واختلف إذا اختلف السيد والعبد، فقال السيد: كانت خطأ، وقال العبد: عمدًا.
أو مَثَّلَ بزوجته، فقال الزوج: خطأ، وقالت الزوجة: عمدًا.
وقد (1) فقأ عينه أو عينها وقال: كنت مؤدبًا (2) فأخطأت.
فقال سحنون في العتبية: القول قول العبد والمرأة بخلاف الطبيب يقول: أخطأت.
ثم رجع فقال: القول قول السيد والزوج (3). وهو أحسن؛ لأن الأمر محتمل فيحلف ولا يعتق العبد ولا تقتص (4) الزوجة إلا أن يكون الزوج والسيد معروفين بالجرأة والاستخفاف والأذى فيقبل قول العبد والزوجة، أو يكون ذلك بالحديد وما يقوم الدليل فيه أنه عمد فلا يصدق فتقتص الزوجة ويعتق العبد (5). وقال مالك في العتبية في الزوج (6) يمثل بزوجته: تطلق عليه (7).
فصل [في صفات المثلة]
والمثلة في صفاتها على خمسة أوجه: فإن كانت إزالة عضو أو إفساده أو أنزل به شيئًا يشوّهُ 8 به خلقه وساءت1234567
منظرته، وكان ذلك مما لا يزول ولا يعود إلى هيئته أعتق عليه.
وإن كان الشين يسيرًا أو كثيرًا ويعود العبد إلى هيئته أو يبقى من الشين الشيء 1 اليسير لم يعتق، وهذا عقد هذا القسم فإن أبان من يده أنملة فما فوقها أعتق عليه، وإن أبطل أنملة أو أصبعًا ولم يُبِنْها لم يعتق عليه، ولأنه لا يشين به كبير شين 2 إذا لم يبن، ولو أبطل كفه فما فوق أعتق.
وقال ابن حبيب: إذا أذهب ظفره فما فوقه 3 يعتق 4. وفيه نظر، ولو قلع أسنانه أو أبردها 5 فأحفاها أعتق عليه 6.
واختلف إذا قلع 7 سنًّا أو سنّين فقال مالك في كتاب محمد: يعتق عليه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يعتق إلا في جل الأسنان والأضراس 8.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 9: وأستحسن أن يفرق فإن قلع سنين من الثنايا أو الرباعيات أن يعتق؛ لأن شينهما ظاهر، ولا يعتق 10 بثنية 11 واحدة أو رباعية؛ لأنه لا يقع بذلك كبير شين.
وأما الأرحاء 1 فلا يعتق إن أزال له سنين؛ لأن شينهما غير ظاهر، وإن أزال ما أفسد عليه استعمال الأكل 2 وطحنه أعتق، وإن جدع طرف أنفه أعتق؛ لأن ذهاب اليسير منه يقع به شين كبير.
وقال مطرف وابن الماجشون: وإن خرم أنفه أعتق.
وقال مالك في كتاب محمد: إن قطع طرف أذنه 3 أو بعض جسده أعتق عليه 4.
قال الشيخ 5: يريد إذا قطع ما يقع به شين بَيِّنٌ 6 فليس طرف الأنف كطرف الأذن وبضعة من جسده، وذلك يختلف فالقليل إذا كان في الوجه شين، وليس كذلك إذا كان تحت الثياب.
وقال ابن وهب وأصبغ: إذا وسم جبهته وكتب فيه آبق يعتق، ولو فعل 7 ذلك في ذراعيه لم يعتق، وهذا إذا كان وسمًا بنار 8.
واختلف إذا كان وسم جبهته بمداد وإبرة وكتب فيه آبق، فقال ابن وهب في العتبية: يعتق.
وقال أشهب: لا يعتق.
ورآه خفيفًا، وقد ذكر أنه ربما عُمل له ما يزيله 9.
وإن حلق لحية عبده أو رأس جاريته والعبد وغد والجارية ليست برائعة لم يعتقا.
واختلف إذا كان العبد 1 التاجر والجارية الفارهة 2، فقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: يعتقان 3. وقال مطرف في الثمانية: لا يعتقان.
والأول أحسن إذا كان ذلك شينا 4 لا يعود بعده لهيئته، وإن كان يعود لم يعتقا، ومنع السيد من أن يخرجه 5 يتصرف عليه حتى يعود لهيئته 6.
وقد تقدم ذكر الجباب وكي الفرج 7 وفيه جاء الأثر، ولو كان كي الفرج الشيء الخفيف لم يعتق به، ولا يعتق العبد بشيء من الجراح إذا لم يذهب له بذلك 8 عضو، وقال ابن المواز عن مالك في امرأة عضت لحم جاريتها وأثرت بذلك أثرًا شديدًا: تباع عليها ولا تعتق 9.
وقال أشهب: إذا نيبتها 10 في عضتها وذلك فلتة لم تبع، وإن لم تكن فلتة بيعت، وإن قطعت بذلك شيئًا من جسدها أعتقت 11.
وقال مالك: إذا ضرب عبده مائتي سوط أو ثلاثمائة سوط وبلغ ذلك منه لم يعتق إلا أن يبلغ (1) الضرب منه ما يكون مُثْلَة بينة شديدة من ذهاب لحمه، فرب ضرب يذهب اللحم حتى يبلغ العظام فيصير جلدًا على عظم يتآكل، فإذا بلغ ذلك حتى يصير مثلة عند الناس أعتق.
وكل موضع لا يعتق فيه العبد فإن العقوبة لا ترفع بالضرب والسجن على قدر فعله وما يرى أن فيه زجرًا لغيره (2)، وأما البيع (3) فإن كان ذلك فلتة منه لم يبع وإلا بيع، فإذا كان العتق كان هو العقوبة إلا أن يرى لعظيم ما فعل أو لما يعلم من سوء حاله وتحامله (4) أن تزاد عقوبته في جسمه بالضرب أو بالسجن فيفعل، ولابن القاسم وأشهب في كتاب محمد العتق والعقوبة معًا.
فصل [في شروط العتق على الممثل]
يعتق على الممثِّل بستة شروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، حرًّا، رشيدًا، لا دَيْن عليه، مسلمًا.
ولا يعتق على اثنين: الصبي والمجنون؛ لأن عمدهما كالخطأ.
