التبصرة للخميصفحات 164-203

كتاب الطهارة

صفحات 164-203

كتاب مسلم والترمذي "أَنَّهُ وَقَّتَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَاليَها، وَللْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً" (1). وقد تضمن هذا الحديث فائدتين: جواز المسح في الحضر، والتوقيت في الحضر والسفر.
وهو أحسن؛ لأن الأصل الغسل والمسح رخصة، وقد اختلف في وقتها، فوجب أن تستعمل فيما اتفق عليه، ويبقى ما عداه على أصله وهو الغسل.

فصل [في الاختلاف في صفة المسح]

واختلف في صفة المسح، هل يبتدئ من مقدم رجله إلى مؤخرها أو من مؤخرها إلى مقدمها، أو تكون العليا من المقدم والسفلى من المؤخر؟ وكل ذلك واسع وجائز 2، غير أنه لا يمر اليد التي بها من تحت الرجل 3 على شيء من وجه 4 الرِّجل لا عقب ولا غيره، خيفة أن تكون لاقت نجاسة في أسفل الخف فيمر بها على موضع لم تدع الضرورة إليه فيه، وهو وجه الخف.
وإذا مسح اليمنى لم يمسح اليسرى حتى يغسل اليد التي مر بها من تحت الخف 5.1

وقال مالك: ولا يتبع الغضون -وهو الكسر الذي على ظهر القدمين-، وإن كان في أسفل الخف طين مسحه حتى يصل الماء إلى الخفين.
واختلف فيمن اقتصر على أعلى الخف أو أسفله، فقيل: إن اقتصر على أسفله لم يجزه وأعاد أبدًا، كان اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت.
وقال ابن نافع: إن اقتصر على الأعلى لم يجزه وأعاد أبدًا، وروى ابن عبد الحكم 1 عن أشهب أنه يجزئه 2، وإن اقتصر على الأسفل.
وقاسه على مسح الرأس إذا مسح الثلث.
وقول ابن نافع في ذلك أحسن؛ لأن المسح بدل من الغسل فيبلغ به حيث يبلغ بالغسل إلى الكعبين، وفي الترمذي: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلَ" 3.

فصل [في الجرموق والخف وشروط المسح عليهما]

واختلف في المسح على الجُرْموقين 1 وعلى الخف إذا لبسه على خف، ولم يكن مسح على الأسفل، فقال ابن القاسم: قال مالك في الجُرْموقين أسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد مخروز: يمسح عليهما، ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما 2. وقال ابن حبيب: هما الخفان الغليظان لا ساقين لهما 3. وهذا خلف قول ابن القاسم أنه شيء يعمل من غير جلد، ويعمل عليه جلد 4. وقال أبو محمد عبد الوهاب: في الجوربين عليهما جلد مخروز اختلاف، فوجه المنع لأنهما دون الخف في متابعة المشي وفي خفة النزع 5. وعلى ما قاله ابن حبيب: إنهما الخفان لا ساقين لهما، ولا يقاس على الخف إلا ما كان مثله في جميع وجوهه.
= شعبة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله) قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، وبه يقول مالك والشافعي وإسحق، وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، قال أبو عيسى وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح.

ووجه الإجازة: أن الخفاف ليست سواء؛ فقد يكون الخف ضيقًا 1 لا يداوم فيهما 2 مشي، أو واسعًا يسهل نزعهما 3، ولا يكون ذلك مما يمنع المسح عليه.
والمسح على الخفين يصح بأربعة شروط: أحدها: أن يكون لباسه إياهما وهو كامل الطهارة.
والثاني: أن يكون لباسه على العادة؛ ليس ليخفف عن نفسه غسل رجليه إذا انتقضت طهارته.
والثالث: أن يكون متوضئًا لا متيممًا.
والرابع: أن تكون طهارته الآن للوضوء لا للغسل عن جنابة ولا غيرها.
فهذه جملة متفق عليها.
والأصل في منع المسح إذا لبسهما وهو محدث: حديث المغيرة قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ".
فمسح عليهما.
أخرجه البخاري ومسلم 4. واختلف فيمن توضأ فلما غسل رجله اليمنى أدخلها في الخف، ثم غسل اليسرى فأدخلها، فقال مطرف: يمسح عليهما 5. وقال سحنون: لا يمسح 6.

واختلف أيضًا إذا نكس وضوءه وبدأ بغسل رجليه ثم لبس خفيه ثم كمل وضوءه، فقال مالك في "العتبية": لا يفعل، فإن فعل فلا شيء عليه 1. وعلى قول سحنون لا يجزئه المسح.
والقول بالإجزاء في جميع ذلك أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْهُما فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فدخل بهذا في عموم الحديث.
وإن نزع اليمنى في السؤال الأول ثم أعادها أو نزعهما جميعًا في السؤال الآخر ثم أعادهما، جاز المسح قولًا واحدًا.
واختلف فيمن كان على طهارة فقال: ألبس خفي كيما أمسح عليهما إذا انتقضت طهارتي، أو فعلت ذلك امرأة وقد خضبت رجليها بالحناء كيما تمسح عليها إذا انتقض وضوؤها، فقال في "المدونه": لا خير في ذلك 2. وقال سحنون: على من فعل ذلك وصلى أن يعيد 3. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يعيد وإن ذهب الوقت.
ورأى أن الرخصة إنما جاءت فيمن لبسه للحاجة إلى لباسه، ليس ليخفف عن نفسه تلك العبادة.
وقال عبد الملك بن الماجشون في "ثمانية أبي زيد": لا إعادة في ذلك.
واختلف فيمن تيمم ولبس خفيه قبل الصلاة ثم وجد الماء، فقيل: لا يمسح عليهما، وقال أصبغ: يمسح عليهما 4. وجعل التيمم يرفع حكم الحدث

ويصير به في حكم من أدخلهما طاهرتين.
واختلف عن مالك فيمن لبس خفًا على خف ولم يمسح على الأسفل منهما، هل يمسح على الأعلى؟ فأجاز ذلك مرة، ومنعه أخرى وقال 1: إلا أن ينزع الأعلى ويمسح على الأسفل 2. وإن لبس الأسفل على طهارة ثم أحدث فتوضأ ومسح عليه، ثم لبس الآخر ثم انتقضت طهارته، جاز له أن يمسح على الأعلى قولًا واحدًا 3. ومن مسح على خفيه ثم نزعهما غسل رجليه بالحضرة ولم يستأنف وضوءه 4، وإن نزع خفًا نزع الآخر وغسلهما.
ولم يجتمع عنده أن تكون إحدى رجليه غسلًا والأخرى مسحًا، ولو لم ينزع الآخر لم أر عليه الإعادة 5.

