التبصرة للخميصفحات 1460-1501

كتاب الصيد

صفحات 1460-1501

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243) 3 - (م) = مراكش رقم (1/ 112) 4 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصيد

الأصل في الصَّيد قول الله -عز وجل-: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4].
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]

دليله أنه حلال بعد الإحلال من الإحرام.
واختلفَ في قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94].
فقيل: يدلّ على إباحة الصَّيد.
وقيل: على منعه.
وهو أصحّ؛ لقوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾.
والمراد: الامتناع في حال الإحرام، والابتلاء: الاختبار لمن يصبر عنه في ذلك الحال، ولقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94].
فيقف ولا يتعدَّى إذا خفي به 1 الاصطياد.
ولقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 94].
يريد: اعْتَدَى وصاد.
وقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم: "إِذَا أَرْسلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ، وَإِنْ أَكَلَ الكَلْبُ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإنِّي أَخًافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلاَبٌ غَيْرُهَا فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ" 2. فسأله عن المعْراض 3، فقال: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ

وَقِيذٌ" 1. وقوله لأبي ثعلبة الخشنيّ - رضي الله عنه -: "مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّم فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبَكَ الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" أخرجهما البخاري ومسلم 2. فتضمَّن الحديث الأول خمسًا: أحدها 3: أنَّ قَتْلَ المعَلَّم ذَكاة.
والثَّاني: أنَّه إذا كان يأكل فليس بمعلَّم، ولا يكون قتله ذكاةً.
والثالث: إذا شَكَّ في الذَّكاة لم يؤكل؛ لأنَّ الأصل أنَّه حرام إلّا بذكاة، فإذا خالط غير كلبه صار في شكٍّ من ذكاة كلبه.
والرَّابع: أنَّ عدمَ التسمية يمنع الأكلَ لتعليله في المنع: فإنَّما سمَّيت على كلبك، ولم تسمّ على غيره.
والخامس: أنَّ 4 محمل قول الله -عز وجل-: ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ هو أن يصيب بالمعتاد أن = لا بحدّه.
انظر: لسان العرب: 7/ 165، وقال الجبي: المعراض -بكسر الميم- هو من اعترضت الشيء وهو عود يرمى إلى الطائر الثقيل الحُبارَى والغرانيق والأوز ونحوها لاستقلاله بالطيران من الأرض بثقل فيعزضه الصائد بهذا العود فيضربه فيرمي به إلى الأرض.
انظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، ص: 47.

يصيبَبه، وهو حدّه.
وفي حديث أبي ثعلبة دليل لمن قال في المنْخَنقَة وأخواتها: أنه إذا نزل بها من ذلك ما لا تعيش معه فأدركت ذكاتها- أنَّها تؤكل، لقوله: "وَإِذَا صَادَ بِمَا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" (1). وهذه عبارة عمَّا لو لم يدركْه لفات.

فصل [في أحكام الصيد]

الاصطياد على خمسة أوجهٍ: مباح، ومندوب إليه، وواجب، ومَكْروه، وممنوع.
فالمباح: ما كان للمعاش اختيارًا، إما لأكلٍ أو لينتفع بثمنه.
والمندوب إليه: ما سدَّ خلته وكفَّ وجهه، أو ليوسع على عياله إذا كان في ضيق عيشٍ.
والواجب: ما كان لإحياء نفس 2 إذا خَشيَ على نفسه، ولم يجد إلا الصيد، وهو قادر على الاصطياد، ولا فرق في هذا بين نفسه، ونفس غيره.
والمكروه: ما كان القصد به اللهو على اختلاف فيه؛ فكَرهَه مالك.
وقال الليث: ما رأيت حقًّا أشبهَ بباطلٍ منه 3. وأجازَه محمد بن عبد الحكم.
والممنوع: ما لم ينو ذكاتَه عبثًا؛ ولأنَّه من الفساد ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، وكذلك إذا كان يؤدي الاشتغال به إلى تضييع صلواته، أو شيء من الواجبات؛ فهو ممنوع.1

فصل [النيّة في الاصطياد]

النيّة في الاصطياد راجعة إلى حال الصَّيد من جواز أكله ومنعه.
والصَّيد أربعة: حلال، وحرام، ومكروه، ومختلف فيه 1 بالكراهية والتحريم.
فالأول: الغزْلان وبقر الوحش وحمرها والأرنب والأيل والطير 2، وما أشبه ذلك، والطير ما لم يكن ذا مخلبٍ فلا يحلّ اصطياد شيء من 3 هذه، إلا بنيَّة الذَّكاة، أو يدعه.
والثاني: الخنزير، يجوز رميه بنية قتله، لا لغير ذلك، وليس ذلك من الفساد لقول النَّبي - صلي الله عليه وسلم -: "لَيَنْزِلَنَّ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ" 4 وعلى هذا مذهب مالك، أنَّه يَجوز قتله ابتداءً، إلا أنْ يصيبَ إنسانًا حاجةٌ تبيح أكلَه؛ فيستحبّ له أَنْ يَنْوي الذَّكاةَ.
قاله أبو بكر الوقَار 5. والثَّالث: الأسد والنَّمر والفهد واللب والذئب، فعلى القول: إنَّه حرام.

يكون 1 الحكم فيه كالحكم في الخنزير، إلا أنْ ينوي الانتفاعَ بجلده؛ فينوي ذكاتَه 2، وعلى القول إنَّه مكروه يكون بالخيار بين: أن يرميَه بنيَّة ذكاته على كراهية في ذلك، أو بنية القتل إن لم يردْ أكله.
والرَّابع: الثَّعلب والضبع، هما عند مالك أخفَّ 3، فهو بالخيار بين: أن يرميه بغير نيَّة الذَّكاة، وإنْ شاء نَوَى الذَّكاةَ إن كان يريد أكلَها، ما لم يكن محْرمًا فلا يقتله بحال، فإن فعل وداها.
وما كان من الطَّير ليس بذي مِخْلَبٍ لم يَرْمه إلا بنيَّة الذَّكاة، وما كان ذا مخلبٍ، وشأنه الأذى كالغراب والحدأة- كان بالخيار أيضًا، ما لم يكن محرمًا فيرتفع الخيار ولا يجوز قتله 4. واختلفَ: هل يجوز قتله من غير أن يؤذي؟

