التبصرة للخميكتاب العارية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 8) = نسخة القرويين رقم (369)

الجزء: 13 - الصفحة: 6013

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى اللهم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا

كتاب العارية

باب في العواري وما يندب إليه منها وما يمنع

الأصل في العواري قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَردُودَةٌ" 1 واستعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفوان بن أمية أدراعًا 2. والمنحة أيضا في معنى العارية لأن العارية هبة المنافع دون الرقاب والمنحة هبة اللبن دون الرقاب وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مُؤَدَّاةٌ وَمَرْدُودَةٌ" واحد؛ لأن من أدى فقد رد، ومن رد فقد أدى، واللفظ مختلف والمعنى واحد 3.

الجزء: 13 - الصفحة: 6015

والعواري بين الأقارب والجيران والإخوان مندوب إليها لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77]، ولأنها داعية إلى التودد والتواصل وداخلة في قوله عليه السلام: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" (1) وهي فيما قل قدره آكد لقول الله سبحانه في ذم قوم: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] وممنوعة ممن يعلم أنه يستعملها فيما لا يجوز، لقوله سبحانه (2): ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] فلا تعار السلاح لمن يقاتل بها من لا يجوز قتاله ولا شيء من الأواني لمن يستعملها فيما لا يجوز استعماله ولا دابة لمن يركبها لأذى مسلم.

فصل فيما يجوز من العارية

العواري جائزة في كل الأشياء إلا في الإماء فإنه لا يجوز هبة 6 وطئهن وتجوز هبة خدمتهن لمن يؤمن منه إصابتهن عند الغيبة عليهن فيجوز هبتهن 7 للنساء ولمن لم يبلغ الإصابة من الصبيان ولمن بينه وبينهن محرم كالابن والأب والأخ وابن الأخ والجد والعم ثم هم 8 في الانتفاع بالخدمة على ضربين: فمن كان منهم يصح منه ملك رقبة المخدم جاز له أن يستخدمه ومن لم يجز له ملك الرقبة لم يجز له أن يستخدمه تلك المدة، وتكون منافع ذلك العبد45

الجزء: 13 - الصفحة: 6016

أو الأمة لهما دون من وهبت له وقد قال مالك فيمن عجل عتق عبده على أن يخدمه شهرا أن الخدمة ساقطة 9 لأنها بقية رق بخلاف أن يجعل عليه دراهم وتجوز هبة منافعها 10 لمن لا يحل له إصابتها من أقارب الواهب إذا كان الواهب قد أصابها مثل ولده وولد ولده وأبيه وجده لأنها صارت من ذوات محارمه، ويجوز هبة خدمتها لأجنبي إذا كان مأمونًا له أهل فإن كان غير مأمون أو مأمونًا ولا أهل له لم يجز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 11 فإن نزل ذلك ووهب السيد الخدمة لمن لا أهل له أو لغير مأمون مضت وبيعت الخدمة لمن له امرأة أو من مأمون له أهل 12 إلا أن يكون قصد المعير عين العارية 13 ولو علم أن أمته تسلم لغيره لم يعرها فيكون له الرجوع في عاريته وترد الأمة إليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 6017

باب فيمن أعار دابة ولم يسم الموضع الذي أعار إليه أو سماه وخالفه المستعير

ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن استعار دابة ليركبها حيث شاء ويحمل 14 عليها ما شاء وهو بالفسطاط فركبها إلى الشام، قال: ينظر في ذلك فإن كان وجه عاريته إلى الموضع القريب مثل الذي يقول: أسرج لي دابتك لأركبها في حاجة فيقول له 15 اركبها حيث شئت فمضى بها إلى الشام فهو ضامن 16. وقال أشهب في مدونته: إذا قال: اركبها حيث شئت فمضى بها إلى الشام قال: إن كان ذلك من أسفاره فلا شيء عليه، وإن كانت أسفاره معروفة القرب فإنما أعاره على ما يعرف من أسفاره 17. قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا 18 كان شأن الناس التصرف في ذلك البلد ركبانًا كان محمل عاريته على التصرف بها فيه حتى يقول: أسافر عليها وإن لم يكن ذلك شأنهم كان محمله على الخروج بها ولا يبعد إلا أن يكون ذلك عادة المستعير.
ومن استعار دابة إلى بلد ثم اختلفا فقال صاحبها إلى بلد كذا، وقال المستعير إلى غيره وذلك قبل الركوب كان القول قول المعير مع يمينه إذا كان

الجزء: 13 - الصفحة: 6018

قد أوجب له تلك العارية وسواء كان اختلافهما في ناحيتين أو اتفقا على الناحية وادعى المستعير زيادة مسافة ثم يكون المستعير بالخيار بين أن يركبها إلى ذلك الموضع الذي حلف عليه أو يترك، إلا أن يخشى منه أن يتعدى ويمضي بها حيث قال: فلا تسلم إليه إلا أن يتوثق منه لئلا يتعدى.
واختلف إذا كان اختلافهما بعد ركوبه 19 فقال مالك القول قول المستعير مع يمينه إذا أتى بما يشبه 20. قال ابن القاسم في العتبية: وإن عثرت الدابة أو اعتلت، فالقول قوله 21. يريد في طرح الكراء إن سلمت وفي طرح قيمتها أو قيمة العيب إن هلكت أو حدث بها عيب.
وقال أشهب في مدونته: القول قول المستعير في طرح الضمان، والقول قول المعير في فضل الكراء إن كان فيه فضل عن الذي يقر به المعير 22. ويجري فيها قول ثالث أن القول قول المعير في الضمان وغيره قياسًا على أحد القولين فيمن دفع دنانير ليشتري بها طعامًا فاشترى له بها تمرًا وقال الآمر 23 قمحًا أن القول قول الآمر ويغرمه تلك الدنانير فإذا لم يصدقه مع كونه أمينًا لصاحب الدنانير وأنه لا يتهم فيخالف أن يشتري غير ما أمر به كان أحرى ألا يقبل قول المستعير مع كونه يجر إلى نفسه 24 ووجه الأول أن المستعير مؤتمن لما