باب في التيمم وصفته

التيمم واجب عند عدم الماء بالقرآن والسنة والإجماع.
وفصول التيمم سبعة: فالأول: صفة التيمم والأعضاء التي تيمم.
والثاني: ما يتمم به.
والثالث: الأعذار التي تبيح التيمم.
والرابع: هل يتيمم للحدث الأصغر دون الجنابة أو لهما جميعًا؟.
والخامس: هل يتيمم للسنن والنوافل؟.
والسادس: هل يصلي بتيمم واحد صلوات؟.
والسابع: الأوقات التي يتيمم فيها.

فصل [فيما ييمم من الأعضاء وصفة التيمم]

التيمم في عضوين: الوجه واليدين دون ما سواهما من أعضاء الوضوء.
والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6].
وصفة التيمم عن الوضوء والجنابة في ذلك سواء، فأمّا الوجه فيمسح جميعه، ويبلغ به حيث يبلغ بوضوئه 1 بالماء.
واختلف في اليدين في أربعة مواضع: في تجديد التيمم لهما بعد الوجه، وفي مبلغ التيمم منهما، وفي صفة مرور اليد، وفي تخليل الأصابع:

فأما تجديد التيمم فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يستأنف لهما التيمم 1. وقال في كتاب محمد: إن لم يفعل وتيمم بضربة واحدة أجزأه ولم يعد 2. وقال ابن حبيب: يعيد ما لم يخرج الوقت، وقال ابن نافع: يعيد وإن خرج الوقت 3. وقال ابن الجهم: يتيمم بضربة واحدة، لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، معناه: فاقصدوا، فكان القصد مرة؛ إذ لم يذكر مرتين.
وهذا أبين؛ لظاهر القرآن، ولحديث عمار - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أَجْنَبَ وَتَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ: "أَمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِما ثُمَّ مَسَحَ بِهَما وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ".
أخرجه البخاري ومسلم 4. وقد تتوجَّه المسألة على وجهين:

  • فعلى القول بجواز التيمم على الصفا وما لا يعلق باليد يتيمم بضربة واحدة.
  • وعلى القول أنه لا يتيمم إلا بالتراب تجزئه ضربة واحدة إذا بقي في اليدين بعد الوجه ما يعم به اليدين، وإن بقي ما لا يعم به استأنف الضرب.

واختلف في مبلغ التيمم من اليدين، فقال مالك في "المدونة": يتيمم إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت 1. وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون 2 ": يعيد أبدًا 3. وذكر ابن الجهم، وأبو الفرج عن مالك أن الفرض إلى الكوعين، ويستحب ذلك إلى المرفقين 4. والقول الآخر 5 أحوط لمعارضة عمر لعمار في نفس 6 الحديث، وإذا رُجِعَ في المسألة إلى القياس كان حمل الآية في التيمم على الوضوء أولى من حملها على آية القطع 7؛ لكونهما طهارة تستباح بهما الصلاة، وإذا كانت آيتان مقيدتين

وثالثة مطلقة كان رد المطلقة إلى المقيدة من جنسها أولى من ردها إلى ما ليس من جنسها.
وقال ابن شهاب: يتيمم إلى المنكبين 1. وذكر الداودي عن بعض أهل العلم أنه قال: الفرض إلى الكوعين، وإلى المرفقين سنة، وإلى المنكبين فضيلة.
وأما صفة تيمم اليدين فقال مالك في "المدونة": يبدأ باليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكفين 2 إلى المرفقين، ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين، ويمر اليمنى على اليسرى مثل ذلك 3. يريد: ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض.
وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في ذلك حد.
وأراهم التيمم ومسح 4 بطون 5 الكفين ومسح الذراعين على نحو الغسل في الوضوء، وقال: لا فرق بينهما.
وقول مالك أحوط وأعم بالتراب، وإن فعل على الصفة الأخرى أجزأه إذا أبقى في يديه من التراب ما يعم به.
وأما على القول أنه يتيمم بالصفا فلا يبالي ما فعل.
ويختلف في تيمم ما تحت الخاتم وفي تخليل الأصابع، فقال محمد بن عبد

الحكم: ينزع الخاتم ثم يتيمم.
وقال ابن شعبان: يخلل المتوضئ أصابع يديه: قال: وهو في التيمم أقوى سبيلًا؛ لأن الماء يبلغ ما لا يبلغ التراب (1). وقال محمد بن مسلمة: ليس ينبغي لأحد أن يتعمد ترك شيء من العضو الذي يمسح في التيمم ولا في الوضوء، فإن ترك القليل من ذلك أجزأه؛ لأن المسح لا يعم العضو ولا بد أن يبقى بعضه.
فعلى هذا القول يصح تيممه وإن لم ينزع (2) الخاتم أو لم يخلل الأصابع.

فصل [في أقسام المتيمم به من الأرض]

المتيمم به من الأرض على ثلاثة أقسام: جائز: وهو التيمم بالتراب الطاهر، وهو إذا كان على الأرض ولم ينقل عنها، كانت تلك الأرض من الجنس المعهود غالبًا أو على غير ذلك، كالكبريت والزرنيخ ومعدن الحديد والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك.
وممنوع وهو: التيمم بالتراب النجس، لقول الله سبحانه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والطيِّب ها هنا: الطاهر، وبما لا يقع به التواضع لله، كالزبرجد والياقوت وتبر الذهب، ونقار الفضة وما أشبهه، فهذا وإن كان أحد أبعاض الأرض لا يصح التيمم به، ولو أدركته الصلاة وهو في معدنه ولم يجد سواه جاز أن يتيمم على تلك الأرض.12

ومختلف فيه: وهو التيمم بالتراب إذا لم يكن على الأرض، والتيمم بالأرض إذا كانت صفا لا تراب عليها، كالجبل والصخور والرمل الغليظ؛ وما له حرمة الطعام، كالملح.
وما يكون على الأرض وليس من جنسها، كالخشب والحشيش.
وشاركه في هذا الوجه الملح الذي ليس بمعدني، أو صعد عليها وليس منها؛ كالثلج والجليد والبرد والماء الجامد 1، فأجاز ابن القاسم في "كتاب محمد" أن يؤتى المريض بالتراب ليتيمم به 2، ومنعه ابن بُكير 3 واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 4، قال: ولا يكون ذلك إلا بمباشرة الأكف الأرض.
والأول أصوب؛ للحديث المتقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم على جدار 5؛ ولأن المعنى المقصود من الأرض موجود فيما نقل عنها.
ومثله لو أتي المريض بصخرة على قول 6 من قال: إن التيمم بالصفا يجوز،

