كتاب القذف
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)
الجزء: 13 - الصفحة: 6233
باب (1) في حماية عِرضِ الُمؤمنِ، ومَنْ قَذفَ أو عَرَّضَ بالقذفِ
2
الأصل في حماية عرض المؤمن قول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النور آية: 23]، ولا خلاف أن ذلك ممنوع من الرجال كمنعه 3 من النساء، وأوجب الله تعالى على من قذف حرة مسلمة بالزنى، ولم يأت بالبراءة بأربعة شهداء- الجلد ثمانين جلدة 4، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ [سورة النور آية: 4].
وأجمع أهل العلم على أن حق الرجال والنساء في ذلك سواء، فقال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات آية: 12]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ وعِرْضُهُ، ومَالُهُ" أخرجه مسلم 5. وقال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا..." 6 الحديث أخرجه البخاري ومسلم، ولا خلاف في ذلك.1
الجزء: 13 - الصفحة: 6235
فصل [في شروط حد القاذف]
ويقام الحد على القاذف بتسع خصال: وهو أن يكون بالغًا عاقلًا، والمقذوف: بالغًا، عاقلًا، حرًا، مسلمًا، عفيفًا عن الفاحشة التي قذف بها، رمي بزنا 7 أو لواط.
واثنان لا حد عليهما إذا قَذَفَا: الصبي والمجنون في حال جنونه.
وتِسْعٌ لا حد على قاذفهم: الصبيُّ والمجنونُ 8 والعبدُ والكافرُ والمرتدُ والزاني والحصورُ الذي ليس معه آلة النساء والمجبوبُ 9 والصَّبِيَّةُ إذا كانت في سِنِّ من لا تطيقُ الرجلَ.
فأما الصبي فلا حد عليه إن قَذف، ولا له إن 10 قُذف، ويسقط عنه الحد، لقول النبي في: "رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثٍ..." الحديث 11.
وسقط عن قاذفه؛ لأن الحد يدفع المعرة التي تدرك المقذوف بما رمي به، ولا معرة على من كان غير بالغ في ذلك.
والحُكْمُ في الصَّبِيَّةِ إذا قَذَفت- حُكْمَ الصبيِّ، ويفترق الجواب فيها إذا قُذِفَتْ، فإن كانت في سن من لا يجامع- لم يحد قاذفها؛ لأنه مما يُقطَعُ بكذبه، = الأدب 5/ 2247، برقم (5696) ومسلم: 2/ 886، في باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الحج، برقم (1218).
الجزء: 13 - الصفحة: 6236
فلم يلحق بقوله ذلك معرة.
واختلف إذا كانت في سن من تجامع، فقال مالك وغيره من أصحابه: يحد لها 12. وقال محمد بن الجهم ومحمد بن عبد الحكم: لا حد عليه.
قال الشيخ: 13 والقول الأول أحسن؛ لأن ذلك -لو ثبت أنها فعلته- مما يدركها منه 14 معرة، وليس يستخف وجود ذلك من الصَّبيَّةِ كوجوده من الصبيان وسقط الحد عمن قذف في حال جنونه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القَلمُ عن ثَلاثٍ..." الحديث 15.
ويفترق الجواب إذا قُذِف، فإن كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه، ولا يتخلل ذلك إفاقة- لم يحدَّ له؛ لأنه لا معرة عليه لو صَحَّ فِعْلُ ذلك منه 16.
وإن بلغ صحيحًا، ثم جُنَّ أو كان جنونه مرة، ومرة يفيق 17 - حُدَّ قاذفه، وعلى هذا الوجه يحمل قوله في المدونة 18.
وكذلك المجبوب إذا كان جبابه قبل بلوغه لم يحد؛ لأنه مما يعلم كذب قاذفه، فلم يتعلق به معرة، وإن كان جبابه بعد بلوغه حد.
وسقط عن قاذف الحصور؛ لأنه مما لا معرة على المقذوف إذا كان مما يقطع بكذبه.
الجزء: 13 - الصفحة: 6237
ولا يسقط عن قاذف العِنِّينِ وإن كان ممن 19 لا ينتشر؛ لأن عجزه مما لا يقطع به، وقد يقع في النفوس صدق قاذفه ومثل هذا تلحق به المعرة.
ويسقط عن قاذف العبد والنصراني والمرتد والزاني، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ الآية [سورة النور آية: 4].
وجميع هؤلاء غير محصن؛ لأن الإحصان عن 20 أربعة: الإسلام والحرية والعفاف والزوجية، فوجب حمل الآية على جميع أنواع الإحصان، إلا ما أجمع عليه أنه غير مرادٍ بالآية، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ" 21. ولم يجعل عليه في الدنيا شيئًا، وقال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: 12]، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَه اللهُ عَلَيْهِ، كانَ أَمْرُهُ إِلَى الله، إِنْ شَاءَ عَاقَبَه وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ" 22. فلو كان قاذف العبد يجلد في الدنيا لم يجلد في الآخرة.
الجزء: 13 - الصفحة: 6238
فصل [في قذف المسلم البالغ بما كان منه قبل البلوغ أو حال الكفر]
واختلف فيمن قذف بالغة 23 بما كان منها قبل البلوغ، ومسلمة بما كان منها في حال الكفر -على ثلاثة أقوال- إذا قال: زنيت وأنت صبية، أو: وأنت نصرانية، أو قال: يا زانية، وقال: أردتُ أنها فعلت 24 ذلك قبل البلوغ والإسلام -فقال ابن القاسم في الكتاب: يحد قائل ذلك لهما، أثبت ما قاله أم لا 25. وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن أثبت ذلك لم يحد، وإن لم يثبت حُدَّ 26.
وقال أشهب مثل ذلك إذا قال لها: يا زانية، وإن قال لها: زنيت وأنت صبية أو نصرانية، فإن كان في غير مشاتمة فلا حد عليه، وإن كان ذلك في مشاتمة حُدَّ، إلا أن يأتي على ذلك ببينة 27.
وعلى هذا يجري الجواب إذا قال ذلك لرجلٍ، وقال له: زنيتَ وأنت صبيٌّ، أو وأنت نصرانيٌّ، فحمل ابن القاسم قاذفهما على أنه أراد التعريض بزنىً كان منهما غير الذي سماه.