الجزء: 13 - الصفحة: 6019

أسلمت 25 إليه ليقبض منافعها فكان القول قوله مع يمينه أنه لم يخالف ما اؤتمن عليه وسواء كان الاختلاف في زيادة مسافة أو صعوبة طريق وهي سالمة أو هالكة، ووجه القول الآخر 26 أن المعير واهب فلا يؤخذ بغير ما أقر به أنه وهبه فكان القول قول المعير مع يمينه ثم ينظر فإن كان اختلافهما في زيادة مسافة أخذ كراء تلك الزيادة وإن كان في صعوبة طريق أخذ كراء جميع 27 تلك الطريق وكان للمستعير أن يذهب بها إلى الطريق التي اعترف بها المعير وإن هلكت من تلك الزيادة أو الصعوبة كان عليه 28 قيمتها يوم خرج بها ويحط من القيمة قيمة المنافع التي اعترف بها المعير 29 أنه أعارها وإن حدث عيب كان له الأكثر من قيمة العيب أو كراء تعدى عليه فيه ويذهب بها إلى الطريق الأخرى فإن لم يكن فيها محمل إلى الطريق الأخرى حط العيب خاصة ولا يتبعه بفضل الكراء.
واختلف إذا كان بينهما واسطة فقال: فلان بعثني إليك لتعيره دابتك ذهب بها إلى برقة فعطبت في الطريق فقال صاحبها أعرتها إلى فلسطين وصدقه الرسول فقال ابن القاسم: المستعير 30 ضامن ولا يكون الرسول شاهدًا 31. وقال أشهب

الجزء: 13 - الصفحة: 6020

في مدونته: القول قول المستعير مع يمينه وعليه الكراء ولا ضمان عليه 32. وهو أصوب؛ لأن صاحب الدابة لم يباشره بالقول فيكون قد ادعى عليه التحقيق بالتعدي وإن كان لا يقطع بكذبه لم يغرمه الرقبة بالشك، وكان القول قول المستعير مع يمينه أنه لم يقل له إلا 33 إلى برقة وتسقط عنه قيمة الرقبة والقول قول صاحب الدابة مع يمينه أنه لم يعرها إلا إلى فلسطين ويأخذ كراء برقة وعلى الرسول أن يحلف لهما أن الباعث أمره إلى فلسطين فيبرأ فإن نكل غرم قيمة الدابة لربها لأنه يتهمه أن يكون إنما أمره إلى برقة فتعدى وقال: إلى فلسطين ويرد صاحبها للراكب ما أخذ منه؛ لأنه لا يجتمع أخذ القيمة والكراء، ولأن نكوله لصاحب 34 الدابة نكول عن دعوى الآمر أنه لم يأمره إلا إلى برقة لأن الراكب يقول للرسول لو اعترفت لي بالتعدي لغرمت القيمة ولا يكون لك علي شيء؛ لأنك مقر لي أني لم أتعد وإن صدق الرسول الآمر حلف لرب الدابة أنه لم يقل للرسول 35 إلا إلى برقة فإن نكل حلف صاحب الدابة أنه لم يقل له: إلا إلى فلسطين وأغرمه قيمة الدابة ورد الكراء إلى الراكب ويصح أن تكون المخالفة ولا يجب على المستعير شيء من الكراء ولا من العيب ولا من قيمة الرقبة إن هلكت وذلك أن يكون الموضعان سواء في البعد والصعوبة والأمن وكانت العارية على أن يمضي بها المستعير وحده ويردها أو يمضي صاحبها معها يحفظ دابته لا لحاجة له في البلد الذي أعار إليه وهذا لا يكون عليه مطالبة متى خالف وللمستعير أن يمضي الدابة إلى الموضع الآخر ابتداء وإن سخط المعير 36.

الجزء: 13 - الصفحة: 6021

وقال ابن القاسم في العتبية في الخادم أو الحر يأتي القوم فيستعيرهم حليًا فيزعم أن أهله بعثوه أو تزعم أن أهلها بعثوها فيعيرونهما، فيهلك الحلي، ويجحد أهلهما أن يكونوا بعثوهما، وقد هلك المتاع قبل أن يخلص إليهم، قال: إن صدقهم الذين بعثوه فهم ضامنون، ولا شيء على الرسول، وإن جحدوا حلفوا ما بعثوه وحلف الرسول إذا كان حرًّا لقد بعثوه ولا شيء على واحد منهما لأن الرسول صدقه الذين أعطوه، وإن أقر الرسول أنه تعدى وكان حرا ضمن، وإن كان عبدا كان في ذمته متى عتق وأفاد مالا ولم يكن في رقبته.
ولو زعم الرسول أنه أوصل ذلك إلى الذين بعثوه لم يكن عليه شيء، ولا عليهم إلا اليمين 37. وقال أشهب في العبد يأتي القوم فيقول: سيدي أرسلني إليكم في كذا، فيعطاه، ثم يزعم العبد أنه دفع ذلك إلى سيده وينكر السيد، قال: أراه فاجرًا حلافًا وذلك جناية في رقبته، قال ابن القاسم: إن أقر السيد غرم، وإن أنكر كان في رقبة العبد لأنه خدع القوم 38. وقاله مالك في المبسوط: إذا كان الرسول حرا أنه ضامن وأرى إن كان الرسول معروفا بالصلاح والخير وسداد الحال أنه يحلف ويبرأ، وإن كان على غير ذلك والذين ادعى عليهم معروفون بالخير والصيانة أن يحلفوا ويغرم الرسول إذا كان الرسول من سببهم 39 أو متصرفًا لهم، وإن لم يكن كذلك، وإلا فلا يمين عليهم.

الجزء: 13 - الصفحة: 6022

فصل فيمن بعث رجلًا يستعير له دابة إلى موضع فاستعارها إلى غير ذلك

ومن المدونة قال ابن القاسم: لو أن رجلًا ركب دابتي إلى فلسطين، فقلت: أكريتها منك، فقال: أعرتنيها - كان القول قول صاحب الدابة إلا أن يكون مثله لا يكري كالرجل الشريف المنزلة والقدر والغنى 40. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: إن كان صاحب الدابة ممن يعرف بكراء الدواب ولذلك حبسها وهي بضاعته حلف وأخذ الكراء إذا ادعى ما يشبه أن 41 يستأجر به وإن كان ممن لا يعرف بكراء الدواب ولا ذلك من 42 عمله حلف الآخر أنها عارية ولا شيء عليه.
وقال ابن القاسم: فيمن استعار دابة ليحمل عليها وزنًا مسمًى فحمل عليه أكثر فعطبت أو حدث بها عيب فإن كانت 43 الزيادة اليسيرة التي لا يعطب في 44 مثلها غرم الكراء، وإن كانت مما يعطب في مثلها ضمن قيمتها إن شاء أو كراء الزائد 45، وكذلك إذا أردف رديفا ينظر 46 هل سلمت أو حدث