باب فيما يصاد به

الآلات التي يصاد بها ثلاثة أصنافٍ: السهام والرماح والسيوف، وما قام مقامها مما يجرح ولا يرض 1؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94]، ولقول النَّبي - صلي الله عليه وسلم -: "مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فكُلْ" 2. ولعديٍّ - رضي الله عنه - في المعراض: "مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ" 3. والثَّاني: الكلاب وغيرها من ذوات الأربع مما يفقه التعليم وَيصيد، قال ابن شعبان: ولو كان سنَّورًا 4. قال مالك عند ابن حبيب: إلا النَّمس؛ فإنه لا يفقه التعليم 5. والثَّالث: العقبان والصقور، وغيرها مما يفقه التعليم، والأصل في هذين القسمين 6 قول الله سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4].
والجوارح: الكواسب، قال الله -عز وجل-: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: 21].
وتكليبها: تعليمها.

باب في صفة التعليم

اختلفَ في صفة التَّعليم على أربعة أقوال: فقال في الكتاب 1 في البازي والكلب: هو أن يفقه: إذا زجر انزجر، وإذا أشلي 2 أطاع 3. وقال أشهب في مدونته: هو الذي يفقه إشلاءه ويحضه ذلك على الصيد.
وإذا زجرتَه: نهاه ذلك عنه، وما لا يفقه ذلك فليس بمعلم.
وهذا نحو قول ابن القاسم: إن التعليم يصح بوجهين: الزجر والإشلاء 4. وقال ابن حبيب: تعليم الكلاب والفهود أن تدعوه فيجيب 5، وتشليه فينشلي، وتزجره فينزجر، وأما الطير فإنَّ تعليمها أن تجيب إذا دعيت، وتنشلي إذا أرسلت، وليس أن تنزجر 6؛ لأنه غير ممكن فيها، وهو قول ربيعة وابن الماجشون 7. وقال: وكان ابن القاسم يقول: تعليمها كتعليم الكلاب 8. فحكي عن

ابن القاسم أن التعليم يصح بثلاثة، وفرَّق هو بين الطَّير وغيرها.
وقال ابن القاسم في الكتاب 1: إذا أدرك 2 كلبه أو بازيه فلم يستطع إزالته من الصيد حتَّى مات بنفسه- أنَّه يأكله 3. فجعله في هذا السؤال معلمًا، وإن كان لا يطيعه في الزجر، وهذا خلاف ما تقدَّم له، وخلاف قول أشهب في قوله: إذا زجرته نهاه ذلك 4. فأما مراعاة إجابته إذا دعي- فضعيف؛ لأن ذلك معنىً لا 5 يتعلَّق بالصَّيد، والوجه اعتبار ما يتعلق بالصَّيد لصاحبه لا لنفسه، وهو الإغراء به، والزجر عنه أقواها؛ لأنَّه دليل على أنَّ الأخذَ لصاحبه.
اختلفَ: هل من شرطه أن لا يأكَلَ؟ فقول مالك وأصحابه أنَّه معلَّم وإنْ أَكَلَ 6. وذكر ابن الموَّاز في ذلك حديثًا عن النَّبي - صلي الله عليه وسلم -: أنَّه قال: "إِنْ أَكَلَ؛ فَكُل" 7. وذَهَبَ بعض أَهْل العلم إلى أنَّه ليس بمعَلَّم، واحتجّوا بحديث عديّ بن حاتم - رضي الله عنه - 8.

فصل [في صيد الطير المعلم]

فعل الجوارح من الكلاب والبزاة بالصَّيْد ذكاة بتسعة شروط: ثلاثة في الجارح: وهو أن يكون معلَّمًا، وخرج بإرسال ممَّن هو في يديه، ومضى قاصدًا لمَّا أرسل ولم يشتغل عنه.
وثلاثة في المرسَل عليه: وهو أن يكون الصيد في موضعٍ لا يقدر على أخذه إلا بذلك، ويراه البازي أو الكلب ليس في غيضة 1 ولا أجمة 2، ويكون موته من جراحته ليس من صدمه، ولا خوفًا منه.
وثلاثة في المرسِل: وهو أن يكون في طلبه لم يرجع عنه، وممَّن تصحّ ذكاته، وأن يكون مسلمًا.
فهذه جملة متفق عليها، فإن انخرم منها شئ لم يؤكل.
وفي بعضها اختلاف، فإن كان غير معلَّم أو معلَّمًا وخَرَجَ من غير إرسالٍ لم يؤكل؛ لأنَّه ذكاة بغير نيَّة.
واختلفَ إذا أرسلَه ولم يكن في يده 3، أو خرج بنفسه ثمَّ أغراه به، فقال في الكتاب 4: إذا كان معه ثمَّ أغراه به أَكَلَ، ثمَّ رَجَعَ، فقال: لا يؤكل، إلا أن

يكون في حال الإرسال بيده 1. وقال ابن حبيب: إذا كان الكلب بعيدًا منه، فصاح به وأَشلاه لم يؤكل ما قَتَلَ، وإن كان قريبًا منه، فأغراه به أَكَلَ.
وقال مالك 2 وابن القاسم: إذا كان خروجه من قبل نفسه، ثمَّ أغراه به 3 لم يؤكل 4. وقال أصبغ: يؤكل 5. قال ابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا زاده ذلك قوةً وإشلاءً أُكل.
وأَرَى أَنْ يؤكل إذا كان خروجه بإرسالٍ من صاحبه، ولا فرق بين كونه قريبًا ولا بعيدًا؛ لأنَّه لم يصد إلا بالإرسال، ولا فَرْقَ بين كونه في يده، أو مَعَه وليس في يده، ولا يؤكل إذا كان خروجه من قبَل نفسه ثمَّ أغراه به؛ لأنَّه حينئذٍ على أحد وجهين: إمَّا أَنْ يكون لا يطيعه لو زَجَرَه عنه؛ فهو صائد بنَفْسه 6، ولا تَأْثير لإغراء صاحبه به، ولا يصح أن ينسب إلى أن صاحبه الصائد به.
أو يكون يعلم منه أنَّه ينتهي عنه لو زَجَرَه، وقد زاد حمَّوةً لإغرائه به، فإنَّه يصير بذلك الإشْلاء 7 مشتركًا من نفسه ومن صاحبه؛ لأنَّ خروجَه الأوَّل من نفسه لم يسقط، وإنما انضاف إليه شيء آخر؛ فأشبه ما لو تعاون اثنان 8: أحدهما

بإرسالٍ، والآخر بغير إرسال، إلا أنْ يزجره عنه، فيقف عنه، ثمَّ يغريه به، فيسقط حكم الأول.