وقول عبد الملك أحسن؛ لأنه أثبت ما رماها به- وَفِعْلُ ذلك وإن كان في حَالِ الصِّبا والكفر- لا يخرجهما عن أن يقع على ذلك الفعل اسم الزنى، وأيضًا
الجزء: 13 - الصفحة: 6239
فإن ذلك مما يقع به التعيير، فلم يكن لحمل القاذف على غير ذلك وجه.
وقد قال مالك فيمن قذف صبية قبل البلوغ: إنه يحد 28، إلا أن يثبت ذلك، بخلاف الصبي، فإذا أوجب الحد على قاذفهما قبل البلوغ لأجل 29 أنه نسبها إلى ما تلحقها 30 به المعرة كالبالغ، وأسقط الحد عنه إذا أثبت أنها فعلت ذلك- لم يجب عليه حد إذا 31 قذفها به 32 بعد البلوغ، وأثبت ذلك.
واختلف إذا قال: زنيت وأنت مستكرهة، فقال ابن القاسم: لا حد عليه إذا أثبت ذلك 33.
وقال محمد وسحنون: يحد 34. وحملا عليه أنه أراد التعريض بما كان منها طوعًا؛ لأن المستكرهة لا ينسب الفعل إليها، فيقال لها: زنيت، وإنما يقال:
الجزء: 13 - الصفحة: 6240
زنى بها.
والأول أبين؛ لأن ذلك مما لا تميزه العامة.
وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو نصرانية أو مستكرهة: يلاعن؛ لأنه قاذف أو معرض 35.
وعلى قول عبد الملك وأشهب لا لعان عليه 36 إذا أثبت ما رماها به 37، فهو أحسن ولم يذكر ابن القاسم كيف صفة لعانه، ويشبه أن يكون لعانه: أن يشهد أربع شهادات بالله أنه لم يرد تعريضًا، وأنه لم يرد إلا ما أثبت أنه كان في الصبا أو الكفر؛ لأنه لا علم عنده من غير ذلك، ثم لا يكون عليها لعان؛ لأنه لم يثبت أنه كان منها وهي في العصمة، ولا ادعاه.
ولو قال لمعتقة 38: زنيت وأنت أمة، أو لعبد: زنيت وأنت عبد، وقال: يا زان، ثم أثبت أنه قد كان ذلك قبل العتق- لم يحد القاذف، وحد المعتق، وهذا بخلاف قوله: زنيت وأنت نصرانية أو نصراني؛ لأن هذا زنى 39 يلزم فاعله الحد.
ويختلف إذا قال لمن يعرض له جنون ثم يفيق: يا زان، أو: زنيت وأنت مجنون، فعلى قول ابن القاسم- يحد قاذفه أثبت ذلك أو لم يثبته.
وعلى قول عبد الملك- لا حد عليه إذا أثبت ذلك، وعلى قول أشهب- لا حد عليه، إذا قال
الجزء: 13 - الصفحة: 6241
ذلك في غير مشاتمة وإن لم يثبته وإن ان في مشاتمة، إلا أن يثبت ذلك.
فصل [في العبد الموصى بعتقه إذا مات سيده إذا كان قاذفًا أو مقذوفًا]
وإذا مات رجل عن عبد موصىً بعتقه، فقذف إنسانًا أو قذف قبل النظر فيه، وإن خلف السيد مالًا غير مأمون- لم يحدّ قاذفه، وحُدَّ العبد إن قذف أربعين، واختلف إذا خلف السيد 40 أموالًا مأمونة ولا دين عليه؛ فقال مالك في كتاب محمد مرة 41: لا حد على قاذفه حتى ينفذ في ثلثه، وقال مرة: يحد 42.
وإن أوصى بأن يعتق فقال: أعتقوه بعد موتي- لا يحد قاذفه على حال؛ لأنه لا يكون حرًا إلا بعتق الورثة أو الوصي، وهو في هذا بخلاف قوله: إذا مت فهو حر.
ويختلف أيضًا فيمن مات عن أمة حامل فقذفها رجل قبل أن تضع، فقال مالك: إذا تبين حملها حُد قاذفها، قال محمد: وقد قيل: إنه يؤخر حتى تضع حملها، ولعله 43 ينفش 44. فجعل الأمر فيها موقوفًا، فإن وضعت حُدَّت، وإن لم تضع لم تحد، وكانت رقيقًا.
الجزء: 13 - الصفحة: 6242
فصل [في حد القاذف إذا ان مسلمًا أو ذميًّا]
يحد القاذف إذا كان حرًا مسلمًا-ثمانين جلدة بكتاب الله -عز وجل-، وكذلك إذا كان ذِميًّا -يهوديًا أو نصرانيًا- فإنه يحد ثمانين، قياسًا على المسلم إذا قذف، ولا يكون في انتِهَاكِهِ حُرْمَةَ المسلم أدنى رتبة فيما 45 يجب عليه له.
واختلف في الحربي فقال ابن القاسم: يُحَدُّ إذا قذف مسلمًا، وقال أشهب: لا حَدَّ عليه 46.
ويُحَدُّ العبدُ إذا قَذفَ، واختلف في عدد ذلك، فقال مالك وابن القاسم: يحد أربعين على النصف من حد الحر 47.
وقال ابن شعبان 48: يحد ثمانين.
وهو أبين؛ لأن الحد مبني على حرمة المقذوف وهو حق لآدمي فلا ينقص منه العبد إذا انتهك 49 حرمة الحر 50 المسلم 51.
ولا حد على من قذف عبدًا، وإن قذف أحد أبويه 52 وكانا حرين، فقال
الجزء: 13 - الصفحة: 6243
له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية- كان له أن يقوم بحدهما.
وقال ابن القاسم في المدونة: ولو قال ذلك السيد لعبده كان له أن يقوم بحدهما، ويحد السيد في ذلك 53.
