التبصرة للخميصفحات 5753-5793

كتاب الغصب

صفحات 5753-5793

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 9) = نسخة القرويين رقم (369)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب الغصب

باب في تحريم الغصب والتحذير منه

أخذ الأموال من غير رضا أربابها من غصب أو تعدٍ 1، أو خيانة، أو اختلاس، أو انتهاب، أو سرقة، محُرَّم بالقرآن والسُّنة والإجماع.
فأمَّا الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وأكل المال بالباطل على وجهين، أحدهما: أخذ المال بغير رضا المالك كالغصب والتعدي وغير ذلك مما تقدم ذكره.
والآخر: أخذه برضا على وجه محظور 2 كالقمار وأجرة الملاهي والغناء والنياحة وثمن الخمر والخنزير وما أشبه ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38].

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10].
وأمَّا السُّنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ" أخرجه مسلم (1)، وقوله في حجة الوداع: "فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" أخرجه البخاري ومسلم (2).

فصل [في جزاء الغصب]

ومن غصب شيئًا أتى به يوم القيامة ثم عُذِّب به، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161] وقال في مانع الزكاة: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: 35]، ومانع الزكاة غاصب للمساكين القدر الذي أمر أن يعطيهم 3 إياه، وقال الله سبحانه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَاضِين" أخرجه البخاري ومسلم 4.12

وقال أبو هريرة: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1 يذكر الغلول وعظم أمره فقال: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لهَا ثُغَاءٌ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لهَا حَمْحَمَةٌ يَقُوُل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لهَا رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ الله، أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُوُل: يَا رَسُولَ الله، أَغِثْنى فَأَقُوُل: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ" 2 أخرجه البخاري ومسلم 3، في بعض طرقه: "عَلَى رَأْسِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ".
وقال في مِدْعَم: "إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لَتشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا" 4، وقال: "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا وَلَمْ تُطْعِمْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوْعًا" 5، وقال: "إِنَّ الْهِرَّةَ تَخْدِشُهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ" 6. = المظالم، برقم (2321)، ومسلم: 3/ 1231، في باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، من كتاب المساقاة، برقم (1612).

باب الحكم في التعدي

ومن المدونة قيل لابن القاسم: لو كسرت صحفة لرجل فصيرتها فلقتين، أو كسرتها كسرًا غير فاسد، أو شققت ثوبًا فأفسدت الثوب، شققته نصفين أو شقًا قليلًا، قال 1: قال مالك في رجلٍ أفسد لرجل ثوبًا: إن كان الفساد يسيرًا رأيت أن يرفوه ثم يغرم ما نقصه بعد الرفو، وإن كان الفساد كثيرًا أغرمه قيمته يوم أفسده، قال ابن القاسم: فإن قال رب الثوب لا أسلِّمه -وقد كان الفساد كثيرًا- ولكن أتبعه بما أفسد، قال ذلك له، ولقد كان مالك -دهره- يقول لنا في الفساد: يغرم ما نقصه، ولا يقول قليلًا ولا كثيرًا حتى وقف بعد، فقال هذا القول في الفساد الكثير 2. قال الشيخ: التعدي على أربعة أوجه: يسيرًا لم يبطل الغرض المقصود 3 منه، ويسيرًا بطل ذلك منه، وكثيرًا لم يبطل الغرض منه 4، وكثيرًا بطل ذلك منه.
فإن كان التعدي يسيرًا أو لم يبطل الغرض منه لم يضمنه 5 بذلك، قال مالك: فإن كان ثوبًا رفاه أو قصعة أصلحها وغرم ما نقصها بعد الإصلاح 6 فألزمه إصلاحه؛ لأن صاحبه لا يقدر على استعماله إلا بعد

إصلاحه وقد كان في مندوحة عن ذلك وليس ذلك من باب القضاء بالمثل في ما قلَّ قدره ولو كان ذلك ما غرم والنقص بعد الإصلاح؛ لأن من غرم مثل ما تعدى عليه لم يكن عليه غرم آخر وقد يكون قيمة الثوب سالمًا مائة 1 ومعيبًا تسعين ويغرم في رفوه عشرة، ثم تكون قيمته بعد ذلك خمسة وتسعون، فيغرم المتعدي خمسة، وقد لا يزيد الإصلاح في قيمته معيبًا شيئًا، ومثل ذلك إذا حلق رأس محرم مكرهًا أنه يطعم عنه أو ينسك؛ لأنه أدخله في ذلك، فإن كان الحالق فقيرًا افتدى المحرم ورجع عليه متى أيسر.
وقد اختلف في هذا الأصل هل يغرم الجارح أجر الطبيب؟ فقيل ذلك عليه فإن برئ على شين غرمه أيضًا، وهذا موافق لما تقدم في الرفو أنه على المتعدي، وقيل ذلك على المجروح، ويلزم على هذا إذا كانت الجناية على عبدٍ لا توجب غرم قيمته أن يكون علاجه على سيده، فإن برئ من غير شين لم يكن على الجارح شيء.
والأول أحسن أن على الجاني الرفو وأجرة الطبيب إلا أن يحب صاحب الثوب أن يغرمه قيمة العيب قبل الإصلاح فذلك له؛ لأن إصلاحه من مقال ربه لا عليه، فإن كانت الجناية كثيرة 2 لم تبطل الغرض المقصود منه، كان حكمها حكم اليسير.
واختلف إذا كانت يسيرة 3 وأفسدته وقد تقدم قول مالك في ذلك.
واختلف بعد القول إن له أن يُضمنه إذا أحب أن يأخذه هل له ما نقص

العيب؟ فقال مالك وابن القاسم: ذلك له، وقال أشهب ومحمد: لا شيء له 1؛ لأنه ملك أن يضمن فرضي به 2 ناقصًا، وقاله ابن القاسم في كتاب الحد في القذف 3. والأول أصوب؛ لأنه يقول: آخذ ما وجدت من ملكي وأضمن ما لم أجد 4 ولي غرض في الباقي أن لا أخرجه عن ملكي.
ويختلف إذا بطل باليسير الغرض المقصود منه والذي يكتسب لأجله هل يضمن جميعه قياسًا على أحد قولي 5 مالك في الكثير؟ فقال أبو الحسن بن القصار: إذا أبطلت الجناية الغرض المقصود منه ضمن جميعه، قال: فإن قطع ذنب حمار القاضي أو أذنه أو رماه بشيء حتى عرج 6 ضمنه، قال: ومركوب القاضي والشاهد والكاتب وكل ما يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك فذلك سواء، وسواء كان حمارًا أو بغلًا أو غيره ولا فرق بين المركوب والملبوس كقلنسوة القاضي وطيلسانه وعمامته وكذلك نظير القاضي ممن لا يعلم أنه لا يلبس ذلك المجني عليه ولا يستعمله فيما قصد إليه قال: هذه الرواية المشهورة عن مالك 7. يريد: أن ليس له أن يضمنه على أحد قولي مالك في التعدي أنه لا يضمن في الكثير.

