بعض الثمرة.
وقول ابن القاسم أحسن، وقد تقدم وجه ذلك.
وكذلك إذا كانت المساقاة سنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فيجوز على قول ابن القاسم بيع الرقاب، ونصيب الغريم من الثمرة دون نصيب العامل، وعلى قول غيره يمنع البيع جملة.
واختلف في مساقاة المريض، فقال ابن القاسم: لا بأس بذلك، وإن كان
فيها محاباة كانت في الثلث 1.
وقال ابن عبدوس: أنكرها سحنون، ولا أحفظ عنه فيها تفسيرًا، والذي أعرف من مذهبه أنه إن زاد على مساقاة مثله بِأَمْرٍ بَيَّنٍ فذلك مثل هبته وما أنفد من عطيته، فيوقف السقاء إلى ما لا يطول ولا يدخل على صاحب الحائط مضرة، فإن صح كانا على شرطهما، وإن مات قبل القسم وحمل ثلثه الحائط تمَّ ما صنع، وإن لم يحمله وحمل المحاباة لم ينظر في ذلك، وخير الورثة بين أن يجيزوا السقاء كما شرط، وإلا قطعوا للعامل بثلث تركة الميت، وفسخت المساقاة، ولا يمكّن العامل في حال الوقف من السقي، فإن طال الوقف وخيف على الحائط أن يضيع فسخت المساقاة، ولم ينتظر صحة ولا موتًا.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إذا كانت المساقاة سنة واحدة فقول ابن القاسم حسن، فيمكن العامل الآن من العمل ولا يوقف عنه، فإن صحَّ المريض كانت له 2 المحاباة، وإن مات كانت في الثلث أو ما حمل الثلث منها، ولا يجعل الحائط في الثلث؛ لأن الورثة ممكّنون منه، والمحاباة حق للعامل لا عليه، فإن رضي بالعمل على ذلك لم يمنع منه.
وقد اختلف قول ابن القاسم في كتاب العتق في المريض يشتري العبد ويحابي في الثمن، فجعل المحاباة مرة كالهبة المنفردة عن البيع تكون في الثلث، ولا مقال للبائع في المبيع إذا لم تتم المحاباة 3. وقال مرة: لا يتم البيع إلا بتمام المحاباة 4. فعلى القول الأول يجبر العامل الآن على العمل، وعلى القول الآخر
لا يجبر حتى يموت صاحب الحائط فتتم له المحاباة، وهذا يصح إذا كان العامل ممن يجهل، ويظن أن المحاباة تصح من رأس المال.
وعلى كلا القولين فإن ذلك حق له، فإذا رضي بالعمل لم يمنع، وإن كانت المساقاة سنين صحَّ على 1 قول ابن عبدوس؛ لأن مقال الورثة في حبس الرقاب، وإن لم تكن محاباة فإن حمل الثلث الرقاب صحت المحاباة 2، وإلا رد وقطع له بثلث الميت.