واختلف في العتق على أربع: السفيه، والمديان، والعبد، والنصراني.
واثنان يعتق عليهما واختلف هل يكون 5 ذلك من رأس المال أو من الثلث وهما: المريض، وذات الزوج.1234
فقال أشهب في كتاب محمد في السفيه ومن أحاط الدين بماله: والعبد يعتق عليهم؛ لأنها جناية حدها العتق.
قال محمد: وقد قيل: لا يعتق عليهم.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: في السفيه قولان، والذي ثبت عليه أنه لا يعتق.
قال في العتبية: كل من لا يجوز عتقه، فإنه لا يعتق عليه بالمثلة.
وقال في المريض يمثل بعبده: إنه يعتق في ثلثه إن مات، وإن صح فمن رأس ماله 1.
وقال في كتاب ابن حبيب في ذات الزوج: هو كابتدائه العتق.
يريد أنه يمضي عليها ذلك في ثلثها أو ما حمل ثلثها فيه 2، وعلى أصل أشهب يعتق عليها من رأس المال ولا مقال في ذلك للورثة ولا للزوج.
والقول في السفيه أنه 3 يعتق أحسن؛ لأنه ماله ولا تعلق 4 لأحد عليه فيه، وذات الزوج قريب منه؛ لأنه لا شرك لزوجها 5 فيه، والمريض أشكل منهما 6 لأن في ذلك إتلافًا على الورثة وتعلق حقهم في المال أقوى من تعلق حق الزوج، والعقوبة بالعتق عقوبة عليهم، والمفلس أبينهما ألا يعتق عليه؛ لأن في ذلك إتلافا 7 لأموالهم، والعتق على العبد أبين؛ لأن السيد ملَّكه ومكّنه 8
وسلّطه (1) فوجب أن تجري عليه الأحكام في ماله كالحر.
وقال ابن القاسم في الكافر: لا يعتق عليه.
يريد وإن كان ذميًّا (2). قال أشهب: يعتق عليه.
وهذا أبين لأنه من التظالم.
فصل [في السيد يمثل بمعتقه]
وإذا مثل السيد بمعتقه إلى أجل أو بأم ولده عتقا عليه بمنزلة عبده وكذلك مدبره إذا كانت المثلة في صحته.
ويختلف إذا كانت في مرضه، فعلى قول أشهب يعتق من رأس المال، وعتقه بالمثلة آكد من التدبير، ولا مقال 3 في ذلك لغرمائه ولا لورثته 4 إن 5 لم يكن عليه دين.
وعلى قول ابن القاسم لا يعتق بالمثلة إن كان عليه دين، وإن لم يكن عليه دين عتق في ثلثه إلا أن يكون له مال مأمون فيعجل عتقه لحق المثلة 6.12
فصل [في المثلة بعبد عبده أو عبد معتقه أو عبد مدبره وأم ولده]
وإن 1 مثل بعبد عبده أو عبد 2 معتقه إلى أجل قبل أن يتقارب 3 الأجل أو عبد مدبره أو عبد 4 أم ولده في صحته، عتق عليه بمنزلة ما لو 5 مثَّل بعبد نفسه؛ لأن له انتزاع أموالهم.
وإن قرب الأجل في 6 المعتق إلى أجل كان كعبد الأجنبي على قول مالك وابن القاسم 7، ولا يعتق إلا بما يعتق به المعتق إلى أجل 8.
وعلى قول ابن نافع يعتق بما يعتق به عبد نفسه لأنه يقول: له أن ينتزع ماله ما لم يفض 9 إلى الحرية.
وكذلك عبد مدبره 10 وأم ولده إذا كان 11 في مرضه هما عند مالك وابن القاسم كعبد الأجنبي، وعلى قول ابن نافع كعبد نفسه، ثم يكون الحكم
فيهما بمنزلة مثلته (1) بعبده، فيختلف هل يعتقان من رأس ماله أو من ثلثه؟ فمن جعله من الثلث بَدَّى المدبر على الممثل به (2) لأنه عنده بمنزلة من ابتدأ عتقًا في المرض وله مدبر.
ومن قال: إنه من رأس المال فإنه يبدأ به على المدبر وإن أدى ذلك إلى سقوط التدبير، وإذا كان الحكم التبدية بالمدبر لم يعتق الممثل به إلا أن يحمل الثلث قيمة المدبرة وقيمة الممثل به مرتين (3)، وذلك أنه إذا مثّل بعبد مدبره وبدأ (4) بالمدبر يقوم المدبر بماله والعبد الممثل به بماله (5) فإن كانت قيمته مائة وعبده لممثل به مائة والثلث مائتان لم يعتق العبد الممثل؛ لأنه لم يبق من الثلث شيء، وإن كان الثلث مائة عتق الممثل به وإن كان مائتين وخمسين أعتق نصفه.
فصل [في حكم المثلة بالمكاتب أو عبده]
وإن مثل بمكاتبه أو جرحه ولم يمثل به وكانت قيمة الجناية عليه مثل ما عليه من الكتابة عجل عتقه.
وإن كانت الجناية دون ما عليه من الكتابة أعتق في المثلة ولم يعتق في الجرح وحاسبه السيد به من آخر نجومه.
وإن كانت الجناية أكثر من الكتابة أتبع المكاتب السيد بالفاضل، والمثلة والجرح في ذلك سواء،12345
وهذا قول ابن القاسم.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يتبع (1). والأول أحسن؛ لأن المكاتب حاز نفسه وماله عن سيده بالكتابة وليس قبله شيء (2) سوى ما كاتبه به، وإن مثل بعبد مكاتبه كان بمنزلة المثلة بعبد أجنبي.
فصل [فيمن مثَّل بعبد ولده الصغير]
ومُثْلتُه بعبد ولده (3) الصغير كمثلته بعبد نفسه، إن كان موسرًا بقيمته، وإن كان فقيرًا لم يقوم (4) عليه.
قال ابن القاسم: وهو بمنزلة لو أعتقه.
وليس بالبين؛ لأنه إنما ألزم القيمة إذا أعتقه؛ لأنه ألزم نفسه ذلك ورضي أن يأخذه لنفسه بقيمته وليس تعديه بالمثلة رضًى منه بعتقه.