الجزء: 13 - الصفحة: 6023

بها عيب من سبب الرديف أو من غيره.
ومخالفة المستعير ثلاثة 47 في زيادة الحمل وفي زيادة المسافة، وفي تصرفها لغير الطريق الذي استعار إليه، فإن زاد في الحمل وسلمت غرم كراء الزائد خاصة، وكذلك إذا حدث عيب من غير سبب الزيادة أو هلكت من غير سببه فلا شيء عليه سوى كراء الزائد وإن كانت الزيادة سبب العيب كان عليه الأكثر من كراء الزائد أو قيمة العيب وإن هلكت منه كان 48 عليه قيمتها ويحط من القيمة قيمة المنافع إذا كان يرى أنها تنقص من ذلك السفر وإلا لم يحط شيء 49 وكذلك إن زاد رديفًا لا شيء عليه سوى كراء الرديف إن سلمت أو حدث عيب من غير الرديف وإن كان الرديف سبب العيب كان على المستعير الأكثر من كراء الرديف أو قيمة العيب وإن هلكت منه كان عليه قيمتها.
وقال أشهب في مدونته: إن سلمت كان كراء الرديف على المستعير ولا شيء على الرديف وسواء كان المستعير موسرًا أو معسرًا، قال: وقد أخطأ من قال: يضمن الرديف إذا كان المستعير معسرًا لأنهما جميعا أتلفا الدابة قال وإنما يكون ضمان الدابة على من تعدى وهذا لم يَتعَدَّ 50. يريد أن الرديف لم يعلم فيكون بمنزلة من قتل خطأ وقد اختلف فيه وهذا إذا كان يرى أنها لا تهلك من الرديف فهلكت منه وإن كان يرى أنها تهلك إذا ركباها جميعًا وكان المستعير

الجزء: 13 - الصفحة: 6024

معسرًا ضمن الرديف بمنزلة من قتل عمدًا ثم يختلف هل تفض القيمة على قدر ثقلهما أو على نصفين لأن قتلها كان من اجتماعهما ولو انفرد أحدهما لم تهلك وأرى أن يضمن الرديف في الخطأ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء وأن تفض القيمة على قدرهما يريد ثقلهما 51.

الجزء: 13 - الصفحة: 6025

باب فيما يضمن من العواري

ومن المدونة قال مالك: ومن استعار ثوبا فضاع وادعى أنه سُرق منه أو أحرقه أو احترق أو غير ذلك من العروض فكسره فهو ضامن، وإن أصابه أمر من الله، وله عليه بينة ولم يفرط لم يضمن 52. قال الشيخ - رضي الله عنه -: العواري خمسة: أحدها: لا يبان به كالديار، والثاني: ما يبان به ولا يغاب عليه 53 كالسفن فهذان غير مضمونين، والثالث: ما يبان به، ويغاب 54 عليه، وهو مستقل بنفسه 55 كالعبيد والدواب، واختلف هل هو مضمون أم لا، والرابع: ما يغاب عليه، وليس مستقلا بنفسه كالثياب والحلي، والخامس: العين والدنانير والدارهم والمكيل والموزون فهذان مضمونان، فإن استعار دارا فسقطت أو سقط منها بيت أو حائط لم يضمنه، والقول قوله أن ذلك لم يكن من فعله، وإن ادعى ذهاب شيء 56 من ذلك النقض بعد سقوطه صدق لأنه لم يدخل على ضمان، وإذا تبين 57 أن ذلك الهدم لم ينهدم بنفسه لجدته ولا مطر ولا غيره مما يخشى أن يكون سببًا لانهدامه لم يصدق أنه انهدم بنفسه، ولو لم تنهدم، وادعى تلف أبواب بيوتها أو أغلاقها لم يصدق، ويصدق في باب الدار وحلقه لأنه

الجزء: 13 - الصفحة: 6026

ينام عنه ولا يدري ما حدث، وإن استعار سفينة فقال: غرقت أو أخذها اللصوص أو العدو - صدق فيما دون آلتها المراسي والقلوع، وما أشبه ذلك إلا أن يتبين صدقه في ذلك فلا يكون عليه شيء أو بتبين كذبه بأن تشهد بينة كانت معه في الوقت الذي يقول: إنها هلكت فيه أو ذهبت فيضمن.
واختلف في عارية الحيوان والعبيد والدواب وغيرها، فقال مالك: لا ضمان عليه لأنها مستقلة بنفسها إلا أن يعلم أنه هو الذي أتلفها 58. وهذا هو المشهور من قوله وأصحابه، وذكر عنه الشيخ أبو إسحاق بن شعبان أنه لا يصدق في ذهابه، ورأى أن الأصل تصرف الإنسان بها، وهو الغالب حتى يعلم أنها ذهبت بنفسها، وهو قول ابن القاسم في كتاب الشركة، وقد كان بعض أهل العلم يتأول قوله ذلك، ولا حاجة إلى تأويله إذا كان أحد قولي مالك، وقيل: لا يصدق فيما صغر خاصة؛ لأنه يخفى إذا غيب عليه، وقد يرجح 59 هذا القول فيما يراد منه الأكل دون غيره، فعلى القول الأول لا يضمن الدابة، ويضمن سرجها ولجامها، ولا يضمن العبد ولا ما عليه من كسوة؛ لأن العبد حائز لما عليه، وإن ادعى موته صدق فيه، وفي كفنه فيما عليه، ولا يصدق إن ادعى زيادة ليرجع بها، وإن ادعى أن موت العبد أو الدابة في مدينة ولم يعلم الأجير أنه ولا غيره.
. . . 60 وكان في سفر في جماعة ولم يعلموا ذلك لم يصدق 61 وإن ادعى إباق العبد وذهاب الدابة صدق بخلاف الموت، وإن ادعى إباق العبد وذهاب الدابة 62 كان بحضرة بينة، فإن صدقته برئ من الضمان واليمين،

الجزء: 13 - الصفحة: 6027

وإن كذبته وكانوا عدولا ضمن؛ لأنه قد تبين كذبه, وإن لم يكونوا عدولا لم يضمن ويحلف وإن شهد شاهد عدل حلف معه المعير أنه شهد بحق وأنه لم يذهب ذلك بحضرته وغرم، وعلى أحد قولي مالك أنه لا يحلف مع الشاهد إذا شهد فيما كان غائبا عنه يحلف (1) المستعير ويبرأ؛ لأنه لا علم عنده في صحة (2) الشهادة.

