باب في الصوم في السفر
ومن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة كان بالخيار بين الصوم أو الفطر، واختلف أَيُّ 1 ذلك أفضل؟ فقال مالك في المدونة: الصوم أحبُّ إليَّ 2، وقال في مختصر ابن عبد الحكم و 3 في سماع أشهب: إن صام فحسن وإن أفطر فحسن 4، ورأى أنهما سيان، ولم يقدم أحدهما على الآخر، وقال عبد الملك بن الماجشون: الفطر أحب إلي 5، وهذا ما لم يكن السفر للغزو وقرب لقاء العدو، فإن الفطر أفضل للتقوي على القتال والحرب، وقول مالك الأول أحسن، والصوم أفضل إذا لم يكن عدو 6؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن 7 صيام، فنزلنا منزلًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ..." 8 أخرجه مسلم، فيه فائدتان: تقدمة الصوم مع الأمن، وتقدمة الإفطار عند الخوف، والحاجة للتقوي على الحرب، والأحاديث في صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السفر
كثيرة، ولأن القرآن والآثار تظاهرت بفضل صوم 1 شهر رمضان، وأن الله سبحانه عظم حرمته فكان صوم عينه أولى من صوم غيره، ولأنه لا يختلف أن 2 الإتيان بالفرائض على وجه الأداء أولى من الإتيان بها على وجه القضاء، ولقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، فدخل في ذلك المسارعة إلى الصوم وغيره من القرب، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" أخرجه البخاري 3.
وأما ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" 4 فقد أخرج البخاري ومسلم: أن السبب كان 5 في ذلك أنه رأى رجلًا قد ظلل عليه وأجهده الصوم، وزاد مسلم: قد اجتمع عليه الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل صائم، فقال عند ذلك: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ".
فخرج الجواب على نازلة في عين، فكان مقصورًا عليها وعلى مثلها.
فصل واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر هل يكون بالخيار في إتمامه
واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر، هل يكون بالخيار في إتمامه؟ فمنع ذلك مالك 1 في المدونة 2، وأجازه مطرف في كتاب ابن حبيب واحتج بإفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بلغ الكُدَيْد 3.
واختلف بعد القول بمنعه؛ إن هو أفطر، هل عليه كفارة؟ فقال في المدونة: يكفِّر 4، وقال 5 في المبسوط: لا كفارة عليه، وهو قول المخزومي، وابن كنانة 6، وقال ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفَّر، وإن أفطر بالأكل والشرب لم يكفِّر؛ لأنه للتقوى أفطر 7.
والقول الأول أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] فإن أفطر كان منتهكًا لحرمة يوم من رمضان وكانت عليه الكفارة إلا أن يكون متأولًا، وأما فطر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن السبب كان فيه أن الناس شق عليهم الصوم وأجهدهم فأمرهم بالفطر فوقفوا عنه، فقيل له: "إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلى مَا فَعَلْتَ.
فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهُ" 8.
واختلف أيضًا إذا أصبح صائمًا في رمضان ثم سافر، هل يكون إمساك بقية ذلك اليوم واجبًا، أو مستحبًا؟ فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يستحب له ذلك من غير إيجاب 1، وهو ظاهر قوله في المدونة: لا كفارة عليه إن أفطر 2 وكأنه 3 رأى أن حلوله في السفر كحلوله في المرض، قال أشهب في مدونته في سقوط الكفارة: لأنه متأوِّل لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، قال: يقول: فكما لو أصبحت صائمًا ثم أفطرت لمرض كان جائزًا فكذلك ما قرن الله -عز وجل- بالمرض من السفر إذا أصبحت في الحضر ثم سافرت أفطرت 4، انتهى قوله.
وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب عن مالك أن الإمساك مستحب، وأوجب المخزومي وابن كنانة عليه الإمساك والكفارة إن هو أفطر 5 والقول الأول أحسن، وقد أبان أشهب الوجه في ذلك 6، ولم يختلف المذهب أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يتلبس بالسفر 7.
واختلف في الكفارة إن هو 8 فعل على أربعة أقوال: فقال أشهب في = معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم ولمن يشق عليه أن يفطر، من كتاب الصيام، برقم (1114).
كتاب ابن سحنون: لا كفارة عليه سافر أو لم يسافر 1، وقال سحنون: يكفّر سافر أو لم يسافر، ثم رجع فقال: إن سافر لم يكفّر، وإن لم يسافر كفّر 2، وقال ابن القاسم، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفّر سافر أو لم يسافر، وإن أكل 3 بعد أن أخذ في أهبة السفر متأولا ثم سافر لم يكفّر 4.