الجزء: 13 - الصفحة: 6244
باب في العفو عن القاذف، ومن قذف غائبًا أو ميتًا ومن يقوم بحق الميت في ذلك من الأولياء
اختلف قول مالك في حد القذف هل هو حق لله، أو حق للمقذوف؟ فجعله مرة حقًّا للمقذوف 54؛ فيجوز له أن يعفو عنه قبل بلوغ الإمام وبعده؟ ورآه مرة حقًا لله سبحانه، فلا يجوز له أن يعفو عنه لا قبل الإمام ولا بعده، إلا أن يعلم أنه أراد سترًا، وقال أيضًا: يجوز عفوه قبل ولا يجوز بعد إلا أن يعلم أنه أراد سترًا 55، وهذا راجع إلى القول أنه حق لله سبحانه، فيحمل عليه إذا عفا قَبْلُ على 56 أنه أراد سترًا، ولا يجوز له ذلك بَعْدُ؛ لأن الغالب في من كان ذلك فيه أنه لا يرفع إلى الإمام، خوفَ أن يثبت عليه ما رمي به.
ولم يختلف أن عفوه جائز إذا أراد سترًا، وهذا يحسن فيمن لم يعرف بذلك وكان ذلك منه فلتة، وإن كان المقذوف على غير ذلك- لم يؤمر بالستر عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم في قوم شهدوا على رجل أنه قذف فلانًا، وفلان يكذبهم 57 ويقول: لم يقذفني، قال: لا يلتفت إلى شهادتهم، وإن قام بهم ثم كذبهم- لم ينظر إلى قوله 58، وهذا راجع إلى القول أنه حق لله تعالى، فيحمل
الجزء: 13 - الصفحة: 6245
عليه 59 إذا كذبهم أنه أراد سترًا، وإذا قام بهم لم يحمل على ذلك.
وقال أشهب في مدونته فيمن عفا عن قاذفه، ثم أتى بعد زمان فأراد أن يحده أن ذلك ل، قال: لأن ذلك حد من حدود الله تعالى 60.
قُلْتُ: وقول مالك -أن ذلك حق للمقذوف- أحسن، وليس تعدي القاذف في قذفه بأعظم من تعديه على قتله، ولا خلاف أن له أن يعفو عن قاتله، ولأن القذف مبني على حرمة المقذوف، ويفترق الجواب فيه إذا كان حرًا أو عبدًا، فدل ذلك على أنه حَقٌّ لآدمي، ولم يختلف المذهب أن عفو الابن عن أبيه جائز وإن بلغ الإمام، ولو كان حقًا لله تعالى لم يجز عفوه إذا كان الابن المقذوف.
وقال ابن القاسم وأشهب: لو قذفه جده لأبيه لجاز عفوه وإن بلغ الإمام، وإن كان قذف 61 أمه لم يجز 62. وإن قام الأب بقذف ابنه بعد موته لم يجز عفوه، بخلاف حياته.
وكل هذا اضطراب وترجح في الأصل؛ لأنه لم يجره 63 على أنه حق للمقذوف، فيجوز العفو في جميع ذلك، أو حق لله فيمنع العفو في الجميع.
وأرى العفو عن من عَرَّضَ بالزنى جائزًا، للاختلاف في ذلك هل يقام به الحد قبل العفو أم لا؟
الجزء: 13 - الصفحة: 6246
فصل [في قذف قريب الغيبة أو بعيدها]
وإذا قذف غائبًا قريب الغيبة، لم يَقُمْ بِحَدِّهِ ولدٌ ولا غيره، وكوتب المقذوف في ذلك.
واختلف إذا كان بعيد الغيبة، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يقوم بحده ولد ولا غيره، قال محمد: وقيل ذلك لولده 64. وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: ذلك للولد في أبيه وأمه، وليس ذلك لغيره من الأقارب 65.
واختلف بعد القول أنه لا يحد، هل يسجن حتى يقدم الغائب، فقال ابن الماجشون في المبسوط: يسجن حتى يأتي 66 من له العفو أو القيام بالحد.
وظاهر المدونة أنه لا يعرض له بشيء لا 67 من حد ولا من غيره 68، فأجري في القول الأول على أحكام التعدي على الغائب والمغصوب أنه يقام لهم بحقهم إذا تعدى لهم على شيء وهو غائب، أو غصب وإن لم يوكل على ذلك.
وألا يعرض له أحسن؛ لأن كثيرًا من الناس يعرض عن من أذاه بمثل ذلك 69، ولا ينتصف، وإذا كان ذلك أُخِّرَ الأمر حتى يقوم المقذوف بنفسه.
الجزء: 13 - الصفحة: 6247
فصل [في حق المقذوف إذا مات]
وإن مات المقذوف فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه 70:
من 71 يكون عفا قبل موته، فلا يكون لورثته قيام.
أو يوصي بالقيام لحقه، فيقام به، ولا يكون لورثته عفو.
ولا يقول لورثته 72 شيئًا، فإن ذلك إلى أوليائه، وهم بالخيار بين القيام والعفو، وهم: الابن، وابن الابن، والأب، والأخ، وابن الأخ، والجد، والعم، وابن العم، من انفرد منهم بالميت كان له القيام.
واختلف إذا اجتمعوا فعفا بعضهم، وفي دخول العصبة إذا لم يكن هناك من هو أقرب منهم، وفي الإناث كالبنات والأخوات إذا انفردن، فقال ابن القاسم في المدونة: القيام لولده، وولد ولده، وأبيه، وأجداده لأبيه، فمن قام منهم أخذ بحده 73 وإن كان ثم من هو أقرب منه؛ لأنه عيب يلزمهم، ولا يقوم عصبتهم مع هؤلاء، ولهم أن يقوموا إذا لم يكن أحد من هؤلاء وتقوم البنات والأخوات والجدات، ولا 74 يقوم الأخ وَثَمَّ ولدٌ ولدٍ 75. فأدخل النساء والعصبة فى القيام بذلك، وقال في كتاب محمد: إن ترك الميت: الولد أو
الجزء: 13 - الصفحة: 6248
ولد ولد وأبًا وجدًا لأب فهم سواء، ومن قام منهم، فله أن يُحَدَّهُ وإن كان غيره أقرب منه، فأما الأخوة أو البنات أو الجدات أو غير من 76 سَمَّيْنَا، فلا قيام له بحد الميت إلا أن يوصي 77. فأسقط قيام الأخوة والعصبة وسائر النساء.
وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، ولا قيام لابن الابن مع الابن ولا عفو، ثم ابن الابن بعده، ثم الأب، ثم الأخ، ثم الجد، ثم العم، وكذلك قراباته من النساء: الأقرب فالأقرب، فأما بنت البنت والزوجة فلا 78.
وقول ابن القاسم الأول أحسن؛ لأنه عيب يشملهم، إلا العصبة، فإن قيامهم ضعيف، فإن لم يخلف أحدًا من نسبه يقوم بذلك ولا وصَىَّ بالقيام، لم يُقم بذلك، وهذا على القول أنه حق للمقذوف، وعلى القول أنه حق لله تعالى- يقوم به الإمام.
الجزء: 13 - الصفحة: 6249
باب في التعريض بالقذف والشتم، ومن شتم بلفظ متردد بين القدف (1) وغيره
ومن شتم رجلًا فإنه لا يخلو من خمسة أوجه:
إما أن يقذف ويصرح بالقذف، أو يُعَرِّضْ به، أو يشتم بما لا يراد به قذف، أو يُعَرِّضْ به، أو بلفظ محتمل هل يراد به القذف أم لا؟ 80
فإن صرح بالقذف أو عَرَّضَ به، حُدَّ، وإن شتم بلفظ لا يراد به القذف أو عَرَّضَ به، عوقب ولم يحد.
وإن أشكل الأمر هل يراد به القذف أم لا؟ أُحْلِفَ أنه لم يرد قذفًا، وعوقب.
واختلف إذا نكل هل يحد أم لا؟ فأجراه 81 مرةً على النكول عن أيمان التُّهم: أنه يغرم ما نكل عنه، وكذلك هذا يحد فيما نكل عنه، ورأى 82 مرة أنه بخلاف المال، فلا يؤخذ منه الحد، ومثله إذا نكل عن الطلاق والعتق عندما شهد عليه بذلك شاهد، فاختلف هل يطلق عليه ويعتق أم لا؟
والتعريض يختلف، فإن كان من أجنبي حُدَّ، وإن كان من الأب لولده لم يُحدَّ إلا أن يصرح.
واختلف إذا كان التعريض من الزوج لامرأته، هل يحمل على أنه أراد79
الجزء: 13 - الصفحة: 6250
قذفًا أم لا؟ وقد مضى ذلك في كتاب اللعان.
ومن التعريض أن يقول الرجل لمن شاتمه: ما أنا بزانٍ، واللفظ يقتضي مدح نفسه، ونفي الزنى عنها، والقصد إثباته على من يخاطبه، وكذلك قوله: ما يطعن في فرجي بشيء، وإني لعفيف الفرج، أو إنك لعفيف الفرج 83 - كل ذلك يحد فيه.
وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني لعفيفٌ، أو ما أنتَ بعفيفٍ أو عفيفةٍ - افترق الجواب، فإن قال ذلك لرجل- أُحْلِفَ أنه لم يرد قذفًا ولم يحد، وهو قول مالك وعبد الملك 84.
واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال: إني لعفيف، أو يا عفيفة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد 85، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: يحد 86.
وإن قال ذلك لرجل حد، إلا أن يدعي أنه أراد عفيف المكسب والمطعم والحال، فيحلف ولا حد عليه، وينكل، قال: لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا في الفرج، والرجل يعرض له بذلك في غير وجه؛ في المال واللسان والفرج 87.
قُلْتُ 88: إن كان قِبَلَ الرجل ظِنَّةً في الفرج- لم يصدق أنه أراد غيره، وإن لم يكن قِبَلَ المرأة ظِنَّةً في الفرج، وعُلِمَ منها بذاءة اللسان وقِلَّة تصون في حالها،
الجزء: 13 - الصفحة: 6251
أو تتهم بسرقة- صُدِّقَ أنه أراد ذلك.
وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: "يا فاسق يا فاجر": يُنَكَّلُ، وإن قال: يا خبيث أحلف أنه لم يرد قذفًا، ثم يُنَكَّلُ، فإن نَكَلَ عن اليمين لم يحد وَنُكِّلَ 89. يريد: أنه يزاد في نكاله.
وإن قال: يا ابن الفاسقة أو يا ابن الفاجرة، نُكِّل، وإن قال: يا ابن الخبيثة، أحلف أنه ما أراد قذفًا وَنُكِّلَ، فإن نَكَلَ عن اليمين، حُبِسَ حتى يحلف، وإن طال حبسه نُكِّلَ ولم يره من التعريض 90.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن قال: يا فاسق يا فاجر يا خبيث، أحلف 91، فإن نكل حُدَّ، وكذلك إن قال: يا ابن الفاسقة، يا ابن الفاجرة، يا ابن الخبيثة: إن نكل عن اليمين حُدَّ 92.
قال محمد: يحلف أنه لم يرد نفيه من أبيه ولا قذفه لأبيه، فإن نكل حد 93.
وقال 94 عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا قال يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة، أو يا ابن الخبيثة، فإن نكل عن اليمين حد 95.
ومضى في ذلك على أصله: أن قول ذلك للنساء أشد، إلا أنه عنده من الأمر المتردد هل يراد به القذف أم لا؟
الجزء: 13 - الصفحة: 6252
ورأى ابن القاسم أن قوله: يا ابن الخبيثة أشد من قوله: يا ابن الفاسقة 96. ذلك 97 لأن الفسق: الخروج من الطاعة جملة، ولا يختص بالفاحشة، قال الله -عز وجل- ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف آية: 50].
وإن الخبث يراد به الفاحشة، قال الله -عز وجل- قوم لوط: ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأنبياء آية: 74]، وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [سورة النور آية: 26]، ولم يحمل القائل على أنه أراد ذلك؛ لأن العامة لا تعرفه فتقصد إليه، وإنما اتَّقَى أن يكون يريد ذلك، فاستظهر باليمين، والقول اليوم على من قال: يا فاسق أشد؛ لأن العامة لا تعرف الفسق إلا الفاحشة.