فصل فيمن استعار ثوبا فضاع يضمنه أم لا؟

وهو في الثياب على سبعة أوجه: إما أن يدعي ضياعها أو يأتي بها وقد أبليت أو فيها خرق أو حرق نار أو سوس أو قرض فأر أو يدعي الرد فإن ادعى الضياع لم يصدق.
واختلف إذا شهدت 65 بذلك بينة فقال ابن القاسم عن مالك: ألا 66 ضمان عليه 67 وبه أخذ ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، وروى عنه أشهب أنه ضامن وبه أخذ واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صفوان: "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة 68 " 69. والأول أحسن؛ لأن العارية لم تنقل الملك، ومصيبة كل ملك 70 من مالكه، وقياسا على المخدم إلا أن يكون يد الثاني بغير إذن من المالك بالغصب والتعدي، وأما الحديث فإن في بعض طرقه: فإن صفوان قال: أغصبا يا محمد:6364

الجزء: 13 - الصفحة: 6028

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة" 71، وقال أيضا: "مَرْدُودَة" 72، أي: ليس أخذها على الغصب، وليس يتضمن الحديث ضمانا ولا رد العوض، وإنما يتضمن رد العارية بنفسها، ومن استعار شيئا فرده بعينه فقد أداه، ومن أدى فقد رد، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] ومعلوم أنه لم يرد بهاتين الآيتين أن يؤدوا الأعواض عنها، وإذا كان الأداء يقع على رد الأعيان لم يكن في الحديث حجة أنه يضمن 73 العوض إذا قامت البينة، فإن قيل: في بعض طرقه أنه 74 قال: عارية مضمونة، قيل: يعارضه قوله عليه السلام: بل عارية 75 مؤداة، وأيضا فقد روي أن صفوان قال: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة" 76، فلو كان إطلاق العارية يقتضي الضمان لم يفرق بين الموضعين وأيضا فإنه لو اتفقت الأحاديث على أنه قال مضمونة لكن ذلك لأجل الشرط الذي اشترط صفون ليس لأجل موجب الحكم عند عدم الشرط وقد يشترط

الجزء: 13 - الصفحة: 6029

النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك نظرا للمسلمين للضرورة التي كانت بالناس للأدراع والسلاح لحرب حنين.

فصل إذا اشترط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها أو أنه غير مصدق في تلف الحيوان

واختلف إذا اشترط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها أو أنه غير مصدق في تلف الحيوان وقال ابن القاسم وأشهب إذا شرط أنه مصدق في تلف الثياب، وما أشبهها: له شرطه ولا شيء عليه.
وقال سحنون: فيمن أعطى لرجل مالًا ليكون له ربحه ولا ضمان عليه، أنه ضامن 77. فعلى هذا يسقط شرطه في الثياب والأول أحسن لأن العارية معروف وإسقاط الضمان معروف ثان وليس بمنزلة ما كان أصله المكاتبة أو عن معاوضة كالرهان والصناع.
وقال ابن القاسم في كتاب الرهن: فيما استعار دابة على أنه غير 78 مصدق في تلفها شرطه باطل 79. يريد: أنها تمضي على أحكام العارية، ولا ضمان عليه،

الجزء: 13 - الصفحة: 6030

ولا أجر.
وقال أشهب: عليه إجارة المثل فيما استعملها فيه وأراها إجارة فاسدة فعلى قوله ترد قبل الاستعمال أو يجري فيها قول ثالث أن المعير قبل الاستعمال بالخيار فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت بالاستعمال لم يغرم شيئا؛ لأنه لم يدخل على إجارة، وإنما هو واهب منافع، والضياع كأن يكون أو لا يكون، والسلامة أغلب، فكان حمله على المعروف أولى، كما قال فيمن حبس دارًا على رجلٍ وشرط عليه ما احتاجت إليه من مرمة فكره ذلك، وقال: هي إجارة فاسدة ثم أمضاها 80 بعد الفوت على وجه المعروف ولم يجعل عليه في السكنى شيئًا 81، وقول رابع أنها مضمونة كما شرط لأنه واجب في أحد قولي مالك من غير شرط، فقد دخلا على التزام أحد القولين.
واختلف بعد القول أن الشرط باطل إذا كان الشرط لأمر خافه، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب فيمن استعار دابة أو اكتراها على أنه ضامن لها وقال: إن كان ذلك خوفا من فتنة، أو لصوص أو نهر مخوف فهو ضامن لها وإن هلكت من غير ذلك السبب فلا ضمان عليه، وقال أصبغ: لا ضمان عليه بحال 82، والقول 83 الأول أصوب؛ لأن المعير قصده مكارمته إن سلمت ورفع المضرة عن نفسه فيما له مندوحة عنه.

الجزء: 13 - الصفحة: 6031

فصل فيمن أحضر الثوب وقد بلي من اللباس

وإن أحضر الثوب وقد بلي من اللباس، فلا شيء عليه إلا أن يقال: إن مثل ذلك لا يحدث في مثل تلك المدة إلا عن خرق في اللباس، وعن قلة الصيانة فيغرم الزائد على ما ينهكه اللباس إلا أن يعلم أن ذلك شأن هذا المستعير في لباسه وإن أتى به وبه خرق أو حرق نار ضمنه؛ لأن ذلك لا يحدث في الغالب إلا من فعله إلا أن يثبت أن ذلك كان من غير فعله، وكذلك السوس والفأر هو ضامن لهما؛ لأن السوس لا يحدث إلا عن الغفلة عن اللباس والمعير يقول: لو لبسته لم يتسوس، وكذلك قرض الفأر لا يحدث إلا لأمر كان من اللابس يعمل فيه طعاما أو غيره.
واختلف فيمن استعار سيفًا ليقاتل به فأتى به وقد انقطع، فقال ابن القاسم في المدونة يضمن إلا أن تكون له بينة أو يعرف أنه كان معه في اللقاء 84 وقال سحنون: يضمن 85 إلا أن تشهد البينة أنه ضرب به ضربًا يجوز له 86، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب إذا زعم أنه أصابه 87 ذلك فيما استعاره له 88 صدق وكذلك الفأس والعجلة إذا أتى بما يشبه 89، ويرى أنه ينكسر في ذلك العمل، غير أن مكارم الأخلاق أن يصلحه، فعلى الجواب فيمن استعار رمحًا

الجزء: 13 - الصفحة: 6032

ليقاتل به أو قوسًا ليرمي به، وأمَّا الرحى يستعيرها ليطحن عليها فيأتي بها وقد حفت فلا شيء عليه قولًا واحدًا.

