منه، ولم يكن غاب عن متاعه، قطع 1، بخلاف السفينة؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم حائز لماله، وإنما للآخر المجاورة من غير مخالطة، وأهل السفينة يخالط بعضهم بعضًا ولو لم تخالط بعض المسافرين في الطعام أو في المجالسة أو في المزاورة فسرق أحدهم 2 حينئذ، لم يقطع.
واختلف إذا لم تكن مخالطة فسرق أحدهم عندما غاب الآخر عن متاعه، أو كان السارق أجنبيًّا ليس من أهل الرفقة، فقال مالك في المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجًا من خبائه وذهب لاستقاء ماء أو لحاجته وترك متاعه قطع سارقه 3.
قال مالك والإبل تكون في مراعيها فلا يقطع سارقها، فإن آواها مراحها قطع سارقها 4. وقال سحنون: إنما الأمر في الخباء، فإن لم يكن خباء، فلا قطع.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن طرح متاعه قريبًا منه أو من خبائه أو من خباء أحد من أصحابه وكان سارقه من غير أهل الخباء، قطع سارقه، وإن طرحه بموضع ضيعه لم يقطع 5.
وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في هذا كله قطع، واتفقوا على أنه إذا لم يكن منزلًا نزله، لم يقطع مثل الذي ينزل لقضاء حاجته أو لأخذ ماء والمنهل
الذي ينزل أمامه.
فراعى مالك وابن القاسم الموضع وأن يتخذه منزلًا كالجرين، فإنه يقطع سارقه، وإن لم يكن عليه غلق ولا حارس فكذلك متاع المسافر يقطع سارقه، إن كان منزلًا نزله، وإن لم يكن معه صاحبه ولا كان في خباء، ورأى سحنون أنه لما كان موضعًا لا يستقر فيه وإنما يلبث 1 فيه ليلة أو بعض ليلة 2 ويرحل عنه كان 3 كالذي يجمع من الثمار ويجعل في موضع لينقل منه إلى الجرين، فلا قطع فيه إلا أن يكون خباء، فيكون كبيت الإنسان، ورأى 4 ابن عبد الحكم في جميع ذلك على 5 أنه ليس بحرز لما كان لا يستقر فيه 6 إلا أن يكون معه صاحبه، فإن الإنسان حرز لما كان معه، وإن كان في قفر ولهذا قال ابن القاسم: إنه إن لم يكن 7 منزلًا نزله، لم يقطع 8 لأن المنهل كالمراح والجرين 9.
ومن سرق من المحمل قطع كان 1 فيه صاحبه أو لم يكن وهو كالخباء 2 إلا على ما قال محمد بن عبد الحكم، فإنه لا يقطع إلا أن يكون معه صاحبه.
قال مالك: ومن سرق من إبلهم المناخة، فعليه القطع، وإن كانت غير معقلة إذا كانت بقرب صاحبها وما كان منها في الرعي، فلا قطع فيه 3، وعلى قول سحنون لا يقطع وإن كانت مناخة بقرب متاع صاحبها؛ لأنه لم يقطع فيما كان من المتاع خارجًا عن الخباء، وكذلك الإبل.
ومن سرق ما على بعير وهو في القطار، قطع، وإن سرق البعير نفسه بما عليه أو كان لا شيء عليه، قطع إذا كان في قطار، فإذا حله وصار في يديه قطع، وإن أخرج ميتًا من قبر قطع إذا كان ما عليه قيمته ربع دينار فصاعدًا 4.
باب ذكر ما لا قطع فيه من المسروقات
المسروقات 1 ثلاثة أصناف:
أحدها: ما يجوز ملكه وبيعه، وهذا يجب القطع فيه 2.
والثاني: ما لا يجوز ملكه ولا بيعه كالميتة والدم ولحم 3 الخنزير والخمر 4، فهذا لا قطع فيه إلا الحر فإنه لا يجوز ملكه، واختلف في القطع فيه.
والثالث: ما يجوز ملكه دون بيعه، واختلف في قطع سارقه، فقال ابن القاسم: لا يقطع.
وقال أشهب: يقطع.
5
وأما الحر فقال مالك: يقطع سارقه إذا سرق من حرزه 6. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يقطع لأنه ليس بمال.
وأرى ألا يقطع؛ لأن الدار لا تقصد أن تكون حرزًا للحر، وإنما هي حرز للأموال إلا أن يكون بلد تخشى فيه سرقة أطفالهم ويقصد 7 بكونه في الدار حفظه من ذلك فيقطع؛ لأنه إذا كان القطع ذبًّا عن الأموال كان الذب عن الأحرار أولى، وإن سرق شيئًا مما عليه أو قرطًا من أذنه، فإن كان الصبي كبيرًا
يحرز ما عليه أو كان صغيرًا ومعه من يحفظه أو 1 كان في دار أهله أو أبويه قطع، وإن كان صغيرًا لا يحفظ ما عليه ولا حافظ معه وهو خارج عن دار أبويه أو في دارهما وكان سارقه ممن أذن له في الدخول لم يقطع 2.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وإن أخذ ذلك على وجه الخديعة بمعرفة الصبي أو كابره، كان فيه الأدب.