وفي كتاب ابن حبيب: لا يضمن إذا أفسد الأذن بخلاف الذنب 1. والأول أصوب، وشين 2 ذهاب الأذنين كثير لا يركبهما أحد ممن تقدم ذكره.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد في الفرس تفقأ عينه: عليه ما نقصه فإن فقأ عينه ضمنه 3، وإن ضرب ضرع شاة أو بقرة فانقطع لبنها ضمنها إذا كان شأنها اللبن، وهو عظيم ما يراد منها، وتقتنى له.
ولو كانت رمكة 4 أو ناقة أو حمارة فقطع ذنبها كان عليه ما نقصها؛ لأن هذه للركوب والحمولة أكثر ما يراد منها 5. وقال في كتاب ابن حبيب: ما نقصها 6 لأن فيها منافع غير ذلك.
وإن جنى على عبدٍ ففقأ عينه أو قطع يده أو رجله ضمنه.
واختلف إذا فقأ عينًا أو قطع يدًا، فقال مالك في المجموعة: يضمنه.
وقال ابن القاسم في كتاب الديات في العين الواحدة والأصبع: لا يضمنه وعليه ما نقص 7. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في اليد إن كان صانعًا: إنما معظم خراجه ونفعه في صنعة يده ضمنه، وإن لم يكن صانعًا كان عليه ما

نقص وإن كان تاجرًا نبيلًا، وإن فقأ عينه سواء كان تاجرًا أو وغدًا فإنما فيه ما نقص 1. قال الشيخ: ولو كان صانعًا فقطع إصبعًا أو أنملة فعطل ذلك صناعته وخراجه ضمنه، وأمَّا جميع اليد فأرى أن يضمنه وإن كان من عبيد الخدمة، وكذلك إن قطع رجله؛ لأنه يذهب معظم تصرفه وقلَّ ما يستحب أن يتصرف عليه بمثل ذلك ويبقيه في ملكه.
وأمَّا العرج فإن كان خفيفًا ضمن ما نقص، وإن كان كثيرًا فاحشًا ضمن جميعه، وإن أخصاه ضمن ما نقصه فإن لم ينقصه أو زاد في قيمته، لم يكن عليه شيء وعوقب على فعله ذلك، وقد قيل: إنه ينظر إلى تلك الزيادة، فإن كانت ثلث قيمته أو ربعها قدر ذلك، كأنه نقص من قيمته فغرمها؛ وليس بالبين 2. وإن تعدى على جارية وكانت من الوخش، كان الجواب فيها مثل ما تقدم في العبد، ينظر هل تعطلت منافعها؟ وإن كانت من العلي، فأفسد شيئًا من محاسن وجهها أو ثدييها أو غيره، حتى صارت لا تراد لما كانت تراد له ضَمِنَها.

باب الحكم فى الغصب

وإذا كان المغصوب عبدًا أو كان 1 قائم العين أو نقص سوقه أو في نفسه أو حدث به عيب بجناية أو غيرها أو مات أو قتل.
ومن غُصب عبدًا ثم وجده قائم العين لم يتغير في سوقه ولا في نفسه ولم يطل مكثه في يد غاصبه لم يكن له إلا أخذه 2. واختلف إذا نقص سوقه أو طال مكثه ولم يتغير سوقه فلم ير ابن القاسم ومالك عليه في ذلك سوى تسليمه، فإن كانت قيمته يوم الغصب ألفًا، ثم عادت إلى خمسمائة لم يكن له إلا أخذه 3. وذكر ابن شعبان عن ابن وهب وأشهب وعبد الملك أن للغاصب أن يأخذه بأرفع القيم إذا هلك قال: لأن عليه أن يرده كل وقت ومتى لم يرده كان كغصبه 4 حينئذ قال: وكذلك إذا كانت قيمته خمسين ثم بلغت ألفًا ثم عادت إلى خمسين 5 وهلك فالقيمة عندهم على أرفع القيم، فجعل له أرفع القيمة مع وجود عينه وعدمها.
وأرى إن كان عبد قنية أن لا شيء له 6 سوى عبده، وإن كان للتجارة أغرمه ربع ذلك؛ لأنه حرمه البيع بذلك بحبسه إياه.

وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن غصب دارًا فأغلقها أو أرضًا فبورها أو دابة فأوقفها- عليه الإجارة؛ لأنه منعه ذلك فعلى هذا يكون على الغاصب أرفع القيم إذا كان للتجارة؛ لأنه حرمه ذلك كما ألزم هذا الإجارة؛ لأنه حرمه إياها 1. وقال مالك في الغاصب والسارق إذا حبسه عن أسواقه ومنافعه، ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمِّنَه وإن كان مستعيرًا أو متكاريًا ضمن قيمته 2. وقال ابن القاسم: لولا ما قاله مالك لجعلت على السارق مثل ما أجعله على المتكاري وأضمنه القيمة إذا حبسها عن أسواقها 3. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إذا غصب دابة من المدينة فركبها إلى مكة أو إلى سفر بعيد ثم ردها بحالها أو أفضل له أن يغرمه قيمتها أو يأخذها وكراء المثل، قال: وهو بمنزلة المكتري 4 فحيث يلزم المكتري 5 القيمة يلزم الغاصب، أمرهما واحد، قال: ولو حبسها في داره قدر ما لو سافر بها لزمته، لم تلزمه قيمة، ففرق بين أن يحبسها في البلد أو يخرجها عنه وأرى له القيمة إذا قام عليها وهي غائبة 6 وإن لم يتكلم على ذلك حتى عادت ألا قيمة له إلا أن ينزل سوقها أو تكون للتجارة فيكون قد حبسها عن أسواقها كما قال فيغرمه قيمتها في ذلك السوق.

فصل [في ضمان الغاصب العيب اليسير]

واختلف هل يضمن الغاصب العيب اليسير؟ قال ابن القاسم: يضمن 1، وقال في كتاب محمد فيمن غصب دارًا فانهدم بعضها كان المغصوب منه بالخيار بين أن يسلم ما خرب ويأخذ قيمته أو يأخذه بلا نقصان، وإن انهدم أكثرها كان عليه أن يسلم العرصة ويأخذ قيمتها مبنية، وإن شاء حبسها كلها بلا نقصان له 2. ففرق بين القليل والكثير، وعند ابن الجلاب مثل ذلك أنه لا يضمن باليسير 3، وهذا بين ولا فرق في هذا بين الغصب والتعدي.
والقول إن الغاصب يضمن باليسير؛ لأنه كان ضامنًا للرقبة بالغيبة عليها غير صحيح؛ لأنه لا 4 يضمن بالغيبة في الحقيقة 5 وإنما هو مترقب، فإن سلم لم يكن للمغصوب منه سوى عين شيئه.
وقد قال ابن القاسم فيمن تعدى على عبدٍ وخرج به إلى بلدٍ ضمن إن هلك، فإن حدث به عيب يسير ضمن ما نقص فلم يُضمنه باليسير وإن كان ضامنًا للرقبة.
وقال ابن القاسم: فيمن غصب جارية وقيمتها ألف فزادت عنده حتى صارت قيمتها ألفين ثم ماتت أو قتلها، لم يكن له إلا قيمتها يوم الغصب وهي

