أخذ منه الأكثر مما نقص اللباس يوم أجره أو ما أجره به؛ لأنه المسلط على ما استهلك منه ففارق ما أصيب بأمر سماوي، وإن كان الغاصب فقيرًا أخذ اللابس بالأكثر من قيمة النقص أو إجارة المثل يوم رجع اللابس على الغاصب بما دفع إليه.
وإن غصب دابة أو عبدًا أو حدث بها عيب من سبب الغاصب ثم اغتله أو استعمله، كان للمغصوب منه أن يأخذه بالوجهين جميعًا بما نقصه العيب وبالغلة، وكذلك إذا حدث العيب من سببه بعد أن استعمله وإن حدث العيب من الاستعمال كان بالخيار فإن أحب أخذه بما نقص العيب ولا شيء له من الغلة أو الغلة ولا شيء له من النقص، ولو كان حمل عليها، فلما كان آخر حمله عثرت من الثقل الذي عليها فحدث بها عيب كان له أن يأخذ أجرة (1) المثل فيما تقدم هذه الغلة وبقيمة العيب وقت حدث.
فصل [فيمن غصب حمامة فأفرخت بيضًا]
الولد 2 في بنات آدم وفي سائر الحيوان الإبل والبقر والغنم وغيرها ليس بغلة، وهو بمنزلة الأم وبعض من أبعاضها، والذي يدل على أن حكم الولد حكم الأم الإجماع على أن ولد الحرة من زوجها العبد حر، وأن ولد الحر من زوجته الأمة عبد لسيدها، وعلى أن ولد المدبرة مدبر، وولد المعتق بعضها معتق بعضه، وولد المعتق إلى أجل معتق إلى أجل، وولد المكاتبة مكاتب، فلو كان غلة لم يجر في هذه الوجوه مثل حكم أمه 3 ولو كان حكم الأم في ذلك1
كوعاء أودع وديعة وأن الحكم للنطفة كان ولد الحرة من زوجها العبد رقيقًا، وولد الحر من الأمة حر، ولم يجر ولد من تقدم ذكره ممن فيه بعض حرية على حكم أمه، ويجري على حكم أبيه من الحرية والعبودية، وقد مضى في كتاب العيوب ذكر جبر العيب بالولد الحادث وأنه لو كان غلة وكانت الأمة ولدت ولدين وفي أحدهما ما يجبر به العيب يجبر به 1 وأمسك الآخر وفي إجماع المذهب على أن يسلم جميعها دليل على فساد ذلك القول.
وإن غصب حمامة فأفرخت بيضًا كان الفراخ للمغصوب منه كالولد هو لمستحق الأم.
قال محمد: ولا شيء له فيما أعان الذكر وإن أفرخت بيض غيرها لم يكن للمغصوب منه الأم فيهم شيء، وكان له أجر الحضانة 2.
واختلف إذا أفرخ غيرها بيضًا، فقال محمد: لا شيء له فيهم وله مثل البيض إلا أن يكون عليه في ذلك ضرر لتكلف حمام يحضنهم.
وقال سحنون: الفراخ لصاحب البيض وللغاصب أجر الحضانة 3. فوجه القول الأول أنه غصب ما له مثل فكان القضاء فيه بمثله، ووجه القول الثاني 4 أن حكم البيض حكم الجنين واستحسن أن يقضى بالمثل إذا كان لا يتعذر عليه حضانة المثل، وإن كان يتعذر كان الفراخ له؛ لأنه يقول: قد حرمتني بفعلك والمثل في بها بيض الدجاج أحسن؛ لأنه لا يتعذر حضانتها.
وقال سحنون فيمن غصب بيضة من دجاجة ميتة: الفرخ لرب البيضة (1). يريد: أنه غصبها بعد أن خرجت فتكون بمنزلة من غصب خمرًا فخللها فهي لربها.
وقال محمد فيمن غصب دجاجة فحضنت بيض غيرها: له أجر مثلها وما نقصها ذلك إلا أن يكون نقصانًا بيّنًا فيكون له قيمة الدجاجة يوم غصبها، ولا شيء له من نقصها ولا من فراخها ولا من كراء حضانتها إذا أخذ قيمتها يوم غصبت منه (2). فلم يضمّنه قيمتها بالنقص اليسير في الغصب.
فصل [في تضمين المنافع إذا ردت الرقاب]
حكم التعدي على الرقاب على وجه الغصب بالسرقة والانتهاب والاختلاس في رد الغلات سواء يختلف فيها حسب ما تقدم في غصب الرقاب، فإن غصب المنافع أو اكترى أو استعار إلى مدة فأمسك ذلك بعد انقضاء المدة غرم الغلات قولًا واحدًا، استعمل ذلك في تعديه أو لم يستعمله.
واختلف في الصفة التي عليها إذا لم يستعملها، فقال مالك وابن القاسم: تقوم على أنها مستغلة.
وعلى قول مطرف وغيره: أنه يغرم غلة الدور، وإذا أغلقها يكون على هذا كراء ما تكرى به للاستعمال؛ لأنه حرمه ذلك بإمساكها إلا أن يكون المعير ممن يكري 3.
وفرق مالك بين غصب الرقاب وغصب المنافع؛ لأن على كل غاصب12
غرم ما غصب إذا أتلفه فمن غصب منافع فأفاتها غرمها 1.
واختلف في إغرامه الرقاب إذا هلكت في يده من غير سببه ومن غصب الرقاب ضمنها.
واختلف في تضمينه المنافع إذا ردت الرقاب، وقد رجح محمد بن المواز إذا أكراه أو أعاره إلى موضع فتعدى عليها تعديًا يوجب لربها أن يضمنه الرقاب 2؛ هل يغرم قيمة المنافع وقال: لا أدري.
وأمكن أن يكون عنده داخلًا 3 في قوله -عليه السلام-: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" 4.