فصل فيما لو اختلفا في رد العارية

وإن اختلفا في الرد كان القول قول المعير مع يمينه عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق في ضياعه، قال في كتاب محمد: وسواء أخذ ذلك ببينة أو بغير بينة، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة 90، قال محمد: وكل من يقبل قوله في التلف يقبل قوله 91 في الرد 92. يريد أن ما لا يصدق في تلفه يصير بمنزلة ما في الذمة من الديون، وقال عبد الملك في الصانع: القول قوله في الرد إذا كان أخذ ذلك بغير بينة بخلاف التلف 93. فعلى هذا يقبل 94 قوله في ردِّ العارية، وإن اختلف في صفة العارية وقد ضاعت 95 كان القول قول المستعير مع يمينه ما لم يأت بما لا يشبه، وقال مالك في امرأة أعارت حليا فضاع 96، فسئلت عما فيه لتحلف عليه، فقالت: استعملته منذ زمان طويل، وقد نقص لطول الزمان، قال: تحلف أن أصل ما دفعت إلي من عمله كذا وكذا وأنها أخذته على ذلك.
يريد: ويحط ما يرى أنه قد نقص في تلك المدة.

الجزء: 13 - الصفحة: 6033

باب في الوقت الذي تضمن فيه العارية والقدر الذي يضمن منهما وفي عارية الدنانير

ويختلف في الوقت الذي تضمن فيه العارية، هل ذلك يوم استعارها أو يوم ضاعت قياسًا على الخلاف في الرهن؟ فقال ابن القاسم: يوم رهن 97 وقيل: يوم ضاع 98. وهو أحسن في العارية والرهن، فإن استعاره من شهر ورأته البينة عنده بالأمس كانت قيمته لآخر يوم رئي عنده فيه قليلًا كان أو كثيرا وإن لم ير عنده كانت قيمته لآخر يوم رئي 99 من يوم استعاره وإن 100 كانت قيمته يوم استعاره عشرة ويوم ضاع ثمانية غرم عشرة لأن المعير لا يصدقه أنه كان قائم العين إلى يوم يقول: إنه ضاع وإن كانت قيمته يوم الأول ثمانية واليوم عشرة كان لصاحبه أن يأخذه بعشرة لأنه يصدقه أنه كان موجودًا إلى اليوم الآخر وأما القدر الذي يضمن فعلى ضربين: فما كان لا ينقصها استعمال أو ينقصها إلا أن العارية إلى مدة قريبة لا ينقص فيها ضمن جميع القيمة وكل ما ينقصه الاستعمال في تلك المدة فلا يضمن إلا القدر الذي يبقى 101 بعد انقضاء المدة ولو ثبت أن المستعير أهلك ذلك الثوب قبل أن يلبسه لم يغرم إلا القدر الذي كان 102 يبقى منه لو لبسه؛ لأنه صار فيه بذلك كالشريك

الجزء: 13 - الصفحة: 6034

ولو باعه كان الثمن بينهما على ذلك.
ويختلف إذا أهلكه المعير بعد قبضه منه هل يغرم قيمته ويستأجر للمستعير من القيمة مثل الأول أو يشتري له من القيمة مثل الأول أو يغرم قيمة تلك المنافع قياسًا على من أخدم أمة ثم أولدها وقيمة المنافع أحسنها.
ويختلف إذا أهلكه قبل القبض فعلى قول ابن القاسم يكون بمنزلة لو قبض، وعلى قول أشهب لا يغرم له شيئًا قياسًا على من وهب ثوبًا ثم باعه قبل أن يقبض منه قال لا شيء للموهوب له من الثمن ولا من قيمته، وإن أهلك الثوب أجنبي كانا في القيمة كالشريكين لأنه مما ينقصه الاستعمال فلهذا بقدر ما ينقصه الاستعمال ولهذا بقدر ما يبقى.
ويختلف إذا كانت العارية لا ينقصها الاستعمال كالعبد يقتل، فقال ابن القاسم: للسيد جميع القيمة ولا شيء للمخدم 103. وقال أشهب فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر برقبته، فقال: قيمته مثل رقبته تجعل القيمة في مثله فيخدم بقيمة خدمة الأول ثم يعود إلى الآخر 104. يريد إذ كانت الخدمة إلى أجل فيخدم بقية الأجل ولو كانت حياة المخدم خدم العبد الثاني حتى يموت المخدم وإن كانت حياة العبد خدم قدر حياة العبد الأول فقد يكون الأول شيخًا والثاني شابًا.
وقال محمد فيمن أوصى له بغلة دار أو سكناها فهدمها رجل بعد موت الموصي -قال: على الهادم ما بين قيمتها قائمة ومهدومة فبنى بها تلك الدار وإن أتى من بنيانها على مثل الأول أو أقل ثم يكون ذلك 105 للموصى له

الجزء: 13 - الصفحة: 6035

على حاله (1). وفي كتاب الصدقة من كتاب محمد قولان هل يسقط حق المعطى في البناء ويكون على حقه في القاعة أو تبنى له من القيمة التي تؤخذ من المتعدي؟ (2)

فصل في عارية الدنانير والدراهم

وعارية الدنانير والدراهم على وجهين: فإن كانت لتبقى أعيانها كالصيرفي يجعلها بين يديه ليرى.
. . 108 ومال فيقصده البائع والمشتري أو الرجل يكون عليه دين فيقل ما في يديه فيستعيرها لذلك فهذه تضمن مع عدم البينة ولا تضمن مع الشهادة على ذهابها وإن كانت ليتصرف فيها بالشراء والإنفاق كانت قرضًا وضمانها من قابضها وسواء ضاعت ببينة قبل التصرف بها أو ضاع المشترى بها إلا أن يقول: اتجر بها ولك الربح ولا خسارة عليك فيكون كما قال له الربح ولا خسارة عليه إذا أتى في الخسارة بما يشبه ولا يصدق في الضياع إلا أن يقول وأنت مصدق في الضياع أو يقول: هذه على حكم القراض إذا لم يكن ربح وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقال سحنون: هو ضامن للخسارة 109. وعلى هذا يجري الجواب في عارية المكيل والموزون من الطعام وغيره.
ومن المدونة: قال مالك في امرأة أوصت لبنت بنتها بدنانير أن تحبس عليها فينفق منها في حج أو في نفاس، فأرادت الجارية أن تأخذها لتصرفها فيما تنتفع به106107