ومثلته بعبد ولده الكبير بمنزلة مثلته بعبد غيره من الأجنبيين إلا أن يكون الولد سفيها فيعتق عليه على قول ابن القاسم.
فصل [في العتق بالمثلة هل يفتقر إلى حكم وما يجري في ذلك]
العتق بالمثلة يفتقر إلى حكم إذا لم تكن المثلة بينة فيرجع الأمر إلى الحاكم ويجتهد في ذلك هل يعتق بمثلها أم لا؟ واختلف في المثلة البينة فقال مالك وابن القاسم وابن عبد الحكم 5 في كتاب محمد 6: لا يكون حرًّا إلا أن يحكم1234
بذلك حاكم.
وقال ابن القاسم في الدمياطية: ولو قطع أذنيه ولسانه ويديه ورجليه ثم مات قبل أن يحكم بعتقه ورثه سيده بالرق.
قال: وكل ما اختلف فيه فإنه مملوك أبدًا ما لم يحكم بالعتق.
وقال أشهب في كتاب محمد: من مثل بعبده مثلة بينة لا يشك فيها فهو حر حين مثل به من غير سلطان 1.
والقول الأول أحسن؛ لأن الحديث في العتق بالمثلة غير مسلم، ولا جاء من طريق صحيح 2 ولأنه 3 نازلة في عين، وقد يرى 4 في آخر العقوبة 5 من غير عتق.
واختلف الناس في ذلك، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يعتق ويعاقب بغير العتق من الضرب والسجن، وقد يكون العتق أضر ببعض العبيد 6.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أرى أن يخيَّر، فإن أحبَّ العبدُ 7 العتقَ عتق وإلا لم يعتق، فقد يكون العتق أضر به، وقد 8 ينزل به من المثلة ما يزمنه 9
ويضر العتق به (1).
فصل [في مال المعتق بالمثلة]
ويختلف في ماله هل يتبعه؟ فعلى قول أشهب يتبعه؛ لأنه عنده حر بنفس المثلة، وكذلك قول (2) مالك: يتبعه ماله، وإن لم يكن حرًّا بنفس المثلة؛ لأنه بمنزلة من أشرف على العتق.
وعلى قول ابن نافع يكون له أن ينتزع ماله قبل عتقه.
واختلف في السفيه يعتق عليه بالمثلة، قال ابن القاسم عند محمد: لا يتبعه ماله.
وقال ابن وهب: يتبعه (3).
فصل [فيمن مثل بعبد أجنبي]
وإذا مثل بعبد أجنبي فإن لم يبطله ولا أبطل الغرض الذي يكسب لأجله لم يكن على الجاني إلا قدر قيمة الجناية 4. وإن أبطلته 5 الجناية وملك السيد 6 التضمين كان في المسألة ثلاثة أقوال، فقيل: يقوم على الممثل حرًا وإن لم يقم بذلك العبد ثم 7 يعتق.123
وقيل: يخير 1 السيد فإن اختار التمسك والرجوع بقيمة العيب 2 خاصة كان له ذلك ولم يعتق العبد، وإن اختار التضمن ضمن وأخذ قيمة عبده وعتق على الممثل.
وقيل: لا يعتق عليه وإن صار العبد إليه وغرم قيمته 3؛ لأن الحديث إنما جاء فيمن مثل بعبده، ولأن فيه ردعًا لئلا يسرع السادات بمثل 4 ذلك، وليس من الشأن أن تسرع يد الإنسان إلى ملك غيره، وهذا أصوب.
وقد اختلف في العتق على من مثل بعبده، فقيل: لا يعتق عليه؛ لأن 5 الحديث ليس بصحيح، ولأنه إن صح فإنما هو نازلة في عين فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - العقوبة فيها بالعتق وهو من باب العقوبة في المال، وقد يرى في آخر لو نزل 6 مثل ذلك أن يعاقبه في جسمه بالضرب والسجن، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن مثل بعبده: يعتق عليه ويعاقب ويسجن.
فجمع عليه العقوبة في المال والحبس 7، وفي العقوبة بالعتق 8 كفاية ولا يزاد على ذلك 9.
فصل [فيمن مثَّل بزوجته]
وإذا مثل بزوجته (1)، فقال مالك في العتبية فيمن مثل بزوجته (2): إنَّها تطلق عليه (3). وقال في المبسوط: يفرق بينهما بطلقة مخافة أن يعود إليها بمثل ذلك، وذلك في المثلة البينة يأتيها متعمدًا مثل فقأ عين أو قطع يد أو أشباه ذلك، وقد يفرق بين الرجل وامرأته (4) بما هو أيسر (5) من هذا الضرر.
وقال الشيخ - رضي الله عنه -: مثلة الزوج بزوجته بخلاف مثلته بعبده؛ لأن الزوج يُقْتَصُّ منه ولا يقتص من السيد، فإن رأى أن في القصاص زجرًا وردعًا عن المعاودة لم تطلق عليه، وإن كان رجلًا شريرًا يخاف أن يكون (6) عندما اقتص (7) منه أن ينتقم منها بداهية ويوقعها بها طلقت عليه.
فصل (8) [فيمن فقأ عين زوجته أو عبده]
ومن العتبية قال سحنون: إذا فقأ الزوج عين زوجته أو السيد عين عبده ثم اختلفا قال الزوج أو السيد: كانت خطأ وإنما كنت مؤدبًا، وقالت الزوجة12345678
والعبد: عمدًا، إن القول قول الزوجة والعبد بخلاف الطبيب يقول: أخطأت؛ لأنه مأذون له في الفعل.
ثم رجع فقال: القول قول الزوج والسيد 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله هذا أحسن؛ لأنه مأذون له في الأدب.
والأمر محتمل أن يكون الأمر كما قالت الزوجة والعبد، وإذا احتمل ذلك لم يقتص منه ولم يعتق عليه إذا حلف أن ذلك كان مما ادعاه، ولو كان ذلك قطع يد أو نحو ذلك لم يقتص منه ولم يعتق عليه إذا حلف 2 مما يكون بالحديد أو مما يقوم الدليل فيه أنه عمد لم يصدق واقتص للزوجة وعتق العبد.