ولم يجز على قول ابن بكير.
ولا يختلف المذهب أن البداءة بالتراب أولى.
وهو ظاهر "المدونة" في قوله: يتيمم على الحصباء 1 والجبل إذا لم يجد المدر 2. ولا يختلف أيضًا أنه يجوز التيمم بما لا تراب عليه عند عدم التراب.
واختلف في جواز التيمم به مع وجود التراب فقيل: ذلك جائز، وقيل: لا يجوز.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: الصعيد 3 عند مالك: الأرض 4. يريد: كان عليها تراب أم لا.
وقال عبد الملك بن حبيب: الصعيد: التراب 5. فمن تيمم على الحصباء أو الجبل ولا تراب عليه وهو يجد ترابًا- أساء، ويعيد ما دام في الوقت، وإن كان غير واجد للتراب فلا إعادة عليه.
وقال ابن شعبان: لا يتيمم على رمل لا تراب فيمع ولا على حجر قد سقط ترابه 6. وفي "المبسوط": سئل مالك عن التيمم على الحجارة أو الثلج أو الماء الجامد إذا لم يجد الصعيد، فقال: لا بأس به 7، قال: وإذا وجد الصعيد فأحب إلي أن يتيمم به.
وهذا مثل قول ابن حبيب لأنه قال: فإذا وجد الصعيد، ولم يجعل

الأول 1 صعيدًا.
واختلف أهل اللغة في ذلك فقال بعضهم: الصعيد وجه الأرض، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": الصعيد: التراب.
وقال في كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي: خُذ من غباره 2. وفي كتاب مسلم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لِي طَهُورًا" 3. واحتج من نصر هذا القول أن القرآن نزل على الغالب من الماء وهو المطلق، وعلى الغالب 4 من الأرض دون النادر، والغالب من الأرض التراب، ولا يكاد يعدم ذلك إلا نادرًا.
ولا يتيمم على المصنوع من الأرض كالآجر والجص والجير بعد حرقه، فإن فعل مع القدرة على غير مصنوع من الأرض 5 أعاد في الوقت وبعده 6. وإن تيمم عليه مع عدم غيره أجزأه؛ لأنه قد كان له أن يصلي على أحد الأقوال بغير تيمم.
واختلف الناس في التيمم بالملح فأُجيز ومنع، وقيل: يجوز بالمعدني ولا يجوز بغيره، وأجازه القاضي أبو الحسن علي بن القصار جملة من غير تفصيل

لمعدني 1 ولا غيره 2. قال الشيخ 3: والذي أختاره الوقوف عن التيمم به؛ لأنه طعام يحرم فيه التفاضل، ويمنع من بيعه قبل أن يستوفَى، وهو في غير المعدني أبين؛ لأنه ماء جامد خارج عن الصعيد، ولا خلف أن حكمه في الاستجمار به غير حكم الصعيد، وقد يفرق بين حكم التيمم والاستجمار لملاقاته النجاسة.
ويجوز التيمم بتراب السباخ إذا لم يصر ملحًا قولًا واحدًا.
واختلف عن مالك في التيمم بالثلج، فأجازه في الكتاب 4، ومنعه في مدونة أشهب 5 وإن لم يجد ترابًا، وهو عنده كالعدم.
وقال عبد الملك بن حبيب: من تيمم به وصلى وهو قادر على الصعيد أعاد وإن ذهب الوقت، وإن كان غير قادر أعاد ما لم يذهب الوقت 6. ويختلف في الماء الجامد والجليد قياسًا على الثلج، وأجاز القاضي أبو الحسن ابن القصار التيمم على الحشيش 7، وأجاز في "مختصر الوقار" التيمم على الخشب.
وأرى أن يعيد من تيمم بشيء من ذلك وإن ذهب الوقت، وإن لم يجد سواه تيمم به وصلى وذلك أولى من صلاته بغير تيمم؛ لأنه لم يبق إلا التيمم أو يدع الصلاة، أو يصلي بغير تيمم على القول الآخر، وصلاته بمختلف فيه أولى وأحوط من تركه الصلاة 8.

فصل [فيمن يباح له التيمم]

أباح الله -عز وجل- في كتابه التيمم لرجلين: مريض مقيم، وصحيح مسافر، وللمريض خمسة أحوال يجوز له التيمم فيها: وهو أن يعدم الماء، أو يجده ويعدم من يناوله إياه، أو يجد من يناوله ويخاف متى استعمله (1) موتًا أو زيادة مرض أو تأخر بُرْءٍ.
والأصل في هذين إذا خاف زيادة مرض أو تأخر برء قول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقوله -عز وجل-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ولأنها حالة تبيح الفطر للصائم وإن كان يتأخر الأداء (2) إلى زمان آخر فكان التيمم أجوز، وإذ جاز التيمم مع وجود الماء إذا أغلى (3) عليه في الثمن، كان لما يلحقه من الضرر في الجسم أبين، وهذا القسم إذا خشي الموت أو دخول علة يستوي فيها المريض والصحيح والمقيم والمسافر.

فصل [في تيمم المسافر ومتى يصح؟]

التيمم للمسافر يصح عند عدم الماء، ومع وجوده إذا كان يخاف موتًا أو مرضًا ينزل به أو حمى أو سباعًا أو لصوصًا حالت بينه وبين الماء، أو كان معه من هو غير مأمون متى فارق رحله ذهب به، أو كان معه من الماء قدر شربه وهو يخاف العطش، وإن استسقاه غيره وخاف عليه كان عليه أن يسقيه إياه123

ويتيمم.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية" 1. وإذا وجد الماء بثمن، وكان قليل الدراهم جاز له التيمم، وإن كان موسعًا عليه كان عليه أن يشتريه ما لم يَغْلُ عليه في الثمن.
ورَوى عنه أشهب في سماعه أنه قال: يشتريه بثمن مثله.
قيل له: لو وجد قربة بعشرة دراهم وهو ذو دراهم كثيرة؟ فقال: ما هذا على الناس، إنما عليه أن يشتريه بالثمن المعروف في ذلك الموضع 2. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: يحتمل أن يحدّ غلاؤه بالثلث 3 زائدًا 4، يريد: فإذا بلغ ذلك جاز له التيمم.
وأرى أن ينظر إلى ثمنه بذلك الموضع، فإن كان رخيصًا كان عليه أن يشتريه، وإن زيد في ثمنه مثله أو مثلاه، مثل أن يكون ثمنه بذلك الموضع الدرهم والدرهمين- فلا مضرة في شرائه بثلاثة وأربعة؛ لأن جميع ذلك لا خطب له، والصلاة أولى ما احتيط لها، وقد يكون ثمنه بذلك الموضع غاليًا، فتكون الزيادة الكثيرة مع 5 الثمن الأقل 6 مما يضر 7 به.