باب فيمن غصب دنانير أو دراهم هل يغرم ما يربح فيها أو ما كان يربح فيها صاحبها؟
اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال، فقيل: لا شيء للمغصوب منه إلا رأس ماله 1 وسواء استنفقها الغاصب أو تجر فيها وهو موسر كان له الربح، وإن كان معسرًا كان الربح لصاحبها، وهو قول ابن مسلمة وابن حبيب في الوصي يتجر في مال يتيمه لنفسه فجعل له الربح إن كان موسرًا ولليتيم إن كان معسرًا 2. وقيل: إن للمغصوب قدر ما كان يربح فيها لو كانت في يده ذكرها ابن سحنون، فيمن شهد بدين حال أن صاحبه أخر الغريم به سنة، ثم رجع عن الشهادة بعد محل الأجل والدين عين أو شيء مما يكال أو يوزن 3. واستحسن أن تكون المسألة على أربعة أقسام: فقسم لا يكون له إلا رأس ماله، وقسم يكون له ما يربح فيها، وقسم يكون له ما ربح الغاصب، وقسم يكون له الأكثر مما كان يربح هو فيها أو ما ربحه فيها، وإن كان صاحبها لا يتجر فيها لو كانت فيها، ولم يتجر فيها الغاصب، وإنما قضاها في دين لو أنفقها غرم رأس المال؛ لأن الغاصب لم يدخل عليه مضرة أكثر من حبسها، وان كان صاحبها ممن يتجر فيها ولم يتجر فيها الغاصب كان عليه ما كان يربح فيها تلك المدة؛ لأنه حرمه ذلك مثل إذا أغلق الدار إلا أن يعلم أن تجارته في تلك المدة كانت غير
مربحة، وإن كان صاحبها ممن لا يتجر فيها، وتجر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها ولم يعامل لأجلها كان له الربح، وإن كان فقيرًا فعومل من أجلها كان ربحها لصاحبها، وإن لم تكن ذمة الغاصب سببًا للربح كان ربح المال منه بمنزلته في الزكاة، وإن كان صاحبها ممن يتجر فيها والغاصب فقير كان عليه الأكثر مما ربح فيها أو كان يولجه صاحبها يتبع بالفضل متى أيسر.
باب فيمن غصب ثوبًا أو طعامًا ثم وهبه
ومن غصب ثوبًا فوهبه فلبسه الموهوب له فأبلاه، فإن اختلفت قيمته في هذه الحالات يوم الغصب والهبة واللباس، وكانت قيمته يوم الغصب عشرة، وهي أعلى القيم غرم الغاصب تلك القيمة وصحت الهبة، ولا تباعة 1 له على الموهوب له.
وإن كانت القيمة يوم الهبة اثني عشر وأراد صاحبه أن يأخذ الغاصب بقيمته يوم الهبة لم يكن له ذلك على قول ابن القاسم في المدونة 2. وذلك له على قوله في الدمياطية: إذا قتل العبد وكانت قيمته يوم القتل أكثر 3؛ لأن القتل تعد ثان، فله أن يأخذ بتلك القيمة وتمضي الهبة.
وإن كانت قيمته يوم اللباس خمسة عشر كان لصاحبها أن يأخذ تلك القيمة قولًا واحدًا، وهذا هو الأصل في كل من غصب سلعة فاستحقت وقد استهلكها غير الغاصب من مشتر أو موهوب له أن للمغصوب منه أن يأخذ قيمة ذلك ممن استهلكه، وإن كان الغاصب الواهب معسرًا كان للمستحق أن يأخذ اللابس بقيمة الثوب يوم لبسه 4.
واختلف إذا كان الواهب موسرًا على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم: يبدأ بالمسلط؛ لأنه غره، وقول غيره في كتاب
الاستحقاق يبدأ بالمنتفع 1.
وقول أشهب ومحمد: إنه بالخيار يبتدئ بأيهما أحب، وإن تساوت القيم كان له أن يبتدئ بالغاصب قولًا واحدًا؛ لأن هبة الغاصب الشيء المغصوب لا تسقط عنه المطالبة بحكم الغصب، وإن كان ذلك كان من حقه أن يقول: اغرم لي قيمة ما غصبتني يوم الغصب، وإن أحب أن يترك الغاصب، ويقوّم على الموهوب له دخل الخلاف المتقدم، وإن كان المغصوب طعامًا فأكله الموهوب له كان لصاحبه أن يغرم الغاصب قولًا واحدًا؛ لأن هبة الغاصب لا تسقط المطالبة بحكم الغصب.
وإن أحب أن يبتدئ بالموهوب له عاد إلى الخلاف، وإن كان الغاصب معسرًا كان له أن يأخذ المستهلك قولًا واحدًا.
باب في دعوى الغاصب
ومن ادُّعي عليه غصبٌ كان الحكم في تعلق اليمين والعقوبة راجعًا 1 إلى حالة المدعى عليه فإن كان معروفًا بالخير والصلاح عوقب المدعي عليه وإن لم يكن معروفًا بذلك وأشكل حاله لم يعاقب المدعي ولم يحلف المدعى عليه، وإن كان ممن يشبه ذلك وليس بمعروف حلف ولم يعاقب المدعي، فإن نكل حلف المدعي واستحق.
وإن كان معروفًا بالتعدي والغصب حلف وضرب وسجن، فإن تمادى على الجحود ترك.
واختلف إذا اعترف بعد التهديد على ثلاثة أقوال:
فقيل: لا يؤخذ بإقراره غير المدعي فيه أو لم يعينه؛ لأنه مكره.
وقيل: إن عين أخذ به وإن لم يعين لم يؤخذ بإقراره.
وقال سحنون: يؤخذ بإقراره ولم يفرق بين التعيين وغيره، قال: ولا يعرف ذلك إلا من ابتلي به.
يريد: القضاة ومن شابههم.