الجزء: 13 - الصفحة: 6036

وقالت: اشترطوا عليَّ أني ضامنة لها حتى أنفقها فيما قالت جدتي، قال: لا تحرك الدنانير حتى تنفق فيما أوصت به جدتها 110. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو نزلت شدة حتى خيف عليها لأنفق عليها 111 منها حتى تؤمَن عليها الحياة؛ لأنه قد جاء أمر يعلم أن الجدة أرغب فيه من الأول ولأنه إن لم ينفق عليها حتى ماتت صارت لغيرها بالميراث فكان انتفاعها بها أحسن، ولو ماتت الصبية قبل الحاجة إليها ولم ترد حجًّا ولا حدث نفاس عادت ميراثًا عن الجدة.

الجزء: 13 - الصفحة: 6037

باب في العواري المعلومة والمجهولة وهل تلزم المعير أو يكون بالخيار

العواري هبات تجوز معلومة ومجهولة وعلى غرر وهي في لزومها المعير وفي رجوعها إليه على ثلاثة أقسام: فقسم يلزم الوفاء به بالعقد ثم يعود إليه، وقسم مختلف فيه هل يلزم أم لا، وقسم مختلف فيه هل تلزم للأبد ولا يرجع إليه إلا عند الحاجة أو يكون بالخيار فإن ضرب أجلًا وقال أعيرك هذه الدار لتسكنها أو هذه الأرض 112 لتبني فيها أو تغرس أو هذا الحائط لتبني عليه أو لتحمل عليه خشبًا أو هذا العبد أو هذه الدابة أو هذا الثوب شهرًا أو سنة لزمه ذلك.
وكذلك إذا لم يضرب أجلًا وكان له قدر معلوم وقال: أعيرك هذه الدابة لتبلغ عليها بلدًا سماه أو لتحمل عليها حملًا أو هذا العبد ليبني له بيتًا أو ليخيط له ثوبًا فهي تلزم كالأول وهبة الرقاب والمنافع في باب الإلزام سواء.
واختلف إذا لم يضرب أجلًا ولا تعلم مدة انقضاء ما استعار له فقال أعيرك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا العبد أو الدابة أو الثوب ولم يزد على ذلك فقيل المعير بالخيار في تسليم ذلك وإمساكه وإن سلمه كان له أن يسترده وإن قرب وقيل ذلك لازم للمعير حتى يستوفي المعار القدر الذي يرى أنه أعار إلى مثله.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن أعار رجلًا أرضًا على أن يبني 113 أو

الجزء: 13 - الصفحة: 6038

يغرس ففعل، قال: للمعير أن يخرجه وإن كان بحدثان ذلك ويعطيه قيمة بنائه قائمًا 114. وقال أشهب: له أن يخرجه ويعطيه قيمته منقوضًا 115، وقال ابن القاسم في الدمياطية: إن كانت العارية ليبني ويسكن لم يخرجه حتى يمر من الزمان قدر ما يرى 116. يريد 117 أنه أعاره إليه قال: لأنه بنى 118 وهو يراه، وإن لم تكن العارية ليبني فإن له أن يخرجه الآن.
وظاهر قوله أنه لو أعاره ليبني ثم أدركه قبل البناء أن له أن يخرجه.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: إذا أعار ليبني أو يغرس لزمه ذلك بالقول والقبول وليس له أن يرجع في ذلك ويكون للمستعير مدة ينتفع فيها بمثل ما استعار له 119. ولم يذكر إذا كانت العارية مبهمة ولم يذكر بناء ولا غرسا وأرى إن بنى أو غرس بعلمه فلم ينكر عليه أنه يترك لمدة يرى أنه يترك

الجزء: 13 - الصفحة: 6039

لمثلها من أحدث مثل ذلك وإن لم يعلم وكان هناك دليل لما فعله كالذي يعير أرضًا بين ديار فيبنيها دارا فمعلوم أن المراد أن يجعلها دارًا ولا يلزمه ذلك إن كانت بين 120 حوانيت فبناها 121 حانوتًا لأنه يصح أن يبيع فيها وهي قاعة أو كانت بين بساتين فغرسها؛ لأنه يصح أن يزرعها.
ومن أعار أرضًا لتزرع لزمه وكان محمولا 122 على مرة واحدة.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب فيمن أعار رجلا 123 جدارًا ليحمل عليه خشبة 124 ففعل فليس له نزعها 125 وإن طال الزمان واحتاج إلى جداره عاش أو مات أو باع إلا أن ينهدم الجدار ثم يعيده صاحبه فليس له أن يعيد خشبه 126 وذكراه عن مالك قالا 127 وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال 128: "لَا يَمْنَعُه" فإذا أذن له فلا رجوع له 129. فأمضيا ذلك للأبد وإن كانت العارية تتضمن الرجوع مراعاة للحديث.
وقال في العتبية: له أن يزيلها إذا احتاج إلى حائطه 130. وقال محمد بن عبد الحكم: له أن يرجع في ذلك ويرمي بها.
فإن قال أذنت لك أن