فصل [في إرسال الجوارح]

وإذا اشْتَغَلَ بعدَ الإرسال بغير ما أرْسلَ عليه فأطال 1 سَقَطَ حكم ذلك الإرسال.
ويختلف فيه إذا كان الاشتغال الخفيف: فظاهر قوله في الكتاب 2 أنَّه لا يؤكل؛ لأنَّه قال: إذا مرَّ الكلب بكلبٍ، فوقف عليه يشمّه، أو على 3 جيفة فأكل منها، أو عَجَزَ الطائر فسَقَطَ على موضعٍ، أو عَطَفَ راجعًا فقد خَرَجَ عن ذلك الإرسال 4. ولم يفرّق بين قليل، ولا كثير، وقال: إذا أرسل على جماعة فأخذ اثنين أنَّهما يؤكلان 5. ولم يَرَ 6 اشتغالَه 7 بالأوَّل قطعًا للثَّاني.
وقيل: لا يؤكل الثَّاني.
والصَّواب أنَّ الشيءَ اليسيرَ لا يقطع عن حكم الأول.

فصل [في المعلَّم من كلب أو باز]

وعلى من أَرْسَلَ على صيدٍ سَهْمًا أو بازيًا أو كلبًا 1 أَنْ يتبعَه ومعه آلة الذَّكاة؛ ليُذكّيه إن وجده حيًا لم تنفذ مقاتله.
وإن أنفذت مقاتله كان ذلك ذكاةً له، ولا شئ عليه إن تركه 2 حتَّى يموت.
ويستحبُّ له أَنْ يجهز عليه، إلا أَنْ يكون البازي أو الكلب قد فرى الأَوْداج والحلْقوم فيتركه.
وإن فرى الأوداجَ دونَ الحلْقوم، أو الحلْقوم دون الأوداج؛ أَجْهَزَ على الباقي.
وإن أدركه ولم تنفذ مقاتله؛ أزال الجارح، وذكَّاه، وإن لم يفعل وتركه حتى مات لم يُؤكل.
وإن ذكَّاه قبل أن يزيله لم يؤكل؛ لأنَّه لا يدري: هل مات 3 من فعله؟ أو من تأثير الجارح فيه بعد قدرته على زواله؟ إلا أَنْ يَعلم أنَّه لم يَمتْ من فعل الجارح بعد إدراكه لدلائل ذلك التَّأثير.
وإن لم يقدر على إزالته، وقدر على تذكيته مع كونه عليه ذكَّاه, فإن لم يفعل لم يؤكل.
وإنْ لم يقدر على إزالته ولا تذكيته أُكل.
هذا على تسليم القول أنَّه معلَّم وإن لم ينزجر عنه، وإذا أزال الجارح وبادر بذكاته فسبقه بنفسه أُكل.
قال 4 مالك: وإن تشاغل بإخراج السكين، أو كانت مع رجل خلفه فلم يخرجها، أو لم يدركه حتَّى مات فلا يأكل 5.

قال محمد: ولو كانت في خُفّه، فمدَّ يده ليخرجها فمات أكل.
وهذا قريب.
قال (1): ولو مات في قدر ما لو كانت شفرته في يده لم يدرك ذكاته لأَكَلَ، ولو مرَّ به غير صاحبه فرآه في مخالب البازي، أو في فم (2) الكلب، وهو قادر على أن يخلصه، فلم يفعل حتَّى مات فالذي سمعت: أنَّه لا يؤكل (3). يريد: أنَّه رآه ومعه ما يذكيه به، فإن لم يره أو رآه وليس معه ما يذكيه به (4) أَكَلَ.
وقد كان يتنازع في إغرام المارّ قيمةَ ذلك (5) الصيد، وأن لا شيءَ عليه أحسن.
وإن كان ممَّن يجهل ويظن أنَّه ليس له أن يذكيَه، وأنَّ ذلك ليس عليه كان أبن أَنْ لا غرْمَ عليه.
ولو مرَّ بشاةٍ يخشى عليها الموت، فلم يذبحها حتى ماتت (6) لم يضمن؛ لأنَّه يَخشى ألا يُصدّقه ربّها أنَّه خيْفَ عليها؛ فيضمنه، وليس بمنزلة الصَّيد؛ لأنَّ الصيدَ معلوم أنَّه تقدَّم (7) له ما يخاف عليه منه، وهو ما أرسل عليه من سهم أو بازي.

فصل [في الرجل يدرك الصيد قتيلًا]

وإذا أَرسل على صيد، فأَتْبعه وأعجزه حتَّى توارى عنه، ثم وجده قتيلًا فهو على أربعة أوجه: يجوز أكله في وجهين: وهو إذا عَرف أنَّه الصيد1234567

المرْسل عليه، وإن لم يكن معه بازه، ولا فيه سهمه، أو وجد فيه سهمه، أو معه بازه، أو كلبه.
وإن لم يعرفه، ولا وجد فيه (1) سهمه، ولا معه بازه لم يؤكل.
وهذا قول مالك عند ابن حبيب (2). ومثله إذا وجد معه بازه ولم يعرفه، وبقربه صيد يشككه فيه (3)، فقال ابن القاسم في العتبية لا يأكله (4). يريد: إذا كان الاثنان قتيلين، وإن كان معه آخر حي (5) أكل الميت؛ لأنَّ الغالب أنَّ المرسل أخذ ما رآه.
وكذلك سهمه، فللغالب حكم، إلا أن يتركه على حال (6) التنزه، وهذا في البازي والكلب، وأمّا السهم فلا؛ لأنه لا يتأتى منه التنقل.