ألف، فإن قطع الغاصب يدها ولم يحب المستحق أن يضمن كان له قيمة اليد يوم القطع، وإن ذهبت اليد بأمرٍ من السماء ولم يضمن لم يكن له في اليد شيء 1. واختلف في جميع ذلك، فأما الموت فقد تقدَّم ذكر الاختلاف فيه، وقول أشهب وغيره أن له أن يأخذ بأعلى القيم، وأمَّا القتل فقال ابن القاسم في الدمياطية: له أن يأخذ بالقيمة يوم القتل 2. واختلف فيها قول سحنون في المجموعة فقال مرة: القيمة يوم الغصب، وقال مرة: يوم القتل 3 قال: لأن القتل فعل حادث غير الأول 4. وهو أحسن.
وقال سحنون: إذا قطع يده عليه ما نقصه يوم الغصب.
وعلى قول أشهب ومحمد: لا شيء عليه؛ لأنه قد ملك أن يضمن 5. وأرى عليه الأكثر من قيمة ذلك النقص يوم الغصب أو يوم القطع، فإن كان يوم الغصب أكثر قال: أنا آخذه بحكم الغصب، وإن كان يوم القطع أكثر قال: أنا آخذه بالتعدي؛ لأنه اجتمع فيه إذن وتعدي فيه 6 فيأخذه بأيهما شاء.
وإن حدث عيب من غير سبب الغاصب كان له على قول سحنون أن يأخذه بقيمة يوم غصب؛ لأنه قال القيمة إذا قطع يد العبد يوم الغصب وإن لم يأخذه بالتعدي وهو يوم جنى وكان الحكم عنده يوم الغصب تساوى في ذلك

ما كان من سبب الغاصب وغيره وهو أقيس؛ لأنه ضامن إن هلك من غير فعله (1). وكذلك إن هلك بعضه وقياسًا إذا تعدى عليه ليحبسه وقتًا ويرده على صاحبه أو يسافر به، فإنه ضامن لما أصابه من السماء فكذلك الغصب.

فصل [فيمن غصب عبدًا فقتله غير الغاصب]

ولو قتله غير الغاصب واختلفت القيم وكانت قيمته يوم الغصب مائة وقيمته يوم القتل ثمانون كان له أن يغرم الغاصب مائة ويرجع الغاصب على القاتل بثمانين وله أن يأخذ من القاتل ثمانين؛ لأنه غريم 2 غريمه في ذلك الشيء ويرجع على الغاصب بعشرين إلا أن يريد بقبضه من القاتل رفع حكم الغاصب فلا يرجع عليه بشيء، وإن كانت القيمة يوم القتل مائة وعشرين كان له أن يطالب القاتل بذلك 3. واختلف إذا ابتدأ بالغاصب فأخذ منه مائة هل له أن يتبع القاتل بعشرين؟ فقال ابن القاسم: ليس ذلك له؛ لأنه إذا ضمن الغاصب كان التعدي بالقتل على الغاصب، وقيل ذلك له ولا ربح للغاصب 4. وقاله ابن القاسم أيضًا في كتاب السلم الثاني في تعدي الوكيل 5.1

وكذلك إذا قطع أجنبي يده وكانت الجناية تنقصه يوم الغصب خمسة، ويوم الجناية عشرة، فيختلف إذا ضمن الغاصب وأخذ قيمة العبد يوم الغصب هل يأخذ الخمسة الفاضلة من القاطع؟ ويختلف إذا أخذ العبد مجنيًا عليه 1، فعلى قول ابن القاسم: يتبع بالجناية الجاني ولا شيء له على الغاصب؛ لأنه فيما بينه وبين الغاصب بمنزلة ما حدث بأمرٍ من السماء؛ لأنه ليس من سببه 2. وعلى قول سحنون يكون له أن يأخذ الغاصب ما نقصته الجناية يوم الغصب، فإن كانت الجناية يوم الغصب عشرة ويوم الجناية خمسة أخذ من الغاصب عشرة واتبع الغاصب الجاني بخمسة، وإن كان يوم الجناية خمسة عشر كان له أن يأخذ ذلك من الجاني.
ويختلف إذا أخذ من الغاصب عشرة هل تكون له الخمسة الفاضلة عند الجاني ولا يربح الغاصب؟

باب فيمن غصب عبدًا فباعه

وإذا باع الغاصب العبد ثم أتى صاحبه ولم يتغير سوقه 1 ولا تغير في نفسه كان بالخيار بين أن يجيز البيع أو يأخذه ويرجع على المشتري بالثمن.
وإن قتله المشتري عمدًا أو خطأ أو قطع يده أو فعل ذلك به غير المشتري كان صاحبه بالخيار بين أن يبتدئ بالغاصب فيأخذ القيمة 2 يوم الغصب أو الثمن أو القيمة يوم البيع على أحد قولي ابن القاسم 3؛ لأنه تعد ثان غير الغصب ويمضي البيع وتكون المطالبة للمشتري على من جنى عليه إن كانت الجناية من أجنبيٍّ، وإن أحبَّ المستحقُ أن يبتدئ بالمشتري فيأخذه بقيمةِ يوم قتله إن كان عمدًا.
واختلف فيه إذا كان خطأ فعلى القولِ أن له أن يأخذَه بالخطأ يرجعُ المشتري على البائع، وعلى القولِ ألا شيءَ عليه تكونُ مطالبتُه على البائع.
وكذلك إذا قطعَ يده عمدًا كان للمستحق أن يأخذَ العبد وما نقصته الجنايةُ ويرجعُ المشتري على البائعِ بالثمنِ.
ويختلفُ إذا كان القطعُ خطأً، وإن كانت الجنايةُ من أجنبي تساوي العمد والخطأ، فإن قتله أخذ منه قيمته، وإن قطع يده أخذ العبد والجناية من الجاني ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن، فإذا كان العبد قائم العين وأجاز المغصوب منه لزم المشتري إلا أن يكون المغصوب منه فاسد الذمة لحرام أو غيره.