قال ابن الماجشون: وإن عرض له ما حبسه عن السفر كفّر 5، قال الشيخ - رضي الله عنه -: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها، ولا يوكل إلى أمانته، ولا إلى قوله، فمتى أفطر الصائم متعمدا غير ناس ثم ادعى أنه فعل ذلك على الجهل، وذكر الوجه الذي ظن 6 جواز الإفطار من أجله فإنه ينظر فيما ادعى من ذلك، فإن ادعى ما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة، وإن ادعى ما يشبه صدق ولم يلزم بها، وجميع ما وقع في هذه المسائل من الاضطراب فذلك راجع إلى ما وقع للمفتي 7، هذا يرى أنه أتى في دعواه بما لا يشبه فلم يصدقه، والآخر رأى خلاف ذلك فصدقه، وجميع هذا الاختلاف يحسن فيمن ظهر عليه.
وأرى أن ينظر إلى من عثر عليه في ذلك هل مثله يجهل تلك المنزلة أم لا؟ فمن كان مثله يجهل ذلك صدق، وإلا ألزم بالكفارة، وإن جاء مستفتيا ولم
يُشهد عليه صدق فيما يدعيه من ذلك ولم يلزم الكفارة (1).
فصل [لزوم نفل الصوم بالشروع والنذر]
وإن تلبس بصوم في 2 السفر متطوعًا أو نذره في السفر لم يكن له أن يفطره، فإن أفطره قضاه.
واختلف إذا ابتدأ ذلك في الحضر ثم سافر في يوم صومه، فقال في المدونة: إن كان متطوعا كان عليه القضاء 3، وقال ابن حبيب: لا قضاء عليه 4.
ويختلف إذا نذر ذلك اليوم فأصبح فيه صائمًا ثم سافر فأفطره، فعلى قول مالك في المدونة: يقضيه، وعلى قول ابن الماجشون 5: لا قضاء عليه؛ لأنه جعل ذلك السفر بمنزلة من ابتدأه صحيحًا ثم مرض، وجعل الإمساك إذا كان ذلك اليوم من رمضان ثم سافر فيه مستحبًا 6.
ويختلف إذا نذر يومًا معينًا كالاثنين والخميس ثم سافر فجعل ذلك اليوم وهو في سفره، ويختلف في إمساكه وفي قضائه إن لم يصمه، فيصح أن يقال: له أن يفطر ثم لا يكون عليه قضاء؛ لأن السفر كالمرض، ويصح أن يؤمر بصومه، وإن أفطره لزمه القضاء؛ لأن السفر من سببه، وله فيه اختيار، ولا اختيار له في1
المرض، وقد اختلف في هذا الأصل، ووقف مالك في مسألة المدونة، فقال في المرأة التي نذرت الاثنين والخميس فتحيض فيهما أو تمرض أو تسافر فقال: لا قضاء عليها إذا حاضت أو مرضت، وأما السفر فلا أدري 1، قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب لها القضاء 2. ولو ابتدأ رجل صيام شهري ظهاره في حضر ثم سافر لم يفطر، وهو قول مالك، وإن أفطر استأنف 3، وهو كالمتعمد لتفرقة صومه، ولم يختلفوا في ذلك لما كان السفر باختياره بخلاف المرض، وقال في المجموعة: فإن أفطر في سفره لمرض فإن كان السفر هاج ذلك ابتدأ، وإن كان لحر أو برد بنى ولم يبتدئ، وإن أشكل الأمر استحب له الابتداء 4. قال الشيخ - رضي الله عنه -: والقياس أن لا شيء عليه وإن كان السفر 5 هاج المرض، وليس يُتهم أحد أن يتعمد سفرًا ليكون عنه مرض فيفطر، وهذا أعذر ممن يفطر ناسيًا.
باب إذا توجه الخطاب بالصوم, أو سقط في بعض يوم
وإذا احتلم الصبي في بعض يوم لم يمسك بقيته، ولم يقضه، واختلف في النصراني يسلم بعد الفجر، فقال مالك في الموطأ: يمسك بقية ذلك اليوم 1 وقال في المدونة: يستحب له القضاء 2 وقال أشهب في المجموعة: لا يمسك بقية ذلك 3 اليوم 4. وعلى قوله 5 لا يقضيه، وهو أحسن، والإسلام يجبُّ ما قبله.