فصل [في تيمم الصحيح المقيم]

ويصح التيمم للصحيح المقيم وهم ثلاثة:

  • من يخاف على نفسه متى استعمل الماء، وقد تقدم ذكره.
  • ومسجون.
  • ومن ضاق عليه الوقت.
    فإن لم يتيمم خرج الوقت.
    فيجوز التيمم للمسجون لأنه كالمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء ويمنعه المرض من تناوله، والسجن والمرض يمنعان من الطلب 1. ومثله إذا كان الماء موجودًا وهو مربوط، أو غير مربوط والماء في بئر وعدم الآلة التي ينتزع بها 2. واختلف إذا لم يكن مسجونًا وهو في ضيق من الوقت، فإن طلب الماء خرج الوقت- على ثلاثة أقوال:
  • فأجاز له مالك أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت.
  • وقال أيضًا: يعيد الصلاة إن وجد الماء في الوقت.
  • وقال في "كتاب محمد": يطلب الماء وإن خرج الوقت 3. ولم ير له أن يتيمم؛ لأن القرآن ورد في التيمم للمقيم بشرط المرض.
    والقول الأول أحسن؛ لأن المعنى الذي جاز به التيمم للمسافر وإن كان صحيحًا وللمريض المقيم- إذا عدم الماء في الوقت لئلا يخرج الوقت عنه وهو

بغير صلاة ولا مُؤد لتلك العبادة.
وإن كانا قادرين على استعمال الماء بعد ذهاب الوقت، فقدم الله سبحانه فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء.
وهذا المعنى موجود في الحاضر الصحيح، وإنما خصّ الله -عز وجل- المريض المقيم والصحيح المسافر دون الحاضر الصحيح؛ لأن الغالب عدم الماء لمثلهما، وليس ينزل ذلك بالصحيح الحاضر إلا نادرًا، فإذا نزل به مثل ذلك ألحق في الحكم بهما.
ثم لا يخلو الصحيح المقيم من أربعة أحوال: إما أن يكون عادمًا للماء فإن طلبه في طرف المدينة خرج الوقت، أو واجدًا للماء عادمًا للآلة التي ينزعه بها، أو واجدًا للالة فإن تشاغل بانتزاعه واستعماله خرج الوقت، أو كان في إناء فإن توضأ به 1 خرج الوقت 2. وقد تقدم الكلام على عادم الماء، وعادم الآلة التي يتناول بها مثله، أنه يدخل في جملة من لا يجد، ولا فرق بين عدم القدرة على أداء الصلاة والطهارة في الوقت للاشتغال بطلب الماء أو بطلب الآلة.
وأما إذا كانت الآلة موجودة وكان فوت الوقت لاشتغاله بنزع الماء واستعماله، أو لاستعماله من الإناء خاصة، فلا يقع 3 عليهما اسم العدم، ولا أنهما 4 غير واجدين، إلا أنهما يتساويان في أنهما متى اشتغلا بشيء من سبب الطهارة بالماء خرج الوقت، وقد استقرئ من كتاب الله -عز وجل- فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء، فلم يفترق أن يكون ذلك لسبب الماء أو لسبب استعماله، وهذان الوجهان يشترك فيهما المقيم والمسافر، وقد قال مالك في "المدونة" في الذي يأتي البئر آخر الوقت فإن نزع الماء بالرِّشاء 5 وتوضأ خرج الوقت:

فليتيمم (1). فراعى الوجهين جميعًا: قدر نزع الماء واستعماله، فيجيء على هذا إذا كان الماء في الإناء أن يراعى قدر استعماله.
وإن خشي خروج الوقت أو لا يدرك ركعة من الصلاة- تيمم، ولو منع هذا من التيمم لراعى في الأول قدر نزع الماء وحده.
وقال أبو جعفر الأبهري: قال مالك: ويجوز التيمم إذا خاف فوات الوقت متى تشاغل بالغسل أو الوضوء.

فصل [فيمن فقد الماء ومن في حكمه]

قول الله -عز وجل-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] يتضمن طلب الماء و 2 منع التيمم إلا بعد الطلب وإعوازه.
وهذا يتوجّه على من يقدر على استعمال الماء ويرجو بطلبه وجوده، فأما من كان لا يقدر على استعمال الماء لمرض أو كان مجدورًا 3 أو محصوبًا 4، أو هو صحيح يخاف على نفسه متى استعمله، أو كان بمخافةٍ 5 يعلم أنه لا ماء بها، فالطلب عنه ساقط؛ وكثير من المواضع يعلم أنه لا ماء بها وأن الماء بأماكن معلومة لا يطلب إلا بها.
وإن كان ممن يقدر على استعمال الماء، وبمكان يشك به الماء أو طلبَهُ 6 فيما1

قرب وعلى صفة لا يدركه فيها 1 مشقة- فإن الدِّين يسر، وليس طلب من كان نازلًا في منهلٍ كمن هو على ظهر يخاف مفارقة أصحابه، وليس الشيخ كالشاب ولا المرأة كالرجل، ولكل واحد منهم ما يطيقه من غير مشقة.
وإن كان في موضع لا ماء فيه وهو في رفقة معهم الماء، فإن كانوا ممن يمنعون من سألهم 2 لبعدهم عن الماء الذي أمامهم، جاز له التيمم من غير سؤال لهم، وهو قول مالك في "العتبية".
وإن كان يرجوهم إذا سألهم كان عليه أن يسألهم، فإن كانوا نفرًا قليلًا سأل جميعهم، وإن كانت رفقة كثيرة قال مالك: فليس عليه أن يطلب أربعين رجلًا 3. وقال ابن جيب عن أصبغ: يطلبه في الرفقة الكبيرة 4 ممن حوله ومن 5 قرب، فإن لم يفعل هذا: فقد أساء، ولا يعيد، وإن كانت رفقة قليلة فلم يطْلب 6 أعاد ما دام في الوقت، وإن كانت مثل الرجلين والثلاثة أعاد أبدًا 7. فجعل طلبه من الرفقة الكبيرة استحسانًا، وهذا ضعيف، وتوجه الخطاب في الطلب من النفر اليسير 8 من الرفقة الكبيرة كتوجهه لو كانوا بانفرادهم.