3 يريد، إذا كان كبيرًا قال: وأما الصغير فعلمه وغير علمه واحد، فلم يقطعه في الخديعة؛ لأنه أخذه بإذن ولا إذا كابره؛ لأنه غصب وليس مكابرة الصبي كالحرابة.
ومن المدونة قال مالك: لا قطع في جلد الميتة قبل أن يدبغ 4 فإن دبغ وكانت قيمة صنعته ربع دينار قطع.
5 وأجاز في المختصر بيعه بعد الدباغ، وعلى هذا القول يقطع في جملته إلا أن 6 يترجح في القطع للاختلاف.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع فيه إذا لم يدبغ فإن دبغ قطع 7. ولم يبين كيف يقوم على أنه يجوز بيعه أو على أنه يجوز ملكه دون البيع؛ لأن أشهب يوجب 8 القطع فيما كان يجوز ملكه دون بيعه.
وقال ابن القاسم في جلود السباع إذا ذكيت: قطع سارقها 1؛ لأن مالكًا أجاز بيعها.
وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع العادية والصلاة عليها حرام 2. وعلى هذا لا يقطع سارقها، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الذبائح 3.
ولا يقطع في الكلب غير المأذون في اتخاذه، واختلف في المأذون فيه، فقال مالك في المدونة: لا يقطع 4. وقال أشهب في كتاب محمد: يقطع، قال: وكذلك إن سرق سبعًا 5. وقوله في السبع ضعيف للحديث في تحريمها، وليس كذلك ما أذن له 6 في اتخاذه من الكلاب؛ لأن النهي عن ثمنه 7 على وجه الندب لمكارم الأخلاق ألا يؤخذ في مثل ذلك ثمن، وكذلك نهيه في كتاب مسلم عن ثمن السنور 8 وهو على وجه الندب.
ويقطع سارق الأضحية قبل الذبح، ويختلف إذا سرقت بعد أن ذبحت، فقال أشهب في كتاب محمد: يقطع فيها وفي القديد، وقال ابن حبيب: لا يقطع فيها 1؛ لأنها لا تباع في فلس ولا تورث ولكن تورث لتؤكل، وإن سرقها 2 ممن تصدق عليه بها قطع؛ لأنها صارت مالًا للمعطى يجوز له بيعها 3. والقطع أحسن؛ لأن منع البيع لما تعلق بها من حق الله تعالى؛ لأنها قربة، فأشبه من سرق حجارة المسجد، أو ما أشبه ذلك وفارقت جلود الميتة؛ لأنها رجس.
وإن سرق بازيًا أو صقرًا 4 قطع، واختلف إذا كان معلمًا، ففي كتاب محمد: يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأن ذلك ليس من الباطل، وقال أشهب: يقوم على أنه غير معلم 5، والأول أحسن؛ إلا أن يكون قوم يريدونه للهو.
قال محمد: ولا ينظر في الحمام إلى سرعته ولا فيما 6 علم من غيرها فيجب؛ لأن ذلك من اللعب.
قال الشيخ: ولو كان القصد في الحمام ليأتي بالأخبار لا للعب، لقوم على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه وتبلغ المكاتبة إليه.
وإن سرق صليبًا أو تمثالًا من كنيسة قوم حطبه 7 منقوضًا، فإن بلغ ربع
دينار قطع 1. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن سرق مزمارًا أو عودًا أو مثل الدف والكبر وغيره من الملاهي، وكان في قيمته بعد كسره ربع دينار قطع، وقال أيضًا في الكبر والدف: يقطع في قيمته صحيحًا؛ لأنه رخص في اللعب بهما 2. 3 قال مالك: ومن سرق من ذمي خمرًا أو خنزيرًا، لم يقطع ويعاقب ويغرم قيمة ذلك 4. وقال عبد الملك: لا قيمة عليه.
باب في السرقة من الحائط، فإذا سرق الثمار قبل الجداد أو بعده، وهي بموضع جدت، أو في حين نقلها، أو وهي (1) في الجرين
وقال مالك فيمن قطع نخلة وسرقها: لم يقطع، وإن كانت مقطوعة ووضعها صاحبها في حائطه وأحرزها فيه، قطع 2. وإن سرق ثمرة من رؤوس النخل من حائط لا غلق عليه، لم يقطع 3. واختلف إذا كان عليه غلق، فقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: إذا كان الحائط محصنًا مغلقًا على ما 4 فيه، وفيه التمر والرديء واللقط والمربد، فقال: ما 5 سرق من ثمر 6 على النخل وودي أو لقط فلا قطع فيه، ويقطع فيما كان في المربد من قبل، أن اللقط بمنزلة ما في رؤوسها؛ لأنه لا يقر حيث هو، ولا يحرس، ولا يرضى له حرزًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كثَرٍ" 7.1
قال محمد بن المواز: إنما أريد بالحديث في الثمرة الحرز لا غير.
قال: ولو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق في رؤوس النخل، أو كان مجدودًا في منزله لقطعت يده إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار 1، ويلزم على هذا إذا كان النخل والكرم أو غيره من الثمار عليه غلق وعلم أنه احتيط عليه من السارق، أو كان لا غلق عليه، وعليه حارس أن يقطع؛ لأنه جعل الوجه في الحديث 2 وجود الحرز وعدمه.