وإن قال: يا فاجر بفلانة، حُدَّ، إلا أن تكون له بينة على أمر صنعه بها من الفجور، مثل أن يكون خاصمها وادَّعى عليها مالًا، فيحلف أنه أراد ذلك، فإن نكل عن اليمين لم يحد؛ لأنها يمين استظهار.
وكذلك إذا قال: جامعت فلانة حرامًا، أو باضعتها حرامًا، وقال: لم أرد بذلك أنك 98 زنيت بها - حُدَّ، ولم يصدق إلا أن يقيم بينة أنه تزوجها.
ولو قال ذلك في نفسه- قال: جامعتها حرامًا- ثم قال: كنت تزوجتها، لم يصدق، وَحُدَّ حَدَّ القَذفِ، ولم يحد للزنى للشبهة في ذلك، إلا أن تكون له بينة على التزويج 99، ولو قال: رأيت فلانًا يصيب أمك حلالًا فإن كان في مشاتمة حُد 100.
وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: جامعت فلانة بين فخذيها أو في
الجزء: 13 - الصفحة: 6253
أعكانها أنه تعريض يوجب الحد.
وقال أشهب: لا حد عليه؛ لأنه صرح بما رماها 101 102 به، وقد ترك عمر زيادًا الذي قال: رأيته بين فخذيها 103.
والقول الأول أحسن؛ لأنه قال ذلك على وجه المشاتمة، والآخر أتى على وجه الشهادة.
وقد قال ابن القاسم في الأربعة 104 الذين شهدوا بالزنى، فلما كشفوا قال أحدهم: رأيته بين فخذيها أنه لا حد عليه؛ لأنه أتى على وجه الشهادة 105.
وإن قال: رأيتك تطلب امرأة، أو في إثرها، أو تُقَبِّلْهَا، أو اقتحمت عليها، أو دخلت فلانة عليك- لم يحد، يريد: ويحلف أنه لم يرد قذفًا 106.
واختلف إذا قال: زنى فوك، زنت يدك، زنت رجلك 107، فقال ابن القاسم: يحد، ورآه من التعريض.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا حد عليه 108.
الجزء: 13 - الصفحة: 6254
والأول أحسن، إلا أن يكون قوله ذلك بإثر ما تكلم الآخر بباطل بَطَشَ بذلك أو سعى 109 فيه، فادعى أنه إنما أراد ذلك، فإنه يحلف ولا يحد.
وفي كتاب محمد: إذا قال: يا متسور الجدران، ثم قال: أردت النخل، أنه يحد ولا يقبل قوله 110.
قُلْتُ: ولو كان المقول له ممن يتهم بالسرقة، وقال: ذلك أَرَدْتُ، لَقُبِلَ قوله إذا حلف أنه أراد ذلك.
وقال مالك: جَلَدَ مروانُ رجلًا الحد قال لرجل: إِنَّ أُمَّكَ تحب الظُّلَمَ، وقال مالك: ولا أرى فيه حد، وفيه النكال 111.
قُلْتُ 112: أما إن قال 113 الظلْم بإسكان اللام فالجواب كما قال مالك، ولا أرى فيه الحد 114، وإن قال الظُّلَم بفتح اللام 115 فإنه يحد.
وإن قال: يا محدودًا في الزنى، حد، وإن قال: يا محدودًا في شرب الخمر أو القذف 116، عوقب ولم يحد، وإن قال: يا محدودًا، ولم يزد شيئًا 117 سئل ما أراد
الجزء: 13 - الصفحة: 6255
بذلك 118؟ فإن قال: أَردتُ في شرب أو قذف- حلف على ذلك وعوقب ولم يحد، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، وهو قول أصبغ: أنه يحد إذا نكل، وعلى القول الآخر: يزاد في عقوبته، ولا يحد 119. قال مالك: ومن وقع بينه وبين رجل منازعة، فقال له: لأجلدنك حدين، فإنه يحلف ما أراد الفرية، فإن حلف أُدِّبَ 120. واختلف فيمن قال لامرأةٍ 121: يا زانية، فقالت: زنيت بك، فقال مالك: تحد للرجل، وتحد للزنى، إلا أن تنزع عن قولها، فتضرب للرجل، ويدرأ عنها حد الزنى، ويدرأ حد القذف عن الرجل؛ لأنها صدقته 122. وقال أشهب في كتاب محمد: إلا أن تنزع هي وتقول: ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة ولم أرد قذفًا ولا إقرارًا مني بالزنى فيكون الحد على الرجل كما هو ولا حد عليها في قذف ولا زنى 123. وقال فيها أصبغ: بل على كل واحد منهما الحد لصاحبه، وإن نزعت عن قولها؛ لأن كل واحد منهما قاذف لصاحبه؛ لأن قولها ليس بتصديق، ولكن ذلك منها رد عليه 124. وقال مالك في كتاب محمد: ومن قال لرجل: أراك زانيًا، فقال: أنت أزنى
الجزء: 13 - الصفحة: 6256
مني، قال: عليهما الحد.
قال أصبغ: هما قاذفان، وليس قوله، أنت أزنى مني إقرارٌ منه بالزنا، ومحمله محمل الرد لما قال له.
وروى عن ابن شهاب أن ذلك قذف له وإقرار على أنفسهما 125.
وقول أشهب أحسن، وهذا مما تقول المرأة، أي: أنت تعلم أني لم أفعل ذلك كما لم أفعله معك، وأما قوله: أنت أزنى مني، فهو قذف على كل حال، وليس بإقرار.
واختلف فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، وقال الآخر: أخزى الله ابن الزانية، فقال ابن القاسم: يحلف القائل "أخزى الله ابن الزانية" أنه ما أراد قذفًا، فإن أَبى أن يحلف، سُجِنَ حتى يحلف.
ورآه أصبغ معرِّضًا، وقال يجلد ثمانين؛ لأنه جواب في مشاتمة، وتعريض له 126.
وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه نسبه إلى الشيء فبرأ نفسه منه بقوله ذلك.
ومن حمل كتابًا فيه قذف 127 ودفعه لرجل فيه: "يا ابن الفاعلة" - حُدَّ إن كان يعرْف ما فيه.
ومن قذف رجلًا بما عمل قوم لوط حُدَّ.