فصل [في الرجل يدرك الصيد ميتا]

وإذا لم يتبعه، ورجع عن طلبه، ثم أدركه ميتًا، فإنْ لم ينفذ مقاتله لم يؤكل، والبازي والكلب في هذا سواء؛ لإمكان أن يكون لو اتبعه لأدرك ذكاته 7، وإن وجده وقد أنفذت مقاتله افترق الجواب: فإن كان رماه بسهْم أكل؛ لأنَّها رمية واحدة، وقد أنفذت مقاتله 8، فاتباعه وعدمه سواء.123456

وإنْ أرسل بازيًا أو كلبًا لم يؤكل؛ لإمكان أن يكونَ لو اتبعه لأدركه قبل أن تنفذ مقاتله.
وإلى هذا ذهب محمد، إلا أنْ يعلم أنَّ مثل ذلك المرْسَل يُفيت 1 المرْسَل عليه سريعًا؛ لقوَّة بطش هذا، وضعف الآخر.
واختُلف أيضًا إذا لم يقدر على الصيد حتَّى بات 2، ثم وجد من الغدِ ميتًا وقد أنفذت مقاتله، فقال في الكتاب 3: لا يؤكل 4. وساوى في ذلك بين السهم والبازي.
وقال عبد الملك بن الماجشون عند ابن حبيب: يؤكل فيهما جميعًا، قال: وإن لم تنفذ مقاتله لم يؤكل؛ مخافةَ أن يكون إنَّما قتلَه بعض هوام الأرض ودوابّه، أو أعان على قتله 5. وأجاز ذلك 6 ابن المواز في السهم، ومنعه في البازي والكلب.
ولمالك في مدونة أشهب، قال: إذا وجدت الصيد، وفيه أثر سهمك أو كلبك فلا بأس به ما لم يَبتْ، فإن بات فإنَّه يكره أكله.
فجعل تركه على وجه الكراهية، ولم يفرق بين ما أنفذت مقاتله أو لا.
وذكر ابن القصار عن مالك مثل ذلك، قال: إذا بات عنك، فلم تجد فيه غير أثر 7 سهمك، أو أثر 8 كلبك فلا بأس بأكله.
وسواء كان صاحبه يطلبه

أو لا.
فساوى في هذه الرّواية بين السهم والكلب، وما أنفذت مقاتله وما لم تنفذ، وما رجع عنه 1 صاحبه اختيارًا، أو بات عنه 2. ووردت الأحاديث بمثل ذلك، فأخرج البخاري ومسلم عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ" 3. وزاد مسلم في الكلب مثل ذلك 4: "أَنَّهُ يَأْكُلُهُ وَإِنْ بَاتَ مَا لَمْ يُنْتِنْ" 5. فجاءت هذه الأحاديث مجملة، ولم يشترط فيها إنفاذ المقاتل، وهذا هو الصواب، ومحمله على 6 أنَّه مات ممَّا أرسل عليه، وأنَّه القاتل له 7 حتَّى يعلم غير ذلك، ويفترق الجواب إذا لم يتبعه وتركه اختيارًا، فيؤكل في السهم إذا أنفذ مقاتله؛ لأنَّها رمية واحدة وقد أنفذت 8، فلا فرق بين اتباعه ورجوعه عنه.
ولا يؤكل إذا لم تنفذ 9، ولا ما صاده الكلب، أنفذت مقاتله أم لا؛

لإمكان أن يكون لو اتبعه لأدرك ذكاته قبل أن تنفذ مقاتله، إلا أَنْ يعلم أَنَّ الكلب يسرع بإفاتته قبل أن يلحقَه؛ لأنَّه أنفذه (1)، أو لأنَّه من صغار الوحش كالأرنب، وما أشبهه.
ولو أرسل فهدًا أو نمرًا لنظرتَ إلى المرسل عليه، هل هو ممَّا يسرع بإفاتته لشدَّة بطشه، وينظر في الطَّير مثل ذلك، ينظر إلى قربه وبعْده، وليس البازي كالعقاب.

فصل [في صيد غير المرئي]

واختُلف في الإرسال على صيد غير مرئي، كالذي يرسل على ما في غَيْضَةٍ أو غارٍ أو ما وراء أَكَمَةٍ، ولا يدري: هل هناك شيء أم لا؟ أو على جماعة وينويها وما وراءها.
فأجاز ذلك مالك، ورآه ذكيًا (2). ومنعه أشهب، وقال: لا يؤكل (3) إلا ما رآه وقت الإرسال (4). وإليه ذهب سحنون في العتبية (5).

فصل [في إرسال الكلب إلى غير معيّن]

واختلف عن مالك إذا رأى الكلب يحدد النَّظر إلى ناحية، كالملتفت لشيء12345

رآه، فأرسله عليه: فأجازه مرةً (1). وكرهه أخرى، وقال: لعلَّه غير الذي اضطرب إليه (2). وكأنَّه فرَّق بينه وبين ما في الغَيْضَة، أو وراءَ الأَكَمَة؛ لأنَّه في هذين أرسل على غير معيّن، فلم يبال ما أخذ منها؛ لأنَّه داخل في نيَّة المرسل, وهذا أرسل على معيَّن، وهو الذي أحسَّ (3) به الكلب، فقد يكون وجد غيره.
وهذا استحسان، وقوله الأول أحسن؛ لأنَّ محمله على ما التفت (4) إليه حتَّى يعلم غيره.

فصل [إذا سقط الصيد في الماء أو وقع من أعلى جبل]

وإذا كان الصيد في موضعٍ يقدر على أخذه باليد، مثل أن يكون في جزيرة لطيفة أو في غارٍ يقدر 5 على دخوله من غير خوف على نفسه، أو كان طائرًا قد نشب بشيء لا يستطيع الفرار معه 6، وهو يقدر على أخذه باليد لم يجز أكله إلا بذكاة الإنسي 7. وإن كانت الجزيرة كبيرة، أو كان في موضع لا يقدر على التَّوصل إليه، أو كان يقدر ويخاف أن بذلك الموضع حيَّات، وإذا أرسل عليه خرج الصيد إليه، أو أخرجه الجارح جاز الإرسال، ويكون فعل الجارح أو السهم ذكاةً.1234

قال أصبغ في كتاب محمد: إذا أرسل على وَكْرٍ في شامخة جبل أو في شجر، وكان لا يصل إليه ولا إلى الغابة (1) بالأرض، إلا بأمر يخاف فيه العطب أو العنت (2) فإنَّه يؤكل بالصيد.
وإذا أرسل على صيد بمكان لا يقدر عليه إلا بالإرسال؛ فاضطرتْه الجوارح إلى مكان يؤخذ فيه باليد لم يؤكل.
قال محمد: وإن اضطرتْه الكلاب حتَّى وقع في حفرة لا مخرج له منها، أو انكسرت رجله فتمادت عليه حتى قتلته (3) لم يؤكل؛ لأنه أسير (4). ولأشهب في مثل هذا: أنَّه يؤكل.
يأتي في باب تعاون الكلاب.