واختلف في المغمى عليه يفيق بعد الفجر، فقال ابن حبيب: لا يمسك بقية يومه ذلك 6، والذي يقتضيه المذهب: أن يمسكه؛ لأنه صوم مختلف فيه، هل يجزئه، أم لا؟ وعلى هذا يجري الجواب فيمن جُنَّ ثم أفاق بعد الفجر، والقول الأول أقيس، والثاني أحوط.
وإن أصبحت امرأة طاهرًا فحاضت، أو حائضًا فطهرت، لم تمسك بقية يومها ذلك، وإن قدم زوجها من سفر مفطرًا كان له أن يصيبها إذا طهرت، وكذلك إن كانت غير بالغ.
وإن كانت نصرانية وهو يوم طهرها كان له أن يصيبها، واختلف إذا أصبحت طاهرًا، فقيل: له أن يصيبها؛ لأنها كافرة غير مخاطبة بصيام، وقيل 1: لا يصيبها؛ لأنها متعدية بترك الإسلام والصيام.
والأول أحسن، وليس يتوجه الخطاب بالصيام إلا بعد تقدم الإسلام.
وإن أصبح مفطرًا لمرض ثم صح لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، وإن أصبح صحيحًا ثم مرض جاز له ألا يمسك بقيته، وإن أصبح مفطرًا في السفر ثم دخل إلى حضر لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، واختلف إذا أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر، هل له أن يفطر بقية يومه؟ وقد تقدم الكلام عليه.
واختلف فيمن أصبح صائمًا في رمضان ثم اضطره ظمأ فشرب، فاختلف في القدر 2 الذي يباح 3 له شربه، وفي إمساك بقية يومه، فقال عبد الملك بن حبيب 4: يصيب من الماء ما يرد به نفسه، ثم يمسك حتى يمسي، وقال سحنون في كتاب ابنه: له أن يأكل ويطأ 5.
وهو أقيس؛ لأنه أفطر بوجه مباح قياسًا على المتعطش، إذا كان يعلم أنه لا يوفي بصيامه إلا أن يشرب في نهاره مرة واحدة فإن له أن يبيت الفطر ويأكل ويصيب أهله.
ولو كان برجل مرض يحتاج من الدواء في نهاره إلى الشيء اليسير يشربه لم يؤمر بالصيام، ولا بالكف عما سوى ما يُضطر إليه.
باب في صوم الأسير
وإذا تلبست على الأسير الشهور ولم يعلم شهر صومه، فإن ترجح عنده أنه شهر بعينه صامه، وإن لم يترجح عنده شيء وتساوى الشك، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور كان فيه قولان: هل يصوم شهرًا، أي ذلك أحب، أو يصوم سنة كلها؟ قياسًا على من نذر صوم يوم من 1 الجمعة يصومه أبدًا ثم نسيه، ولم يغلب على ظنه يوم من أيام الجمعة فاختلف فيه، هل يصوم يومًا؟ أو يصوم الدهر كله 2؟ واختلف أيضًا فيمن تلبست عليه القبلة لغيم أو غيره ولم تترجح عنده ناحية، فقيل: يصلي صلاة واحدة إلى أي جهة 3 أحب، وقال ابن عبد الحكم: القياس أن يصلي إلى الجهات الأربع، وعلى هذا يصوم السَّنة كلها، فأوجب في القول الأول أن يصوم أي أيام الجمعة أحب، قياسًا على القبلة إذا عميت الدلائل لأنه 4 يتحرى جهة يصلي إليها، ولا يترك الصلاة لأجل عدم معرفتها، ومنع من ذلك في القول الثاني قياسًا على صيام أول يوم منه عند الشك، ولا فرق بين أن يشك في أول يوم منه أو في جميعه، ولأن التحري إنما يؤمر به في موضع يشك هل هو في شعبان؟ أو في رمضان؟ وما أشبه ذلك 5. وإن كان على يقين أن الشهر الذي هو فيه ليس برجب ولا شوال لصام
شهرين الشهر الذي هو فيه، لإمكان أن يكون هو رمضان، والذي يليه، لإمكان أن يكون الأول شعبان.
وإن كان يشك في الشهر الذي هو فيه هل هو رمضان، أو شوال؟ صام الذي هو فيه لا أكثر من ذلك، فإن كان رمضان فقد صامه، وإن كان شوال كان قضاء.