الجزء: 13 - الصفحة: 6040

تسكن داري أو تزرع أرضي أو تركب دابتي أو تلبس ثوبي كان عارية ويجري على ما تقدم من العارية إذا ضرب لها أجلًا أو لم يضرب وإن قال أذنت لك أن تجري نهرًا أو قناة أو تبني أو تغرس وضرب أجلًا كانت عارية.
واختلف إذا لم يضرب أجلًا، فقال مطرف وابن الماجشون: ما كان من ذلك 131 يتكلف فيه الإنفاق والمؤنة من بناء أساس في حق الإذن وحفر الآبار لمن ينشئ عليها غرسًا أو يبتدئ عملًا فما قلعه ورده كما كان فسادًا أو ضررا 132 لم يكن له ذلك صغرت المؤنة أو عظمت ولا رجوع له عاش أو مات وهو كالعطية 133. ولو شرط أن يرجع متى شاء فإن شرطه باطل؛ لأن ذلك من شرط الضرر والتغرير بالعامل.
وما كان لا يتكلف فيه كبير عمل ولا إنفاق من فتح باب أو طريق إلى فناء 134 الآذن أو إرفاق بماء لشقة أو ليسقيه شجرًا قد أنشئت قبل ذلك ثم نضب ماؤها وغارت كان له 135 الرجوع إلا أن يكون المأذون له في الطريق و 136 المدخل والمخرج باع داره وشرط للمشتري ما أذن له فيه بعلم الآذن فيكون ذلك لازمًا للآذن أبدًا، وإن لم يبن شيئًا له فيه منفعة وقاله أشهب وابن نافع وقال أصبغ ذلك كله واحد ما تكلف فيه عمل وإنفاق وما لم يتكلف فإذا مر من الزمان ما يعار 137 مثله لمثل هذا فله منعه إلا في الغرس فإنه لا يمنعه

الجزء: 13 - الصفحة: 6041

بعد ذلك 138. وقال مطرف وابن الماجشون: إذا بنى المعطى فإن كان سماها صاحب الأرض عارية كان له أن يرجع فيها إذا مضى قدر ما تكون العارية إلى مثله في مثل ذلك الشيء، وإن ضرب أجلًا أخذها إذا مضى ذلك الأجل 139. واختلف إذا أذن له أن يغرس على مائه 140 ففعل ثم أراد أن يقطع ذلك الماء، فقيل: ليس ذلك له وهي كالعطية والهبة ما لم يوقت أو يسميها عارية.
وقال أصبغ: له الرجوع في ذلك 141. ومن أذن لرجل أن يجري خلف حائطه نهرًا أو قناة أو على حائط ميزابًا فأضر ما يصل من ذلك بحائطه كان له أن يقطع ما أذن له فيه، ويزيله عنه، وإن احتاج الحائط إلى إصلاح كان إصلاحه على من كان ذلك بسببه وإن انهدم وعلم صاحب الحائط بما دخله من الفساد فلم ينكر لم يكن له عليه شيء، وإن لم يعلم وعلم 142 بذلك الآخر كان بناؤه عليه، فإن جهلا جميعا جرت على قولين، وهو كالذي أخطأ فيما أذن له فيه، وأن يضمن 143 أصوب.

الجزء: 13 - الصفحة: 6042

فصل (1) في الهبات متقاربة اللفظ مختلفة الأحكام

وقد أتت هبات متقاربة اللفظ مختلفة الأحكام حمل بعضها على هبة الرقاب، وبعضها على هبة المنافع، وهو أن يقول كسوتك هذا الثوب وأخدمتك هذا العبد وحملتك على هذا البعير أو الفرس وأسكنتك هذه الدار أو أعمرتك، فحمل قوله أخدمتك أو أسكنتك وأعمرتك على أنها هبة منافع حياة المخدم والمسكن والمعمر.
وقوله كسوتك هذا الثوب وحملتك على هذا البعير أو الفرس على هبة الرقاب، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي هو عنده فوجدته يباع فأردت أن أبتاعه.
. ." الحديث 145. ومحمل العمرى على هبة المنافع عمر المعطى، وقال ابن القاسم في المدونة في من أعمر عبدا أو دابة أو ثوبا أو شيئا من العروض، قال: أما الدواب والحيوان والرقيق فتلك التي سمعنا فيها العمرى، وأما الثياب فهي عندي على ما أعاره عليه 146. يريد أنه: إن مات المعطي وقد بقي منها شيء رجع إلى المعطى، وإلا فلا144

الجزء: 13 - الصفحة: 6043

شيء له، وقد اختلف الناس في قوله: أعمرتك، فحمله مالك -رحمه الله- على عمر المعطى ويكون ملكًا للمعطي 147، وقال ابن فارس في مجمل اللغة: العمرى أن يقول: أعطيتك هذه الدار عمرك أو عمري 148، والعمرى ثلاثة مقيدة بأجل أو حياة المعمر، ومطلقة ومعقبة 149، فإن كانت مقيدة بأجل فقال: أعمرتك هذه الدار سنة أو عشرا أو حياتك أو حياتي كانت على ما أعطى، فإذا انقضى ذلك الأمد رجعت إلى المعطي؛ لأن هذه هبة منافع، ولا يلزم الواهب أكثر مما أعطى، فمن أعطى منفعة دار لم يلزمه أن يعطي رقبتها، وإن أطلق ولم يقيد كان محمله على عمر المعطى حتى يقول عمري أو حياتي، وإن أعقبها فقال: أعمرتكها أنت وعقبك لم ترجع إليه إلا أن ينقرض العقب، ومحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث 150. أنه لا يرجع فيه الآن، ولا إن مات لأن 151 الذي باشره بالعطية لحق من بقي من العقب؛ لأنهم يرثون منافعها إلى آخر العقب قرنا بعد قرن 152، فإذا انقرضوا رجعت، ويحتمل أن يكون أراد ألا ترجع بحال؛ لأن الغالب من العقب أنهم لا ينقرضون، فجوابه على الغالب، فإن قدّر 153: أن 154 انقرضوا، رجعت.

الجزء: 13 - الصفحة: 6044

باب في العواري على عوض

حكم العواري إذا كانت على عوض حكم الإجارات يجوز منها 155 ما يجوز في الإجارات ويفسد منها ما يفسد فيها، وقال ابن القاسم فيمن استعار أرضًا عشر سنين على أن يبنيها ويسكنها، فإذا خرج كان البناء لربِّ الأرض، قال: إن بيَّن البناء جاز، وإن ضرب أجلًا ولم يصف البناء أو وصف البناء ولم يضرب أجلًا لم يجز، فإن بنى على ذلك كان النقض للباني وعليه كراء الأرض 156، قال: ولو استعار أرضا عشر سنين على أن يغرسها ثم يسلمها بغرسها لم يجز لأنه ليس للشجر حد يعرف 157، ولا يدرى ما يثبت، وما 158 يذهب فهو غرر، ولأنه لو استأجره يبني له بنيانا معلوما يوفيه إياه إلى أجل جاز، وإن اشترط أن يغرس له كذا وكذا شجرة مضمونة 159 يوفيه إياها إلى أجل لم يجز، وليس ذلك مما 160 يضمنه 161، وقال أشهب في مدونته: لا بأس به إذا سمى مقدار الشجر؛ لأنه حد يعرف، وقد سمعت مالكًا يقول في الرجل يعطى الأرض يغرسها، فإذا بلغت كذا وكذا كانت بينهما شطرين: لا بأس به.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز هذا، ولا تحل المغارسة كلها، والقول