فصل [في إصابة الصيد بجرح غير مقتل]

وإذا أصيب الصيد بجرح في يد أو رجل أو أذن، أو غير ذلك مما ليس بمقتل؛ فمات كان فعله ذكاةً.
واختُلف إذا نَيَّبَهَ ولم يجرحْه, أو صدمه، أو ضربَهَ بسيفٍ فلم يجرحه، ولم يُدمه: فقال ابن القاسم 5: ليس بذكي 6. وقال أشهب: يؤكل، وهو ذكي 7.1234

وإن مات من غير فعله لخوف، أو ما أشبه ذلك؛ لم يؤكل قولًا واحدًا، فأجاز ذلك أشهب لظاهر قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
وهذا إمساك، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي - رضي الله عنه -: "كُلْ ممَّا أمسك عليك كلبك؛ فإنَّ أخذه ذكاة" (1). والقول الأول أحسن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4].
فالمفهوم: ما جرح؛ ولأنّ الغالبَ والمعتاد (2) منها أنَّها تجرح في حين (3) الاصطياد، فوجب تعليق الحكم بالغالب، ولقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في المعراض: "وَمَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ" (4). وهو آلة من آلة الصيد.

فصل [في إبانة الجارح شيئًا من الصيد]

وإذا أبان الجارح رأسَ الصيد، أو جزله نصفين- كان ذلك ذكاةً لجميعه.
وإن أبان يدًا أو رِجْلًا كان ذكاةً له 5، دون ما أبان منه، إلا 6 أن يبقى متعلقًا بشيء لو تركَ لعاد، فيكون ذكاةً لجميعه.
وإن أبان عجزه أَكَلَ دون العجز، إلا أَنْ يكونَ نَزَلَ ذلك إلى الجوْف،1234

فيكون ذكاةً لجميعه.
ولو أبان العجز 1 وحده وسلمت الحشوة وعلم أنه لا حياة له كان ذلك ذكاة لجميعه وإلى هذا ذَهَبَ أبو القاسم ابن الجلَّاب، قال: إن قطع رأسَه، أو وسطَه، أو ما لا حياة له معه- جاز أكله كلَّه.

باب في تعاون البزاة أو الكلاب

وإذا أَرْسَلَ الرجل بازيه، أو كلبيه 1 معًا على صيد 2 فقتلاه 3 أو أحدهما بعد أن أمسكه الآخر- جاز أكله 4. وإن افترقَ الإرسال أرسل واحدًا بعد واحد، فإن قتله الأول جاز أكله 5، وسواء كان قتله بعد أن سبق إليه الثَّاني وأمسكه, أم لا.
وإن قتله الثاني؛ لأنه سَبَقَ إليه جاز أكله.
وإن كان بعد أن أمسكه الأول نظرت في إرسال الثاني 6، فإن كان بعد أن أمسكه الأول لم يجز أكله.
ويختلف 7 فيه إذا كان إرساله 8 قبل أن يصلَ إليه الأول، ووصل الثَّاني بعد أن أمسكه الأول: فأجاز أصبغ عند محمد أَكْلَه 9. وعلى قول محمد إذا أرسل على صيد، فطلبه حتَّى وقع في حفرةٍ، أو لجَّة، ثم أخذه فقتله أنَّه لا يؤكل.
فلا يؤكل 10 هذا؛ لأنَّه راعى وقتَ أخذه، فعلى

هذا لا يؤكل ما قتل الثاني إذا صار 1 أسيرًا للأول.
وإن كان إرسال الثَّاني قبل أن يصير أسيرًا، كما 2 لم يرل في هذا وقتَ الإرسال.
وعلى قول أصبغ- يؤكل ما وقع في حفرة أو لجَّة.
وإذا أَرسل رجلان على وجه التَّعاون والاشتراك كان الحكم في الصيد هل يكون ذكيًا أم لا 3 على ما تقدَّم إذا كانا لواحد، فإنَّه ينظر: هل أرسلا معًا؟ أو واحدًا بعد واحد؟ وكيف كان وصولهما إليه؟ وإنْ لم يقصدا 4 الاشتراك، وأرسل كل واحد منهما ولا يعلم بالآخر، أو علم وكل واحد يرجو 5 أن يكون السابق والآخذ له، فإن وصلا معًا واجتمعا على قتله كان ذكيًا وكان بينهما، وإن سبق إليه أحدهما فقتله كان الصيد لمالك القاتل، وسواء كان أرسل أولًا، أو آخرًا 6. وإن سبق أحدهما فجَرَحَه وأمْسَكَه، ثم وَصَلَ إليه الآخر فقتله- كان غير ذكي، وعلى الثَّاني قيمته، إلا أن يكون الذي قبله هو المرسل أولًا، فلا تكون عليه قيمة 7 "وإن كان وصوله آخرًا 8. وقال أشهب في مدونته فيمن أَرسل على صيدٍ فَأثخَنَه؛ حتَّى لا يستطيع

الفرارَ، ثم رماه آخر فقتله: كان على الثَّاني قيمته عقيرًا للأوَّل 1. ولو جرحه الأول فلم يثخنه كان للثَّاني.
وان لم تقتله رمية الثَّاني ولكن حبسته، ولم تعنْ رمية الأول على حبسه كان للثَّاني.
وإن أعانت على حبسه كان بينهما، كانت الرميتان على مقدار واحد من الضعف أو إحداهما أقوى من الأخرى 2. وقال ابن شعبان: لو كان لواحد جارح وللآخر اثنان اقتسما الصيدَ نصفين.
ولو كان بينهما 3 جارح واحد يملكانه على أجزاء مختلفة كان كذلك أيضًا 4. وليس هو المعروف من المذهب، وأصل قول مالك وأصحابه: أنَّه بينهما على قدر أجزائهما 5 فيه.
وكسب البازي والعبد والدابة في ذلك سواء 6.