ولا وجه أيضًا لإيجابه الإعادة بعد خروج الوقت إذا كانوا نفرًا مثل الرجلين والثلاثة، وأرى إن كان الغالب عنده أنهم يعطونه إذا سأل 1 أعاد أبدًا في الموضعين جميعًا، وإن أشكل الأمر ولم يغلب أحد الأمرين جاز أن يقال: يعيد في الوقت؛ لأن الأصل العلم، وكون الماء ملكًا لغيره، فلا تجب الإعادة بالشك، وأن يقال: الإعادة أبدًا لأن الأصل الطلب، ولا يصحُّ التيمم إلا بعد العلم واليأس في الغالب، ولم تأت هذه الحالة بعد.
واختلف عن مالك فيمن تيمم ومعه ماء فنسيه، فقال في "المدونة": إن صلى أعاد ما دام في الوقت 2. وقال في "المجموعة": لا إعادة عليه.
وروي عنه أنه قال: يعيد أبدًا.
وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 3 وأصبغ، في كتاب ابن حبيب.
فلم يوجب عليه الإعادة في القول الأول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأُ وَالنِّسْيَانُ" 4؛ ولأنه مخاطب عندما نسي ألا يدع الصلاة وأن يتيمم ذلك الوقت.

فصل [فيمن تيمم ثم وجد الماء]

المتيمم يجد الماء على أربعة أوجه: إما أن يجده قبل أن يتلبس بالصلاة وهو في سعة من الوقت.
أو في وقت لا يقدر على استعماله والصلاة قبل ذهاب الوقت.
أو في حين كونه في الصلاة.
أو بعد فراغه منها وقبل ذهاب الوقت.
فإن وجده قبل أن يتلبس بالصلاة، وهو في سعة من الوقت بطل تيممه وتوضأ 1، وإن كان في ضيق من الوقت إن توضأ لم يدرك الصلاة، لم يجب عليه استعماله على الصحيح من المذهب، والمراعى من التشاغل باستعماله على قدر ما تدل عليه الآثار من صفة 2 وضوئه - صلى الله عليه وسلم - 3، ليس على ما يكون من التراخي وبعض الوساوس.
فإن طرأ عليه الماء وهو في الصلاة لم يجب عليه استعماله، وإن كان في اتساع من

الوقت وأتم على ما هو عليه 1. ويجري فيها 2 قول آخر: إنه يقطع، قياسًا على أحد القولين في الأمة تعتق وهي مكشوفة الرأس في الصلاة، والعريان يجد ثوبًا وهو في الصلاة 3 ومن ذكر صلاة نسيها وهو في الصلاة 4، أو كان مسافرًا في حضر فنوى الإقامة بعد ركعة 5، أو صلى بقوم ركعة من الجمعة فقدم والٍ بعزلته 6. فجميع هذه المسائل مختلف فيها، فقيل: يتمادى ولا شيء عليه، وأن الخطاب يتوجه بذلك قبل أن يتلبس بالصلاة، وقيل: يقطع.
وإن وجد الماء بعد الفراغ وقبل ذهاب الوقت كانت المسألة على وجهين: فإن كان وجود الماء بأن طرأ عليه أو كان بموضع لا يعلمه 7، لم تكن عليه إعادة.

وإن كان يعلم بموضعه، وقدَّر أنه لا يصل إليه إلا بعد ذهاب الوقت فوصل إليه قبل (1)، وقد تبين أنه أخطأ في التقدير، أو كان مريضًا يقدر على استعمال الماء ولم يجد من يناوله إياه ثم أتى من يناوله (2) - أعاد في الوقت استحسانًا (3).

فصل [في الجنب لا يجد الماء]

ومن أجنب ولم يجد ماءً- تيمم.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء....﴾ الآية [النساء: 43]، والملامسة واللمس والمباشرة كناية عن الجماع؛ قال الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].
وقال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. وأصل الملامسة واللمس: الاختبار 4؛ قال الله -عز وجل- حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8].
وَنَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ 5، وهو الذي يختبر جودة ما يشتريه من دناءته باليد من غير نظر.
وقول الله سبحانه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] يريد به المسافر، يتيمم ويصلي،123

وليس المراد موضع الصلاة لاستحالة أن يراد بالكلمة الواحدة متضادان: فيراد 1 بها نفس الصلاة في السكارى وموضعها في ﴿عَابِرِى سَبِيل﴾، وهي كلمة واحدة، وإنما ورد النهيان عن شيء واحد وهي الصلاة.
وعلى أنه لو ذكرت الصلاة في موضعين من الآية لم يجز إخراجها عن الحقيقة وهي الصلاة إلى المجاز وهو الموضع إلا بدليل.
وحديث عمران بن حصين قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا معتزلا لم يصل فقال له: "يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ.
فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ كافِيك" 2. وحديث عمارٍ - رضي الله عنه - قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنما يكفيك أن تفعل 3 هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض ومسح وجهه وكفيه.
وهذان الحديثان أخرجهما البخاري ومسلم 4. فصل [في أنواع الصلوات التي يتيمم لها] الصلوات أربع: فرائض، وسنن، وفضائل، ونوافل 5 على الأعيان وعلى الكفاية 6.

فأما المسافر فيصح تيممه لجميع هذه الصلوات.
وهذا قول مالك وأصحابه 1. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم للنافلة لأنه في غير ضرورة منها، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها 2. وظاهر قوله منع التيمم لما كان من السنن على الكفاية، وقد لا يمنع ما كان منها على الأعيان لأنها في معنى ما لابد منه.
وحكم المريض المقيم فيما يتيمم له حكم المسافر، يتيمم للفرض، ويختلف في تيممه للنفل.
واختلف في تيمم الصحيح المقيم للفرائض، وقد تقدم ذكر ذلك.
ويختلف في السنن إذا كانت على الأعيان كالوتر وركعتي الفجر.
ولا يتيمم للنوافل ولا للسنن إذا كانت على الكفاية، كالجنائز والعيدين على القول إنها على الكفاية.
وقال ابن القاسم في "المدونه" 3 في المسافرين والمرضى لا يجدون الماء؛ إنهم يتيممون لخسوف الشمس أو القمر، ولا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين 4. قال مالك: لا يصلي على الجنائز بالتيمم إلا المسافر الذي لا يجد الماء 5. قال: ولا بأس أن يتيمم لمس المصحف، ويقرأ حزبه من لم يجد الماء إذا كان