واختلف في الجذع يكون مغلقًا عليه 3 مقلوعًا في الحائط، فقال مالك: لا قطع فيه إذا كان قائمًا فذهب رأسه وإن كان في حرز وإن قطعه 4 صاحبه ووضعه في حائطه وأحرزه قطع سارقه.
5
وقال محمد: ولو كانت خشبة ملقاة في الحائط كان فيها القطع.
وقال أشهب: إذا لم يزكها مطروحة فأحرزها في الجنان في موضع منه جرين 6 وكان الجنان 7 في حرز أوله حارس، فإنه يقطع 8.
والجواب في الزرع كذلك لا قطع فيه إذا كان قائمًا 9، وعلى قول عبد
الملك لا قطع فيه وإن كان في حرز وأغلاق.
واختلف إذا سرق منه شيء 1 بعد حصاده وهو في موضعه لينقل منه إلى الجرين، أو سرق منه في حين نقله وقبل وصوله أو بعد وصوله 2 وكونه في الجرين إذا كان بعيدًا من العمران، فقال محمد في الزرع يحصد ويربط قتا، ويترك في الحائط ليحمل إلى الجرين 3 وقد جمع بعضه إلى بعض فلا يحمل حتى سرق منه أحد 4.
اختلف فيه عن مالك، فقال: يقطع، كان عنده حارس أو لم يكن، قال: وليس بمنزلة الزرع القائم ولا بمنزلة الثمر في رؤوس النخل.
وقال أيضًا في زرع مصر من القمح والقرط 5 يحصد ويوضع في موضعه أيامًا 6 لييبس فيسرق منه، فقال: ليس هذا بمراح ولا جرين وما هو عندي بالبين أن يكون فيه قطع.
ثم قال: وأين يدرس؟ قيل: في الجرين، فقال: هو أبين.
يريد، أن القطع في الجرين 7، قال محمد: وهو أحب إلينا؛ لأنَّ كل ما له جرين، وموضع ينقل إليه فليس موضعه ذلك بموضع له، فلا قطع 8 فيه ولو حمل فسرق في الطريق قبل بلوغه 9 الجرين لقطع، وإنما يقطع لأجل من معه 10.
فصل (1) [اختلاف الشهود في السرقة]
ومن المدونة قال: وإذا شهد شاهد أنه سرق كبشًا وآخر أنه سرق نعجة، لم يقطع.
يريد، إذا اختلفا عن سرقة واحدة 2.
واختلف إذا كانا عن سرقتين، فقال أحدهما: سرق أمس 3 كبشًا، وقال آخر: سرق اليوم نعجة، فقيل: لا يقطع لأنها أفعال فلا تجمع الشهادتان 4، وقيل: تجمع ويقطع.
وقال مالك وابن القاسم: إذا قال أحدهما: سرق يوم الخميس، وقال الآخر: يوم الجمعة، لا يقطع، وهو كفعلين 5.
قال محمد: ولو شهد أحدهما أنه سرق بالمدينة، والآخر أنه سرق بمصر، لم يقطع، قال أصبغ: وهو قول مالك قال: وفيه بعض المغمز 6.1
باب فيما يقطع من السارق من يد أو رجل
ومن سرق قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى 1. واختلف في خمسة مواضع:
أحدها: إذا سرق ولا يمين له؛ لأنها ذهبت بأمر من الله تعالى، أو قطعت في قصاص.
والثاني: إذا كانت شلاء.
والثالث: إذا ذهب 2 منها أصبعان.
والرابع: إذا قطعت الشمال مع وجود اليمين.
والخامس: إذا سرق بعد قطع جميع أطرافه
فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا قطعت اليمنى في قصاص أو غيره تقطع اليد 3 اليسرى 4. وقال أشهب: تقطع الرجل اليسرى 5. والأول أبين؛ لأن القرآن إنما ورد بالبداية باليد، ولأنه القياس أيضا؛ لأن اليد هي الجانية فكانت عقوبتها قطعها، ولا تقطع الرجل إلا في الموضع الذي وردت فيه
السنة، وهو أن تكون اليمنى قطعت في سرقة، ولأنه لو كان الأعسر لقطعت اليسرى مع وجود اليمنى؛ لأنها التي سرقت.
واختلف قول مالك إذا كانت اليمنى شلاء، فقال: تقطع اليد اليسرى 1.
ووقف مرة، وقال ابن القاسم: تقطع الرجل اليسرى 2. وهذا اختلاف من قول ابن القاسم في المسألة الأولى إذا قطعت في قصاص 3، وقال أبو مصعب: تقطع الشلاء.
وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع إن كان ينتفع بها.
ويجيء على هذا إذا كان أعسر أن تقطع اليد اليمنى؛ لأن الأشل انتفاعه باليسرى أكثر، وقول مالك تقطع اليسرى أحسن، وقد تقدم وجه ذلك، وإن ذهبت من يمينه أصبعٌ قطعت، وإن ذهبت ثلاث، لم تقطع 4.