باب إذا أرسل كلبه على جماعة صيد

وإذا أَرسل على جماعة صيد، أو رمى بسهمه فهو على ثلاثة أوجه: إما أن ينوي واحدًا بعينه، أو واحدًا لا بعينه، أو ينوي اثنين فأكثر.
فإن نوى واحدًا بعينه 1 لم يؤكل سواه.
وان أخطأه وأصاب غيرَه لم يؤكل، إلا أن يدرك ذكاته.
وإن نوى واحدًا ولم يعينه جاز ذلك، فإن أصاب السهم أو البازي اثنين 2 لم يؤكل إلا الأول منهما، وكان الثَّاني غير ذكي؛ لأنَّه لم ينو سوى واحدٍ، فلما أخذ الأول ارتفع حكم نيَّة المرسل فيما سواه.
وإن شكَّ في الأول؛ لم يؤكلا.
وإن نوى اثنين فما فوق فإن كان سهمًا أكلا جميعهًا.
واختُلف في البازي والكلب: فقال مالك وابن القاسم 3 وابن وهب في كتاب محمد: يؤكلان جميعًا 4. وقال محمد: لا يؤكل الثَّاني.
ووافق في السهم 5. والأول أحسن إذا لم يشتغل بالأول، إلا مثل ما جرحه، والأمر اليسير، ثم تمادى إلى الآخر، وإن طال اشتغاله بالأوَّل كان ذلك قطعًا عن الإرسال على الثَّاني.

باب في الصيد بغير المعلَّم وإذا اشترك في القتل معلَّم وغير معلَّم، ومن صاد بسهم مسموم

ولا ينبغي أن يصيد بما ليس بمعلَّم؛ لأنَّ تأثيره في الصيد ليس بذكاة، فكان في ذلك إتلاف النفس لغير فائدة، إلا أَنْ يعلم أنَّ مثل ذلك المرسل عليه، لا يسرع بإفاتته، ويدركه المرسل قبل أن تنفذ مقاتله، وكان المرسل من الطير بازيًا أو غيره ممَّا يعلم أنَّه لا يسرع به 1. فإن أرسل 2 غير معلَّم فقتل- لم يؤكل، وإن جَرَحَه جرحًا يعيش معه ذَكَّي وأكل، وإن كان جرحًا لا ترجى له 3 معه حياة- كانت الذَّكاة فيه على الاختلاف في المَوقوذة والمتردّية.
وذلك مشروح في موضعه.
وإن تعاون كلبان معلَّم وغير معلَّم فقتلا لم يؤكل.
وكذلك إذا قتل أحدهما ولم يعلم القاتل، أو قتله المعلَّم بعد أن أمسكه الآخر، فصار أسيره.
وكذلك ما أصاب المعْراض، فإن أصاب بحدّه أكل، وإن أصاب بعرضه لم يؤكل، وهو وقيذ، وإن لم يدر بأيّهما أصاب بحدّه أو بعرضه لم يؤكل، إلا أن يكون في الجرح دليل أنَّه لا يكون إلا بحدّه 4.

وكذلك إذا أَرسل مسلم ومجوسيّ كلبيهما على صيد، فتعاولدا أو لم يتعاوتا، فلم يدر أيهما سبق إليه فقتله فإنَّه لا يؤكل، وإنْ علم أنَّ كلبَ المسلم قتله، ولم يمسكه كلب المجوسيّ أكل، وإن كان بعد أن أمسكة لم يؤكل.
وإن صاد المسلم بكئلب المجوسيّ أكل.
وإن صاد المجوسيّ بكلب المسلم 1 لم يؤكل، وذلك عند مالك بمنزلة لو ذبح أحدهما بسكين الآخر 2. ولا يؤكل ما صيد بسهم مسموم لوجهين: أحدهما أنَّ السممَّ 3 مما يعين على قتله، فيرجع ذلك إلى ما اشترك 4 فيه 5 معلَّم وغير معلَّم؛ ولأنَّه يخاف على آكله 6.

باب في صيد الصبيّ والمجنون والسكران والكتابيّ

صيد الكلب والبازي المعلَّم ذكي إذا كان المرسل ممَّن تصح ذكاته: ليس بمجنونٍ، ولا سكران، ولا ممَّن لا يعقل، وقد مَضَى ذلك في كتاب الذَّبائح 1. وصيد المجوسيِّ حرامٌ غير ذكي قياسًا على ذبيحته 2، واختلف في صيد 3 الكتابيّ اليهوديّ والنَّصراني على ثلاثة أقوال: بالمنع والكراهة والجواز.
فقال في الكتاب 4: لا يؤكل لقول الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94].
يقول: المراد به 5 المسلم دون غيره 6. وذكر ابن المواز عن مالك أنَّه كرهه 7. وقال أشهب وابن وهب: هو ذكي حلال 8. قال ابن حبيب: كانا يريانه بمنزلة ذبائحهم، وداخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] 9. وهو أحسن؛ لأنَّها ذكاة كلها؛ ولا فرق بين تذكيتهم الإنسي والوحشي، وهو طعام لهم 10 داخل

في عموم الآية.
وأما قول الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94].
فليس المراد بها جنس الصائدين، والمراد بها 1: ابتلاء المحرم، ليعلم صبره إذا وجده، ووقوفه عنه، ويخافه بالغيب فيما يخفى له، ولا يظهر عليه فيه، كما ابتلي اليهود بالصيد في السبت.
وقال ابن القاسم: إذا اختَلَفَ دين الأبوين فكان أحدهما كتابيًا 2 والآخر مجوسيًا 3 أنَّ الولد على حكم الأب: فإن كان الأب كتابيًا أكلت ذبيحته وإن كانت الأم مجوسية 4. وكذلك صيده على القول أن صيد الكتابي ذكي 5. ولا يؤكل صيد المرتدّ ولا ذبيحته، ارتدَّ إلى المجوسيّة أو النَّصرانيّة، وهذا ظاهر المذهب 6، وينبغي إذا ارتدَّ إلى النصرانية أن تؤكل ذبيحته؛ لأنَّ كونه مما لا يقر على ذلك الدِّين لا يخرجه عن أن يكون ذلك الوقت كتابيًا، ولأنَّه 7 ممَّن يتعلَّق بذلك الدِّين، وهو ممَّن يقع عليه اسمُ نصرانيّ.