واختلف إذا قال رجل 128 لرجلٍ: يا مخنث، فقال مالك في المدونة: يحلف أنه ما أراد قذفًا، وَيُنَكَّلُ، فإن نَكَلَ هو حُدَّ 129.
الجزء: 13 - الصفحة: 6257
وقال في كتاب محمد 130: إن كان في المقول له توضيع في بدنه 131 خلقة فيه، أو من عمل النساء شيء، أو لَيِّن الكلام، أحلف ما أراد غيره، وإن كان بريئًا من ذلك لا شيء فيه منه حد القائل 132.
وقال محمد بن مسلمة في الرجل يأتي بالأمر ويسابب الرجل بما يشبه الفرية والشتم فيحلف إن قال: لم أُردِ الشتمَ، فإن حلف عوقب، وإن نَكَلَ حد.
ومن قال لرجل: أنا أفتري عليك، وأنا أقذفك، لا حد عليه، ويحلف أنه ما أراد: أقذفك بالفاحشة.
وقال مالك: فيمن قال لرجل: إن لم أكن أصح منك فأنت ابن زانية، يقول: لست أقارف ما تقارف: إنه إن أقام البينة على ذلك نُكِّلَ، وإن لم يأت بالبينة حُدَّ، وعلى هذا يجري الجواب إذا قال: إن لم أكن خيرًا منك 133.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في من قال لرجل: يا أحمق، فقال: أحمقنا 134 ابن زانية- فعليه الحد 135.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: من رماني منكم، أو لبس ثوبي، أو ركب دابتي فهو ابن زانية، فإنه إن كان أراد من فعل ذلك، وقد كان فعل ذلك به أحد حُدَّ له، وإن أراد المُسْتَقْبلَ، من يرميه أو يلبس ثوبه أو يركب دابته، فرماه منهم رجل أو لبس ثوبه أو ركب دابته بعد قوله ذلك- فلا حد عليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 6258
قال: وكذلك كل ما لا يحل لأَحَدٍ أن يفعله به، ففعله بعد قوله- فلا حد عليه.
قال: وأما إن كان قوله لمن لا يملك منعه فعليه الحد، ثم ينظر، فإن كان من الأمر العام مثل أن يقول: من دخل المسجد، أو من دخل الحمام فهو ابن زانية - فعليه الحد، وسواء أراد بذلك الماضي أو المستقبل، ويحد ساعتئذٍ وإن لم يدخل بعد قوله أَحَدٌ، وإن كان من الأمر الخاص مثل أن يقول: من رمى فلانًا، أو لبس ثوبه أو ركب دابته فهو ابن زانية- فإن فعل ذلك حد 136.
وكذلك إذا جحد رجل حقه، فقيل له: فلان وفلان يشهدان عليك، فقال: من شهد عليَّ منهما فهو ابن زانية، فشهدا عليه فعليه الحد.
وكذلك إذا قيل له: إنك قد فعلت كذا وكذا 137، فقال: من قال إني فعلته فهو ابن زانية، فقال إنسان: أنا قلته، فإن أثبت بينة أنه قال ذلك- حد له، وإلا لم يحد.
وإن قال: يا زوج الزانية، ولا زوجة له- لم يحد، وإن كانت له زوجة حد.
وإن قال: يا قَرْنَان 138 -ولا زوجة له- لم يحد، فإن كانت له زوجة حد، وإن قال: يا قرنان، ولا زوجة 139 - عوقب للرجل، فإن كانت له زوجة عوقب له، وحد للمرأة.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إن قال لرجل: يا زوج الزانية، وله زوجتان، فعفت واحدة، وقامت الأخرى؛ فإن زعم أنه أراد بالقذف التي
الجزء: 13 - الصفحة: 6259
عفت- حلف بالله على ذلك وبرئ من الحد، فإن نكل عن اليمين حد 140.
وإن قال: يا كافر، يا يهودي، يا شارب الخمر، يا خنزير، يا آكل الربا، نُكِّلَ 141، ولم يحلف أنه لم يرد قذفًا؛ لأن هذه الأشياء لا يراد بها التعريض للقذف، والعقوبة في جميع ما تقدم أنه يلزمه فيه النَّكَالَ على قدر القائل والمقول له والقول 142، فإن كان القائل ممن لا قدر له أو عُرِفَ بالأذى والمقول له من أهل الخير والصيانة- كانت العقوبة أشد، وإن كان من أهل الخير والصيانة- كانت العقوبة أخف، إلا أن يكون مضمون القول الأمر الخفيف، فلا يعاقب، ويزجر بالقول، وإن كان القائل ممن له قدر ومعروف بالخير والمقول له على غير ذلك - زُجِرَ بالقول.
قال مالك: فقد يتجافى السلطان عن الفلتة التي تكون من ذوي 143 المروءات 144.
الجزء: 13 - الصفحة: 6260
باب فيمن قطع نسب رجل
وقال مالك فيمن قطع نسب رجل حر مسلم، فقال له: لَستَ لأبيك: حُدَّ، وإن كان أبواه عبدين أو كافرين أو غير ذلك ممن لا حد على قاذفهما 145، وقاسه على الحد في القذف؛ لأن كليهما لدفع المعرة 146، ورأى أن المعرة التي تلحق في كون الرجل لا أب له مثل ما يلحق من حد في زنى.
ويعتبر قطع النسب في الابن دون الأبوين، فإن كان الابن حرًا مسلما حد من قَطَعَ نسبه، وإن كان الأبوان -ممن تقدم ذكره- عبدين أو كافرين، وإن كان الابن عبدًا أو نصرانيًا لم يحد له وإن كان أبواه حرين مسلمين.
والحق في ذلك للأم، ثم لا تخلو المسئلة من ثمانية أقسام:
إما أن يكون جميعهم -الابن والأبوان- عبيدًا، أو أحرارًا، أو أحدهم حرًا -الابن، أو الأم، أو الأب- أو اثنان منهم حرين مسلمين -الابن والأم، أو الابن والأب، أو الأبوين-
فإن كان جميعهم عبيدًا، لم يحد قاطع نسبه.