باب في الرجل يؤاجر عبده أو يخدمه ثم يعتقه
1
ومن أخدم عبده إلى سنة أو آجره ثم قال 2: هو حر بعد انقضاء تلك السنة، كان حرًّا كما قال، فالخدمة والإجارة على حالها فإن رضي من له تلك الإجارة أو رضي المخدم بإسقاطها ليرجع على السيد بما دفع إليه عن تلك المدة أو رضي المخدم بإسقاط الخدمة ليرجع على السيد 3 بقيمتها 4 لم يكن ذلك لازم 5 لهما، وإن رضيا بإسقاط حقها 6 هبة للعبد جاز ذلك وعجل للعبد العتق.
وقد قيل في هذا الأصل: لا يعجل العتق؛ لأن للسيد حقًّا في الجنايات إن جني عليه وفي الميراث إن مات 7 قبل انقضاء السنة.
والأول أحسن؛ لأن الجناية من النادر، وإن عجل السيد عتقه من الآن فقال مالك: لا عتق للعبد حتى يتم الإجارة، وإن مات السيد قبل السنة كان العبد حرًّا من رأس المال 8.
قال في كتاب محمد: ولا يرده دين استحدثه سيده من يوم أعتق قبل تمام السنة، وإن وضع المستأجر عن العبد أو الأمة الإجارة كانا حرين مكانهما، فإن قال: أنا أضع ذلك لأرجع على السيد، فأبى السيد، حلف أنه لم يرد بذلك الإبطال عنه، فإن لم يحلف غرم وجاز العتق.
قال مالك: وإذا لم يرض المستأجر بإسقاط الإجارة وقال السيد: أردت أن يكون حرًّا ساعةَ نطقتُ بذلك وأرد الإجارة، كانت الإجارة 1 فيما يستقبل للعبد، وإن قال: أردت عتقه بعد مضي الأجل، أُحْلِف وكانت الإجارة للسيد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وعلى قوله في المكاتبين يعتق السيد أحدهما ويأبى الآخر، إنَّ الكتابة للسيد لا يكون للعبد شيء 2. وهو أحسن؛ لأن السيد لم يرد أن يعطي العبد الإجارة وإنما أراد أن يردها على المستأجر لينال العبد العتق، وإذا لم يصح ما أراد من تعجيل العتق كانت الإجارة له.
واختلف 3 إذا أخدم أمته ثم عجل عتقها، فقيل: يكون في الخدمة 4 كالإجارة تبقى إلى أجلها إذا لم يرض المخدم بإسقاط حقه فيها 5. وقال أشهب في كتاب محمد: إذا أخدم نصف عبده ثم أعتق النصف الباقي خرج حرًّا مكانه وغرم الأقل 6 من قيمة نصفه أو قيمة نصف الخدمة 7. وإذا ولد
للعبد المستأجر 1 ولد من أمته أو كانت أمة مستأجرة 2 فولدت ولدًا في الإجارة أو الخدمة، فإن جعل السيد العتق 3 بعد انقضاء الإجارة أو الخدمة بقي الولد على الرق ولم يعتق إلا بانقضاء 4 ذلك الأجل، وإن عجل العتق ولم يرض بذلك من له الإجارة 5 والخدمة افترقت الإجارة من الخدمة، فهو في الإجارة عتيق من الآن ولا ينتظر به لأنه لا حق للمستأجر في خدمته الولد، وكذلك في الخدمة إذا كانت الخدمة 6 السنة والسنتين، فإن طالت السنون لم يعجل عتق الولد؛ لأن لمن له الخدمة أن يختدم الولد بخلاف الإجارة.
باب في اللقيط (1) يقر بالعبدية لرجل أو يدعي (2) رجل (3) أنه عبده
وقال ابن القاسم في اللقيط يقر عند البلوغ أنه عبد لرجل: أنه 4 لا يقبل قوله 5.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: يعتبر اللقيط في أربع: الحرية، والدين، والنسب إن استلحقه رجل، والولاء إذا لم يُسْتَلحق.
فحمله على الحرية؛ لأنه الأصل في الناس والرق طارئ عليه، ولأنه الغالب من البلدان أنهم أحرار والعبدية قليل ونادر، والنادر لا حكم له، فإن اعترف اللقيط لرجل بعد بلوغه أنه عبد له فعند 6 ابن القاسم لم يقبل قوله.
قال الشيخ 7: وأرى إن 8 اعترف له بالعبدية أن يَنْتَزع ماله ويستخدمه ولا يُمَكَّن من بيعه، وإن قذفه أو جرحه حر لم يحد قاذفه، ولم يقتص من جارحه، وأخذ في ذلك بإقراره على نفسه.
وإن أقام رجل شاهدين أنه عبده استرقه.
ويختلف إذا أقام شاهدًا هل123
يحلف ويسترقه 1 أو لا؟ وأن يحلف ويأخذه أحسن؛ لأن حمله على الحرية إنما كان لأنه الغالب لا لبينة شهدت له.
وأما دينه، فدين البلد الذي التقط فيه، فإن كانوا مسلمين كان مسلمًا، وإن كانوا نصارى كان على النصرانية، وإن كانوا مسلمين ونصارى حمل أنه مسلم.
قال ابن القاسم 2 في كتاب تضمين الصناع: إلا أن يكون الذي في تلك القرية من المسلمين الاثنان والثلاث فيحمل على أنه نصراني 3. ولم يحمله على النصرانية إن كان الغالب النصارى احتياطًا للإسلام، وإلا فمن أصله أن الحكم للغالب.
ولأشهب في كتاب محمد: أنه مسلم وإن كان في قرية فيها نصارى 4. قال في غير 5 كتاب محمد: وإذا جعلته حرًّا حين لم أدر حر هو أم عبد فكذلك 6 أجعله مسلمًا وإن لم أدر مسلم هو أو نصراني 7.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه إنما جعله حرًا لأنه الغالب من الناس ذلك فوجب أن يكون في الدين على الغالب من ذلك الموضع، ولو قدر أن يوجد بمدينة كلها عبيد لم يحمل على أنه حر 8، ولو رباه المسلم على دينه حتى عرف الإسلام حمل على الإسلام 9 ولم ينقل عنه، ولو التقط نصرانيٌّ لقيطًا في بلد
المسلمين ورباه على دينه لم يترك على النصرانية إلا أن يبلغ على ذلك فيختلف فيه هل يقر على ذلك؟.