يقول: إن ذلك لإكراه كان بوجه جائز، وإذا كان من الحق عقوبته وسجنه، لما عرف من حاله أخذ بإقراره، وإنا الإقرار الذي لا يؤخذ به ما كان ظلمًا أن يضرب أو يهدد من لا يجوز فعل ذلك به، وقد أجمع الناس على أن من أسلم بعد القتال والسيف أنه مسلم كالطائع بغير إكراه؛ لأنه إكراه بحق، ولو أكره ذمي على الإسلام لم يكن إسلامه إسلامًا إن رجع عنه، وادعى أن ذلك
للإكراه؛ لأن الذمة التي عقدت لهم تمنع (1) من إكراههم على ذلك الظلم.
فصل [فيمن ادعى عبدًا في يد من هو معروف بالغصب]
ومن ادعى عبدًا في يد من هو معروف بالغصب، وقال: غصبنيه.
لم يصدق وحلف الآخر، وبرئ فإن أثبت المدعي أنه ملكه وقال المدعى عليه: باعه مني.
كان القول قول المالك مع يمينه وينتزعه ولا يضره الحوز ولا الاستعمال بحضرته، وإن اعترف المدعي بالبيع وقال: أكرهتني على البيع وكان ممن يكره، أو قال: بعته خوفًا منه وهو ممن يخاف وله قهر قُبل قول البائع مع يمينه، وإن غابت البينة قبض الثمن، وقال البائع: استرجعه أو قال: كنت دفعته إليه سرًا ثم دفعه إليَّ علانية وأشهدت له، لم يقبل قوله، وجل هذا قول ابن القاسم في العتبية 2.
وقال سحنون: فإن بنى هذا المشتري أو غرس أو اغتل كانت الغلة له وقيمة ما بنى وما غرس قائمًا 3؛ لأن اختلافهما شبهة بخلاف من شهد عليه بالغصب ولإمكان أن يكون البائع كان راغبًا في البيع، ولو شهدت البينة أنه أكرهه على البيع لأعطي قيمته منقوضًا وأغرم الغلة، وإن أقام المدعي شاهدين بالملك ولم يشهد بالغصب لم يكن للمالك إلى أخذه سبيل إلا أن يحلف أنه ما باع ولا وهب، وإن حدث بالعبد عيب من غير سبب المدعى عليه الغصب - حلف أنه ما غصب وبرئ، فإن نكل حلف الآخر وضمنه، وسواء كان1
العيب -على قول ابن القاسم- قليلًا أو كثيرًا إلا أن يكون له، ويمين المالك يثبت عليه حكم الغصب، وإن كان العيب من سبب المدعى عليه والعيب كثير كان للمالك أن يضمنه إياه بعد يمينه أنه ما باع ولا وهب؛ لأن هذا الوجه يستوي فيه الغاصب وغيره.
وإن كان العيب يسيرًا أحلف المدعى عليه ما غصب، وحلف الآخر أنه ما باع، وأخذ العبد وقيمة العيب، فإن نكل حلف المدعي أنه غصبه وضمّنه على قول ابن القاسم.
باب في اختلاف الغاصب والمغصوب منه
الاختلاف في هذا في أربعة أوجه:
أحدها: في القدر، يقول: غصبني مائة، ويقول الآخر: خمسين.
والثاني: في الجنس، يقول: غصبني هذا العبد، ويقول الغاصب: هذا الثوب.
والثالث: أن يتفقا في الجنس أنه عبد أو أنه ثوب، فيقول هذا: جيد والآخر: رديء، أو يأتي الغاصب بعبدٍ فيقول: هذا الذي غصبتك، ويقول الآخر: عبدي أفضل.
والرابع: أن يتفقا أنه العبد أو الثوب المغصوب ويأتي به معيبًا أو خلقًا، ويقول: هكذا غصبته، ويقول الآخر: بل كان سليمًا أو جديدًا.
فاختلف إذا قال: الغاصب خمسين، وقال المغصوب منه: مائة، فقال مالك: القول قول الغاصب 1.
وقال في العتبية فيمن انتهب صرةً والناس ينظرون فطرحها مطرحًا لم توجد وادعى ربها عدة، وكذبه الآخر أو أعجزه بها ولم يطرحها، ثم يختلفان في العدد: فالقول قول المنتهب، وقال العتبي ومطرف وابن كنانة وأشهب يقولون في هذا وشبهه: القول قول المنتهب منه 2.
فجعلوا القول قول المنتهب منه بعد غيبة الغاصب عليه إذا أعجزه بها،
وادعى معرفة ما وجد فيها؛ لأن من غصب وفعل مثل ذلك لا يقر بالحق ولا يعترف بجميع ما أخذ إذا كان كذلك كان كمن كتم ولم يقر بشيءٍ، فإن القول قول المغصوب منه ما لم يأت بما لم يشبه إلا أن يأتي الغاصب تائبًا فيكون القول قوله، والقول قول المنتهب منه إذا طرحها قبل معرفة ما فيها كان القول قول ربها؛ لأن ربها يدعي التحقيق والآخر يقول عن تخمين هذا إذا تقاربا في الدعوى، فإن تباين ذلك فقال هذا: كان قدر مائة، وقال الآخر: كان فيه قدر ثلاثمائة، كان القول قول المنتهب.
وعلى قول مطرف وابن كنانة: القول قول المنتهب منه.
وإن قال: غصبني هذا العبد، وقال الآخر: بل هذا، أو قال: بل هذا الثوب، كان القول قول الغاصب.
وإن اتفقا على أنه غصب عبدًا، واختلفا في صفته وقد هلك كان القول قول الغاصب إذا أتى بما يشبه.
واختلف إذا أتى بما لا يشبه، فقال ابن القاسم: لا يقبل قوله 1. وقال أشهب فيمن غصب جارية وقال: كانت صماء بكمماء عمياء، قُبل قوله 2. والأول أحسن فلا يكاد يوجد اجتماع هذه العيوب ويرغب 3 الآخر في غصبها، وإذا غرم الغاصب على الصفة التي حلف عليها، ثم ظهرت عند الغاصب، فقال ابن القاسم: إن ظهرت مخالفة للصفة خلافًا بيّنًا رجع عليه بتمام القيمة؛ لأنه إنما جحده بعض القيمة وليس له أن يأخذها إلا أن يعلم أنه أخفاها 4.