واختلف إذا كان المشتري قد دفع الثمن إلى الغاصب، والغاصب فقير وقد أجاز المستحق الثمن فقيل: لا شيء له على المشتري، وقيل: يأخذ منه الثمن ثانية، وهذا يصح على القول إن العقد بيع، فيكون قد أجاز البيع دون القبض، وعلى القول إن البيع التقابض لا يكون له على المشتري شيء، فإن علم المشتري أن البائع منه غاصب وأحب رد البيع قبل قدوم المغصوب منه 1 لم يكن ذلك له إذا كان قريب الغيبة وذلك له إذا كانت الغيبة بعيدة؛ لأن عليه في وقفه في ضمانه حتى يقدم ضرر.
وإن اشتراه الغاصب من المغصوب منه بعد أن كان باعه لم يكن له أن يرد بيع نفسه.
وقال ابن القاسم: لأنه إنما يحلل صنيعه 2. قال الشيخ: ولو كان قد قدم قبل أن يشتريه من المغصوب منه أنه يريد بذلك ملكه لا يتحلل صنيعه لكان له أن يأخذه، ولو كان باعه الغاصب بعشرة ثم اشتراه من المغصوب منه بثمانية كان للمغصوب منه أن يرجع عليه بدينارين؛ لأنه يقول لي في يده ثمن عبدي وهو عشرة كثمانية، ولو أعلمني لم أقبض ثمانية، وكذلك لو باعه هو بثوب لكان المغصوب منه بالخيار بين أن يجيز البيع بالثمانية دنانير أو يردها ويأخذ الثوب، وإن تغير الثوب بنقص كان له أن يأخذ ذلك النقص؛ لأنه غصب ثان الثوب ولو باعه المغصوب منه من الذى اشتراه من الغاصب بثمن مخالف للأول في القدر أو الجنس جاز، ويرجع المشتري على الغاصب بما كان دفع إليه.

وإن كان الثمن الأول عرضًا ما لم يتغير سوقه برجوع المغصوب- بثمن ذلك العرض، ورجوع المشتري مختلف فيه فتفيته حوالة الأسواق وفي رجوع الغاصب؛ لأن المشتري سلطه عليه فإن باعه المغصوب منه (1) من ثالث ليس من الغاصب ولا من مشتريه من الغاصب جاز إذا كان لا يحتاج إلى خصومة، إما لأن الغاصب ذهبت قدرته أو أناب وسلم وكان من هو في يده معترفًا به وممكنًا منه، وإن كان غير ذلك لم يجز، وإن اعترف البائع بعد البيع بالغصب ولم يثبت ذلك من غير قوله لم يصدق على المشتري، وكان مقال المغصوب منه مع الغاصب فإن أحب أخذه بالقيمة، ثم يقال: إنه غصبه أو يجيز البيع ويأخذ الثمن.
ويختلف إذا كانت القيمة يوم البيع أكثر من الثمن (2) هل يكون للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة يوم البيع؛ لأنه تعد ثان؟

فصل [إذا باع الغاصب العبد ثم اشتراه المغصوب منه]

وإذا باع الغاصب العبد بعشرة ثم اشتراه المغصوب منه بخمسة، كان سيده بالخيار بين أن يجيز البيع الأول ويأخذ عشرة، أو يجيز الشراء الثاني ويأخذ العبد وخمسة 3. واختلف إذا اشتراه بخمسة، ولم يقل اشتريته لصاحبه، فقال ابن القاسم:12

الخمسة للمغصوب منه.
وقال أشهب: لا شيء لصاحبه في الفضلة.
يريد: ويبقى للغاصب.
وفي النوادر قول ثالث: إنها ترد إلى من كان اشتراه بعشرة.
وقال محمد: إن اشتراه لنفسه أو لمن أمره بشرائه كانت الفضلة للغاصب، وإن اشتراه ليرده على صاحبه كانت الفضلة لسيده 1. فأما ابن القاسم فبنى جوابه على أحد القولين؛ لأن الغاصب لا يربح فيكون لسيده أن يأخذ الفضل وإن لم يشتره له، وأمَّا أشهب ومحمد فرأيا أن للغاصب عين عبده وقد أخذه ولا مقال له فيما بين ذلك، كما قيل في البيع الفاسد فباع بعد ذلك بيعًا صحيحًا ثم يعود إلى يد مشتريه الأول أنه يرد إلى بائعه ولا مقال له ولا للمشتري فيما بين ذلك من ربح أو خسارة، والقول: إن الخمسة لمن اشتراه بعشرة أحسن؛ لأن سيده يأخذ بالاستحقاق والاستحقاق بملك متقدم يوجب نقض ما وقع من البياعات بعد الغصب.

باب فيمن غصب عبدًا ثم وهبه أو أعتقه المشتري أو الموهوب له

ومن غصب عبدًا ثم وهبه فوجده المغصوب منه وهو قائم العين لم يكن له إلا أخذه ويرد الهبة، وإن نقص سوقه عند الغاصب كان له أن يأخذه بأعلى القيم إذا كان عبدًا للتجارة وتمضي الهبة 1. ويختلف إذا ارتفع سوقه عند الموهوب له ثم نقص هل يغرم ذلك الغاصب؟ وقد قال ابن الماجشون: يغرم الغاصب ما اغتله المشتري 2. يريد: لأنه حرمه ذلك.
ولو غصب رجل عبدًا وقيمته مائة ثم ارتفعت قيمته فبلغت مائة وثلاثين، ثم حطت إلى مائة وعشرين فباعه بمائة وعشرة ثم مات وقيمته مائة وأربعون، كان للمغصوب منه على قول ابن القاسم في المدونة: الثمن وهو مائة وعشرة لا غير ذلك 3؛ لأنه أكثر من القيمة يوم الغصب.
وعلى قوله في الدمياطية: له أن يأخذ منه مائة وعشرين وهو قيمته يوم البيع؛ لأن البيع تعد ثان غير الأول كما قال إذا قتله، وعلى ما ذكر 4 ابن شعبان عن أشهب وغيره: يأخذه بمائة وثلاثين؛ لأنها أعلى القيم في حين كونه في يد الغاصب.

وعلى قول ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: له أن يأخذ منه مائة وأربعين؛ لأنه حرمه إياها بما فعل من ذلك 1. وإن حدث به عيب عند الغاصب أو عند الموهوب له كان المغصوب منه بالخيار بين أن يضمنه قيمته يوم الغصب، وتمضي الهبة أو يأخذه ثم ينظر في ذلك العيب، فإن حدث عند الغاصب خطأ أو عمدًا أو عند الموهوب له خطأ كان مقاله في العيب مع الغاصب، وإن كان ذلك من الموهوب له عمدًا كان له أن يأخذ قيمة العيب من الموهوب له وبه يبتدئ؛ لأن الغاصب لم يسلطه على قطع اليد عمدًا بخلاف اللباس والأكل فإن وجده معسرًا فحينئذ يرجع بذلك على الغاصب، وكذلك إذا قتله عمدًا كان بالخيار بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، وتمضي الهبة أو يضمن الموهوب له القيمة يوم القتل 2. وإن جنى عليه أجنبي خطأ أو عمدًا أو قتله كان المغصوب منه بالخيار بين أن يضمن الغاصب وتمضي الهبة وتكون المطالبة للموهوب له على الجاني أو يضمن الجاني ويكون ذلك ردًا للهبة، والخطأ والعمد في ذلك سواء إذا كانت الجناية من أجنبي بخلاف أن تكون من الموهوب له أو المشتري خطأ؛ لأنه وضع يده بوجه شبهة وفيه اختلاف إذا كان الخطأ من الموهوب له أو المشتري، وله إذا حدث العيب عند الغاصب، ثم فات عند الموهوب له أن يأخذ من الغاصب قيمة ما نقصه العيب يوم الغصب، وقيمته معيبًا يوم الهبة إذا كانت القيمة يوم الهبة أكثر منها يوم الغصب؛ لأن الهبة تعد ثان 3.