باب إذا صاد صيدًا بغير نية أو نوى صيدًا فكان (1) غيره

وإذا رَمَىَ صيدًا بغير نيّة الذكاة؛ لأنَّه كان يرى أنَّه حجر، فتبيَّن له 2 أنه صيد؛ لم يؤكل لأنَّه لم ينو الذَّكاة 3. وإن كان يظن أنَّه سَبُع، فتبيَّن أنَّه حمار وحشي كان على ثلاثة أوجه: فإن لم ينو ذكاته، وإنما قصد قتله لم يؤكل هذا.
وإن قصد ذكاته؛ لأنه يجهل الحكم فيه 4، أو لأنَّه يعتقد أنَّه مكروه جاز أكله.
وإن نوى ذكاةَ جلده خاصةً كان جلد هذا ذكيًا 5. ويُختلف في لحمه: فعلى القول أنَّ الذَّكاة تتبعَّض وأنَّ شحوم ما ذبحه اليهود اليوم حرام لا يؤكل اللحم.
وعلى القول: أنَّها لا تتبعَّض، وأنَّ الشحومَ داخلة في الذكاة، وإن لم ينوها الذابح يكون جميع هذا ذكيًا.
وإن رَمَى وهو يظن أنه 6 حمارٌ وحشي، فتبيَّن أنَّه سبع- كان ذلك ذكاة لجلده، وإن رمى وهو يظن أنه 7 حمار وحشي، فتبيَّن أنَّه بقرة وحش أُكل عند1

أشهب 1 ومنعه أصبغ.
والأوَّل أصوب؛ لأنَّه قد نوى ذكاةَ تلك العين، وهي مما يصحّ فيها الذَّكاة، فلا يضرّ الخطأ بمعرفتها.
ولو رَمَى وهو يرى أنَّه صيد، ولا يعرف أي صنف هو لجاز أكله، وليس من شرط الجواز أن يَعلم جنسَه 2.

باب في الصيد يَنِدُّ من صاحبه

وإذا ندَّ 1 صيد لرجل 2، فأخذه آخر: فإن كان تَأَنَّسَ عند الأوَّل، وأخذه الثَّاني قبل أن يتوحَّش كان للأوَّل قولًا واحدًا.
واختلف إذا كان أخذ الثَّاني له 3 بعد أن توحَّش، أو كان ندوده من الأوَّل قبل أن يتأنَّس على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرةً: هو للآخر، وبه أخذ ابن القاسم 4. وقال مرةً: إذا نَدَّ بعد أن تأنَّس كان للأوَّل، وإن كان أخذ الآخر له 5 بعد أن توحَّش، وإن نَدَّ قبل أن يتأنَّس عند الأوَّل كان للثَّاني.
وبه قال ابن الماجشون 6. وقال محمد بن عبد الحكم: هو للأوَّل، وإن لم يتأنَّس عند الأول لا يزول ملكه عنه، وإن أقام عشرين سنةً 7. وهو أبين؛ لأنَّ الأوَّلَ قد تقرَّر 8 ملكه عليه بنفس أخذه، وانفلاته لا يزيل ملكَه، بمنزلة لو غصب منه، أو

كان عبدًا فأبق.
واختلفَ إذا كان في يد الأوَّل بشراء ثم نَدَّ وتوحَّش، ثم صاده آخر: فقال محمد: هو للآخر.
وقال الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب: هو للأول.
وشبَّهَه بمن أحيا مواتًا، ثمَّ دثر، ثمَّ أحياه آخر أنّه للثَّاني، إلا أَنْ يكون الأول باعه، ثمَّ دَثَرَ عند المشتري، وأحياه آخر أنَّه للمشتري.
وهذا قياس صحيح، والأمر في الصيد أبين لوجهين: أحدهما أنَّ إحياءَ الموات فيه معنى الشرط، أنَّه 1 إنَّما يكون لك مادمت محييًا له، وإلا فالإمام أو غيرك أحقّ به، والصيد ليس كذلك.
والثاني وهو أبينها: أنَّ الصيدَ لم يسرحه من أخذه طوعًا، وإنما غلب عليه، ففرَّ بنفسه، والموات تركه حتَّى دثر، ونحن لا نختلف أنَّه لو سرح الصيد بنفسه لكان لمن أخذه، ولو غلب على الموات، وحيل بينه وبينه بغصب حتى دثر- لم يسقط ملكه عنه، ولم يكن لمن أحياه بعده.
واختلف بعد القول أنَّه إذا توحَّش فهو للآخر فإذا 2 اختَلَفَ صاحبه وأخذه: فقال صاحبه: ندَّ منِّي من 3 يوم أو يومين.
وقال آخذه: لا أدري 4. فقال ابن القاسم: هو للآخر، وعلى الأول البيِّنة، ولا ينزع بشك 5. وقال سحنون: هو للأوَّل، والبيّنة على من هو في يديه 6. وهذا أحسن؛

لأنَّ ملكَ الأوَّل تقرر، فلا يزول بشك، ولا يملكه الآخر بشك، وهو يقول: لا أدري.
ولو ادَّعى الثَّاني التحقيق، وأنَّه طال زمانه- لوجب أَنْ يكون للأوَّل؛ لأنَّه إذا أشكل ما قالا- بقي على أصل الملك.