وقال في المبسوط: يرجع في الجارية ويرد القيمة التي أخذ، وأرى إذا وجد الجارية عند الغاصب أن لصاحبها أن يأخذها كانت موافقة للصفة التي حلف عليها أو مخالفة، ويحمل على أنه أخفاها؛ لأنه قد علم رغبته فيها وتحامله عليها بالغصب ومن غصب يخفي فيحمل أن يده عليها حسب ما كانت حتى يعلم أنها خرجت من يده ثم عادت.
فصل [في إنكار الغصب]
وإن أنكر الغاصب الغصب وشهدت البينة باعترافه أو أنه غصب عبدًا أو دابة ولم يثبت صفة، كان القول قول المغصوب منه مع يمينه ويستحق، وقيل: ليس له بعد يمينه إلا الوسط والأول أصوب؛ لأنَّ على الغاصب أن يقرَّ بصفة ويحلف عليها أو ينكل فيحلف الآخر ويستحق، فإذا جحد ولم يذكر صفة كان القول قول الآخر أنه كان على ما قال، ولا يحط عن ذلك الغاصب من غير يمين ولا من غير مناكرة أنه كان دون ذلك.
وإن غصب ثوبًا فأتى به خلقًا، وقال الآخر: كان جديدًا، كان القول قول الغاصب مع يمينه ويسلمه، فإن وجد المغصوب منه بعد ذلك البينة أنه غصبه جديدًا والثوب قائم بيده أو هلك أو باعه أو رهنه أو كان عبدًا فأعتقه فإنه ينظر فإن كان اختلافهما ليغرمه ما بين القيمتين رجع عليه بما بين قيمته خلقًا وجديدًا من غير مراعاة لحال الثوب من وجود أو هلاك.
وإن كان اختلافهما ليضمنه فقال الغاصب: لا أضمن؛ لأنه كان خلقًا كان للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه جديدًا ثم ينظر في الثوب فإن كان قائمًا رده، وإن هلك كانت مصيبته من الغاصب؛ لأنه أكرهه
على رده إليه، والقول قول ربه مع يمينه أنه هلك ويرجع بالقيمة، وإن باعه سلم الثمن الذي باعه به، وإن لبسه فأبلاه غرم القيمة.
ويختلف إذا وهبه، فقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه؛ لأن الغاصب أباح ذلك له ظلمًا وعدوانًا وجحودًا ولكن يتبع الموهوب له فيأخذ منه إن وجد عنده أو قيمته يوم لبسه فأبلاه، فأما إن كان تلف عنده فلا شيء عليه أيضًا 1؛ لأنه لم يكن ضامنًا له، وإن كان عبدًا وأتى به معيبًا وقال: هكذا غصبته فحلف ورده ثم ثبت أنه كان سالمًا رجع بقيمة العيب إذا كان اختلافهما ليأخذ قيمة العيب، وإن كان ليضمنه رجع بقيمته يوم الغصب وكانت مصيبته من الغاصب، فإن أعتقه لم يكن عليه -على قول أشهب- شيء.
وقال محمد في شاهدين شهدا على رجلٍ أنه اشترى هذا العبد وهو ينكر فحكم بشهادتهما، فأعتقه أو باعه أو مات أو أبق ثم رجعا وأقرا بشهادة الزور: أنه يرجع عليهما بالثمن إذا مات أو أبق، ويغرم قيمته في العتق إن كانت القيمة أقل من الثمن، ويغرم الشاهدان ما زاد الثمن على القيمة 2. فأغرمه القيمة في العتق وهو خلاف لقول أشهب، وإن أخذ المغصوب منه العبد وهو لا يعلم بالعيب، ثم أعلم به بعد موت العبد أو إباقه أو بيعه أو عتقه كان له أن يرجع بقيمة العيب، وإن قال: إذا رجع بجميع القيمة؛ لأني لو علمت بالعيب لضمنته 3 ولم آخذه نظر إلى العيب، فإن كان يرى أنه لا يضمن لأجله لخفته لم يصدق، وإن كان مثل ذلك العيب لا يقبله صدق به ورجع بالقيمة، وإن
أشكل الأمر حلف، ثم عاد الجواب إلى ما تقدم إذا ثبت أنه غصبه جديد 1. وفي كتاب محمد فيمن اكترى بعيرًا وزاد عليه زيادة تعطبه فردَّه وقد أنقصه فنحره صاحبه ثم علم، كان بالخيار بين أن يرجع بما بين قيمته يوم تعدى ويوم أتى به 2 أو بكراء الزيادة 3. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو علم بذلك حين نحره لسلمه منحورًا ويرجع بالقيمة إن أحب، وإن باعه حاسبه بالثمن الذي باعه به ورجع بفضل القيمة.
باب فيمن غصب شيئًا فغيره عن حاله بصناعه أو صنع (1) أو بناء أو ما أشبه ذلك
وقال ابن القاسم فيمن غصب ذهبًا أو فضة أو نحاسًا أو حديدًا فصنعه أو حنطة فطحنها، ليس لصاحبها 2 إلا مثلها 3، وليس له أن يأخذه، وإن غصبه ثوبًا فصبغه أو خاطه كان صاحبه بالخيار بين أن يأخذه ويدفع قيمة الصنعة أو يسلمه ويغرمه قيمته 4.
وفرق بين ما يقضى فيه بالمثل والقيمة 5؛ لأن المثل مقام الأول وكأنه 6 لم يخرج من يده شيء 7 فلم يدخل عليه ضرر والآخر يعطي عينًا فعليه فيه إن ألزم أخذ القيمة مضرة.