وإن أعتقه الغاصب والعبد قائم العين لم يتغير بشيء لم يكن له إلا نقص العتق ويأخذه، وإن تغير بشيءٍ كان له أن يأخذه بالقيمة يوم الغصب ويمضي العتق أو يرد العتق ويأخذه معيبًا ويرجع عليه بقيمة العيب 1. وإن أعتقه المشتري ثم أدركه صاحبه ولم يتغير كان بالخيار بين أن يجيز البيع ويمضي العتق أو يرد العتق ويأخذ عين عبده، وليس له أن يضمن الغاصب ولا المشتري؛ لأنه قادر على رد العتق ويأخذ عبده سليمًا، فإن دخله عيب عند المشتري كان له أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، ويمضي البيع والعتق، أو يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يرد العتق ويأخذه معيبًا ويرجع على الغاصب بقيمة العيب على المستحق من القول 2. وإن حدث العيب عند الغاصب كان له أن يأخذه بقيمة العيب يوم الغصب ثم يكون بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن أو ينقض البيع ويرد العتق أو يضمنه قيمته جميعًا إذا كان العيب كثيرا ويمضي البيع والعتق.

باب فيمن غصب أمة فغاب عليها أو ولدت من الغاصب أو غيره بزنا أو ملك يمين أو نكاح

ومن غصب جارية رائعة ضمنها بالغيبة عليها، قال مطرف وابن الماجشون: علم أنه كشفها أو لم يعلم فعليه قيمتها 1. يريد: إذا خفي الأمر هل أصابها أم لا؟ وظاهر قوليهما أن عليه القيمة بتلًا.
وأرى أن توقف القيمة إذا كان السيد مقرًا بالإصابة، لإمكان أن تكون حاملًا منه فتكون أم ولد، وأم الولد لا تضمن بالغيبة عليها، فإن تبين أنها حامل ردت إلى سيدها، وإن حاضت أخذ القيمة، وإن ماتت قبل أن يتبين أنها حامل أم لا أخذ القيمة المغصوب منه والظالم أحق أن يحمل عليه.
وإن أنكر سيدها الوطء عجلت له القيمة إلا قدر عيب الحمل، فإن تبين أنها غير حامل أخذه، وإن تبين أنها حامل ردت إلى الغاصب.
وقال عبد الملك بن الماجشون فيمن اغتصب وطء أمة ولم يغتصب الرقبة عليه ما نقصها بكرًا كانت أو ثيبًا 2. يريد: إذا لم ينظر في ذلك حتى تبين أنها غير حامل؛ لأن الغالب من النقص عن ذلك أنه يكون يسيرًا، ولو قام عليه قبل أن تحيض لضمَّنه جميع الرقبة؛ لأنه بفعله حال بينه وبينها إلا أن تكون في آخر الطهر، فلا يضمن القيمة ويتربص حتى ينظر هل تحيض أم لا؟.

فصل [فيمن غصب أمة فولدت ثم مات الولد]

وقال ابن القاسم فيمن غصب أمةً فولدت ثم مات الولد: لا ضمان على الغاصب فيه، وإن قتله ضمنه 1. قال الشيخ: لا يخلو الولد من ثلاثة أوجه: إمَّا أن يكون من زنا، أو بملك يمين، أو بنكاح، والزوج عالم أنها أمة وتزوجها على أنها حرة.
فإن ولدت عند الغاصب منه أو بزنا من غيره، كان الجواب فيهما سواء للمغصوب منه أن يأخذ الأمة والولد.
واختلف إذا مات الولد، فقال ابن القاسم: لا يضمنه، وقال أشهب في كتاب محمد: هو ضامن عليه بالقيمة يوم ولد 2. وهو أحسن؛ لأنه مغصوب، وقد كان رده واجبًا عليه، ومن قال في الغرم بأعلى القيم يغرم هو قيمته يوم مات إذا كانت أعلى من قيمته يوم وُلِد.
وكذلك إذا ماتت الأم فعلى قول ابن القاسم: يغرم قيمة الأم وحدها يوم غصبها، وعلى قول أشهب يغرم قيمة الأم 3 يوم الغصب وقيمة الولد يوم ولد 4. وقول ابن القاسم في هذا أحسن على تسليم القول أن القيمة في الأم يوم الغصب؛ لأن ما حدث من نماء بعد ذلك للغاصب، والقياس أن للمغصوب منه أن يأخذ قيمة الأم يوم ماتت إن أحب؛ لأنه كان يوم ماتت

غاصبًا، ويأخذ قيمة الولد على أغلى قيمة مرت (1) به إلى يوم مات؛ لأنه إذا أخذ قيمة الأم يوم ماتت كان الولد حادثًا قبل وقت القيمة فصح أن يأخذ قيمتها، فإن ماتت الأم وحدها كان عند ابن القاسم بالخيار بين أن يأخذ قيمة الأم يوم الغصب ولا شيء له في الولد أو يأخذ الولد ولا شيء له من قيمة الأم؛ لأن الولد عضو من أعضائها فذهابها دون ولدها كذهاب بعضها كان بالخيار بين أن يأخذ القيمة يوم الغصب، ولا شيء له في الباقي أو يأخذ الموجود، ولا شيء له في الهالك.
وعلى قول أشهب: له أن يأخذ الولد وقيمة الأم يوم الغصب (2). والقياس أن له أن يأخذ قيمتها يوم ماتت ويأخذ الولد.
وكذلك إذا مرَّت به (3) حالة (4) بعد الولادة هي أرفع قيمة كان له أن يأخذ تلك القيمة وعين الولد.

فصل [فيمن غصب أمة فولدت وقتل الولد أو قتلا جميعًا]

ويختلف على هذا إذا قتل الولد أو قتلا جميعًا، فقال ابن القاسم: إذا قتل الولد وحده كان للمغصوب منه أن يأخذ الأم وقيمة الولد يوم قتله، وكذلك إذا قتلت الأم فله أن يأخذ الولد وقيمة الأم يوم قتلت بخلاف أن يقتلا جميعًا، فإنه ليس له على قوله في المدونة إلا قيمة الأم وحدها يوم غصبها، وعلى قوله في الدمياطية: له أن يأخذ قيمتها يوم قتلها.1234

وعلى قول أشهب: إما قتل الأم أو الولد أو قتلا جميعًا فذلك سواء فالقيمة يوم الغصب.
وإن قتل الولد أخذ الأم وقيمته يوم ولد، وإن قتل الأم أخذ الولد وقيمتها يوم غصبها، وإن قتلهما أخذ قيمة الأم يوم غصبها وقيمة الولد يوم ولد (1). وعلى ما حكاه عنه ابن شعبان يكون له أن يأخذه بالقيمة يوم القتل إن كانت أرفع.

فصل [فيمن غصب أمة فولدت وقتل أحدهما ومات الآخر]

وإن قتل أحدهما ومات الآخر كانت القيمة عند ابن القاسم في الأم يوم غصبت سواء ماتت أو قتلت، ولا شيء في الولد مات أو قتل، وهو على أصله في المدونة 2. وعلى قوله الآخر يكون له أن يأخذ قيمة الأم يوم قتلها ولا شيء له في الولد؛ لأنه مات، وإن ماتت الأم والقيمة عنده فيها يوم الغصب ولا شيء له في الولد؛ لأنه متى كانت القيمة عنده يوم الغصب لم يكن له فيما حدث من الولد بعد ذلك شيء 3 وهذا على أصله في المدونة.
وأمَّا قوله في الدمياطية: فله أن يأخذ قيمة الولد يوم قتل 4. وفيما مضى ما1

يستدل به على الجواب إذا ولدت من زنا عند المشتري أو عند الموهوب له فوجدهما قائمين أو ماتا أو أحدهما أو قتلا أو أحدهما 1 أو قتل أحدهما ومات الآخر كان القتلُ من المشتري أو الموهوب له أو من غيرهما، أو كانت جناية دون قتل، أو دخل الأم نقص من الولادة أو من غيرها.

باب إذا شهد شاهد بالغصب وآخر بالملك

وإذا شهد شاهد بالغصب وآخر بالملك كانا قد اجتمعا على تقدم يد المشهود له ولم يجتمعا على صفة زوال اليد هل كان بغصب أم لا؟ فإن أحب المشهود له أن يأخذ ذلك 1 كان بالخيار بين أن يحلف ما بعت ولا وهبت، وليس عليه أن يحلف على تصديق شاهد الملك أو يحلف: لقد غصبني ولا يحلف على تصديق شاهد الغصب؛ لأنهما اتفقا على تقدم اليد وإنما اختلفا في صفة خروجه عن اليد.
فإن حدث به عيبٌ وأحب أن يضمن لم يكن ذلك إلا أن يحلف مع شاهد الغصب فيضمنه، وسواء كان العيب من سببه أم لا، إذا كان العيب كثيرًا أو يسيرًا على 2 أحد القولين.
وإن أحب أن يحلف مع شاهد الملك لم يضمنه إلا أن يكون العيب من سببه ويكون كثيرًا، وإن أحب أن يأخذ العبد، فإن كان العيب من سببه أخذ ما نقصه وسواء حلف أنه ما باع ولا وهب ولقد كان غصبني، وإن كان العيب من غير سببه فحلف أنه ما باع ولا وهب لم يكن له عن العيب شيء.
وإن حلف: لقد غصبني أخذ قيمة ذلك العيب على الأصوب من القولين.

باب فيمن غصب متاعًا (1) فأهلكه وتعذر وجود مثله وكيف إن غاب الغاصب ثم لقيه المغصوب منه بغير ذلك البلد وقد نقل ذلك الطعام إلى الموضع الذي لقيه فيه أو لم ينقله

2 ومن غصب طعامًا فأهلكه غرم مثله في كيله وصفته إذا لم يتغير سوقه.
ويختلف إذا غصبه في شدة وصار إلى رخاء هل يغرم مثله أو قيمته على القول: إنه يغرم أعلى 3 القيم؛ لأنه قد حرمه ذلك السوق، وإن كان جزافًا ولم يعلم كيله غرم قيمته يوم غصبه.
واختلف إذا قال المغصوب منه: أنا أغرمه من المكيلة ما لا يشك أنه كان فيه، فالقول: إن ذلك له أحسن؛ لأنه لم يغرمه إلا مثل ما أخذ وخلف عنده فضلًا.
واختلف إذا عرفت المكيلة، ولم يوجد مثله الآن، فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله.
يريد: أنه يصبر حتى يوجد مثله 4. وقال أشهب: المغصوب منه بالخيار بين أن يصبر أو يأخذه منه بالقيمة الآن.
وقال ابن عبدوس: قد اختلف في ذلك كالاختلاف في السلم في الفاكهة بعد خروج الإبان، والقول إنه مخير بين أن يصبر أو يأخذ القيمة الآن أحسن؛1

لأن عليه في الصبر ضرر، وذلك حق له لا عليه، فإن أحب أسقط ما قاله في ضرر الصبر وأخر حتى يوجد المثل (1)، وإن أحب قام بحقه الآن إلا أن يرجى قدوم مثل ذلك إلى الأمد القريب (2).

فصل [إذا لقي الغاصب المغصوب بغير البلد الذي كان به الغصب]

وإن لقي الغاصب المغصوب بغير البلد الذي كان به الغصب فإن أراد أن يغرمه المثل أو قيمته بالبلد الذي غصبه به لم يكن ذلك له عند ابن القاسم، وعليه أن يصبر حتى يقدم البلد الأول فيأخذ المثل، وذلك له عند أشهب في الوجهين جميعًا فيغرمه المثلين إذا كان سعر البلدين سواء، أو كان بالبلد الذي لقيه أرخص وله أن يغرمه 3 الآن 4 قيمته بالبلد الذي غصبه فيه، إذا بعد ما بين البلدين قياسًا على قوله إذا كان معه في البلد الذي غصبه به وتعذر وجود المثل، ويرجى وجوده بعد، وأن يكون ذلك في المسألتين جميعًا أحسن؛ لأن الذي دعا 5 إليه المغصوب منه لا ضرر على الغاصب فيه، وله مقال في استعجال حقه.
واختلف إذا لقيه ومعه طعام المغصوب، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: ليس له أن يأخذه ولا قيمته وإنما له المثل في البلد الذي كان به الغصب.12

وقال أشهب: له أن يأخذه أو يؤخره ليأخذه بالمثل في البلد الذي كان به المغصب 1. وقال أصبغ: له أن يأخذه إذا قرب ما بين البلدين، وإن بعد ما بينهما لم يأخذه، وله أن يتوثق من حقه ويخلى بينه وبين الطعام 2. وأرى أن لصاحبه أن يأخذه في ثلاثة مواضع، إذا كان الغاصب مستغرق الذمة؛ لأنه يقول: لا أدع حلالًا وآخذ حرامًا.
والثاني: إذا كان سعره بالبلدين سواء، أو كان بالموضع الذي لقيه به أرخص؛ لأن له أن يأخذه بالمثل إذا لم يكن عين طعامه إن تساوى السعر أو كان هذا أرخص.
والثالث: إذا قال: أنا أدفع الكراء أو ما زاد سوقه الأقل منهما.
واختلف إذا كان المغصوب عرضًا أو حيوانًا ووجدها معه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يأخذ القيمة إلا أن يزيد، ولا يريد أن يأخذ عين المغصوب، وقال أشهب: هو بالخيار بين أن يأخذ متاعه بلا غرم عليه فيما أنفق ولا فيما حمل أو يغرمه قيمته الآن قيمته بالموضع الذي غصبه به، وبه 3 قال محمد: قال 4: وتفرقة البلدان إذا كانت بعيدة كتغير البلدان.
يريد: أن له أن يضمن القيمة وإن كان له أن يأخذ العين.
وقال سحنون في المجموعة: أمَّا البر 5 والدقيق ليس له أن يأخذ عينه إذا لم يتغير في يده.
وقال مالك في المجموعة: أما العبيد والدواب فله أخذهم بأعيانهم ليس له إلا ذلك، وأما

العروض فهو بالخيار بين أن يأخذ العين أو القيمة 1. قال الشيخ: أمَّا العبد والدابة وما الشأن أن يصل بنفسه ولا يتكلف له حمولة لخفته 2 كالثوب وما أشبهه فإن للمغصوب منه أن يأخذه، وإن كره ذلك الغاصب أن يجبره على قبوله، وإن كره المغصوب إذا كان الطريق الذي نقل منه مأمونًا؛ لأنه قادر على رده من غير مضرة، فإن كان مخوفًا أو غير موجود لم يجبر على قبوله وكان له أن يضمنه القيمة، وإن كان لك مما له حمل، ويغرم لنقله كراء، وأحب الغاصب أن يسلمه كان للمغصوب منه ألا يقبله؛ لأنه يقول: لي غرض في مالي أن يكون ببلده.
إلا أن يقول الغاصب: أنا أتكلف رده، والطريق مأمون.
وإن أحب ربه أن يأخذه وامتنع من ذلك الغاصب لأجل ما كان تكلف من الأجرة على حمله كان ذلك له على قول ابن القاسم، وإن دفع المغصوب منه الأجرة سقط مقاله، وليس عليه -على قول أشهب- للحمل شيء، وإن كان قد زاد في الثمن كالسقي والعلاج على أحد القولين أنه لا يغرم له شيئًا، وإن كان قد زاد في الثمن كالجص والتزويق، فاختلف 3 هل 4 على الغاصب أن 5 يرده إلى حيث غصبه منه إذا أحب ذلك المغصوب منه فالمعروف من المذهب أن ليس ذلك عليه.
وقال المغيرة فيمن عدا على خشبة من عدن إلى جدة وأنفق في حملها مائة دينار: ربها مخير إن شاء أخذها وإن شاء كلف ردها إلى البلد الذي أخذها

منه 1. وقال ابن القاسم وأشهب في المجموعة في رجل اكترى من جمال على أن يحمل له حملًا بعينه إلى بلد فأخطأ الجمال فحمل غيره فبلغه البلد، أن صاحبه مخير إن أحب ضمنه قيمته بالبلد الذي حمله منه ويأخذ القيمة حيث شاء، وإن أحب أخذه وغرم الكراء 2. وقال أشهب: لا كراء عليه وليس للجمال قول إن 3 قال: أنا أرده إلى حيث نقلته ولا لصاحب الحمل أن يلزم الجمال أن يرده، وعلى الجمال أن يرجع فيحمل الحمل الذي استؤجر عليه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في هذا: إن صاحب الأحمال مخير بين أن يلزمه ردها أو يأخذها ولا كراء عليه إلا أن يعلم أن صاحبها كان راغبًا في وصولها، فيكون عليه كراء المثل ويرجع ليأتي بما أكرى عليه 4.

باب هل يغرم الغاصب الغلات إذا اغتل هو أو غيره وإذا منع الغاصب الانتفاع به ولم يغتل والحكم في نفقته عليه وسقيه وعلاجه والحكم في الولد؟

واختلف في غرم الغاصب على المغصوب على خمسة أقوال، فروى أشهب وعلي بن زياد عن مالك أنه يغرم الغلة؛ أيّ صنف كان المغصوب دارًا أو أرضًا أو نخلًا أو شاة أو عبدًا أو دابة أو غير ذلك وسواء استعمل ذلك أو آجره 1. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن مالك أنه قال: لا شيء عليه؛ أيّ شيء كان المغصوب ديارًا أو عقارًا أو غيرها 2. وقال ابن القاسم عنه: يغرم غلة الرباع والغنم والإبل ولا يغرم غلة العبيد والدواب 3. وقال أيضًا: يغرم غلة ما استغل ولا يغرم ما استعمل 4. وقال ابن المعذل: يغرم غلة ما لا يسرع إليه التغيير كالديار والأرضين والنخيل، ولا يغرم غلة 5 ما يسرع إليه التغيير كالعبيد والحيوان؛ لأن الديار مأمونة فكأنه لم يضمن شيئًا والعبيد والحيوان الخوف فيها قائم فسقط الكراء

من أجل ضمانه، واحتج من منع رد الغلة جملة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" 1 فحمل الحديث على عمومه في الغصب 2 وغيره، وحمل الحديث من خالف ذلك على من وضع يده بوجه شبهة دون من كان متعديًا.
قال أشهب في كتاب محمد: ولو حكم بذلك للغاصب لم يكن في ذلك أدب، وإنما هم مغتصبون 3 والغاصب للرقاب وللغلات؛ لأن الغصب لا ينقل الملك، وهو كل يوم غاصب، ولهذا حد 4 إذا أصاب الجارية وإن كانت في ضمانه، وإذا كان ذلك وكان طلوع الغلة وهي على ملك المغصوب منه كانت الغلة للمالك، واحتج من نصر هذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ لِعِرقٍ ظَالِمٍ حَقٌ" 5. يريد: أن الظالم هو الغاصب، ولا حق له في المغصوب في غلة ولا غيرها 6. وقيل: لعرق على الإضافة ليس لعرقِ ظالم حق، والعروق ما أحدثه الغاصب من بناء أو غرس أو حفر لا ما أخذه منه، وهذا أشبه بالحديث ولا وجه لما قال ابن المعذل لاتفاق المذهب على أن مشتري الدار والأرض لا يرد

غلتها إذا رد بعيب أو استحق، وكذلك تفرقة ابن القاسم بين ما استغل أو آجر القياس أن جميع ذلك سواء؛ لأن جميع ذلك خراج وداخل في الحديث في المشتري دون الغاصب، وأما تفرقته بين الإبل والغنم والبقر والعبيد والرقاب فذلك راجع إلى التفرقة بين ما استعمل أو استغل؛ لأن غلة الإبل والبقر والدواب والغنم يطلع فيها ثم يأخذه فأشبه إذا اغتل العبد ولم يستعمله.

فصل [إذا باع الغاصب المغصوب أو وهبه فاغتله المشتري أو الموهوب له]

واختلف إذا لم يغتل الغاصب وأغلق الدار وبور الأرض ووقف الدابة ولم يستعمل الغلام أو باع ذلك المغصوب أو وهبه فاغتله المشتري أو الموهوب له هل يغرم الغاصب غلة ذلك؟ فقال ابن القاسم: لا شيء عليه في جميع ذلك 1. وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب ابن حبيب: عليه الكراء إذا أغلق الدار وبور الأرض ولم يستخدم العبد ووقف الدابة 2. قال ابن حبيب: إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب له، فإن كان الغاصب معسرًا رجع المغصوب منه على الوهوب له إن كان حيًا وعلى وارثه إن كان ميتًا ولم يرجع على المشتري 3.

وهذا مثل القول الذي يغرم غلة الدار وإن أغلقها؛ لأن كليهما إنما يغرم ما أحرم ربها من تلك المنافع (1) بغصبه؛ لأنه المسلط للمشتري والموهوب له.

فصل [فيمن غصب عبدًا أو دابة ثم ردها]

ويختلف في الغاصب إذا رد الغلات هل يرجع بما أنفق على العبد والدابة وبالسقي والعلاج على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يرجع في ذلك -يريد: ما لم يجاوز الغلة- ثم رجع وقال: لا شيء له 2. والأول أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 3 فهو إن ظلم فلا يظلم هذا في كل ما ليس للمغصوب منه مندوحة مثل طعام العبد وكسوته وعلف الدابة، وأمَّا الرعي 4 وسقي الحائط، فإن كان لو كان ذلك في يده لاستأجر له رجع به مثل طعام العبد، وإن كان لا يستأجر لذلك؛ لأن له عبيدًا ودواب في الحائط يقومون به، ثم لم يستعملهم بعد غصب الحائط لم يكن عليه شيء، وإن كان في الحائط دوابه دون عبيده، أو عبيده دون دوابه- رجع بأجرة ما كان عجز عنه دون ما كان فيه، إلا أن يستعملهم صاحبهم بعد غصب الحائط، فإن كان آجر 5 كان عليه إجارة من عمل في الحائط ما لم يجاوز تلك الإجارة التي أخذها فيهم.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب فيمن تعدى على رجل فسقى له شجرة،1

أو حرث أرضه، أو حصد زرعه، ثم سأل الأجرة في ذلك، فقال: إن كان صاحب هذه الأشياء مما لا يستبد أن يستأجر عليها كانت عليه الأجرة، فإن كان يلي ذلك بنفسه أو له من يلي ذلك لم يكن عليه شيء (1). وأرى أن يكون على المغصوب من أقل من ثلاثة أوجه (2): إجارة المثل فيما تولاه الغاصب، أو ما آجر به هو وعبيده أو دوابه، أو تسليم الغلة التي اغتلها الغاصب.

فصل [إذا أنفق الغاصب على ما لا غلة له]

وإن كانت النفقة على ما لا غلة له كعبد 3 لم يبلغ الخدمة أو دابة لم تبلغ أن تركب، فأنفق عليه الغاصب حتى كبر لم يرجع الغاصب على صاحبه بشيء من تلك النفقة، وهذا قول ابن القاسم، وعلى قول أصبغ تكون له النفقة؛ لأن ذلك مما لم يكن للمغصوب منه بد؛ ولأن القصد بالإنفاق على ما له غلة ما ينال من غلته، كان مقال الغاصب في ما نقلته نفقته من الصغر إلى الكبر أقوى منه في ما نما من الغلة.
وقال محمد بن مسلمة 4 فيمن ابتاع صغيرًا فكبر أو دابة عجفاء فسمنت أو ودية 5 فغرسها، قال: المستحق بالخيار بين أن يجيز البيع أو يأخذ القيمة من المشتري 6. لأن الكبر قوة فمنع المستحق من أخذ الأصول لما نمت بنفقة12

المشتري، وإذا كان ذلك كان مقال الغاصب في النفقة في هذا الوجه أقوى منه في الغلة.
وقال مالك فيمن ابتاع جملًا فعلفه حتى سمن ثم استُحق، فربه مخير في دفع ما أنفق أو يأخذ قيمة جمله يوم قبضه المشتري (1).

فصل [فيمن غصب خرابًا فأصلحه واغتله]

واختلف فيمن غصب خرابًا فأصلحه واغتله هل للمغصوب منه جميع الغلة أو قدر ما ينوب الأصل قبل الإصلاح؟ فقال ابن القاسم: إذا غصب خرابًا لا يسكن إلا بإصلاحه فأصلح وسقف ورم ثم استغل قال: للمستحق جميع الغلة وكراء ما سكن، وللغاصب قيمة ما لو نزع كان له ثمنًا 2. وإن غصب مركبًا خربًا لا يقدر على استعماله إلا بإصلاحه فعمَّره وربحه بحوائجه وأطرافه ثم استغل غلة كان 3 جميع الغلة لمستحقه ولا غرم عليه في شيء مما أنفقه إلا مثل صارٍ 4 ورجل 5 أو حبل 6. قال: وأصبغ ذهب في ذلك كله إلى قول أشهب ولم يعجبني، وقول أشهب أبين فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر بما كان يؤاجر به ممن يصلحه،1

فيغرمه وما زاد على ذلك فللغاصب (1).

ولا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضًا فبناها ثم سكن أو استغل أنه لا يغرم سوى غلة القاعة، وقد مضى في كتاب كراء الدور إذا اكترى دارًا فانهدمت ثم أعادها المكتري بغير إذن المكري أو اكترى دارًا كراء فاسدًا فبناها (2) بإذن المكري أو بغير إذنه.

فصل [في غصب الثوب]

وإذا غصب ثوبًا فاستعمله الغاصب أو مشتريه منه أو من استأجره من الغاصب أو من المشتري اليوم واليومين، ولم يتغير لذلك اللباس كان حكم ذلك اللباس حكم الغلة، فلا يكون للمغصوب من 3 مطالبة على المشتري لبس أو أجر.
ويختلف في رجوعه على الغاصب حسب ما تقدم في الغلات، وإن استعمل المدة الطويلة حتى تغير أو نقص عن حكم 4 الغلة وكان للمغصوب منه أن يأخذ المشتري بقيمة ما نقص لباسه إن كان لبسه وإن كان آجره أخذ ما أجره به، فإن كان المشتري فقيرًا أخذ الملابس بالأكثر من قيمة النقص أو إجارة المثل ورجع المستأجر على المشتري بما قبض منه، وإن كان الغاصب لبسه أخذ بما نقص منه اللباس يوم لبسه 5، وعلى مذهب سحنون يوم الغصب وإن أجره12

جارٍ التحميل