باب فيمن غصب شيئًا فصاد به أو اضطر صيدًا إلي دار أو حبالة

وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن غَصَبَ عبدًا، وبعثه يصيد له: فالصيد لسيّد العبد، وإن غَصَبَ فرسًا، فصاد عليه كان الصيد له، ولصاحب الفرس أجرته 1. واختُلفَ إذا غَصَبَ كلبًا فصاد به: فقال ابن القاسم: الصَّيد للمغصوب منه الكلب 2، بمنزلة العبد 3. قال: وكذلك البازي 4. وقال أصبغ: الصيد للغاصب كالفرس 5. وقول أصبغ أنه كالفرس غير صحيح؛ لأنَّ الفرسَ غير صائدٍ، والصائد راكبه، والكلب هو الصَّائد، غيرَ أنَّه قد يفرق بينه وبين العبد؛ لأنَّ العبد يحصل منه النيَّة 6 للذكاة والأخذ جميعًا، والكلب يحصل منه الأخذ خاصةً.
ولو صَادَ من غير إرسالٍ؛ كان الصيد غير ذكي، ولمَّا كانت الذَّكاة إنَّما تحصل من مُرسله، ثم هو يتبعه ويذكّيه إن أَدْركه لم تنفذ مقاتله كانت هذه عمدة؛ إذ بحصولها يكون الصيد يُنتفع به, وبعدمها يكون ميتة.
فيفرق بينه

وبين العبد بهذا.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الكلبَ هو الآخذ والكاسب، وفعل الغاصب في ذلك تبع، فكان الحكم لأقواهما سببًا، ويكون للغاصب بقدر تعبه.
وإن غَصَبَ قوسًا 1 فصاد به كان الصيد للغاصب، وللآخر إجارة قوسه 2. وإن غَصَبَ حِبالة فصاد بها فكذلك الصيد له، وللآخر إجارة الحِبالة 3. وإن نصبها مالكها 4، فأثار آخر صيدًا 5 فوقع فيها: فإن كان الذي أثاره قد أعياه بالطلب، وأشرف على أخذه، وكان قادرًا عليه لو لم يقع فيها- كان له دون صاحب الحبالة، ثم ينظر في أجرتها: فإن كان الذي أثار الصيد لم يرها لم تكن عليه أجرة؛ لأنَّه كان في غنى عنها، وإن كان عالمًا وَردَّه إليه؛ كان عليه الأجرة؛ لأنَّه قصد الانتفاع بها، وإن لم يكن أعياه، وانقطع منه كان لصاحب الحِبالة.
وإن لم ينقطع منه واضطره إليها، ولم يقدر عليه إلا بها كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: هما شريكان فيه، بقدر ما يرى 6. وقال أصبغ: هو لمن اضطره إليها، وعليه قيمة ما انتفع به من الحِبالة، كمن رمى بسهم رجل فصاد به 7.

وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الحبالة أخذت بنصب صاحبها لها 1، وليس كمن غصبها فنصبها، وكانت كالكلبين إذا تعاونا.
وعلى هذا يجري الجواب فيمن حَفَرَ حفيرًا لصيد على ما تقدَّم من الحبالة، وليس الدَّار كذلك.
فإن اضطر إنسان صيدًا إليها كان لمن اضطره؛ لأنَّ الدار لم تُنصب لذلك، وإن انقطع منه كان لصاحب الدار.

باب في إحداث الأبرجة والأجباح ودخول بعضها على بعض

قال مالك - رضي الله عنه -: من أَمْر النَّاس اتّخاذ الأبرجة 1، وإن عمرتْ من حَمام النَّاس، فلا بأس به.
يريد أن من أمر النَّاس: أنَّ كل من بَنَى برْجًا قد تقدَّمه غيره، فالذي أحْدثَ من عشر سنين تقدَّمه غيره بتاريخٍ قبلَ ذلك، والآخر أيضًا تقدَّمَه غيره، وكلّ واحد لا ينفكّ أَنْ يصيرَ إليه من برج من تقدَّمه، وهو أمر لا يقدر النَّاس على الامتناع منه، وهو ممَّا تدعو إليه الضرورة، وهذا إذا لم 2 يحدث الثَّاني بقرْب الأوَّل فإنه يُمنع؛ لأنَّ ذلك ضرر عليه.
وإذا دخل حَمام برجٍ إلى آخر كان الحكم فيه 3 على ثلاثة أوجه: فإن عَرَفَ وقدر على ردّه؛ رُدَّ قولًا واحدًا 4. وإن عَرَفَ 5 ولم يقدر على ردّه؛ كان فيها قولان: فقال ابن القاسم لمالك 6: هو لمن صار إليه، ولا شيء عليه فيه 7. وقال ابن حبيب: يرد فراخه، وإن لم يعرف، أو عرف ولم يعرف عشُّه كان لمن ثبت عنده، ولا شيء عليه فيه 8.

وقول مالك إذا عرف وقدر على ردّه أنَّه يردّ إلى الأوَّل موافق لقول محمد بن عبد الحكم في الصيد؛ لأنَّه في حال كونه في برج الأوَّل على حال التوحش، فينبغي على قول مالك أن يكون لمن صار إليه، بل هو في هذا أضعف؛ لأن ما في البرج ليس بملكٍ محقَّق، فكان 1 ردّ ما تقرر ملكه أولى.
وقول ابن حبيب: يرد الفراخ.
حسن، على قول ابن عبد الحكم، وأحسن ذلك ألَّا يردَّ إلى الأوَّل شيء وإنْ قَدَرَ على ردّه؛ لأنَّها غير مملوكة للأوَّل، وإنَّما هي على سبيل الإيواء 2 عنده: وهي اليوم تأوي هنا، وغدًا تأوي في موضع آخر.
وعلى هذا يجري الجواب إذا أوى حمام برجٍ إلى دار رجلٍ، ولم يكن حبسه، وعلم أنَّه بريٌّ، ولم يعرف صاحبه- جاز له ملكه، وإن عَرَفَ برجَه- ردَّه على أصل قول مالك.
وإن تعرَّضه بحبسٍ أو باصطيادٍ فقال ابن القاسم وأشهب: يرده إن عَرَفَ برجَه، وإلَّا تصدَّق بقيمته 3. ومحمل قولهما على أنه طالت إقامته.
وإن كان بحدثان ما أخذه ولم يقصد فإنَّه يرسله، فالشأن أن يعود إلى وكْره.
وإن كان من حَمام البيوت، فإن أوى إليه من غير تعرّض لحبسه كان حكمه حكمَ اللّقطة، فهو بالخيار بين بيعه والصدقة بالثمن، أو يحبسه ويتصدق بقيمته، وإن حبسه ولم يتصدَّق بشيء فواسع، وقد استخف 4 مالك حبسَ الشيء اليسير من اللّقطة، وقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في التمرة: "لَوْلاَ أَنْ

جارٍ التحميل