في السفر 1. وقال ابن سحنون: سبيل السنن في التيمم سبيل الفرائض الوتر وركعتي الفجر والعيدين والاستسقاء والخسوف، يتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض.
وقال محمد بن عبد الحكم: قال ابن وهب: إذا خرج للجنازة طاهرًا فأحدث ولم يجد ماءً تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم.
يريد أن هذا قصد إلى التيمم اختيارًا، والأول كان متطهرًا فانتقضت طهارته.
وإذا جاز أن يصلي السنن بالتيمم عند عدم 2 الماء، فإنه يختلف فيه مع وجوده إذا كان إذا توضأ فات إدراكها إما لخروج وقت في الوتر وركعتي الفجر أو بفراغ الإمام في العيدين والاستسقاء والجنائز.
وقال مالك في "مختصر ابن عبد الحكم": لا يصلي في الحضر على الجنازة بالتيمم وهو يجد الماء 3. يريد إذا كان متى توضأ فاتته تلك الصلاة.
وعلى القول الآخر يتيمم ويصلي.
وهو أبين للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بالمدينة على الجدار لرد السلام 4. وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار وأبو جعفر الأبهري: قال بعض أصحابنا: إذا خاف فوات الجمعة تيمم لها 5. يريد: لما كانت الجمعة فرضًا على الأعيان، وكان اشتغاله بالوضوء يؤدي إلى فوتها، وأنه لا يقدر على الإتيان بها بعد

فراغ الإمام أشبه ما يخاف ذهاب وقته من غيرها من الصلوات.
وقيل: لا يتيمم لها لأنّ الوقت باق للظهر وهو بدل من الجمعة إلا أنه بدل عن فائت.
وقال أشهب في "مدونته" فيمن أحدث في صلاة الجمعة: فلا يتيمم وإن خاف إن ذهب يتوضأ أن تفوته الجمعة، كان فعل لم يجزه.

فصل في الأوقات التي تؤدى فيها الصلاة بالتيمم

الأوقات التي تؤدى فيها الصلوات بالتيمم أوقات الاختيار، لا أوقات الضرورات، فكل وقت تؤدى فيه الصلاة بالوضوء ولا يجوز تأخيرها عنه مع الاختيار هو الوقت الذي تؤدى فيه الصلاة بالتيمم لا تؤخر عنه.
والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمر بأداء الصلاة عند عدم الماء بالتيمم في الوقت الذي تؤدى فيه بالوضوء، وما ذكر في الروايات من التأخر إلى آخر الوقت فالمراد به آخر وقت الاختيار في الظهر: آخر القامة، والعصر: ما لم تصفر الشمس، وفي المغرب: ما لم يغب الشفق، وفي العشاء: ما لم يذهب نصف الليل 1. والمسافر العادم للماء ثلاثة أوجه: آيس من وجوده، وموقن بوجوده قبل خروج الوقت، وشاكٌّ.
والشاكُّ على وجهين: هل بذلك الموضع ماء؟، وموقن بوجوده شاك هل يبلغه قبل خروج الوقت أو لا 2. فمن كان على إياس من وجوده تيمم أول الوقت، ومن كان على يقين منه

أخَّر إلى آخره، ومن كان على شك تيمم أوسطه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في تأخير الموقن: إن ذلك ليجمع بين الوقت وكمال الطهارة، وفي تقديم اليائس: لأن في تأخيره فوات الأمرين، وفي الشاك لأنه لم يبلغ به قوة الرجاء أن يؤخره ولا ضعفه أن يقدمه 1. واختلف فيمن كان على يقين من بلوغه قبل ذهاب الوقت فلم يؤخر وتيمم أوله، فقال ابن القاسم في "المدونة": يعيد ما دام في الوقت 2، وقال ابن حبيب: يعيد كان ذهب الوقت.
والقول الأول أحسن؛ لقوله سبحانه: ﴿إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمره بالصلاة بالتيمم في الوقت الذي أمر فيه بالصلاة بالوضوء، ولم يفرق 3، وإيقاع الصلاة آخر الوقت توسعةٌ على المصلي لا حقٌّ عليه، وإن كان ذلك فمن حق من تعبد 4 بصلاة إذا دخل الوقت أن يُقدم على أدائها 5، وله أن يبرئ ذمته منها، فإن وجد ماءً توضأ، كان لم يجده تيمم.
ولو أراد من كان على إياس من الماء أو شاكٍّ أن يؤخِّر التيمم والصلاة إلى آخر الوقت، كان ذلك له كما ذلك له في الوضوء.
وإنما التعجيل فمن باب أولى.
ويتيمم المريض الذي لا يقدر على استعمال الماء، وإن كان يقدر على

استعماله وهو على إياس ممن يناوله إياه تيمم أول الوقت، وإن كان على شك تيمم وسط الوقت 1. وقد اضطرب المذهب في الوقت الذي يتيمم فيه، فروى السنن وهب وابن نافع عن مالك أنه قال: لا يتيمم أحد من أهل التيمم إلا أن يخاف فوات الوقت 2. وروى عنه ابن عبد الحكم في "المختصر" أنه قال: يتيمم المسافر في أول الوقت 3. ولم يزد، ولم يفرق بين آيس ولا غيره 4. وقال 5 في "المجموعة": من لم يجد الماء تيمم وسط الوقت، وإن رجاه فمتى يخاف فوات الوقت، وجعله على قسمين 6. ولمطرّف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 7 في كتاب ابن جيب فيمن كان على إياس: فأول الوقت ومن سواه آخر الوقت 8. فجعلوه أيضًا على قسمين ولم يجعلوا وسطًا.
والذي أختاره أن لكل عادم للماء وهو يائس أو شاك أو موقن بإدراكه

قبل ذهاب الوقت أن يوقع (1) الصلاة بالتيمم أول الوقت أو وسطه أو آخره، وهو في ذلك بالخيار حسب ما يفعله المتوضئ بالماء.
هذا في باب ما يجوز له، والاستحسان ما ذكره ابن القاسم عن مالك.

فصل [في رفع حكم الحدث بالتيمم والخلاف فيه]

واختلف في التيمم هل يرفع حكم الحدث أم لا؟ واختلف بعد القول: إنه لا يرفع حكم الحدث 2 هل يصلي به صلوات إذا كان ممن لا طلب عليه كالمجدور والمحصوب والمريض الذي لا يقدر على مس الماء، أو مسافر بموضع لا يرجو الماء فيه.
فذهب غير واحد من البغداديين إلى أنه لا يرفع حكم الحدث.
وقال ابن القاسم في "المدونه" في الحائض ترى الطهر وتعدم الماء فتتيمم، قال: ليس لزوجها أن يطأها؛ لأن حكم التيمم طهر لما كانت فيه، فليس لزوجها أن يدخل عليها ما ينقض ذلك 3، فأوقع على التيمم اسم الطهارة وأن المس ينقضها.
وقال أصبغ فيمن تيمم ثم لبس خفيه قبل أن يصلي بذلك التيمم: أن له أن يمسح على الخفين متى أحدث 4. وجعله بذلك التيمم في حكم من أدخل رجليه في الخف وهما طاهرتان.1

وقال ابن القرطي: إذا تطهرت الحائض بالماء أو بالتيمم حل له ما كان محرمًا منها 1. وقال محمد بن مسلمة في المبسوط 2: المتيمم يؤم المتوضئين: لا بأس به 3. قال: لأنه قد تطهر بالتيمم الذي أمره الله -عز وجل- به كما يطهر بالماء الذي أمرهم الله به.
وقال مالك في "الموطأ": ليس الذي وجد الماء بأطهر منه 4. وأجمع هؤلاء على أن التيمم يرفع حكم الحدث، وهذا هو الصحيح من القول؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 5 فوصف التيمم بما وصف الله سبحانه به الماء بقوله -عز وجل-: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، ولا وجه للقول أنه تستباح به الصلاة ولا يرفع حكم الحدث، وهذا كلام متنافٍ؛ لأن حكم الحدث إنما يمنع الصلاة، فإذا أبيحت بالتيمم ارتفع الحكم الأول وهو المنع، وقد قال أبو محمد عبد الوهاب في المتوضئ بالماء معنى رفع الحدث: إنما ينوي استباحة كل شيء كان الحدث مانعًا منه 6. وهذا كلام صحيح؛ لأن حكم الحدث قبل الوضوء يمنع الصلاة، فإذا توضأ استباحها، وإذا استباحها ارتفع حكم الحدث وهو المنع.

ولا يعترض هذا بكونه لا تؤدى به إلا صلاة واحدة؛ لأنّا لو تعبدنا في الوضوء بالماء ألا نؤدي به إلا صلاة واحدة لم نقل إن حكم الحدث لتلك الصلاة لم يرتفع، وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ أنه كان يرى أن الوضوء واجب لكل صلاة وأن ذلك باق إلى الآن لم ينسخ 1، أفتراه يقول: إن حكم الحدث لم يرتفع للصلاة الواحدة؟! وقيل أيضًا: إن الفرض كان قبل فتح مكة أن يتوضأ لكل صلاة.
ولا يصح أن يقال لم يكن حكم الحدث يرتفع لتلك الصلوات التي كانوا يصلونها قبل الفتح، ولا حكم للحدث إلا الامتناع من الصلاة قبل الوضوء والتيمم، وارتفاع حكمه ارتفاع الامتناع، وارتفاع الامتناع الاستباحة لما كان ممنوعًا قبل.
ولا يصلي فرضين بتيممٍ واحد 2، واختلف في الإجزاء إن فعل 3، ولا بأس أن يصلي نفلين، فأكثر بتيمم واحد إذا أتى بذلك متتابعًا.
وإن كان فرضًا ونفلًا نظرت، فإن قدّم النفل استأنف التيمم للفرض كالفرضين 4. واختلف في الإجزاء إن هو لم يفعل، وإن قدّم الفرض جاز له أن يعقبه بالنفل 5، كالنفلين.
وإن كان فرض وسنة فإن قدم الفرض جاز له أن

يصلي به السنة، كالعشاء والوتر، وقاله ابن حبيب 1. واستحب سحنون أن يستأنف التيمم للوتر، وإن قدم السنة كركعتي الفجر قبل 2 صلاة الفجر استأنف التيمم لصلاة الفجر، واختلف إن هو لم يفعل فقال ابن القاسم: يعيد ما دام في الوقت، وقال أشهب: لا إعادة عليه 3. وقال ابن القاسم في "المدونة" فيمن تيمم لفرض فركع به ركعتين قبل أن يصلي ذلك الفرض، قال: فليعد التيمم؛ لأنه لما صلى به النفل انتقض تيممه.
فعلى هذا يعيد وإن ذهب الوقت لأنه قال: انتقض تيممه 4. واختلف أيضًا فيمن تيمم للنفل فصلى به فرضًا قبل أن يصلي به ذلك النفل، أو بعد ما صلاه: هل يعيد ما دام في الوقت أو أبدًا 5؟! واختلف إذا صلى فرضين بتيمم واحد على ثلاثة أقوال: فقال في كتاب محمد: إن فعل ذلك ناسيًا أو جاهلًا جمعهما 6 أو فرقهما أعاد الآخرة في الوقت 7. وقال أيضًا: يعيدهما وإن ذهب الوقت.
وقال أصبغ: إن جمعهما وهما من وقت واحد أعاد الآخرة في الوقت، وإن جمعهما وهما من وقتين مثل الصبح والظهر أعاد الآخرة وإن ذهب الوقت 8. ولم يذكر إذا فرقهما وهما من وقت واحد 9، وقال مالك في "المدونة" في

المجدور والمحصوب: يتيممان لكل صلاة أحدثا أو لم يحدثا 1. وقال أبو محمد عبد الوهاب في بعض كتبه: من أصحابنا من يجيز أن يجمع في الفوائت 2. والمريض الذي لا يقدر على مس الماء 3. قال الشيخ -رحمه الله-: والصحيح إذا كان بموضع لا يرجو به الماء مثل المريض؛ لأنهما متساويان في سقوط الطلب.
وقاله أبو الفرج في المنسيات إذا أتى بها في فور واحد أنه يصلي جميعها بتيمم واحد 4. وقد تضمنت هذه المسائل أربعة أقوال: فالأول: وجوب التيمم لكل صلاة على أي حال كان المصلي من مرض أو غيره، وعلى أي حال 5 كان الأداء من جمع أو تفرقة أو منسيات أو غير ذلك لإيجابه الإعادة وإن ذهب الوقت من غير اعتبار لشيء من هذه الوجوه.
واحتج من نصر هذا القول بقوله -عز وجل-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا...﴾ الآية [المائدة: 6]، فاقتضت تجديد الطهارة عند القيام لكل صلاف فسقط تجديد الطهارة بالماء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى صلاتين من وقتين بتيمم واحد 6، وعن الصحابة في ذلك أنهم قالوا: يجزئ أحدنا وضوءه ما لم يحدث 7، 8، وبقي التيمم على الأصل