وأما نسبه، فحمله على أنه ذو نسب وأنه لرَشْدَة 1 إلا أنه غير معروف، فإن قال له رجل: لا أب لك، أو: يا ولد زنى، حد له 2.
واختلف إذا استلحقه رجل، فقال في كتاب أمهات الأولاد: لا يقبل قوله ولا يصدق إلا أن يكون لذلك وجه مثل: أن يكون رجل لا يعيش له ولد فيسمع قول الناس إنَّه إذا طرح عاش فيطرح ولده، وقد كان سمع منه ما يستدل به على صدقه فيلحق به، وإلا لم يلحق به إلا ببينة 3.
قال سحنون: وقال غيره: لا يقبل قوله 4 إلا ببينة 5. يريد: وإن كان ممن لا يعيش له ولد.
قال محمد: إن ادعاه غير ملتقطه قُبِلَ وإن بعد الدهر الطويل ويلحق به 6.
وهذا أشبه بقول مالك وابن القاسم؛ لأن من قولهما أن كل من ادعى ولدًا واستلحقه وليس له أب معروف يقبل قوله إلا أن يتبين كذبه، وإنما يصح ألا يصدق في اللقيط على القول في الاستلحاق: إلا 7 أنه لا يقبل قوله، إلا أن يثبت أن أمه كانت فراشًا لمستلحقه بزوجية أو بملك يمين 8.
فصل (1) [في حكم المنبوذ]
وحكم المنبوذ حكم اللقيط في الحرية والدين.
واختلف في النسب، فجعله ابن حبيب لزَنْتة لا نسب له وقال: من قذف المنبوذ بأبيه أو بأمه لم يحد، ومن قذف اللقيط بأبيه أو بأمه حد.
وقيل: المنبوذ من نبذ 2 عندما ولد والشأن أن ذلك 3 إنما يفعل بما ولد عن زنى، واللقيط من يطرح عند الشدائد والجدب وليس عندما يولد.
ولمالك في المبسوط مثل ذلك قال فيمن قال لرجل: يا منبوذ، قال: ما نعلم المنبوذ إلا ولد الزنى، وأرى على من قال ذلك الحد 4.
وكل هذا خلاف لقول ابن القاسم؛ لأنه قال فيمن استلحق لقيطًا: لا يقبل قوله إلا أن يعلم أنه ممن لا يعيش له ولد ويسمع قول الناس: إنه إذا طرح عاش، وهو إنما يفعل عند الولادة.
وأما ولاؤه فلجميع المسلمين يرثونه ويعقلون عنه، وهذا هو الأصل في كل من لا يعرف نسبه أو كان يعرف نسبه ولا عاقلة له، ومعنى قول عمر - رضي الله عنه - للذي التقط اللقيط "لك ولاؤه" 5 أي: يتولاه ويكفله، ومن التقط لقيطًا فهو أحق بتربيته والقيام به 6 ولا ينزع منه إذا كان ممن لا يعجز عنه.1
باب في إقرار بعض الورثة أن الميت أعتق عبدًا
1
واختلف إذا أقر بعض ولد الميت أن أباه أعتق هذا العبد وأنكر ذلك بقية الورثة، فقال مالك 2: لا يقبل قوله ويكون حظه من ذلك العبد رقيقًا 3. قال مالك في كتاب محمد: وسواء كان من العبيد الذين لا ينقص عتق بعضه 4 من ثمن ما بقي منه 5 أو ينقصه 6 ولا يعتق على الشاهد منه شيء قيل له: إنه وارث قال: هو شاهد.
قال مالك: ويستحب للذي أقر أن يبيع 7 نصيبه من ذلك العبد، ويجعله 8 في رقبة إن بلغ ويعتقها عن أبيه، فإن لم يبلغ شارك به والولاء لأبيه، فإن لم يجد أعان به في كتابة مكاتب 9. قال: ولا يقضى بذلك عليه.
قال مالك: في كتاب محمد: لأنه لا أدري أصدق أم لا؟
قال ابن القاسم: ولو ترك الميت عبدين أو ولدين 10 فأقر أحدهما أن أباه أعتق هذا العبد، وقال الآخر بل أعتق هذا العبد، والثلث يحملهما أو لا يحملهما، فإنه يقسم الرقيق فمن صار إليه العبد الذي أقر بعتقه عتق عليه ما
يحمل الثلث منه، وإن صار لصاحبه أخرج نصف قيمة ذلك العبد إذا كان الثلث يحمله فيجعله في رقبة أو في بعضها أو يعين 1 به مكاتبًا 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: اختلف في هذه الوجوه الثلاثة فيما 3 إذا أقر أحدهما أن أباه أعتق عبدًا هل يعتق نصيب المقر أم لا 4؟ وإذا لم يعتق هل يؤمر ببيع نصيبة؟ وإذا كانا عبدين هل يعتق على المقر 5 إذا صار إليه ما حمل منه الثلث؟ أو يعتق في ثلث جميع تركة الميت؟ وإنما ينظر إلى ثلث 6 ما في يديه، فقال في المدونة: إذا أقر أحدهما لم يجز إقراره وكان نصيبه رقيقًا.
وقيل: يجوز إقراره على نفسه ويعتق نصيبه خاصة.
وقيل يعتق نصيبه ويستكمل عليه أنصباء شركائه؛ لأنه 7 يتهم أن يكون العتق منه وينسب ذلك إلى الميت 8.
واختلف بعد القول إنَّ نصيبه رقيق هل ذلك لحق الورثة لأنه يدخل عليهم 9 بإقراره عيبًا، أو لأن ذلك حقًّا لله تعالى؛ لأنه يؤدي إلى عتق من غير استكمال؟ فجعل في 10 المدونة أنه لحق الشركاء، ورد قوله مع بقاء الشركة، وأجازه إذا كانا عبدين فاقتسماهما فصار إليه وأعتق منه 11 ما حمل الثلث؛ لأن
عتق البعض عيب في بقيته 1 فلم يكن 2 إقراره يدخل 3 عليهم عيبًا، وعلى هذا إذا كان عتق نصيبه لا ينقص الثمن أو ينقصه ودفع إليهم قيمة العبد أن يجوز إقراره وإن كره شركاؤه، وكذلك إن رضي الشركاء بالعيب 4.