وقد اختلف في الموزون والمكيل إذا كان 8 يحرم فيه التفاضل كالذهب والفضة والقمح والشعير وما لا يحرم 9 كالنحاس والحديد والقطن وما أشبه ذلك إذا صنع في أربعة مواضع:1
أحدها: هل ذلك فوت يمنع من أخذه؟
والثاني: إذا كان له أخذه 1 هل يغرم للصنعة شيئًا؟
والثالث: إذا كان ذلك عليه هل يغرم قيمة الصنعة أو ما زادت؟
والرابع: إذا لم يرض أن يغرم عن الصنعة ولم يضمن هل يكونان شريكين؟ فقال ابن القاسم: ليس له إلا ما غصب 2. وقيل: له أن يأخذ ذلك ولا شيء عليه؛ لأن هذه الأشياء ليست كالأعيان القائمة كما لو جصص أو زوق لم يحق 3 له في ذلك شيء، وإن 4 زاد في الثمن وإن بنى 5 لا يعطى 6 إلا 7 قيمة الأنقاض دون التلفيق 8 وما لا يقدر ولم يمكن 9 أن يبين به، وقيل: إن كانت قيمة الصنعة يسيرة أخذه ولا شيء عليه، وإن كان لها قدر وزادت في القيمة لم يأخذه إلا أن يدفع قيمة الصنعة أو يكونا شريكين، وهو قول عبد الملك في المبسوط 10، وقيل: إن كان يجوز التفاضل فيه كان له أن يأخذه ويدفع الأجرة، وإن كان يحرم التفاضل فيه رجع بالمثل ولم يأخذه.
قال ابن القاسم: لأني لو أجزت له أخذ الفضة بلا شيء ظلمت السارق،
وإن قلت للآخر: أعطه قيمة عمله فضة وزيادة فهو ربا 1 2.
واختلف إذا كان له أن يأخذه ويدفع العوض هل يدفع قيمة الصنعة أو ما زادت؟
وأرى إن كانت قيمة الصنعة يسيرة أن يأخذه ولا شيء عليه، وإن كان لها 3 قدر وبال أن يكون بالخيار بين أن يغرمه المثل أو يأخذه ويكون عليه الأقل من قيمة 4 الصنعة أو ما زادت وإن كانت قيمتها أقل لم يظلم بشيء إذا أعطي قيمة صنعته وإن كانت 5 الزيادة أقل قال المغصوب: قد كان لي أصل قيمته عشرة دناني وهو الذي كنت أبيعه به الآن فليس لك معي إلا ما زادت صنعتك، فإن كره أن يأخذ 6 أو يغرم المثل كانا شريكين، هذا بقيمة المثل، والآخر بقيمة الأقل 7، وما يحرم فيه التفاضل وغيره سواء، ويقال للمغصوب: لا يجوز لك إذا اخترت في نفسك أحد الأمرين الأخذ أو تضمين المثل أن 8 تنتقل إلى الآخر؛ لأنه ربا ويوكل في ذلك إلى أمانته، وإن لم تزد الصنعة أخذه ولا شيء عليه.
وقال أشهب في المجموعة: لو طحنت الحنطة سويقًا ثم لتَّها جاز أن
يأخذها فإن الحنطة بالسويق تجوز متفاضلًا 1.
وأرى إذا طحنت 2 ولم تلت فرضي الغاصب أن يسلمها على ألا يأخذ عن الطحن 3 شيئًا أن يجبر ربها على قبولها إذا كانت يسيرة يريدها لذلك لو لم تغصب، وإن كانت كثيرة ويريدها للتجارة أو ليدخرها لم يجبر على قبولها.
وفي كتاب محمد فيمن غصب قمحًا فباعه فطحنه المشتري، قال: قد قيل: إن 4 لصاحبه أن يأخذه إن شاء ولا غرم عليه للطحين، وإن شاء تركه وأخذ من الغاصب مثل قمحه أو الثمن، قال محمد: الصواب ألا شيء له إلا الثمن من الغاصب أوالقمح ممن شاء منهما.
وإن كان الغاصب عديمًا ورجع 5 على المشتري كان المشتري بالخيار إن شاء أعطاه مثل قمحه وإن شاء سلمه إليه دقيقًا، ولو كان الغاصب الذي طحنه 6 كان بالخيار إن شاء أخذ الدقيق أو مثل قمحه، قال 7 وإن طحنه المشتري لم يأخذه إلا أن يدفع الأجرة 8.
فصل [فيمن غصب حليًا فكسره ثم أعاده على حاله لصاحبه]
وفي كتاب محمد فيمن غصب حليًا فكسره ثم أعاده على حاله لصاحبه أن يأخذه ولا غرم عليه، وإن صاغه على غير 1 صياغته لم يأخذه، ولم تكن له 2 إلا قيمته يوم غصبه قال: وهذا قولهما، قال محمد: لا شيء له إلا قيمتها وإن أعادها إلى حالها 3. لأن الغاصب ضمن قيمته وليس له مثله ولو 4 لم يكن 5 غاصبًا إلا متعديًا لكان له أخذه إذا صاغه على حاله بلا غرم ولو اشتراه رجل من الغاصب، فكسره ثم أعاده إلى حاله 6 لم يكن لصاحبه أخذه إلا أن يدفع للمشتري قيمة صياغته؛ لأنه لم يتغير 7 في الكسر.
قال الشيخ - رضي الله عنه - في الغاصب إذا أعادها إلى 8 هيئتها: ألا شيء عليه أبين؛ لأن الصياغة مما يقضى فيها بالمثل على أحد القولين، وقد 9 قال ابن القاسم فيمن غصب سوارين 10 فكسرهما: عليه قيمة الصياغة 11. فإذا كان عليه 12
قيمتهما دون الأصل وكان في القول الآخر أنهما 1 مما يقضى فيهما 2 بالمثل، فإذا فعل فيهما الحكم المأمور به على أحد الأقوال مضى ولم يلزم غيره، وقد 3 قال ابن القاسم فيمن غصب خشبة فعملها مصر اعين عليه قيمتها ولا يذهب عمله باطلًا، فمنع من أخذ عينها لئلًا يذهب عمله باطلًا، فإن رضي صاحبها أن يدفع الأجرة كان له أخذها 4.
وقال عبد الملك في المبسوط: إذا عمل فيها عملًا له بال من صنعة أو نقش زاد 5 في ثمنها كان صاحبها بالخيار بين أن يعطيه قيمة عمله ويأخذها أو يسلمها ويأخذ قيمتها يوم الغصب، ويكونا 6 شريكين فيها.
قال: وكذلك من غصب ذهبًا فضربها دنانير إذا كان لصنعته بال، وإن كان عملًا يسيرًا في جميع ذلك كان للمغصوب منه، ولا شيء عليه في العمل وهذا أعدلهما.
وقال مالك فيمن غصب خشبة وأدخلها في بنيانه: لصاحبها أن يأخذها ويهدم ذلك البناء 7.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك له وإن بنى 8 عليها القصور،
واستحسن أشهب إذا كان مثل هذا البناء ألا 1 يكون له إلا قيمتها يوم غصبت 2، ويلزم على ما قال ابن القاسم في المصراعين أنه لا 3 يأخذها لئلًا يذهب 4 عمله باطلًا 5 ألا يكون له أن يأخذ الخشبة إذا عظم البناء، وإن رضي صاحبها بأخذ القيمة لم يكن للغاصب أن يهدم بنيانه ليعطيها 6 إياه؛ لأنه من باب الفساد وإضاعة المال.
وقال ابن القاسم فيمن غصب ثوبًا فصبغه: صاحبه بالخيار، فإن أحب أخذه ودفع قيمة الصبغ، وإن أحب ضمنه قيمته يوم غصبه 7.
قال الشيخ: وأرى أن يكون صاحبه بالخيار بين أن يضمنه قيمته يوم غصبه أو يوم صبغه إن كانت قيمته ذلك اليوم أكثر، وهو أحد قولي ابن القاسم 8.
واختلف إذا أحب أن يأخذه، فقال ابن القاسم: للغاصب قيمة الثوب 9 يوم ياخذه، وقال: ما زاد الصبغ فإن لم يزد فلا شيء له 10. وهذا قياس على قوله في العيب يجده المشتري في الثوب بعد أن صبغه، فإن نقصه الصبغ غرم ما نقص.
وقال أشهب في كتاب القطع من كتاب محمد: لا شيء عليه في الصبغ وجعله كالتزويق 1.
وقال محمد بن مسلمة: إن نقصه الصبغ غرم النقص، فإن زاد لم يكن له فيه شيء إلا أن يكون 2 إن غسل خرج منه شيء له قيمة، فيكون صاحبه بالخيار إن شاء أعطاه الثوب فغسله وإن شاء أعطاه قيمة ما يخرج منه، قال: لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَيْسَ لِعِرقِ ظَالمٍ حَقٌ" 3.
قال مالك: والعرق الظالم كل ما احتفر أو غرس 4. يريد: أن لا حق للغاصب في بقاء ما فعله في المغصوب وأنه ينقض فيطرح، وكذلك الصبغ إن كان له 5 في زواله منفعة أعطاه وإلا فلا شيء عليه.
وعلى قول عبد الملك يكون له أن يأخذه بغير شيء إذا كانت النفقة في الصبغ يسيرة، وإن كان لها قدر أعطاه قيمة ذلك أو ضمنه أو كانا شريكين.
وقول أشهب وابن مسلمة أصوب؛ لأنهما اتفقا في الجص والتزويق وهو شيء قائم العين كالصبغ ألا شيء له فيه، وإن عظمت زيادته في ثمن الدار؛ لأنه إن نقض 6 لم ينتفع به فكذلك الصبغ، وإن باعه الغاصب فصبغه المشتري كان صاحبه بالخيار بين أن يكون مقاله مع الغاصب فيغرمه قيمته يوم الغصب أو يوم البيع أو يجيز البيع ويأخذ الثمن، وإن أحب كان مقاله مع المشتري فله
أن يأخذه إن أحب ويدفع قيمة الصبغ، وإن أبى كانا شريكين وعلى القول (1) الاَخر ما زاد الصبغ، وهو أحسن وبه يشارك، وإن لم يزد لم يكن له شيء.
واختلف إذا نقصه الصبغ هل له أن يضمنه قيمة الثوب إذا نقله عن الغرض الذي يراد له؟
وقد اختلف في مشتري العبد يقتله خطأ؛ لأنه في الصبغ والقتل لم يصون ماله بخلاف اللباس والأكل والتضمين في كلا الوجهين (2) أحسن.
فصل [فيمن غصب دارًا فهدمها]
ومن غصب دارًا فهدمها كان صاحبها بالخيار بين أن يأخذه بالغصب ويغرمه قيمتها قائمة 3 يوم الغصب، أو يأخذه بالعداء فيغرمه قيمتها قائمة يوم الهدم، أو يأخذ العرصة وحدها ويغرمه ما نقص الهدم على أن الأنقاض لصاحبها 4، أو يأخذ العرصة والأنقاض ويغرمه ما نقص الهدم على أن الأنقاض لصاحبها 5 يقال ما قيمتها قائمة وما قيمتها مهدومة على هيئتها فما بينهما غرمه 6 ثم يختلف متى تكون قيمة النقص؟ فعلى قول ابن القاسم: يوم الهدم، وعلى قول سحنون: يوم الغصب، وأرى أن يكون عليه الأكثر من قيمته في هذين الوقتين.12
وقال محمد: صاحبها بالخيار فإن أحب أخذ قيمتها يوم الغصب وإن شاء أخذ العرصة والنقض ولا شيء له 1. فلم ير له في النقص شيئًا وهذا بناء على أصله وهو قول أشهب في كل من ملك أن يضمن ألا يأخذه وما نقص والأول أحسن.
وقال ابن القاسم: إذا هدمها المشتري لا شيء عليه إذا أراد أن يتوسع 2.
وقال محمد: لا شيء في الهدم بخلاف الثوب يشتريه فيقطعه فإنه ضامن.
قال محمد: والفرق بينهما أن هدم الدار ليس بمتلف؛ لأنه يقدر على أن ترد إلى 3 حالها وأفضل 4. وكذلك الحلي يشتريه فيكسره ثم يستحق فلا شيء على كاسره؛ لأن فعله ليس بمتلف، وإذا قطع الثوب لم يرجع على حاله، وكذلك إذا 5 ذبح الشاة وكسر العصا، وليس هذا الفرق بالبين؛ لأن إعادة الدار لا تصح إلا بمال ينفق فيها وهو لا يرى على الهادم أن يبنيها، وإذا كان ذلك لم يفد كونها مما تعاد إلى هيئتها بل المضرة في هدم الدار أعظم من المضرة في قطع الثوب.
فصل [فيمن غصب دارًا فهدمها ثم بناها بنقضها]
فإن بناها الغاصب بنقضها كان صاحبها بالخيار بين أن يضمنه قيمتها يوم الغصب أو يوم الهدم وتمضي للغاصب قائمة، وإن أحب أخذها وأغرم للغاصب قيمة ما هدم قائمًا يوم هدم على أن النقض يبقى 1 للغاصب ويعطيه قيمة الهدم مهدومًا 2، وإن أحب أغرمه قيمة التلفيق وحده على أن النقض يبقى لربها ويكون له 3 البناء مبنياً اليوم 4 ولا شيء له على الغاصب؛ لأن نقضه عاد إليه ولا شيء للغاصب؛ لأن التلفيق بانفراده لا شيء له فيه.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: على الغاصب قيمة ما هدم قائمًا وله قيمة ما بنى مهدومًا 5. وهذا داخل في القسم الأول، وقال محمد: يحسب على الغاصب قيمة ما بنى له 6 منقوضًا ويحسب له قيمته منقوضًا أيضًا 7. يريد: أن للغاصب قيمته منقوضًا اليوم، وهذا أيضًا على أصله ألا شيء له على الغاصب في الهدم إذا أخذ الأصل؛ لأنه يقول: لو وجده منقوضًا ولم يبن به فأخذ الدار لم يكن له في الهدم شيء، فإذا بنى به كان له قيمته يوم بنائه 8.
قال محمد: فإن هدمها المشتري ثم بناها بنقضها لم يكن لصاحبها أخذها إلا أن يدفع إليه القيمة 1، قيمة بنائها 2 قائمًا، ويكون بمنزلة من اشترى عرصة فبناها بغير نقضها، وللمستحق على المشتري قيمة نقضه الذي بنى به منقوضًا يوم بنائه، وإن شاء أخذ من المشتري قيمة عرصته وقيمة نقضه فقط 3. قال: وقيل: فإن أبى 4 كانا شريكين المشتري بقيمة عمارته قائمة والمستحق بقيمة عرصته لا بناء فيها وقوله على المشتري 5 قيمته يوم بنائه فهو على القول في ولد المستحقة أن القيمة فيه يوم ولد؛ لأنه من ذلك اليوم تأتى 6. وإن تعدى رجل عليها فهدمها لم تسقط القيمة عن المشتري ويكون هو 7 الذي يتبع الذي هدمها، وأمَّا على القول أن القيمة في الولد يوم الحكم لا يكون على المشتري من قيمة النقض شيء ويكون النقض للمستحق، وعليه للمشتري قيمة البناء وحده، وإن هدمها إنسان وغصبها لم يكن على المشتري شيء وكان المستحق هو الذي يتبع الغاصب له بعد بنائها 8 بمنزلة ما 9 لو غصب قبل
البناء وإنما للمشتري فيها بناء، فإن وجدها المستحق قائمة أخذ قيمة البناء وحده، وبه يشارك إن كانت شريكة، فإن انهدم زال الحق الذي كان فيه (1) للمشتري، وكذلك لو اشترى خشبة فأدخلها في بنائه ثم استحقت كان عليه قيمتها يوم بنى عليها، وإن سرقت من هناك بعد ذلك لم تسقط عنه القيمة، وعلى القول الآخر عليه (2) قيمتها يوم الحكم لصاحبها، وإن سرقت قبل ذلك لم يكن عليه شيء.
فصل [فيمن غصب أرضًا فغرسها]
ومن غصب أرضًا فغرسها كان لصاحبها أن يأخذها وللغاصب أن يأخذ غرسه إذا كان ينبت، فإن لم ينبت كان صاحب الأرض بالخيار بين أن يأمره بقلعه أو يأخذ قيمته 3 مقلوعًا.
ومن غصب وديًا فغرسه كان للمغصوب منه أن يأخذه إذا كان ينبت عنده متى قلعه، وإن كان لا ينبت عنده لم يكن له قلعه وكان له الأكثر من قيمته يوم غصبه أو قيمته اليوم مقلوعًا فقد يكون 4 سوقه قبل اليوم أبخس وهو اليوم أنفق وأكثر.
ومن غصب نخلةً قائمةً فقلعها كان عليه قيمتها قائمة تقوم بأرضها ثم تقوم الأرض فيسقط عن الغاصب ما ينوب الأرض؛ لأنَّ أرضها تبقى 512
لصاحبها.
وكذلك لو غصب وديًا فأتلفه ولم يغرسه، وقال: يغرم قيمته للغراسة، لكان 1 وإن باعه فغرسه المشتري ثم استحق بقرب ذلك -كان للمستحق أن يأخذه 2 وعليه قيمة خدمته إن كانت نفقته ونقلته، وإن كبر وشب وكان إن قلع نبت- كان للمستحق أن يأخذه 3. وعلى قول محمد بن مسلمة يكون ذلك فوتًا وله قيمته يوم غرسه ولا يأخذه، وإن كان إن قلع لم ينبت لم يأخذه.
ويختلف متى تكون فيه القيمة يوم غرسه أو اليوم حسب ما تقدم في الأنقاض إذا بنى بها.
ومن غصب أرضًا فحفرها كان عليه ما نقصها 4 الحفر إلا أن يعيدها على هيئتها، وإن كانت محفورة فردمها كان عليه أن يزيل ذلك الردم منها.
باب فيمن غصب ما لا يجوز بيعه
قال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن غصب حرًا فباعه ثم تاب: يطلبه 1 فإن أيس منه ودى ديته إلى أهله 2.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن غصب أم ولد فماتت عنده: يغرم لسيدها قيمتها 3 قيمة أمة 4 لا عتق فيها 5.
وقال سحنون في المجموعة: لا ضمان عليه بمنزلة الحرة يغتصبها فتموت عنده من غير فعله 6. والأول أحسن وليست كالحرة 7؛ لأن هذا على أحكام العبودية حتى يموت السيد ولو نقل الرقبة غاصبها ضمنها ولو نقل حرًا لم يضمنه؛ لأنه غصب منافعه بخلاف غصب 8 الرقبة وبيعها.
واختلف فيمن غصب جلد ميتة، فقال ابن القاسم في المدونة: عليه قيمته دبغ أو لم يدبغ 9.
وقال في المبسوط: وإن لم يدبغ فلاشيء عليه وإن دبغ فعليه 1 قيمة ما فيه من الدباغ.
وقال مالك في كتاب أبي الفرج: لاشيء عليه وإن لم يدبغ والأول أحسن؛ لأنه منعه 2 الانتفاع وليس ما توجبه الأحكام في الاستهلاك والتعدي كالذي يبتدئ البيع وكذلك إن دبغ كان عليه قيمة جميعها وقد قال مالك مرة: يجوز بيعه 3.
ويختلف فيمن غصب سمارًا 4 ممن 5 كان ينتفع به لبستانه كان له 6 أن يغرم 7 له قيمته قياسًا على جلد الميتة قبل الدباغ.
ويختلف في جلود السباع قبل الدباغ وبعده إذا كانت مذكاة، فقال مالك وابن القاسم: هو ذكي ويجوز بيعه 8. فعلى هذا يغرم غاصبه قيمته، وعلى قول ابن حبيب: يجري على أحكام جلد الميتة 9. وإن سرقه من 10 صاحبه حيا 11 كان عليه قيمة جلده على قول مالك؛ لأنه كان قادرًا على ذكاته، وعلى قول ابن
حبيب: لا شيء له؛ لأن حكم جلده عنده 1 حكم جلد الميتة.
وإن غصب كلب ماشية أو صيد أو زرع فعليه قيمته، ويختلف في صفة القيمة فمن أجاز بيعه قوم على ذلك، ومن منع رده إلى أحكام جلد الميتة يقوم للانتفاع لا للبيع، وإن كان كلب دار لم يغرم شيئًا 2 3؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلها 4.
وإن غصب تمرًا أو زرعًا لم يبد صلاحه غرم قيمته على الرجاء والخوف، فإن عاد لهيئته وحاله بعد الحكم لم ينقض.
واختلف إذا عاد قبل الحكم، فقال مالك في كتاب ابن حبيب: تسقط القيمة إن لم تكن فيه منفعة، وإن كانت فيه منفعة قوم على غير الرجاء والخوف 5.
وقال أصبغ: يقوم على الرجاء والخوف 6. والأول أحسن، وأرى أن يرجع إلى ما 7 تبين حكم أو لم يحكم، وإن تراخى الحكم ثم سلمت زروع أهل ذلك الموضع ولم يكن عاد إلى هيئته كان عليه قيمته على السلامة إذا كان بعلًا، وإذا كان يتكلف أجرة في سقيه حط عنه ما ينوب الأجرة، وإن هلكت زروع أهل ذلك الموضع أو ثمارهم كانت عليه القيمة على غير الرجاء إلا أن يكون
هلاك غيره بعد ما انتقل وزاد فتكون القيمة على ما انتقل إليه، فإن قيل: قد يكون (1) حال المتعدى عليه خلاف ذلك فيهلك وإن سلم غيره (2) أو يسلم وإن هلك غيره، قيل: هذا من النادر والنادر لا حكم له؛ لأنه إن كان الهلاك من قحط السماء أو سموم فهو عام، وإن أتت الأمطار وتمت فلجميعها (3). وقال أشهب في المجموعة فيمن غصب بئر الماشية الذي (4) لا يجوز بيعه فسقى به أرضه: فعليه قيمته إذا كان لا يفضل منه شيء (5).
فصل [فيمن غصب عصيرًا فصار خمرًا]
ومن غصب عصيرًا فصار 6 خمرًا كسرت عليه وغرم قيمة 7 العصير، وإن غصب خمرًا فصارت خلًا كان لصاحبها أن يأخذها 8، وإن غصب عصيىرًا فصارت 9 خلًا كان المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذه أو يغرمه مثله عصيرًا 10.12345
وفي ثمانية أبي زيد فيمن تعدى على جرة عصير فكسرها، فإن دخله عرق خل ولم يتخلل: غرم قيمته على الرجاء والخوف بمنزلة الثمرة، وإن ظهر أنه خمر ولم يدخله عرق خل فلا شيء عليه؛ لأنه كسرها في حين لو علم به صاحبه لم يحل إمساكه.
وقال ابن القاسم فيمن غصب خمرًا لنصراني 1 قال: 2 عليه قيمتها، وقال عبد الملك بن الماجشون: لا قيمة له ولا قيمة لما حرم الله 3.
واختلف بعد القول أن عليه قيمتها 4 فيمن يقومها 5، فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف القيمة من المسلمين، وقال أيضًا: يقومها أهل دينه، وبالأول أخذ سحنون 6. 7.