واختلف إذا ذهب أصبعان، فقال: لا تقطع، وتقطع رجله أو يده اليسرى، وقال في كتاب المدنيين: إن ذهب أكثرها لم تقطع، وإن بقي أكثرها قطعت 5. فعلى هذا القول 6 إذا بقيت ثلاث أصابع 7، تقطع لأنه أكثرها وأن لا تقطع أحسن؛ لأنَّ اليسير وما يعفى عنه ما كان دون الثلث.
واختلف في الثلث هل هو في حيز الكثير؟ ولا خلاف فيما جاوز الثلث أنه في حيز الكثير وأصبعان أكثر من الثلث.
وقال مالك: إذا أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود اليمين أجزأ ولم تقطع يمينه 1، وقال ابن الماجشون: لا تجزئه 2، وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجبه الله فيه، وتقطع اليمين ويكون عقل الشمال في مال السلطان يختص به 3 إن كان هو الذي أخطأ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو الذي أخطأ.
قال: وإليه رجع مالك 4 قال: وإذا قطعت اليسرى في سرقة ثم سرق ثانية، فعلى قول ابن القاسم، تقطع رجله اليمنى لتكون من خلاف.
وقال ابن نافع: تقطع رجله اليسرى وقد كان قطع اليد اليسرى خطأ فلا تترك الرجل اليسرى 5 على العمد.
وفي كتاب محمد: إذا دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه 6، وعلى ما عند ابن حبيب لا يجزئه، فعلى القول أنه يجزئه تكون البداية باليمين مُسْتَحَبًّا، وعلى القول أنه لا تجزئه، هو مستحق وهو أحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ باليمنى ومحمل ذلك 7 على وجه البيان لما جاء في القرآن حتى يقوم دليل على خلافه، وقد قال مالك وغيره إذا ذهبت اليمين بعد السرقة بأمر من الله سبحانه 8 أو بعمد من
الإنسان أنه لا يقطع 1 منه شيء؛ لأن القطع كان وجب فيه وقياد قوله: إن الشمال تجزئه يجب ألا يسقط القطع عنه وتقطع شماله أو رجله وكما لو أخطأ الإمام بقطع رجله اليسرى مع وجود اليد اليمنى أنه لا يجزئه وتقطع اليد اليمنى وقال: إذا سرق وقطع يمين رجل أنه يقطع للسرقة ويسقط حق الآخر وإنما يصح هذا على القول أن القطع أولا في اليمن مستحق وعلى القول أنه مستحب تقطع يمينه قصاصًا وتقطع شماله أو رجله للسرقة.
وقال مالك فيمن سرق بعد قطع يديه ورجليه يضرب ويحبس وقال أبو مصعب يقتل 2 كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعثمان بن عفان 3، وعمر بن عبد العزيز 4، وفي النسائي عن أبي بكر مثل ذلك أنه قتله 5.
فصل [قطع يد السارق إلى الإمام]
قطع يد السارق إلى الإمام، فإن قطعه غيره بعد أن ثبتت البينة عمدًا، لم يقتص منه وعوقب لافتياته على الإمام 1. واختلف إذا قطعه غيره خطأ 2 هل يكون له فيها دية؟ فقال مالك في كتاب محمد: لا دية لها 3. وقال ابن القاسم في موضع آخر: له ديتها.
فعلى هذا يجب أن تقطع الأخرى.
= "اقتلوه" ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة، فقال: أمروني عليكم فأمروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه".
قال النسائي: وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم، ويحيى القطان لم يتركه، وهذا الحديث ليس بصحيح ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: السنن الكبرى: 4/ 348.
باب في اتباع السارق بقيمة السرقة، ومن سرق من رجل ثم سرق من آخر كيف يدخل بعضهم على بعض؟ وهل يدخل المسروق منه على غرماء السارق؟
وإذا لم يقطع السارق اتبع بما سرق في العسر واليسر، وإذا قطع والسرقة قائمة، كان لصاحبها أن يأخذها 1.
واختلف إذا استهلكها أو تلفت من يديه، فقال مالك وابن القاسم: إذا كان موسرًا من يوم سرق إلى يوم قطع أغرم القيمة وإن أعسر بعد القطع 2 لم يسقط عنه الغرم، وإن كان موسرًا يوم سرق، ثم أعسر قبل القطع أو كان قبل القطع معسرًا فقطع وهو موسر، أو كان موسرًا يوم سرق ويوم قطع وأعسر فيما بين ذلك، لم يتبع بشيء 3.
وقال أشهب: لا يتبع 4 بشيء إلا أن يتمادى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة.
5 وقال أبو محمد عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه الغرم مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون قد قبض 6 لها ثمنًا
واختلط بماله 1.