وإن كان جميعهم أحرارًا، حد للولد، لقطع نسبه، وللأم؛ لأنه قذفها، وإن عفا أحدهما- قام الآخر بحقه، ويجزئ في ذلك حَدٌ واحد على قول مالك، وهو بمنزلة من قذف رجلًا وقطع نسب آخر، فإنه يحد لهما حدًا واحدًا.
وإن كان الابن وحده حرًا، حد القائل، لقطع النسب خاصة، فإن عفا لم
الجزء: 13 - الصفحة: 6261
يكن لأحد أبويه قيام، وَنُكِّلَ لهما، وإن مات قبل أن يقوم، أو قيل ذلك له بعد موته- كان الحق لابنه، يقوم بحده.
فإن كانت الأم وحدها حرة، كان الحق لها خاصة لقذفها.
وإن كان الأب وحده حرًّا، لم يكن له ولا لولده ولا لزوجته في ذلك قيام؛ لأنه قطع نسب عبد، وقذف أمة.
فإن كان الابن والأم حُرَّين- حُدَّ لهما جميعًا.
وإن كان الابن والأب حُرَّين حد، لقطع النسب خاصة.
وإن كان الأبوان حُرَّين، حد لقذف الأم خاصة، فإن عَفَتْ لم يكن للأب 147 في ذلك مقال، وهذا هو الصحيح من المذهب.
وقد اختلف في الوجه الذي يقصده القاطع للنسب، ما هو؟ فقيل: ذلك لأن الأم زنت به وألحقته بهذا الأب.
وقيل: لأن الأب زنى 148 مع غير هذه التي تقول أنها ولدته.
وقيل: إن ذلك من غير زنى من هذين.
ويحتمل أن تكون أتت به وزعمت أنها ولدته 149 ولم تلده، فقال مالك في المدونة فيمن قال لعبد: لَستَ لأبيكَ، وَأُمُّهُ أمة أو نصرانية والأب حر مسلم- يحد للأب؛ لأنه حمل الأب على غير أمه وصار قاذفًا للأب 150.
وقال أشهب 151 في كتاب محمد: لا حد عليه، كأنه قال: وإنما: ركب أمك
الجزء: 13 - الصفحة: 6262
هذه غير أبيك 152.
وجعل السبب في انقطاع النسب من قبل الأم، فذكر سحنون عن أشهب أنه قال: لا حد على من قطع نسب عبد وإن كان أبواه حُرَّينِ؛ لأنه يصح عنده أن يكون ذلك لأنها أتت به وزعمت أنها ولدته، فلا يكون قذفًا لواحد منهما.
ويختلف على هذا إذا كانت الأم حرة مسلمة والأب عبدًا فقياد قول ابن القاسم لا حد عليه؛ لأنه قاذف للأب، وعلى القول الآخر يحد؛ لأنه قاذف لها، ومثله إذا كان الأبوين حرين.
واختلف هل الحق في ذلك للأب أو للأم أو لاحق لواحد منهما لما ذكره سحنون عن أشهب؟ وقد كان يقال: إذا كانت الأم حرة مسلمة، فإنه يحد للأم بغير خلاف.
وهذا غير صحيح، ولا فرق بين كون الأم حُرَّة مسلمة أو أمة أو نصرانية إذا كان القصد انقطاع النسب من قِبَلِ الأب، وأنه هو الزاني.
وإن كان الأحسنُ من هذه الأقوال قول من قال: إن انقطاعه من قِبَلِ الأم؛ لأنه مقصد الناس أنهم يرون الفساد في ذلك من قِبَلِ الأم، ولو كان هناك سماع أن أمه كانت تعذرت عليها الولادة، وأنها جاءت به، وقال 153: ذلك أَردتُ- لم يحد إذا كان الولد عبدًا، وإن كان الأبوين حرين.
وقال ابن القاسم فيمن قال لميتٍ: ليس فلان لأبيه، فقام أبوه بحده، وقال: قطع نسب ولدي مني، قال: عليه الحد 154.
الجزء: 13 - الصفحة: 6263
فجعل قيام الأب لقطع نسب ولده، وليس لأنه زناه، وإنما هو قاذف للأم، فإن عفا قامت الأم إن كانت حية، أو من يستحق القيام بذلك عنها إن كانت ميتة، وعلى القول الآخر يكون القيام للأب، يحد (1) لقذفه.
وقال فيمن قال لولده: لستم بولدي، فقام إخوتهم لأمهم لقذف الأم أو قامت الأم، قال مالك: يحلف أنه لم يرد قذفًا، وإنما قال ذلك كما يقول الرجل: لو كنتم ولدي لأطعتموني، قال ابن القاسم: فإن نكل حد (2). ولم يحمل قوله في قطع نسب ولده؛ لأن ذلك أتى من قبله.
وقال ابن القاسم في العتبية في امرأة قالت لابنها: لست بابن أبيك، قال: عليها الحد (3).
ويختلف هل تعد بذلك مقرة بالزنى، أو قاذفة للأب، أو غير مقرة، ولا قاذفة على ما ذكره سحنون عن أشهب، لإمكان أن تريد: أنها التقطته ونسبته لأبيه؟
فصل [فيمن قال لرجل: يا ابن اليهودي أو: يا ابن النصراني]
واختلف فيمن قال لرجل: يا ابن اليهودي يا ابن النصراني فقال ابن القاسم: يحد إلا أن يكون في آبائه أحدٌ كذلك.
وقال أشهب: لا حد عليه إذا حلف إنه لم يرد نفيه.
وحمل قوله أن أباك الذي تنسب إليه الآن يهودي أو نصراني 158.155156157
الجزء: 13 - الصفحة: 6264
وكذلك إذا قال: يا ابن الأقطع، أو يا ابن الأعور، أو يا ابن الأحمر، أو يا ابن الأزرق، أو يا ابن الآدم 159، وليس أبوه 160 كذلك، فقال ابن القاسم: يحد 161. وعلى قول أشهب لا يحد.
وكذلك إذا قال: يا ابن الحجام، أو يا ابن الخياط، وليس في آبائه من عمل ذلك، فقال مالك: إن كان المقول له ذلك من العرب حُدَّ، وإن كان من الموالي، فلا حد عليه 162.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: ذلك سواء قاله لعربي أو مولى يحد، إلا أن يكون في آبائه من عمل ذلك، وقال أشهب: العربي والمولى سواء، لا حد عليه إذا حلف أنه لم يرد نفيه من آبائه، قال: وإنما قال ذلك كقوله: أبوك الذي ولدك حجام أو حائك 163.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: مجرد اللفظ يوجب حده؛ لأنه جعل له أبًا على الصفة التي نسبه إليها، وعلى مراعاة العادة في المتشاتمين أن القصد: البهت والكذب في الشيء المعين، وأن أباه المعروف كذلك حاله؛ لا يجب حده 164 إذا حلف أنه لم يرد نفيًا.
ويختلف إذا قال: يا ابن اليهودية أو يا ابن النصرانية، فقال مالك في المبسوط: لا حد عليه.
وهذا مثل قول أشهب أنه حمل قوله: إن أمك فلانة
الجزء: 13 - الصفحة: 6265
المعروفة هي النصرانية أو اليهودية؟ وعلى القول الآخر يحد؛ لأنه يحمل عليه أن أباه ولده مع يهودية أو نصرانية، فهو قطع نسب وقذف للأب، أو ولدتك يهودية أو نصرانية فأتت بك هذه فنسبتك إلى أبيك.
وقال ابن القاسم، فيمن قال لرجل: يا ابن زينب، وقال: أَردتُ اسمًا أفضل من اسم أمك، وليس في أمهاته زينب، وقال المقذوف: حملت أبي على غير أمي، قال: لا شيء عليه 165. والمعروف من أصله الحد.
وفي كتاب ابن حبيب فيمن كانت أُمُّهُ قرشية، فقال له رجل: يا ابن البربرية، أو يا ابن الأمة، قال: ليس في الأم نفي وكأنه قال لأمّهِ: أنت أمة، وقال مطرف: يحد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه إلا أن يسميها وينسبها إلى غير جنسها فلا يحد 166.
وقال محمد- وهو لمالك في المبسوط- فيمن قال لابن عربية: يا ابن البربرية، أو يا ابن الأمة- يحد؛ لأنه نفاها 167.
ولم ير عليه 168 في القول الأول حَدٌّ، وكأنه عَيَّن الأم المعروف بها، ثم نسبها إلى ذلك، وجعله 169 في القول الثاني قاذفًا للأب وأن له أُمًّا على تلك الصفة غير هذه، وجعله في القول الثالث قاطعًا لنسب الأم، وهو أعدلها وأحسنها، فإن قال له: يا ابن الأسود، وأبوه أبيض، حد.
الجزء: 13 - الصفحة: 6266
قال محمد: فإن قال يا ابن الأبيض، وأبوه أسود، قال: لم أقل لك (1) في ذلك شيئًا، وأرى أن لا شيء عليه؛ لأن هذا مما يقوله الناس (2). يريد: التعيير أن أباك ليس بأبيض.
وقال ابن الماجشون: وإن قال: يا ابن فلان الأسود، وسمى أباه- لم يحد، وهو كاذب، ويعاقب (3).
واختلف إذا قال: يا ابن السوداء، وأُمُّهُ بيضاء، فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: يحد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، وجعله لزنية (4).
وقال ابن الماجشون: لا حد عليه (5).
وقوله هذا محتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون أمك هذه سوداء فهو كذب.
أو يريد: لأن هذه التقطتك ونسبتك إلى أبيك، وهذا يكون قطع لنسبٍ لا قذف.
فصل [فيمن قال لرجل: لا أبا لك]
وقال مالك فيمن قال لرجل: لا أبا لك- لا شيء عليه، إلا أن يريد به170171172173174
الجزء: 13 - الصفحة: 6267
النفي، وهذا مما يقوله الناس في الرضا، فأما من قاله في مشاتمة وغضب، فذلك شديد، وليحلف أنه ما أراد نفيًا 175، فإن قال: لا أم لك فلا شيء عليه.
وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: لست ابن فلان، يعني: جده، وجده كافر- حد عند مالك؛ لأنه قطع نسبه.
وإن قال لأبيه الكافر ليس أبوك لأبيه لم يحد 176.
وقال ابن نافع في كتاب المدنيين: يحد وإن قال ذلك للكافر 177؛ لأنه قطع نسب المسلم.
وهذا أقيس 178، إلا أن يريد ابن القاسم التفرقة: أنه إذا نفاه من جده أن سبب انقطاع النسب لأن أمك زنت بك، ولأن أباك ولدك في زنى، فهذا يَحْسُنُ إذا كان الأبوان أو أحدهما حرًا مسلمًا.
ومن قال لرجل: لست لأمك- لم يحد، ومن قال لرجل: لست ابن فلان -ينسبه لغير أبيه- حُدَّ إلا أن يكون ذلك على وجه الاستفهام.
ومن قال لرجل: أنت 179 ابن فلان -ينسبه لغير أبيه- حد إلا أن يكون ذلك على وجه الاستفهام.
وإن قال: أنت ابن فلان -يريد: جده لأبيه أو لأمه- لم يحد، وقال ابن القاسم: وإن كان في مشاتمة؛ لأن الجد للأم أب، لقول الله سبحانه: {وَلَا
الجزء: 13 - الصفحة: 6268
تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ...} الآية [سورة النساء آية: 22]، فلا يجوز لابن الابنة أن ينكح ما نكح 180 جده لأمه 181.
وإن قال: أنت ابن فلان -يريد: عمه أو خاله أو زوج أمه- حُدَّ.
وقال أشهب: في جميع ذلك لا حد عليه إلا أن يكون في مشاتمة 182.
قال محمد في الجد: قول ابن القاسم أحب إلينا، إلا أن يكون ثم من يعرف أنه أراد القذف، مثل أن يكون جده قد اتهم بأمه وإن كان ذلك خفيفًا، وإلا فلا حد عليه، فقد يكون الجد للأب 183 أو للأم شديدًا أو فيه بذاءة، فيقول: أنت ابن فلان -أي: خرجت مثله- قال: وقول أشهب أحب إلينا إذا لم يكن في مشاتمة، وقاله أصبغ، واحتج بقول الله سبحانه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ 184.
الجزء: 13 - الصفحة: 6269