الجزء: 13 - الصفحة: 6045

الأول أصوب.
وليس الغراسة 162 بجزء من الأرض كالكراء؛ لأن الكراء أمد 163 معلوم، ولا يدرى ما يصح في ذلك الأمد من الشجر، فانتفاع المكتري بالأرض معلوم، وما يسلمه من الشجر مجهول، والغراسة جعالة 164، فإن سلمت أخذ نصف الأرض، وإن سلم البعض أخذ من الأرض بقدره، فإن لم تسلم لم يكن له منها شيء، وأجاز ابن القاسم البناء إذا وصفه أن يكون البناء عشر سنين؛ لأنه مأمون، ويعلم كيف يكون في الغالب بعد الأجل 165، ويجوز على هذا أن يبيع الدار الجديدة ويستثني منافعها عشر سنين.
واختلف إذا كان فاسدا لأنه ضرب الأجل 166 ولم يصف البناء إذا قال له ابنها على ملكي هل يكون البناء لصاحب الأرض بقيمته يوم البناء، وله إجارة الأرض مبنية أو يكون على ملك الباني لما كان فيه تحجير؛ لأنه يبقى تحت يديه 167 ينتفع به.
واختلف بعد القول: إنه على ملك الباني هل تكون له قيمته قائما أو منقوضا، ويخرج الآن قبل تمام الأجل، والقول: إن له قيمته قائما 168 أحسن؛ لأن القائل: إن له قيمته منقوضا يقول فيمن 169 بنى بوجه شبهة، ثم استحقت الأرض أن له قيمته قائما فمن بنى بإذن المالك أحرى، ثم ينظر إلى ما أنفق فيه

الجزء: 13 - الصفحة: 6046

مع القيمة قائما، فإن كان سواء أو كانت القيمة أكثر أو أقل بالشيء اليسير أخرج متى قدر عليه، وأعطي القيمة، وإن كانت القيمة أقل بالشيء الكثير، رأيت أن يترك إلى آخر الأجل؛ لأن عليه في خسارة نفقته مضرة، وقد كانت للانتفاع بالسكنى، وذلك فوت، وإن قال له: ابْنِها على ملكك كان عليه قيمة كراء الأرض براحًا قولا واحدا وله قيمة البناء قائما على المستحسن من الأقوال، وقد تقدم في كتاب كراء الأرضين ذكر المغارسة الفاسدة والخلاف فيها.

الجزء: 13 - الصفحة: 6047

باب الرُّقْبَى

وقال ابن القاسم في رجلين حبسا دارًا بينهما على أيهما مات قبل صاحبه فنصيبه حبس على الحي حياته (1): لا خير فيه (2). يريد: لأنه غرر، ولأنهما خرجا عن وجه المعروف إلى المخاطرة، وكل واحد منهما يقول: لعلي أنا (3) المتأخر حياته، فآخذ تلك المنفعة، ويختلف في ذلك إذا نزل، فعلى القول أن مرجع الحبس إذا كان على معينين يعود ملكا يبطل هذا الحبس ويصنعان بالدار ما أحبا، وعلى القول إنه يرجع حبسا يبطل السكنى خاصة، ويكون ملكا لهما حتى يموت أحدهما فيكون على مراجع الأحباس، ولو أعتقا عبدا بينهما على أنه حر لآخرهما موتا، فإن مات أحدهما خدم الآخر حياته كان فاسدًا وكان نصيب كل واحد منهما معتقا (4) من ثلثه، فمن مات منهما أولا فنصيبه في العبد يخدم ورثته، فإذا مات الآخر خرج جميع العبد حرا وخدمة نصيب الميت أولا لورثته حتى يموت الآخر وقد مضى بيان ذلك في كتاب المدبر (5) إذا قالا هو حر لآخرنا موتا أو لأولنا موتا.

فصل فيمن أمر رجلًا يضرب عبدًا له فضربه فمات

وقال مالك فيمن أمر رجلًا أن يضرب عبدًا عشرة أسواط فمات: لا170171172173174

الجزء: 13 - الصفحة: 6048

ضمان على الضارب، ويستحب أن يكفر كفارة الخطأ، فإن ضربه أحد عشر سوطًا أو أكثر فمات وخيف أن تكون تلك الزيادة أعانت على قتله كان ضامنًا 175. فجعل الكفارة استحبابا لأن القرآن ورد بوجوبها في الحر المسلم، فلم يلحق العبد به لأنه أضعف حرمة، ولم ير على السيد كفارة، وخالف أشهب في الوجهين جميعا، فقال في كتاب محمد: الكفارة في العبد أوجب من الذمي؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر الكفارة والدية في نفس مؤمنة، والعبد مؤمن وديته قيمته 176. وقال: يكفر كل واحد منهما كفارة الخطأ: السيد والضارب، ورأى أنهما شريكان في قتله، ومحمل قول ابن القاسم في ضمان الضارب إذا كان يخاف أن تكون إعانة على قتله بأن ذلك إذا كان يعلم أنه لو اقتصر على عشرة لم يمت، فإذا مات بالفور حمل على أن الزائد هو القاتل، وهذا كما 177 قيل فيمن استعار دابة إلى موضع فتعدى وزاد، ثم ردها فماتت بفور ردها أن ضمانها على المتعدي؛ لأن ذلك دليل على أنها لم تكن سالمة، ولو كان يشك في سلامته من العشرة لم يضمن الضارب جميعه، وكانا شريكن في قتله لأن زيادة السوط والسوطين ليس مما يقطع أن الموت كان عنها، ولو ضربه عشرة أسواط فأعنف في ضربه فمات فإن كان ذلك بحضرة سيده لم يضمنه، وإن كان غائبا عنه ضمنه.
تمَّ كتاب العارية بحمد الله وحسن عونه وتسديده, وصلى الله على سيدنا ورسولنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

الجزء: 13 - الصفحة: 6049

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل