(النسخ المقابل عليه) 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم- تيشيت (شنقيط)
كتاب الطهارة قال الشيخ الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر اللخمي: (1)
باب في وجوب الطهارة للصلاة، وأعدادها ومفروضها ومسنونها وفضائلها
الطهارة للصلاة فرض؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ"، أخرجه البخاري ومسلم 2. وقوله: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ" أخرجه مسلم 3. ولا خلاف بين الأمة في ذلك.
ومن "المدونة": قال سحنون 4:.............1
قلت لابن القاسم 1: أرأيت الوضوء أكان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟ قال: لا 2، إلا ما أسبغ، ولم يكن مالك يوقت 3.
وقد اختلفت الآثار في التوقيت، وقال مالك: إنما قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا = وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 45، والديباج، لابن فرحون: 2/ 30، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 11، ومقدمة المدونة، ص: 11 و 12، طبعة السعادة 1323 هـ، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 1/ 69، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 156، وعلماء إفريقية للخشني، ص: 296، والأنساب، للسمعاني: 1/ 197، والفهرست، لابن خير، ص: 240، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 3/ 180، والبيان المغرب: 1/ 109، ومعالم الإيمان: 2/ 77، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 12/ 63.
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] قال ابن القاسم: وما رأيت عند مالك في الغسل والوضوء توقيتًا، ولكنه كان يقول: يتوضأ ويغتسل ويسبغهما جميعًا 1. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: قوله: وقد اختلفت الآثار في التوقيت 2. اتساع في العبارة، وإنما أراد اختلفت الآثار في الأعداد؛ لأن الموقت هو الواجب، ولم تختلف في الواجب كم هو، وإنما اختلفت الآثار في الأعداد 3؛ وأخرج البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ومَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا" 4 فثبت بهذه الأحاديث أن الفرض واحدة، وأن الزائد فضيلة؛ لأنه لا يجوز أن يقتصر على واحدة والفرض اثنان أو ثلاثة.
فصل [في الوضوء]
الوضوء في أعداده على ثلاثة أقسام: فرض، وفضيلة، وممنوع تارة، وتارة مستحب.
فالفرض واحدة، والفضيلة اثنتان، تمام الثلاثة، والممنوع الرابعة إذا أتى بها عقيب الثالثة أو بعد ذلك وقبل الصلاة بذلك الوضوء، فإن كان قد صلى به صلاة كان تجديد 1 الطهارة لكل صلاة يصليها بعد ذلك، وإن لم تنتقض طهارته- فضيلة.
فإن توضأ في الأولى ثلاثًا فلمّا صلى، جدد الطهارة لصلاة أخرى بثلاث 2، فصارت بإضافتها إلى الأولى ستًّا جاز ذلك، فمنع الرابعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ" 3، وجاز ذلك لصلاة أخرى؛ لحديث أنس قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ.
قِيلَ لَهُ: فَكَيفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كَانَ يُجْزِىُء أَحَدَنَا وُضُوؤُهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ".
أخرجه البخاري ومسلم 4.
وأجاز مالك في المدونة أن يتوضأ مرة إذا أسبغ 1. وقال أيضًا: لا أحب الواحدة إلا من العالم 2، وقال 3 في سماع أشهب: الوضوء مرتان مرتان، وثلاث ثلاث، وقيل له: فالواحدة؟ قال: لا 4. وقال في "مختصر ابن عبد الحكم": لا أحب أن ينقص من اثنتن إذا عمَّتا 5.
وهذا احتياط 6 وحماية؛ لأنّ العامِّي إذا رأى من يُقتدَى به يتوضأ مرة مرة، فعل مثل ذلك وقد لا يحسن الإسباغ بمرة 7 فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به، وإن لم يسبغ في الأولى وأسبغ في الثانية، كان بعض الثانية فرضًا وهو إسباغ ما عجز عن الأولى وبعضها فضيلة 8 وهو ما تكرر منها على الموضع الذي أسبغ أولًا، وله أن يأتي برابعة يخصُّ بها الموضع الذي عجز عنه أول مرة، ولا يعمُّ في الرابعة فيدخل في النهي.
والفرض في الغسل من الجنابة والحيض والنفاس مرة واحدة 9، ولا فضيلة في تكراره عقيب الغسل، ولا عند كل صلاة، وهو في ذلك بخلاف الوضوء، إلا ما وردت به السنة في الاغتسال للجمعة والعيدين، وما قيل في
الاغتسال للإحرام ولدخول مكة ولوقوف عرفة 1.
فالفرض للغسل والوضوء مرة مرة؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، و ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، و ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فورد الأمر في جميع ذلك على صيغة واحدة، فلم يلزم بمجرد الأمر -لقوله تعالى في الغسل والطهر- إلا مرة واحدة، وكذلك الوضوء.
وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على السائل عن الحج: هل هو في كل عام 2؟ فأخبر أن الفرض مرة 3، وأنه كان يكتفي في ذلك بما ورد فيه عن السؤال، والرجوع في ذلك إلى إخبار 4 النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمر يقتضي فعل مرة واحدة، أولى من الاحتجاج بقول من أنكر عليه سؤاله، وأخبره أن سؤاله وقع غير موقعه.
وأما ما قيل: إن الفرض في الوضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة- فغلط؛ لحديث أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ" 5، وإن أمَّته كانت على خلاف ذلك تلتزم الواجب فتصلي الصلوات بوضوء واحد، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك للفضيلة، وإنما سأله عمر عن مخالفته لعادته 6، ولحديث سويد
ابن النعمان "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وَهُوَ بِالصَّهْبَاءِ العَصْرَ وَالمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَر"، وهي سنة ست وقيل: سنة سبع، وفتح مكة كان في سنة ثمان، وهو حديث صحيح، رواه مالك في "الموطأ" وأدخله البخاري ومسلم في صحيحيهما 1، فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة.
والوضوء يشتمل على 2 ثلاث: فرض، وسنة، وفضيلة، فالفرض: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين 3، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس.
والسنة: المضمضمة، والاستنشاق 4، ومسح داخل الأذنين.
والفضيلة: السواك، وتكرار مغسوله.
وهذه جملة متفق عليها.
واختلف في غير موضع من مفروضه ومسنونه وفضائله؛ فاختلف في التسمية 5 هل هي من فضائله؟ وفي غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء: هل هو = بوضوء واحد، من كتاب الطهارة، برقم (277)، من حديث بريدة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه! قال: "عمدًا صنعته يا عمر".
من سننه أو من فضائله؟
وفي الوجه في أربعة مواضع: في البياض الذي بين العذار 1 والأذن، وفي تخليل اللحية، وفي صفة التخليل، وفي غسل ما طال منها عن الذقن.
وفي اليدين في ثلاثة مواضع: في المرفقين هل هما داخلتان في الوضوء 2، وفي تخليل الأصابع، وتحريك الخاتم.
وفي الرأس في ستة مواضع:
في مسح جميعه، وهل يعمُّه بالماء أو يجزئه عمومه بالمسح إذا ذهب الماء عند مسح بعضه؟ وفي تكرار مسحه في الثالثة، وهل تتعلق به فضيلة؟ وفي مسح ما طال من الشعر ومنتهاه هل إلى الجمجمة أو إلى آخر 3 منبت الشعر.
وفي مسحه بفضل ذارعيه.
وفي الأذنين في موضعين:
هل مسحهما فرض أو سنة، وفي استئناف الماء لهما.
وفي الرجلين في ثلاثة مواضع:
في الكعبين ما هما، وهل هما داخلان في الفرض، وفي تخليل الأصابع.
واختلف في ترتيب الوضوء وفي موالاته، وهل من شروط الوضوء والغسل إمرار اليد 4 مع الماء؟
وأما التسمية فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فذكر أبو جعفر الأبهري 1 عن مالك: أنه استحب ذلك، وبه قال علي بن زياد 2 وابن حبيب 3، وروي أنه من فضائله.
وروى عنه الواقدي أنه قال: ليس ذلك مما يؤمر به، من شاء فعل ذلك، ومن شاء لم يفعله، فجعله بالخيار في الفعل والترك، ولم يقدم أحدهما على الآخر، وروى عنه علي بن زياد أنه أنكر ذلك وقال: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح (1)؟!
وقوله الأول أحسن؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك (2)، وليخرج من الخلاف، ولما يرجى من بركة ذكر الله تعالى.
واستحب له أن ينوي بذلك التبرك والتعوذ من الشيطان مما يدخل من الوساوس حينئذٍ؛ لأن فيها معنى التعوذ، وقد أمر الله سبحانه وتعالي نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يستفتح القراءة بالتسمية فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] فقيل: المراد بذلك التعوذ من الشيطان.
فصل في السواك
والسواك مندوب إليه؛ لقول - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ"، أو "كُلِّ وُضُوءٍ" 3.12
وهو مخيّر في أن يجعل ذلك عند الوضوء أو الصلاة، واستحسن إذا بعد ما بين الوضوء والصلاة أن يجعله عند الصلاة، وإن جعله عند وضوئه أن يعيده عند صلاته.
وإن حضرت صلاة أخرى وهو على طهارته تلك أن يتسوك للثانية.
ويتسوكُ بكل عود يابس ورطب، وبالأخضر أحسن؛ لأنه أبلغ في النظافة، إلا أن يكون صائمًا خيفة أن يصل طعمه إلى حلقه.
وكره ابن حبيب التسوك بعود الرمان والريحان من ناحية الطب 1. ومن لم يجد سواكًا تسوك بإصبعه.
واختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء، هل هو سنة أو فضيلة، وذلك في موضعين، لمن كان وضوؤه عند قيامه من النوم، أو هو بعيد العهد بالماء.
واختلف إذا كان قريب العهد بالماء، فقال ابن القاسم في "العتبية" فيمن أخذ في الوضوء ثم أحدث فاستأنف الوضوء: أحب إلي أن يغسل يده قبل أن يدخلها في إنائه 2. وقال أشهب 3: لا شيء عليه.
والأصل في الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا
اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُؤئهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" 1، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدري أين باتت" خرج على الغالب من النوم أنه بالليل، قال الله -عز وجل-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67]، فمن نام نهارًا أُلحق حكمه بنوم الليل، وقد يفرق بينهما؛ لأن الشأن في الليل أن الإنسان ينام متجردًا، فتجول يده على جميع جسده، والغالب في النهار أنه لا يتجرد فلا تجول يده على جميع جسده، فإن تجرد ألحق بحكم الليل ودخل في معنى الحديث.
فمن كان يعلم من حاله أنه طاهر الجسم أو فيه نجاسة وهو في زمن لا يعرق فيه، كان غسل يده ندبًا؛ لأن مرور اليد على النجاسة وهي غير رطبة لا يؤثر في طهارتها.
ولا فرق في ذلك بين النائم واليقظان.
ومثله إذا كان في زمن يعرق فيه وهي في موضع لا تمر عليه اليد في الغالب، وإن كانت في موضع تمر عليه جرت المسألة على قولين في الماء اليسير تحل فيه = والديباج: 1/ 307، وما بعدها، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 29، والانتقاء، لابن عبد البر، ص: 52، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 59، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 150، والتاريخ الكبير، للبخاري: 2/ 57، والمعرفة والتاريخ، للفسوي: 1/ 195، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 2/ 342، والثقات لابن حبان: 8/ 136، والفهرست لابن النديم، ص: 339، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 1/ 238، وتهذيب الكمال، للمزي: 3/ 296، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 14/ 64.
النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد أوصافه، فاختلف فيه: هل ينجس بذلك أم لا؟
فمن جعله نجسًا أوجب عليه غسل اليد، ومن رأى أنه لا ينجس لم يوجبه وكان غسلها ندبًا.
وإذا كان وضوؤه من غير نوم وهو بعيد العهد بالماء ولم يغسل يده أمر أن يغسلها على وجه التنظف؛ لإمكان أن يكون مرت يده على بعض أرفاغه 1 أو لاقت وسخًا، فمن لم يفعل فلا شيء عليه.
وقد اختلفت الأحاديث في مثل ذلك، فالمشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبتدئ وضوءه بغسل يديه 2.
وأخرج البخاري عن ابن عباس حديثًا واحدًا أنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدأ بالمضمضة ولم يغسل يده 3.
والمضمضة والاستنشاق سنتان لفعله - صلى الله عليه وسلم - لهما ولقوله: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" 1 وليس بواجب؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] والوجه ما واجه، وهذه بواطن.
وإن أدخل المتمضمض إصبعه ودلّك بها أسنانه فذلك حسن، فإن طرح الماء صافيًا وإلا غسل تلك الإصبع قبل إعادتها في الإناء وأعاد المضمضة، ويبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائمًا ويضع يده على أنفه عند نثره؛ لأنه أبلغ في النظافة وفي طرح ما هناك.
وأنكر مالك في "المجموعة" أن يستنثر 2 من غير أن يضع يده على أنفه 3.
ومن ترك المضمضة أو الاستنشاق أتى بما ترك، ولم يستأنف الوضوء ولم يعد الصلاة إن كان ناسيًا.
واختلف في المتعمد، فقيل: لا إعادة عليه، وقال ابن القاسم في "العتبية": أحب إلي أن يعيد ما دام في الوقت 4.
قال الشيخ -رحمه الله- والإعادة في العمد والنسيان أحسن وأحوط ليخرج من الخلاف ومن القول أنهما فرض.
= أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه.. ثم قال هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ).
والفرض في الوجه غسل جميعه، وأول ذلك منبت الشعر من الجبهة إلى آخر الذقن، والنزعتان 1 من الرأس تمُسحان ولا تغسلان.
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في شعر الصدغين: "من الرأس" 2، يريد ما لم يكن منه داخلًا في دور الوجه فإنه يغسل لأنه من الوجه.
وغسل ما بين المنخرين 3 وظاهر الشفتين فرض.
وفي البياض الذي بين العذار والأذن ثلاثة أقوال، فقيل: يغسل لأنه من الوجه.
وقيل: لا يغسل وليس من الوجه، وقيل: يغسله الأمرد والمرأة، والخفيف العذار 4 من الرجال، ولا يغسله الكثيف العذار؛ لأنه ساتر لما وراءه.
وعلى الأول فقهاء الأمصار؛ الشافعي 5 وأبو حنيفة 6.
وأرى أن تغسل ذلك المرأة ومن ذُكر معها؛ لأن ذلك مواجه منهم.
وفي الكثيف العذار نظر، فيصح أن يقال: إنه واجب؛ لأن الخطاب بوجوب الطهارة يتوجه قبل الالتحاء، فلا يزول ذلك الفرض بحدوث ساتر، وأن يقال: إن الفرض الأول سقط، وإن الخطاب يتوجه على ما يقع عليه
المواجهة في حين أداء الفرض.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب 1 في بعض كتبه أن غسله سنة 2.
واختلف في تخليل اللحية وفي غسل ما خرج عن الذقن، فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يخلل، وروى عنه في "العتبية" أنه قال: اللحية من الوجه ويُمِرّ عليها 3 الماء.
وكأنه ذهب إلى أن الخطاب في الوجه ما واجه الآن، وليس ما كان حين البلوغ، نحو ما تقدم في البياض الذي بين العذار والأذن.
وقال محمد بن عبد الحكم 4: عليه أن يخلل.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري 1: ليس عليه غسل ما طال عن الذقن وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً" 2، ومعلوم أن نقل الماء مرة لا يستوعب غسل الوجه وتخليل أصول شعر اللحية.
وروى الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ" 3. وقد يحمل هذا = أحكام القرآن"، وكتاب "الرد على فقهاء العراق"، وغير ذلك.
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 4/ 157، والديباج، لابن فرحون: 2/ 163، والتعريف بالأعلام والمبهمات لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 60، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 67، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 99، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 7/ 300، وطبقات الفقهاء الشافعية، لابن الصلاح: 1/ 191، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 4/ 193، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 12/ 497.
على أنه كان يخلل الظاهر؛ لأن الماء ينبو عن بعض الشعر لارتفاع بعضه عن بعض، فيكون التخليل 1 ليستوعب غسل جميع الوجه الظاهر، ويكون ذلك وفقًا بين الحديثين.
ويبدأ في اليدين باليمنى لقول عائشة - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره".
أخرجه البخاري ومسلم 2. فإن هو ابتدأ باليسرى أجزأه.
ويتمادى بالغسل إلى المرفقين، واختلف في المرفقين، فذهب مالك وأصحابه إلى أنهما داخلان في فرض اليدين، وذهب أبو الفرج 3 وغيره إلى أنهما غير داخلين في الفرض 4.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: حمل الآية على إدخال المرفقين أولى احتياطًا واستظهارًا، فجعل ذلك من باب الأحوط.
= أبواب الطهارة برقم (31)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
واحتج من نصر القول الأول بأن حروف الجر يُبْدَل بعضها من بعض، وأن معنى قوله سبحانه: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مع المرافق، ولما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - "أنه كَانَ يُدِيرُ اَلماءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ" 1.
والحجّة لمن نصر القول الآخر أن (إلى) بابها الغاية، وهي على ذلك حتى يقوم الدليل على أنها أريد بها غير ذلك، مما تستعمل فيه مجازًا، وأنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأشرع في العضد وفي الساق، وقال: "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجيلَهُ فَلْيَفْعَلْ" 2.
فبان بهذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يزيد في ذلك على الفرض للفضيلة.
واختلف في تخليل أصابع اليدين: هل هو واجب أو مستحب؟ وفي تخليل أصابع الرجلين: هل هو مرغب فيه أم لا؟ فذهب ابن حبيب إلى أنه واجب في اليدين مستحب في الرجلين 3.
وقال ابن شعبان 4:..............
مستحب في اليدين 1.
وقال مالك في مدونة أشهب 2 في تخليل الرجلين: ما علمت ذلك، ولا من الجنابة، ولا خير في الغلو والجفاء 3. وروى عنه ابن وهب 4 أنه رجع إلى تخليل أصابع يديه ورجليه 5. وبه قال ابن وهب، وبه أقول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا تَوَضَّأْتَ = الخولاني وجماعة، ألّف: "الزاهي في الفقه" كتاب مشهور، وكتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "مختصر ما ليس في المختصر"، وكتاب "الأشراط"، وكتاب "المناسك".
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 5/ 274، والديباج، لابن فرحون: 2/ 194، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 212، وشجرة النور الزكية: 1/ 80 وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 16/ 78.
فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ" 1. وهذا الحديث ذكره الترمذي.
وفائدة التخليل: إيصال الماء وإمرار اليد؛ لأنه بذلك يسمى غاسلًا، فإن لم يستوعب الماء تلك الأصابع 2 أو شك في عمومه وجب إيصاله باليد.
وإن أيقن بوصول الماء كان التخليل على الخلاف في التدليك، والمشهور من قول مالك أنه لا يجزئ الوضوء إلا بإمرار اليد، وبه يسمى غاسلًا.
وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عليه أن يحرك الخاتم في وضوء ولا غسل 3.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إن كان ضيقًا فليحركه، وإن كان واسعًا فلا 4.
وقال ابن شعبان: يحركه، ضيقًا كان أو واسعًا 5.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: وأرى أن يحرك الضيق لإيصال الماء فإن أيقن بوصول الماء فيه وفي الواسع، كان تحريكه بدلًا من إمرار اليد.
وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنَّه مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، بَدَأَ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِما إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ" 6.
والبداية في المسح من أول منبت الشعر من الوجه والنهاية آخر الجمجمة.
وقال ابن شعبان: إلى آخر منبت الشعر 1. وليس بحسن؛ لأن ذلك من العنق وليس من الرأس.
ويمسح النزعتين وما ارتفع إلى الرأس من شعر الصدغين، ويمسح البياض الذي بين الأذن وشعر الرأس، ولا خلاف أنه يؤمر بمسح جميع الرأس ابتداءً؛ اتباعًا للحديث.
واختلف إذا اقتصر على بعضه على أربعة أقوال:
فقيل: لا يجزئه إلا مسح جميعه.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو الحسن ابن القصار 2 وابن الجلاب 3 وغيرهما، وقال محمد بن مسلمة 4: إن مسح الثلثين = صحيحه برقم (183)، ومسلم: 1/ 210، في باب في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الطهارة، برقم (235)، ومالك في الموطأ: 1/ 18، في باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة، برقم (32). [.....] ص: 26
فأكثر أجزأه 1، قال لأن 2 المسح لا يستوعب كل شيء مرّ عليه.
وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ مَرَّةً 3. وقال القاضي أبو الفرج: إن اقتصر على الثلث أجزأه؛ لأن الثلث في حيز الكثير في غير موضع.
وقال أشهب 4 في "العتبية": إن مسح المقدم أجزأه.
قيل له.
فإن مسح بعض رأسه ولم يعم؟ قال: يعيد؛ أرأيت لو غسل بعض وجهه أو بعض ذراعيه 5. وذهب إلى التفرقة بين المقدم والمؤخر، والأول أحسن.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ 6، وهو المبين لأمته عن الله تبارك وتعالى، ولو كان يجزئه البعض لفعله وأبانه؛ لأنه كان يحب ما خف على أمته.
وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ بِنَاصِيَتهِ وَعَلَى العِمَامَةِ 7. فحجّة للقول بمسح = وشعيب بن طلحة، روى عنه أبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 131، والديباج، لابن فرحون: 2/ 156، وشجرة النُّور، لمخلوف: 1/ 56، والانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، لابن عبد البر، ص: 102، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 147.
جميعه، ولو كان مسح البعض يجزئ، لاقتصر على ما مسح من الناصية، فتماديه بالمسح على الحائل -وهي العمامة- كالمسح على الخفين.
وقيل: ومحمل مسحه على العمامة أن ذلك كان لأمر أوجب ذلك، إما لفساد هواء يخشى مع الكشف أذاه، أو لعارض كان برأسه.
ولم يُختلف أنه لا يجزئ في التيمم مسح بعض الوجه، وإن كان الخطاب فيه بـ (الباء).
ولا حجة في كونه بدلًا من الوضوء؛ لأن التيمم في اليدين يجزئ إلى الكوعين 1، والأصل في ذلك العضو في الوضوء بالماء إلى المرفقين، وليست الباء ها هنا للتبعيض؛ لأنه يجوز أن يقال: امسح برأسك كله، ولو كانت للتبعيض لكان كلامًا متنافيًا ولم يصح أن يؤكده بـ"كله".
ويجوز أن يقول: امسح ببعض رأسك، فلو كانت الباء للتبعيض لكان الكلام مستحيلًا، أو يكون أمر ببعض البعض؛ لأن الباء عنده للتبعيض، ويصير الأمر بالبعض من بعض الأول، وهذا مما لا يفهمه أحد من قول الرجل: امسح ببعض رأسك: وهو بمنزلة قوله -عز وجل-: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17].
واختلف إذا ذهب الماء من اليد قبل استيعاب مسح جميع الرأس، فقال أشهب في سماعه عن مالك: قلت: أحب إليك أن يمسح مرتين مرتين 2؟ قال: ذلك يختلف بكثرة الماء، فتكون المسحة الواحدة، وبقلته 3 فتكون اثنتين.
وذكره ابن حبيب عن مالك في مسح المرأة رأسها 1، وقال ابن القاسم في "العتبية": إن مسح رأسه بإصبع واحد أجزأه 2، ومعلوم أن الإصبع لا تعم بالماء.
وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي لأنه لا يراعي ما بلغ الماء حين المسح، وشبّهه بالتيمم، وقد يستخف مثل ذلك 3 للاختلاف في مسح جميع الرأس إذا كان ذهاب الماء بعد مسح الناصية أو الثلث أو الثلثين على الاختلاف المتقدم.
والقياس أن يعمَّ جميعه ببلل يديه، كما عليه أن 4 يعمّ غيره من أعضاء الوضوء بالغسل.
والفرض في مسح الرأس واحدة، وبلوغ اليدين إلى مؤخره، ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما أجزأه، والسنة ردهما من القفا إلى مقدم الرأس 5.
قال القاضي أبو الحسن علي بن القصار 6: ولو بدأ رجل من مؤخر رأسه
إلى مقدمه لكان المسنون أن يَرُدَّهما من المقدم إلى المؤخر 1.
واختلف في رد اليدين ثالثة، فقيل: لا فضيلة في ذلك.
وعلى هذا غير واحد من البغداديين.
وقال إسماعيل القاضي 2: جاءت أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسح الرأس ثلاثًا 3. قال: ويمكن أن يكون ذلك أن يُمِرّ اليدين من المقدم إلى المؤخر ثم يردهما إلى المقدم ثم يردهما إلى المؤخر؛ نحو ما روي عن عطاء، يريد ولا = لمخلوف: 1/ 92، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 142، وتاريخ بغداد: 12/ 41، واصطلاح المذهب عند المالكية، لمحمد إبراهيم علي، ص: 260.
يستأنف الماء للثانية ولا للثالثة.
وقد يدخل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح ثلاثًا في الحديث أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا 1؛ لأنه لم يخص ما سوى الرأس، ولا فائدة في إعادة اليد الثانية والثالثة إلا أن يكون قد بقي في اليد بلل.
والغالب بقاء البلل في اليد.
والمرأة في مسح الرأس بمنزلة الرجل تمسح جميعه، ويختلف في مسحها الدلالين وما طال من الشعر عن القفا، نحو ما تقدم فيما طال من شعر اللحية عن الذقن.
وقال في "المدونة": تمسح الدلالين.
قال: وكذلك الرجل الذي له الشعر الطويل 2.
وقال في "الواضحة": إذا كان شعرها مرسلًا انتهت إلى آخره 3. وهذا هو أحد القولين، وعلى القول الآخر ليس عليها أن تمسح إلا ما قابل الجمجمة.
وإن كان معقوصًا 4 مسحت على عقصتها 5 وتباشر الشعر بالمسح، ولا تمسح على الوقاية 6، ولم يرها مالك في ذلك بمنزلة الخفين 7، وكذلك الحناء تكون برأسها، فإن عمّته بالحناء لم يجزها المسح عليها.
وإن سترت الحناء بعض الشعر
جرى على الاختلاف فيمن مسح بعض رأسه فينظر القدر الذي ظهر، إلا أن تكون فعلت ذلك لعلة فيجزئها المسح.
وإن سترت الحناء جميعه، فإذا أزالتها أعادت مسح ما تستر (1)، وإن ذهب أو انتثر بعضه مسحت ما ظهر منه على قول لمالك، وعلى قول أشهب لا تعيد المسح إذا لم يذهب ما على الناصية.
وعلى قول أبي الفرج ومحمد بن مسلمة: لا تعيد إذا كان قدر الذي لم يذهب منه لو اقتصر عليه بالمسح لأجزأ.
واختلف فيمن حلق رأسه بعد مسحه، فقال مالك: ليس عليه أن يعيد المسح.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يعيد.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: ولو قطعت يده أو (بضعة) (2) من مواضع الوضوء بعد أن توضأ لغسل ما ظهر بعد ذلك أو مسحه إذا كان له عذر عن غسله؛ لأن الخطاب بالوضوء يتوجه عن القيام إلى الصلاة، والوضوء قبل ذلك توسعة، فإذا لم يتلبس بالصلاة حتى صار إلى حالة يكون بها ناقص الطهارة لم يجزه ما تقدم.
وكذلك من كانت له وفرة فحلقها قبل أن يصلي، فإنه يعيد المسح.
فصل اختلفت الأحاديث في تجديد الماء لمسح الرأس
اختلفت الأحاديث في تجديد الماء لمسح الرأس، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ 3. وذكر البخاري في باب12
غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة أنه لم يجدد الماء لمسح رأسه 1.
ولم يختلف المذهب أنه يجدد الماء، ويختلف إن هو لم يفعل، ومسح بفضل غسل ذراعيه إذا بقي فيهما من الماء ما يعم به رأسه قياسًا على من توضأ بماء قد توضأ به.
وقال ابن الماجشون 2: إذا كان بلحيته بلل وبعد منه الماء فليمسح به 3.
والأذنان يُمسحان ولا يُغسلان.
واختلف هل مسحهما فرض أو سنة؟ وهذا في أشراف الأذنين ظاهرهما وباطنهما.
فأما الصماخان 4 فسنة قولًا واحدًا.
وقال مالك في "المدونة": والأذنان من الرأس، يستأنف لهما الماء 5، يريد أنهما بعضه، ولهما حكمه في المسح.
= أقف عليه في صحيح البخاري.
وقال محمد بن مسلمة: مسحهما فرض، وقال عبد الملك بن حبيب: مسحهما سنة 1.
واختلف بعد القول إنهما 2 فرض، إذا لم يمسحهما، فقال محمد بن مسلمة: لا إعادة عليه؛ لأن المسح لا يستوعب، وهو أصله إذا ترك من الرأس الثلث.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لم يوجب مالك الإعادة عليه لأن الخلاف فيهما من وجهين:
أحدهما: هل من الرأس؟ والثاني: هل يجب إيعابه جميع الرأس؟
وقال أبو جعفر الأبهري: قال قوم من أصحابنا: إن ترك ذلك عمدًا أعاد الوضوء، وحملوا قول مالك على النسيان استحبابًا.
واختلف في تجديد الماء لهما، فقال مالك: يستأنف الماء لهما 3، وقال محمد بن مسلمة: إن شاء مسحهما مع رأسه 4. والأحاديث الصحاح تقتضي أنه لم يكن يستأنف الماء لهما 5، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - الناقلين لحديثهم كانوا يعتقدون أنهما من الرأس، وبعضًا من أبعاضه؛ لأنهم إذا بلغوا في صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم- مسح الرأس قالوا: مسح برأسه وغسل رجليه، وقال عبد الله بن زيد بن عاصم: بدأ من مقدم رأسه حتى بلغ بهما قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه 6.
فكان عندهم أن قولهم: "مسح برأسه" يفهم منه أن الأذنين داخلتان في ذلك؛ وأنهم لا يحتاجون إلى ذكرهما مع تسليمهم أنهما من أعضاء الوضوء وأنهما يمسحان، وهكذا رويت أحاديث الوضوء في الموطأ، والبخاري، ومسلم: لا يذكرون أنه مسح أذنيه.
فصل فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين
فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين.
واختلف في الكعبين ما هما؟ وهل هما داخلان في فرض الرجلين؟ فقال في "المدونة": الكعبان 1 هما اللذان في الساقين والقطع تحتهما 2. قال في "المختصر": وليس الظاهر في ظهر القدم 3.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: هما اللذان في ظهر القدمين عند معقد الشِّرَاك 4.
والقول الأول أصح، وهو الذي عليه أهل اللغة؛ قال ابن فارس في "مجمل اللغة": الكعب هو عظم طرف الساق عند ملتقى القدم والساق 5.
وقال الخليل بن أحمد: الكعب ما أشرف من الرسغ فوق القدم، والعير العظم الناتئ فوق القدم 6. والعير هو الذي ذكر عن مالك أنه هو الكعب في
إحدى الروايتين.
واختلف في الكعبين هل هما داخلان في الفرض كالاختلاف المتقدم في المرفقين.
ولم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه غسل كعبيه إلا ما روي أنه شرع في الساق على وجه الفضيلة 1. وقد يفرق بينهما وبين المرفقين أن الحد في الكعبين من غير جنس المحدود.
باب في المياه
المياه ستة: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وطاهر مختلف في تطهيره، ونجس، ومختلف في طهارته، ومختلف فيه هل هو نجس أو طاهر مطهر.
فالأول: مياه السماء والأنهار والآبار والبحار وما يكون عن البرد والجليد.
كل هذه المياه مطهرة.
وقال مالك في "المجموعة" فيما يجتمع من الندى: يتوضأ به 1.
والأصل في هذه الجملة قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18].
ومياه الأنهار والآبار وغيرها 2 مطهرة؛ لأنها من السماء أسكنت في الأرض، وداخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48].
والطهور: المطهر؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 3، أي: مطهرة؛ لأن التراب كان قبله طاهرًا، وإنما خص بأن يكون مطهرًا، أي يتيمم به فيقوم مقام الماء عند عدمه.
وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضًا فقال: "لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله" 4، يريد أن المرض
مطهر من الذنوب، ولم يرد أن المرض طاهر.
والقسم الثاني: المياه المستخرجة من الرياحين والورد وغيرها من الأشجار والفواكه: طاهرة غير مطهرة.
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وغيرهم -إلا من شذ- أن المياه التي خوطبنا بالطهارة بها غير هذا الصنف، وأنها المياه المشهورة المعروفة.
فهذان الصنفان أصل المياه: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وما سوى هذين فإنما هو لما يدخل على الماء المطهر ويخالطه، والذي يخالطه ثلاثة: طاهر ينفك منه، وطاهر لا ينفك منه في الغالب، ونجس.
فإن خالط الماء أحد المياه الطاهرة المستخرجة من الرياحين وما أشبهها أو غيرها من المائعات، كاللبن والطعام، ولم يتغير أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، كان على أصله طاهرًا مطهرًا.
وإن تغير أحد أوصافه وكانت أجزاء ما خالطه أكثر، كان غير مطهر.
وإن كانت أجزاؤه قليلة كان في المسألة قولان، والمعروف من المذهب أنه غير مطهر ويتيمم إن لم يجد غيره، فإن توضأ به أعاد وإن ذهب الوقت.
وروى عن مالك: أنه مطهر، وأن تَرْكه مع وجود غيره على وجه الاستحسان.
وقال في "المجموعة" في الغدير ترده الماشية فتبول فيه وتروث حتى يتغير لونه وطعمه: ما يعجبني أن يتوضأ به من غير أن أحرمه 1. = (3420)، ولم أقف عليه في صحيح مسلم.
فعلى هذا تجزئ الصلاة به، وتستحسن الإعادة ما لم يخرج الوقت.
وإن عدم غيره لم يقتصر على التيمم ويتوضأ به ويتيمم.
وفي "السليمانية" في البئر يقع فيه ورق النخل أو ورق الزيتون أو التين فيتغير لون الماء، قال: لا يتغيّر لونه إلا وطعمه قد تغّير، فلا يتوضأ به، فإن فعل وصلى أعاد ما لم يذهب الوقت.
وهذا نحو الأول.
فصل في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض
فإن تغيّر لون الماء مما يتولد عنه، كالطحلب وخز الماء 1 والضريع، أو ما يحدث عن قراره كالحمأة، أو من قراره كالتراب والكبريت والزرنيخ والشبّ والنحاس والحديد، كان طاهرًا مطهرًا.
وسواء كان تغيره منه وهو في قراره، أو صنع منه إناء فتغير الماء منه.
وقد فرّق بعض أهل العلم بين تغيّر الماء من هذه الأشياء في حال كونها قرارًا لها أو طرح فيه، ولا فرق بين الموضعين.
ولم يكره أحد ممن مضى الوضوء من إناء الحديد على سرعة تغير الماء فيه، ومعلوم أنه يغير طعم الماء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ من إناء صفر 2، ومعلوم أنه يغير طعم الماء.
وكان عمر بن عبد العزيز يسخن له الماء
في إناء من صفر (1).
فصل في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب
وإن خالط الماء نجاسة فتغير بذلك لونه أو طعمه كان نجسًا قولًا واحدًا.
وإن لم يتغير لونه ولا طعمه وكان الماء قليلًا كالجرة والإناء يقع فيهما اليسير من النجاسة، والبئر القليلة الماء تقع فيها الفأرة أو الوزغة أو الدجاجة- فاختلف فيه على أربعة أقوال:
فقيل: هو على أصله طاهر مطهر.
وقيل: هو مكروه ويستحب تركه مع وجود غيره.
وقيل: نجس.
وقيل: مشكوك في حكمه هل هو طاهر أو نجس؟ فروى أبو مصعب عن مالك أنه قال: الماء كله طهور، إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه لنجاسة حلت فيه، معينًا كان أو غير معين 2. فعلى هذا يتوضأ به من غير كراهية.
وقيل في طين المطر يكون فيه البول أو الروث فيصيب الإنسان منه شيء: إن له أن يصلي به ولا يغسله 3.1 = وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ).
وفي مختصر ابن الجلاب: إذا وقع في الماء ما له نفس سائلة من سائر الحيوان في بئر فماتت فيه فلم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فهو طاهر مطهر، إلا أنا نكره استعماله مع وجود غيره 1.
وقال أشهب في "مدونته" عن مالك في البئر تقع فيه الفأرة فتنسلخ أو لا تنسلخ أنه ينزح منها، قيل له: أرأيت ما أصاب الثوب؟! قال: يرشه وأرجو أن يكون من ذلك في سعة.
ولم يأمره بغسله.
وقال ابن القاسم في "المدونة"، ومالك في "المجموعة" وعبد الملك بن حبيب: إنه نجس 2.
وقال في "المدونة" في الدجاج والإوز تأكل القذر فتشرب من الإناء: لا يتوضأ به، وإن لم يجد غيره تيمم.
وإن توضأ به وصلى أعاد ما دام في الوقت 3. فأباح الاقتصار على التيمم، وهذا دليل على أنه عنده نجس، وأمضى الصلاة به إذا خرج الوقت مراعاة للخلاف.
وقال ابن حبيب في الجلالة من الدواب تأكل القذر: فلا يتوضأ بسؤرها، وليتيمم من لم يجد غيره، لأنه نجس 4.
وقال عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة في "المبسوط": هو مشكوك فيه.
أي مشكوك في حكمه لا يُقطع بأنه طاهر ولا نجس، وقالا: يتوضأ به ويتيمم ويصلي ليكون قد أدى صلاته على وجه مجمع عليه لترجح الدلائل عندهما، فلم يترجح القول أنه طاهر فيقتصر عليه، ولا أنه نجس فيقتصر على التيمم.
وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون 1، إلا أنه قال: يتيمم ويصلي قبل أن تنجس أعضاؤه بذلك الماء ثم يتوضأ ويصلي 2. وهو أحسن؛ لأن التيمم إنما كان خيفة أن يكون نجسًا، فينبغي أن يبتدئ بالتيمم فيصلى به، ثم يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن حضرت صلاة أخرى وهو على وضوئه ذلك تيمم، وصلى صلاة واحدة، وإن انتقضت طهارته توضأ بما بقي من ذلك الماء وتيمم، ويصلي صلاة واحدة أيضًا.
والقول إنه طاهر أحسن، ويستحسن تركه مع وجود غيره ليخرج من الخلاف.
فإن هو توضأ به وصلى مضت صلاته، وإن لم يجد غيره استحسنت له أن يحتاط فيتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي.
فإن هو اقتصر عليه أجزأه 3 وإن اقتصر على التيمم لم يجزه وأعاد، وإن ذهب الوقت؛ لأن الإجماع على طهارة الأنهار كالنيل والفرات وما دونها مع كون النجاسات العظيمة تردهما من المدن المبنية عليهما لا ينقطع جَرْي قنيها 4 إليها،
وهي كأنهار نجسة تصبّ في أنهار طاهرة، والإجماع على أن ذلك لم يكن لكونها أنهارًا؛ وأنه متى كان منها موضع متغير بنجاسة أن ذلك نجس، فدل ذلك على أن المُراعى ظهور أحد أوصاف النجاسات وعدمها، وأنها متى وجدت كان نجسًا، ومتى عدمت كان طاهرًا.
وإذا كان ذلك لم يكن فرق بين القليل والكثير.
والإجماع على أنه لا يتوضأ باللبن ولا بالعسل، وأنه متى حلّ شيء من ذلك في ماء ولم يغير أحد أوصافه -أنه مطهر، لا ينقله ما حلّ فيه عن حكمه في الأصل، ولا يقال: إنه يتوضأ بعسل أو لبن، فلو نقله الأول إلى النجاسة نقله هذا إلى الإضافة؛ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بئر بضاعة، وقيل له: أيتوضأ منها، وهي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " 1. ومعلوم أنه لم يرد أنه طهور مع ظهور عين النجاسة، فصحَّ أن الماء طاهر إذا لم تتغير أحد أوصافه.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ" 2، فذلك على وجه الحماية لما يؤدي إليه فعل ذلك من فساد الماء.
والفقه والقياس المنع، ولو لم يرد فيه حديث؛ لأنه متى أبيح إلقاء النجاسة في الماء الراكد 3 والبول والاستنجاء وغسل