وحكى ابن شعبان قولًا رابعًا أنه يتبع مع القطع، وإن كان معسرًا قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة؛ لأنَّ القطع حق لله -عز وجل- لا يعفى عنه، وإن تاب السارق، وحسنت توبته والغرم حق لآدمي وحقوق 2 الله تعالى لا تسقط حق الآدمي، كما يجب على الزاني المحصن يريد: إذا اغتصب 3 امرأة، الصداق مع الرجم 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: في هذه 5 المسألة نص وقياس معارض للنص 6، فالنص قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِب السَّرِقَةِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ" ذكره النسائي 7. فعلى هذا لا يغرم موسرًا كان أو معسرًا لأَنَّ الحديث 8 لم يفرق، ولا نختلف 9 أن هذه التسمية في الغرم لا تختص بالمعسر وأنه متى أخذ العوض من الموسر سمي غارمًا، ولهذا قال من ذكر عنه أبو محمد عبد الوهاب: الغرم استحسان.
وأما قولهم: إن ذلك لإمكان البيع وأنه خلط الثمن بماله، فصحيح ولا يعترض ذلك إذا وجد 10 السرقة بعينها؛ لأنه لا يقع عليه متى أخذ عين الشيء اسم غارم.
وأما القياس فإنه يغرم مع العسر 1 قياسًا على المحصن يغتصب المرأة، فإنه يغرم وإن مرت به حالة هو فيها معسر؛ لأنَّ حقوق الآدميين في المتلفات والغصوب لا تسقطها حقوق الله تعالى متى أقيم عليه عقوبة ذلك الفعل، فيقدم القياس مع كون الحديث مختلفًا في سنده 2.
ويختلف في إغرامه مع العسر 3 وعدم القطع إذا كان المسروق منه مُقِرًّا أنه ممن وجب عليه القطع، وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: إذا لم تثبت السرقة إلا بشاهد.
والثانية: إذا لم تكن بينة وقال السارق: سرقت من غير حرز.
وقال المسروق منه: من حرز.
والثالثة: أن تذهب يمينه بأمر من الله سبحانه 4 فمذهب ابن القاسم في هذا الأصل أنه يتبع في الذمة وإن كان معسرًا يوم سرق أو يوم يقام عليه الحد 5.
وقال أشهب: لا يتبع؛ لأن المسروق منه يقر أن حكمه القطع، وأنه ظلم في امتناعه من القطع 6، واستشهد في ذلك أنه لو شهدت عليه بينة بالسرقة،
فلم يحكم عليه بالقطع حتَّى مات، أنه لا يتبع في يسر حدث (1)، والقول الأول أحسن وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يجتمع عليه الأمران: مصيبة في عضوه، والغرم فإذا عدم القطع لأمر ما اتبع، وكذلك إذا مات فإنه يتبع على قول ابن القاسم، ولا يسقط عنه الغرم إلا مع وجود النكال بالقطع، ومثله إذا اعترف لرجل بسرقة قد أخذها من حرز ثم رجع وأتى بعذر يسقط القطع، ولا يسقط حقوق الآدمين، فإنه يتبع عند ابن القاسم، ولا يتبع عند أشهب، وأن يتبع أحسن، وإذا كانت السرقة مما لا قطع فيها؛ لأنها أقل من ربع دينار، أو ربع دينار وأخذت من غير حرز اتبع بها، وإن كان معسًرا قولًا واحدًا (2).
فصل (3) [في السرقة تباع]
وإذا باع السارق السرقة فأهلكها المشتري، فإن أجاز المسروق منه البيع، لم يتبع السارق بالثمن عند مالك 4؛ إلا أن يكون متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم قطع حسب ما تقدم، وإن لم يجز البيع، وأغرم المشتري القيمة، اتبع المشتري السارق في اليسر والعسر والمسروق منه يأخذ المشتري من وجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه، وإنما بايعه، فإن كان المشتري عديمًا، رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه، فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق، أخذ منه المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري ويتبعه123
هو به (1) وإن كانت القيمة أكثر من الثمن أخذ منه الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده واتبع المشتري بفضل القيمة وإن كان المشتري باع السرقة أخذ المسروق منه الثمن الذي باعها به، فإن وجده عديمًا رجع على السارق بالأقل من الثمن الثاني أو الثمن الأول، ويتبع بفضل الثمن المشتري الأول.
فصل [فيمن سرق من جماعة وفي يده مال]
وقال ابن القاسم: وإذا سرق من جماعة وفي يده مال تحاص جميعهم فيه إذا كان لم يزل في يده منذ سرق من الأول 2، وإن كان يسرًا محدثًا تحاص في ذلك المال كل سرقة كانت في ذلك اليسر دون من كان سرق منه قبل ذلك اليسر 3. قال الشيخ -رحمه الله-: فعلى هذا لو كان في يده عشرة ثم سرق من ثلاثة رجال من كل واحد عشرة تحاصوا في العشرة التي كانت في يديه أثلاثًا، وإن كان في يديه عشرة فسرق عشرة ثم أفاد عشرة، ثم سرق عشرين، كان الثاني أحق بالعشرة الثانية، وتبقى العشرة يحاص فيها الأول فيقسمان العشرة الأولى نصفين، وإن سرق عشرة ثالثة كانت العشرة المحدثة بين الأوسط والآخر نصفين ثم يرجعان جميعًا على الأول فيحاصانه في العشرة، فإن ذهبت العشرة الأولى لم يدخل الأول على من بعده، وإن ذهبت العشرة الآخرة دخل الآخران على الأول كأن لم يكن عنده غير الأولى؛ لأن جميع ذلك مال 4 تقدمته1
سرقاتهم، فإذا ذهب بعضه كان حقهم في الباقي، وكل هذا على قول ابن القاسم، وخلاف ما ذهب إليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب في قوله: إنه إنما يأخذ من المال الذي في يديه لإمكان أن يكون باع السرقة واختلطت بماله، وهذا مال تقدم وسرقات طرأت على ذلك المال، ولم يختلط بشيء منه فلا يكون لمن سرق منه 1 أخيرًا أن يدخل على الأول؛ لأنَّ سرقته لم تدخل فيها يقينًا ولا شكًّا.
وإذا سرق سلعة بين رجلين أحدهما غائب والآخر حاضر 2 فقام الحاضر على السارق 3 والسارق موسر بجميع قيمتها، كان على الحاكم أن يخرج من ذمته جميع القيمة فيعطي الحاضر نصيبه ويوقف نصيب الغائب؛ لأنَّ الغائب لم يرضَ أن يكون ماله في ذمة السارق، وكذلك الغصب، ولو كانا باعا منه تلك السلعة فقام الحاضر والغريم موسر لقضي للحاضر بنصيبه خاصة؛ لأنَّ الغائبَ رضي بمعاملته وأن يكون ماله في ذمته، فإن قضى السلطانُ في السرقة للحاضر خاصة 4 وأخطأ في الحكم، ثم قدم الغائبُ وقد أعدم السارق، رجع على صاحبه في نصف ما أخذ، ثم اتبعا السارق متى أيسر، وعلى ظاهر قول مالك في كتاب محمد 5، يمضي لهذا ما قبض 6؛ لأنَّ الخطأ إنما وقع في نصيب الغائب إذا أبقاه ولم يخطئ فيما قضى به للحاضر، فليس خطؤه على الغائب مما
يرد به ما عدل فيه للآخر ولو علم أنه قضى لهذا بحقه لتوقف نصيب الآخر،- ثم لم يفعل لم يكن على الحاضر شيء وكل هذا ما لم يكن عليه دين من غير السرقة، فإن كان عليه دين بدأ به فإن فضل عنه شيء كان لمن سرق منه، وإلى هذا ذهب محمد: أن الدين أحق ممن سرق منه 1.
باب هل يقام الحد على السكران، والمجنون، والمرتد؟
ولا يجلد 1 السكران في حال سكره عن حد، لا لزنا، ولا لشرب، ولا لفرية 2، وإن أخطأ الإمام فضربه في حال سكره، وكان طافحًا، لم يجزئه، وإن كان سكره خفيفًا أجزأه، وإن كان طافحًا فأذهب ذلك عنه بعض الضرب احتسب بما ضرب من وقت ذهب عنه إلا أن يكون ضربه في الفرية برضا المفترى عليه فيجزئه، ولا يعادُ له ضربُه ولا يقطعه للسرقة في حال سكره، فإن فعل أجزأه، ولو قيل: إنه يقطعه 3 في حال سكره لكان له وجه، وليس القطع كالضرب؛ لأنَّ المراد من الضرب وجود الألم، وذلك ذاهب عن السكران.
والمراد من القطع النكال به بزوال ذلك العضو وليس الألم عند قطعه، وهو بعد أن يصحو كأنه موجود وعظة لغيره 4، فمنفعته لا 5 تعود وألمه مرد وحسرته باقية عند عدم ما يتناول ربه ففارق بذلك الضرب.
باب في إقامة الحد بالبلوغ
الحد يقام بالبلوغ وهو: الاحتلام في الذكران أو الإنبات البين، وفي النساء الاحتلام أو الحيض أو الحمل 1، فإن اعترف الصبي بالاحتلام جرت عليه الحدود وإن أنكر 2.
باب فيمن اعترف بالسرقة طوعًا أو بعد التهديد
وإذا أقر الحر أنه سرق من حرز ربع دينار فصاعدًا قطع إذا تمادى على إقراره، فإن رجع وأتى بعذر لم يقطع 1. واختلف إذا لم يأت بعذر، هل يقال لحديث ماعز، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لماعز: "هَلَّا تركتُمُوهُ" 2. أو لا يقال؛ لأنَّ الأصل في الإقرارات ألا يقبل الرجوع عنها، ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم - محتمل أن يريد بتركه ليسأله هل له عذر، والأول أبين؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَلا تَرَكتُمُوهُ".
ولم يزد على ذلك، ولأنه وقت الحاجة إلى بيان الحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وهذا إذا لم يعين السرقة ولا المسروق منه أو عينه ولم يعين السرقة.
واختلف إذا عينها، فظاهر قوله في المدونة أنه يقال 3؛ لأنه لم يفرق بين أن يكون عين أو لا، وقد قال ابن القاسم في العتبية: لا يقبل رجوعه إذا عين 4. 5 ولم يفرق بين عرض ولا عين، وروي عن ابن القاسم أنه قال: ليس في الدنانير تعيين.
يريد، أن التعيين إنما يثبت القطع فيما تعرف عينه وهو المتاع
وما أشبهه دون العين والمكيل والموزون، والقياس أن لا فرق بين أن يعين، أو يقول: استهلكت ذلك، إلا أن تشهد البينة على عين المتاع أنه للمسروق منه، فإن لم تشهد بذلك بينة كان الجواب عن الجميع واحدًا، فإن قيل: إنه إذا أقر أخذ المتاع بإقراره، ولم يصح رجوعه عنه، لم يصح أن يسقط القطع؛ لأنه حكم واحد فلا يتبعض، فيكون صادقًا في أخذ المتاع كاذبًا فلا يقطع (1). قيل: وكذلك إذا عين الدنانير وقال: استهلكت المتاع، تؤخذ منه الدنانير، ويغرم قيمة المتاع إذا كان موسًرا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه لا يصح رجوعه في حق المقر له فلا يتبعض إذًا الحكم، فيغرم ويسقط القطع.
فصل [في حدّ العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب إذا سرقوا]
وقال مالك في العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب يقرون بالسرقة: تقطع أيديهم إذا عينوا وإن كذبهم السيد، وقال: بل ذلك متاعي، كان القول قول السيد 2. يريد: في غير المكاتب.
قال الشيخ -رحمه الله-: إقرار المكاتب ومن فيه بعض حرية على وجهين: فإن أقر أنه سرق من غير حرز أو كانت السرقة دون ربع دينار 3 - لم يقبل قوله 4، عين أو لم يعين، وإن كانت مما يقطع فيها، ولم يرجع فالمعروف من المذهب أنه يقام عليه ذلك الحق لله في كل ما يكون في بدنه قطعًا كان أو قتلًا.1
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا أقر العبد بالقتل وعينه وقال: ها هو ذا وأنا قتلته، أنه لا يقبل قوله إلا أن يكون معه، أو يرى وهو يتبعه أو نحو ذلك 1. وهذا قول ثالث أنه لا يقبل قوله، وإن عين إلا أن يقوم لذلك دليل.
يريد؛ لأن إقراره وإن كان مما يتضمن تلف نفسه فهو إقرار على سيده، واستحسن أن يصدق في السرقة وما أشبهها مما الحق فيه لله؛ لأن للعبد موليين ولكل واحد منهما عليه حق، فإذا أقر لله بحقه أخذ به ثم يعود المقال بين المقر له بالسرقة والسيد، فإن كان العبد مأذونًا له في التجارة 2 صدق وأغرم ما أقر به 3، وإن كان غير مأذون له لم يصدق على السيد إلا أن يقول السيد: لا أعلم لي فيها حَقًّا، وكان مثل المقر به لا يشبه أن يكون من ملك عبده، وإن قطع وقد كان استهلكها لم يتبع مع العدم، وإن أقر العبد الحجور عليه بالسرقة لم تؤخذ منه السرقة، إلا أن يكون مما لا يشبه أن يكون من كسبه 4.
واختلف فيمن أقر بعد التهديد على خمسة أقوال: فقال مالك: لا يؤاخذ بذلك.
قال ابن القاسم: وإن أخرج المتاع أو القتيل فإنه يقال، إلا أن يقر بعد أمن من عقوبة، ويعرف 5 ذلك أو يقر ويخبر بأمر يعرف به وجه ما أقر به وعن الشيء 6. فكأنه يريد أن إخراج المتاع أو القتيل بانفراده لا يؤخذ به حتى 7 ينضاف إلى ذلك من إخباره ما يدل على صحة ذلك مثل أن يقول:
اجترأت ففعلت كذا، أو على صفة كذا، فيذكر من بساط الأمر ومبتدئه ومنتهاه ما يعلم أنه خارج عن إقرار المكره وما يكون كذبًا، وإذا لم يكن ما يدل على ذلك كان له في التعيين مندوحة، وقال مالك في كتاب محمد: إذا عين السرقة، قطع إلا أن يقول: دفعها إليّ وإنما أقررت لما أصابني فلا يقطع، قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا تعرف، وقال أشهب: لا يقطع وإن ثبت على إقراره؛ لأن ثبوته خوف أن يعاد إليه بمثل الذي كان، إلا أن يعين السرقة، ويعرف أنها للمسروق منه 1. يريد، أنه يخرج متاع نفسه ويعترف به لينجو مما هو فيه فلا يقطع إلا أن يثبت أنه للمسروق منه 2. وقال جبلة: كان سحنون يذهب إلى أن الرجل إذا أقر في الحبس أو حبسه سلطان في حق، وكان يعدل أنه يلزمه إقراره.
ويقول: ليس من حبس في حق وباطل سواء.
ويقول: كيف ينبغي إذا حبس أهل الظنة ومن يستوجب 3 الحبس إذا أقر في حبسه ألا يلزمه.
ويقول: إنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء 4، فحمل ابن القاسم إقراره على أن ذلك لأجل الإكراه وإن عين، إلا أن ينضاف إلى الإقرار ما يدل على صحة قوله، وعلى صحة التعيين، وحمله مالك على الصحة إلا أن يدعي أن ذلك لأجل الإكراه، فيقول: دفع ذلك إليَّ فلان 5. وكذلك يقول في إذا عين القتيل
محمله 1 على الصحة حتى 2 يدعي عذرًا، وحمله أشهب على أنه على الإكراه، إلا أن يثبت أن المقر به لمن أقر له بذلك، ولم يرَ ذلك ابن القاسم، وإن ثبت الملك؛ لأنه قال: إذا أخرج القتيل لا يؤخذ به والقتيل كثبوت 3 المتاع، وحمله سحنون على الصحة وإن لم يعين.
باب (1) في السارق والزاني البكر والقاذف يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحد
وإذا وجب حد ما دون القتل لسرقة أو قصاص أو ضرب بكر في الزنى أو جلد لشرب الخمر أو قذف في شدة حر أو برد وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك أُخِّرَ لوقت آخر وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان أقيم عليه افترق الجواب فأما القطع عن السرقة فيسقط ويعاقب ولا يحد وإن كان القطع عن قصاص رجع إلى الدية فيه واختلف هل يكون في مال الجاني أو على العاقلة وإن كان ضرب بقذفٍ كان من حق المقذوف أن يفرق عليه الضرب وقتا بعد وقت حتى يستكمل حقه وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يستكمل ما وجب عليه منه وإن اجتمع على رجل حدان لله -عز وجل- جميعًا أو لآدمي أو أحدهما لله سبحانه والآخر لآدمي فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه وإن كان فيه محمل لأحدهما وهما جميعًا لله سبحانه بدئ بأكثرهما كالحد عن الزنى وشرب الخمر فيجلد في الزنى إلا أن يخاف عليه في المائة ولا يخاف عليه في الثمانين وإن كان الخوف لضعف بنية ابتدئ بالحد عن الزنى فأقيم عليه ما يؤمن عليه منه ثم يستكمل وقتا بعد وقت فإذا أكملت المائة ضرب لشرب الخمر وإن كان الحقان لآدمي لأنه قطع هذا وقذف هذا.
اقترعا أجهما يبتدأ بإقامة حقه من غير مراعاة الأكثر وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأول دون الآخر من غير قرعة وإن كان أحدهمالله تعالى والآخر لآدمي بدئ بما هو لله سبحانه إلا أن يكون فيه محمل1
لما هو لآدمي وحده فيقام عليه ويؤخر ما هو لله سبحانه لوقت لا يخاف عليه.
وان كان الخوف في أي وقت وكان الحق لله سبحانه جلد ابتداء مفترقا ثم حق الآدمي (1).
فصل (2) [في حكم المختلس]
قال مالك: ولا يقطع المختلس.
3 قال الشيخ -رحمه الله-: أخذ الأموال بغير رضا أربابها على ثمانية أوجه: السرقة، والحرابة، والاختلاس، والغصب، والتعدي 4، والغيلة والخديعة، والخيانة.
والعقوبة فيها على ثلاثة أوجه: فعقوبة السارق القطع، وعقوبة 5 المحارب أحد الأربعة التي ذكر الله تعالى في كتابه، 6 وعقوبة من سواهما الضرب والسجن من غير قطع، وقد جعل القطع في غير سرقة، فقال مالك: قطع الذهب والفضة من الفساد في الأرض 7، وأول من قطع قاطعهما 8 عبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.12
وقال ابن وهب: من قال يد الله أو عين الله وأشار إلى يد نفسه أو عين نفسه، قطع ذلك العضو منه.
وقال أشهب في كتاب محمد في المصلوب: تقطع يده.
قال مالك: ولقد كان مروان ينزع ثنيتي الرجل يقبل المرأة، ثم ينزع ثنيتيه لذلك.
1.
والسرقة: ما أخذ من صاحبه سرًّا ولم يعلم، أو أخذه من موضع مغلق عليه أو ما أشبه ذلك.
والاختلاس: ما أخذ علانية ثم فر به وصاحبه يراه.
والحرابة: ما أخذ عن قتال بسلاح أو حجر أو عن خوف إن امتنع أن يفعل ذلك به.
والغصب: ما أخذ بالقهر من غير حاجة لقتال ولا عن خوف، فقد يأخذه بفضل قوته على صاحبه، والمأخوذ منه لا يخاف منه إن امتنع يقاتله عليه.
والتعدي بغير غصب: ما يؤخذ على وجه القهر، أخذه في غيبة صاحبه ليس على وجه الاستمرار أو بحضرته وهو يراه من غير إذنه فأفسده.
والخديعة: أن يخدعه بكلام حتى يعطيه إياه.
والخيانة: الأخذ عن أمانة كانت في ذلك المال يودعه إياه فيجحده.
قال أشهب في كتاب محمد في السارق: هو المستسير المتخفي، والمختلس هو المعلن بغير سلاح، والمحارب هو المكابر بسلاح.
قال الشيخ -رحمه الله-: المختلس يبتدئ 2 أمره عن غفلة بما يكسر ذلك 3
علانية، ولو اغتفله فأخذه سرًّا فلما صار بيده فر به علانية لقطع؛ لأن أصل مصيره إلى يده سرًّا، وهي السرقة فلا يراعى صفة مسيره بها.
قال مالك: والغيلة: أن يخدع الصبي أو الرجل فيدخله بيته فيقتله على مال يأخذه منه 1.
كمل كتاب القطع في السرقة
والحمد لله