أنه يجب كلما 1 قام إلى الصلاة.
والقول الثاني: أن تجديد التيمم استحباب؛ لأنه لم ير عليه إعادة إذا خرج الوقت، وإن فرق الأداء ولم يجمع ولم يعتبرها هل هي من وقت أو وقتين؟.
والحجة لهذا القول: الآية، وأن الله سبحانه أمر بالوضوء وبالتيمم عند عدم الماء، فكان الحكم أن ينوب منابه ويحل محله، وقد أبان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أنه ليس يجب كلما قام إلى الصلاة، وأن ذلك إذا انتقض الأول بأحد الأحداث المتقدم ذكرها في أول الكتاب، وليس فعله نسخًا للتلاوة.
وإذا كان ذلك 2 لم ينتقض التيمم إلا بوجود الماء أو بأحد الأحداث.
والقول الثالث: ما حكاه أبو الفرج أنه يجوز أن تؤدى به صلوات كثيرة إذا توجه الخطاب بالأداء في وقت وكان الأداء متتابعًا، فيكون في معنى القيام الواحد.
وإلى هذا يرجع قول أصبغ 3 لأنه راعى فعلين: الجمع، وكونهما من وقت.
ومحمل قوله في الإعادة على أنه عجل العصر وأشركها مع الظهر؛ لأنه لو فعل ذلك في الوضوء بالماء لأعاد العصر ما لم يذهب الوقت، ولو أخر الظهر ثم جمع بينهما في وقت العصر لم يعد لتوجه الخطاب فيهما حينئذ كالمنسيتين.
وإن صلى الظهر في آخر القامة وصلى العصر في أول القامة الثانية أعاد العصر ما لم يذهب الوقت؛ لأنه تيمم لها قبل دخول وقتها المختار.
والرابع: تيمم من لا يقدر على مس الماء أنه يجوز له أن يصلي به صلوات لما كان ممن لا طلب عليه.
وفي جميع هذا نظر، والقياس أن لا فرق بين أن تكون الصلوات كلها

فرضًا أو كلها نفلًا، أو بعضها فرض وبعضها نفل، فقدم الفرض أو النفل؛ فإن الجواب على تسليم القول أن مقتضى الآية وجوب التيمم كلما أحدث صلاة، وأن تيممه منتقض بسلامه من الفرض فلا يصلي به فرضًا آخر، أي: لا يصلي به نفلًا للإجماع على أنه لا يصلى نفل بغير تميم.
ولا يصح أن يقال: إن تيممه باق منتقض في حال واحدة، للفرض منتقض، وللنفل باق.
فإن قيل: إن كل ما أتى به نسقًا في معنى القيام الواحد، ولهذا جاز أن يُعْقِبَ الفرض بنفل.
قيل له: فيجوز 1 إذا سلّم من نفلٍ أن يُعْقِبَه بفرض وأن يعقب الفرض بفرض؟! وإن قيل: إنه غير منتقض التيمم إذا صلى به نفلًا، فإن له أن يصلي به نفلًا آخر، فإن لم يصله بالأول جاز له أن يصلي به فرضًا وإن لم يصله بالنفل إذا كان تيممه الأول بعد دخول وقت الفرض أو قبل ذلك إذا لم يكن مخاطبًا بطلب الماء 2. وقال مالك في "سماع أشهب" في مسافر تيمم لركعتي الفجر: أيتيمم للصبح تيممًا آخر؟! فقال: نعم؛ لا يأتي من ذلك إلا خير؛ الأرض تحت قدميه.
فأبان أن قوله في التجديد للتيمم على وجه الاستحسان، وعلى قوله إذا صلى فرضيين بتيمم واحد ولم يجمع بينهما أنه يعيد الآخرة ما لم يذهب الوقت، يكون تجديد التيمم إذا تباعد ما بين النفلين أو ما بين النفل والفرض استحسانًا.

فصل [يتيمم من به جراحات]

ومن كانت به جراح متفرقة في جسده، ولا يقدر على غسل السالم إلا بضرر يصل إلى الجراحة تيمم، وإن كان في شق - غسل ما صح ومسح على ما لم يصح.
وسواء كانت الجراحة في أكثر الجسد أو في أقله، ما لم يكن السالم قليلًا جدا كاليد والرجل فيتيمم.
واختلف في الجنب يتيمم للصلاة ناسيًا للجنابة، فقال في "المدونة": لا يجزئه وعليه أن يتيمم ويعيد الصلاة 1، وروي عنه أنه تجزئه.
وقاله محمد بن مسلمة في المبسوط 2؛ لأن التيمم جعل حدًا واحدًا بدل الوضوء والغسل 3. ويختلف إذا نوى بالتيمم الجنابة ثم أحدث هل ينوي ثانية 4 بالتيمم الحدث الأصغر أو الجنابة؟ فعلى الظاهر من المذهب ينوي بالثاني الجنابة، وعلى ما قاله ابن شعبان أن له أن يصيب الحائض إذا طهرت وتيممت 5 - ينوي بالثاني الحدث الأصغر.
وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في "المدونة" لأنه قال في الحائض تطهر وهي في السفر ولا ماء معها فتيممت وصلت ثم أراد زوجها أن يطأها، قال: ليس له ولا لها أن يدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء، فإن وقع الجماع فقد أدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء وهو الغسل 6.

فصل [في فاقد الطهورين الماء والصعيد]

واختلف فيمن لم يجد ماءً ولا وجد للصعيد سبيلًا على أربعة أقوال 1: فذهب مالك وابن نافع إلى أنه غير مخاطب بالصلاة في الوقت ولا بالقضاء بعد الوقت 2. وقال أشهب: يصلي ولا يقضي.
وقال ابن القاسم: يصلي ويقضي، وإن ذهب الوقت.
وقال أصبغ: لا يصلي ويقضي.
وروى معن بن عيسى عن مالك في "كتاب ابن سحنون" في أسارى ربطهم العدو ليالي ثم خلى عنهم 3 قال: لا يصلون ما مضى 4. قال سحنون: وكان ابن نافع لا يرى على الذين ينهدم عليهم الحائط 5 الصلاة بعد زوال الوقت 6. وقال مالك في "المدونة": يقضون ما فاتهم لأن معهم عقولهم 7. وهذا خلاف ما روى عنه معن، إلا أنه لم يذكر ما أوجب القضاء لأنه كان

جارٍ التحميل