وقيل: إنما لم يجز إقراره؛ لأن هذا يؤدي إلى عتق البعض من غير استكمال، وإلى إبطال ما جاء في ذلك من الحديث، ويؤيد ذلك قول مالك في كتاب محمد: إنه لا يمضي عتق نصيب المقر وإن كان ذلك لا ينقص ثمن ما بقي.
وعلى هذا لا يعتق نصيب المقر وإن 5 صار ذلك العبد 6 إليه في قسمته 7 إذا كان لا يحمله الثلث.
والقول: إنه يمضي العتق في نصيبه أحسن سواء نقصه العتق أو لم ينقصه؛ لأن ذلك 8 مما لا يتهم فيه الإنسان 9، ودخول العيب أهون من الاسترقاق بالشك، وللعتق حرمة 10، وقد قال ابن القاسم مرة في إقرار أحد الشريكين على صاحبه أنه أعتق نصيبه وهو موسر: إنَّه يعتق نصيب الشاهد.
فهو في هذا أحرى 11 أن يعتق نصيبه، ولو كنت أقول إنه لا يعتق نصيب المقر لم آمره
بالبيع، وكيف يندب إلى بيع ما هو مقر به أنه حر؟! ولو دعا إلى ذلك دون بقية الورثة لم أُمكّنه منه.
وقال محمد: يقال للمقر إن كنت صادقًا فلا تختدمه في يومك، وإن بعتم 1 فخذ الثمن فاجعله في رقبة من غير حكم.
ومحمل قوله "إن بعتم" أي 2: إذا دعا إلى ذلك 3 غيره من الورثة.
وأرى أن يحكم عليه ألا يستخدمه في يومه؛ لأنه لم يرجع عن قوله، ومحمله فيما بينه وبين العبد على الصدق 4 إلا أن يرجع عن ذلك ويأتي في ذلك بعذر 5.
وأما إذا صار 6 ذلك العبد إلى المقر بالمقاسمة وكان قيمة كل عبد من هذين العبدين مائة مائة وخلف الميت مائة غيرهما، فإنه يعتق جميعه، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد، وهو ظاهر قوله في 7 المدونة؛ لأن من صار إليه ذلك 8 العبد مقر أن الثلث يحمله وأن الحكم أن يخرج حرًّا، ويكون الموروثُ عن الميتِ العبدَ الآخرَ والمائةَ، وأخوه ظلمه بإمساكه عنه 9 نصف العبد الآخر 10.
وأصل مالك وأشهب في كتاب محمد أنه لا يعتق منه إلا نصفه وما صار 1 إلى الأخ فهو عنده غصب على التركة قبل المقاسمة وإن كان 2 الميت لم يتركه، فإذا صار إليه العبد 3 وخمسون دينارًا فثلثه 4 للميت معه 5 خمسون وهي نصف العبد.
قالا 6 ذلك فيمن قال: أعتق أبي هذا العبد، ثم قال: بل هذا، ثم قال 7 في ثالث: بل هذا.
إنه يعتق الأول ويعتق من الثاني ثلث 8 قيمة الاثنين ويعتق من الثالث تسع 9 الثلث.
وقال ابن القاسم: يعتق الثلاثة إذا كانت قيمتهم سواء.
وقد قيل في هذا الأصل: إن الذي غصبه 10 الأخ على الأخ المقر وعلى العبد جميعًا بالسواء 11؛ لأن حظ الأخ من مال الميت مائة وحظ العبد مثل ذلك، فيقسمان 12 المائة وخمسين 13 نصفين فيعتق ثلاثة أرباع العبد.
قال محمد: ولو أقر أحد الولدين بعبد (1) نصفه حر أن أباه عتقه لجاز إقراره في نصيبه، ولو لم يكن فيه شيء (2) عتيق فقال أحدهما: أعتق أبي نصفه (3) وقال الآخر: أعتقه كله، والثلث يحمله، فإنه يعتق ثلاثة أرباعه، ربعه على من قال: أعتق نصفه، ونصفه على من قال: أعتقه كله (4). وهذا إنما يصح على قول (5) من قال: إنَّه إنما يرد إقرار أحد الورثة لدخول العيب على بقية الورثة، فإذا اجتمعا على أنه قد (6) كان من الميت عتق سقط المقال في عيب (7) العتق.
وأما على القول إنَّ رَدَّ الإقرار لأنه لا يقدر أن يقيم البينة في الاستكمال، فإنه لا يجيز (8) إقرارهما ويبقى جميعه رقيقًا، ومثله لو قال أحدهما: أعتق أبي جميعه (9) في صحته، وقال الآخر: جميعه في مرضه والثلث يحمله، فإنه يعتق ثلاثة أرباعه -على ما قاله محمد- ربعه على من قال: نصفه في الصحة، ونصفه على من قال: جميعه في المرض.
فصل [في الشهادة بالعتق]
وإذا شهد واحد بالعتق وهو عدل فأراد العبد أن يحلف له من أنكره، فإن123456789
كانوا كبارًا رشدًا حلفوا.
قال محمد: إن كان فيهم سفيه أو صغير لم يكن على من بقي من الأكابر يمين (1)؛ لأنهم لو أقروا بمثل ما شهد الشاهد لم يعتق عليهم.
وعلى قوله "لو كانوا كبارًا رشدًا" فابتدئ بيمين أحدهم لم يحلف الباقين (2)؛ لأنهم لو أقروا لم يعتق أنصباؤهم بعد يمين أحدهم (3)، وإن تبدى (4) بيمين أحدهم فنكل (5) أُحلف الثاني فإن حلف لم يحلف الثالث وإن نكل أحلف الثالث.
وعلى القول الآخر (6) إنَّ نصيب المقر يكون عتيقًا يحلف كل واحد منهم وإن حلف من قبله وإن أقر عتق نصيبه، وإن نكل سجن حتى يحلف، وينبغي أن يحلف، وإن كان لا يعتق على أحدهم (7) بإقراره؛ لأن العبد يقول: من حقي ألا يستخدمني في يومه إن أقر، وألا يدعو إلى بيعي وقد أقر بعتقي إذا دعي إلى اليمين.
فصل [في شهادة الورثة بالعتق]
وإن شهد شاهدان من الورثة أن الميت أعتق هذا العبد ولم يثبت عدالتهما لم يعتق من ذلك العبد -على قوله في المدونة- شيء.1234567
وعلى القول الآخر يعتق أنصباؤهما، فإن كانا عدلين وكان الولاء يصير لجميعهم للمقر والمنكر أو لمن أنكر خاصة قضى بشهادتهما وأعتق العبد.
وإن كان يصير لمن أقرَّ خاصة كالإخوة للأب والإخوة للأم أو كان الورثة نساء ورجالًا فأقر الرجال 1 وأنكر النساء نظرت، فإن كان العبد ممن لا يرغب في ولائه جازت الشهادة.
واختلف إذا كان يرغب في ولائه، فقال في المدونة: لا تجوز الشهادة 2. وفي كتاب محمد 3: الشهادة جائزة.
باب فيمن (1) أعتق عبده وقال: أعتقته (2) على مال، وقال العبد: على غير (3) مال
قال ابن القاسم - فيمن أقر بعتق عبده وقال: أعتقته 4 على مائة 5 دينار وجعلتها عليه، وقال العبد: بل أعتقني 6 على غير مال -: إن القول قول العبد مع يمينه 7. وقال غيره 8: القول قول السيد مع يمينه؛ لأنه لو قال: أنت حر وعليك مائة دينار، كان 9 ذلك عليه، وليس مثل الزوجة يقول لها: أنت طالق وعليك مائة دينار، فهي طالق ولا شيء عليها.
وقال الشيخ - رضي الله عنه -: العتق على ثلاثة أوجه 10: فإن كان العتق 11 بغير محضر العبد كان القول 12 قول السيد ولا مناكرة للعبد، وإن كان العتق 13123
بمحضره فقال السيد: قلت 1 أنت حر على أن عليك مائة دينار، وقال العبد: أعتقتني 2 ولم تذكر مالًا، كان ها هنا 3 موضع الخلاف.
وإن قال: أعتقتك وجعلت عليك مائة بمراضاة منك، وقال العبد: لم أرض لك بشيء، كان ذلك أشكل، فيصح أن يقال ها هنا: القول 4 قول العبد أنه لم يرض له بشيء، ويصح أن يقال: القول قول السيد؛ لأنه يقول: لم أعتق إلا على مال وذلك لي، وإن لم ترضَ أنت فقولك أنك 5 لم ترض لا يسقط قولي 6 أني لم أعتق إلا على أن جعلت عليك مالًا 7.
وهو أحسن أن القول قول السيد في الوجهين جميعًا إذا قال 8 كان ذلك بغير رضاك أو برضاك 9، ولا يؤخذ بغير ما أقر به، ولأن 10 من حقه أن يعتق على مال فالقول قوله أنه لم يسقط حقه في ذلك.
باب أحد 1 الشريكين في العبد يشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه (2)
وقال ابن القاسم في شريكين في عبد 2 شهد أحدهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه: إن كان المشهود عليه موسرًا أعتق نصيب الشاهد؛ لأن شريكه جحده قيمة نصيبه، وإن كان معسرًا لم يعتق عليه.
وقال أيضًا: لا يعتق نصيب الشاهد وإن كان المشهود عليه موسرًا.
وقال سحنون: وهو أجود، به يقول جميع الرواة 3.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في شركاء ثلاثة شهد اثنان على الثالث أنه أعتق نصيبه وهما عدلان، قال: إن كان المشهود عليه موسرًا لم تجز الشهادة؛ لأنها شهادة لأنفسهما بالقيمة، وإن كان معسرًا جازت الشهادة.
قال: وبلغني عن مالك أنه قال: لا تجوز شهادتهما في الأمرين جميعًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أرى أن تجوز إن كان موسرًا، ولا تجوز إذا كان معسرًا؛ لأنهما مع اليسر لا يتهمان في القيمة؛ لأن ذلك لا يتعذر أخذه إذا بيع في السوق، وإنما يتهم الشاهد إذا شهد 4 فيما يؤدي إلى أكثر من القيمة، ويتهمان مع العسر؛5
###: (باب: أحد الشريكين في العبد يشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه)
في (ف): (فصل).
لأن المعتق بعضه يكون منقطعًا بجملته إلى من يكون له فيه بقية 1 الرق وينحاز إليه، وقد يكره أحد الشركاء صحبة أحد شركائه وسوء عشرته فيخرجه من العبد بالشهادة عليه 2.
باب في الرجوع عن الشهادة في العتق، والتدبير، والإيلاء، والكتابة، والعتق إلى أجل، وغير ذلك
1
وقال ابن القاسم في البينة تشهد بالعتق فيحكم بشهادتهما 2 ثم يرجعان بعد الحكم: إنَّ العتق ماض لا يرد، ويضمن 3 الشاهدان قيمة العبد 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: اختلف في الشهود، فقيل: عليهم غرم قيمته تعمدوا أو أخطأوا، وقيل: لا شيء عليهم في الوجهين جميعًا؛ لأنهم في العمد غَرُّوا 5 بالقول وفي الخطأ أخطأوا 6 فيما أذن لهم فيه بل يرون أن ذلك واجب عليهم، وقيل: ذلك عليهم في العمد ولا شيء عليهم 7 في الخطأ، والأول أحسن أن يغرموا في الوجهين جميعًا: فيغرموا في العمد؛ لأنهم تعمدوا إلى ما أدى إلى إتلافه، وفي الخطأ لأن الخطأ في أموال الناس لا يسقط الغرم.
وقال محمد فيمن شهد عليه شاهدان أنه أقر في عبد 8 في يديه أن لفلان نصفه وأن الذي في يديه أعتقه، ثم رجعا عن الشهادة بعد الحكم: إن
الشاهدين يغرمان للمشهود عليه قيمة العبد ونصف قيمته؛ لأنهما أخرجا العبد من يديه ونصف قيمته 1. وكذلك لو شهدا 2 على المشهود له بالثمن ثم رجعا عن جميع الشهادة عن الشهادة بالملك والشهادة بالعتق، فإنهما يغرمان قيمة العبد ونصف قيمته، فيأخذ الأول نصف قيمته التي أتلفها عليه، وللآخر قيمته 3، ولو رجعا عن الشهادة بالملك خاصة غرما نصف قيمته وحدها، وإن رجعا عن الشهادة بالعتق غرما قيمته وحدها 4، وإن شهدا على رجل أنه أعتق عبده إلى أجل ثم رجعا عن الشهادة غرما قيمته بتلًا.
واختلف في الخدمة على ثلاثة أقوال، فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: تسلم الخدمة إلى الشاهدين، وتحسب عليهما، فإن استوفيا ما غرما من قيمته رجع فضل الخدمة للعبد 5.
وقال عبد الله بن عبد الحكم: يطرح عن الشاهدين ما تسوى الخدمة ويغرمان ما بقي 6.
وقال محمد: السيد بالخيار بين أن يسلم الخدمة للشاهدين، فإذا استوفيا ما غرماه وفضل شيء رجع للسيد، وإن انقضت الخدمة قبل استيفاء القيمة كان حرًّا ولم يتبع بشيء، وإن أحب السيد أن يحبس الخدمة ويحسب قيمتها شهرًا بشهر فليسلمه 7 للبينة، قال: لأن من حجة السيد في غلامه وجاريته المدبرين
لصنعته، لعله لا يجد من يعمل عملهما، فيشهدا عليه بذلك ليصير عملهما إليهما الأمد الطويل، فيكونا قد نالا بذلك مما حاولا.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولا 1 يختلف أنه إذا لم توف الخدمة بما غرماه 2 أن العبد عتيق عند محل الأجل وأنه لا يتبع بالفاضل.
ويختلف إذا كان في الخدمة فضل هل يكون للسيد أو للشاهدين؟ فعلى القول إنَّ الغاصب إذا ضمن ما غصب وكان فيه ربح أنه يباع ليكون 3 الربح للمغصوب منه وأن الغاصب لا يربح، يكون فضل تلك 4 الخدمة للسيد، وعليه يصح ما قال عبد الملك.
وعلى القول إن ذلك يبقى للغاصب بربحه، تكون الخدمة ها هنا للشاهدين وإن كان فيها فضل.
وقول محمد إنه يحسب الخدمة بغير النقد - ليس ببين 5 وفيه ضرر على الشاهدين؛ لأن من حقهما أن يباع بالنقد فيكون لهما أن يتعجلاها 6 مكان ما غرما، وإن أحب السيد أن يأخذ تلك الخدمة بما يباع به كان ذلك له.
وقال محمد: وإن كان الشاهدان معدمين كان السيد 7 بالخيار بين أن يأخذها ويحاسب بها 8 شهرًا بشهر -حسبما قال- إذا كانوا موسرين 9.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأرى أن (1) من حقِّ السيد أن تباع له الخدمة بالنقد؛ لأن المعسر تباع عليه تلك الخدمة ولو كانت له بالنقد فيقضي بها دينه، وكذلك دين السيد.
فصل (2) [في الرجوع عن الشهادة في التدبير]
ولو 3 شهد أنه دبر عبده ثم رجعا بعد الحكم، غرما قيمته وقت الحكم 4 بشهادتهما.
قال محمد: ثم خير السيد في الخدمة، فإن شاء أسلمها إلى الشاهدين بحسبانها 5 فيما غرما، فإن استوفيا في حياة السيد رجع إلى سيده مدبرًا، وإن شاء السيد كان أولى بخدمته ودفع إليهما قيمة 6 الخدمة، فإن مات السيد وهو في الخدمة التي صارت لهما قبل أن يستوفيا ما غرما من قيمته وحمله الثلث كان حرًّا ولم يكن لهما غير ما صار إليهما من أجرة 7 خدمته، وإن لم يخرج من الثلث كان للشاهدين ما رق منه حتى يستوفيا ما غرما من قيمته 8، فإن فضل بعدها شيء كان للورثة ولم يربح الشاهدان شيئًا 9.12
وعلى قوله إذا كان على الميت دين يغترق المدبر بيع وكان للشاهدين من ثمنه ما كانا غرماه، ويكون الفضل للغرماء، وكل هذا على 1 قوله إنَّه لا يربح 2 المتعدي، وعلى القول الآخر يكون 3 للشاهدين جميع الخدمة بفضلها.
وإن مات السيد وعليه دين يغترقه كان جميع العبد لهما بفضله ولا يباع، وإن لم يكن عليه دين ولم يخلف مالا 4 سواه كان لهما ثلثان بفضله، ولا مقال للورثة فيه إن كان فيه 5 فضل.
وإن أفاد المدبر مالًا أو مات العبد وخلف مالًا أو 6 قتل وأخذت قيمته كان للشاهدين من ذلك تمام ما غرماه والفضل للسيد، وعلى القول الآخر يكون جميع ذلك بفضله للشاهدين دون السيد، وإن كان الشاهدان معدمين بيع من الخدمة ما يجوز أن يباع بالنقد وذلك السنة والسنتان، فإذا انقضت تلك المدة بيع لهما 7 أيضا مثل ذلك حتى يستوفى 8.
وقال محمد بن عبد الحكم إذا كان الشاهدان معدمين ضمنا 9 فضل ما
بين قيمته عبدا أو 1 قيمته مدبرا أن لو جاز بيعه، قال: ولو قال قائل يقضى على الشاهدين بما نقص 2 التدبير من قيمته موسرين كان أو معسرين لم أعبه، وهو أقوى في النظر من القول الأول 3. قال الشيخ - رضي الله عنه - النظر 4 أن يغرما قيمته كلها؛ لأنهما بشهادتهما منعاه من بيعه، ومن أين 5 يأخذ تلك القيمة 6 إذا أحب البيع؟ قال سحنون في كتاب ابنه: لو شهدا بتدبير جارية ليست ممن يخارج كما نهى عمر - رضي الله عنه - 7 أن يكلف الأمة غير ذات الصنعة الكسب 8 فتكسب بفرجها، فإن الشاهدين يؤديان القيمة، وتعتق إذا لم يبق فيها ما يستوفيان منه ما وديا إلا أن يشاءا أن ينفقا عليها إلا 9 أن يدركا شيئا 10 من رقها بموت السيد لعجز الثلث أو لدين يحدث، فإن فعلا بيع لها فيما وديا وما أنفقا ولا يكون لها في 11 الفضل 12.