فإن كان يشك هل هو شعبان، أو رمضان، أو شوال؟ صام شهرين الذي أهلَّ عليه (1)، والذي يليه، فإن كان الذي أهلَّ عليه رمضان كان قد صامه، وإن كان شعبان كان الذي يليه رمضان، وإن كان الأول شوالًا كان له قضاء، وكان (2) قد استظهر بالثاني.
فصل في تلبس الشهور على الأسير
3 واختلف في الأسير تتلبس عليه الشهور فقال مالك وابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: يصوم بالتحري شهرًا 4. ووقع في بعض نسخ ابن الجلاب عن ابن القاسم، أنه قال: لا يصوم بالتحري حتى يعلم 5. ورأى أنه غير مخاطب بالصوم مع عدم المعرفة بعينه، ومحل ذلك عنده إذا لم يترجح دليل بذلك الشهر، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور ولو كان على يقين12
أنه ليس شعبان، وشك فيما بعد ذلك من الشهور لصام شهرًا واحدًا؛ لأنه مؤدٍّ أو قاضٍ، وعليه أن يصوم الشهر الذي هو فيه لإمكان أن يكون رمضان، وقال محمد بن عبد الحكم فيمن شك في شهر فقال: لا أدري أهذا شعبان، أم رمضان؟ فقال: يصوم هذا على الشك، ثم يقضيه وإن تبين أنه رمضان، يريد: أنه يصوم الأول والثاني، وإن تبين له أن الأول رمضان قضاه ويجزئ عنه، وقول آخر: أنه لا يقضيه، قياسًا على من شك أنه أجنب فاغتسل ثم تبين له أنه كان جنبًا فاختلف فيه، هل يجزئه ذلك الغسل، أم لا؟ ولو صام الشهر الأول ثم تبين له أنه رمضان قبل دخوله في الصوم الثاني لم يجزئه (1).
فصل صوم الأسير بالتحري
وإذا صام الأسير بالتحري في أرض العدو ثم صار إلى أرض الإسلام، فإن تبين له أن صومه كان قبل رمضان قضاه، وإن علم أنه كان رمضان أو بعده مضى صومه، وإن لم يتبين له شيء ولا حدث أمر يشككه سوى ما كان عليه أجزأه صومه، وإن شك هل كان رمضان أو بعده أجزأه، وإن شك هل كان رمضان 2 أو قبله قضاه، وإن صام ثلاثة أعوام بالتحري ثم تبين له أن صومه كان شعبان لم يحتسب بالأول، وكان الثاني قضاء عن الأول، والثالث قضاء عن العام الثاني، ويقضي شهرًا عن آخر عام وهذا قول ابن الماجشون وسحنون 3، والذي يقتضيه قول مالك: أنه لا يحتسب بشيء يعني: من تلك الشهور ويقضي جميعها 4 وهو1
أحسن 1 بمنزلة رجل صلى الظهر في يومين قبل الزوال فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاتين، ولا تكون الثانية قضاء عن الأولى، وإن صام الأسير شهرًا تطوعًا ثم تبين له 2 أنه رمضان لم يجزئه عند ابن القاسم 3، ويجري على قول آخر: أنه يجزئ، قياسًا على قوله فيمن صام رمضان قضاء عن عام فرَّط فيه أنه يجزئه عن العام الذي هو فيه، ولا يضره ما نوى؛ لأنه استحق العين.
باب فيمن شكـ في الفجر, أو في طلوع (1) الشمس أو في أول يوم من رمضان
اختلف فيمن شك في الفجر فأحب أن يأكل، بالمنع والكراهة والجواز، فقال في المدونة: يكره له ذلك 2، وقيل: هو ممنوع، وحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أصبحت" 3، قال: والمعنى أي: قاربت الصبح.
وقال ابن حبيب: القياس والذي أختاره جوازَ ذلك، وأن يأكل إذا شك حتى يتبين؛ لقول الله -عز وجل- 4، وقاله ابن عباس 5.
وأرى أن يكون الإمساك واجبًا مع الغيم، ومستحبًا مع الصحو؛ لأن السحاب ساتر لما خلفه، ويمكن أن يكون الفجر قد طلع فيكون قد أكل في زمن الإمساك، وليس كذلك في الصحو؛ لأن الفجر الأول والثاني عن شعاع الشمس، وهو في الأول ضعيف لبعد منزلة الشمس، فكلما دنت منزلة الشمس زاد الضياء حتى يصير إلى حالة لا 6 يشك فيها؛ لقوته 7 عن الأول وضعفه عن الثاني حتى يتمكن فيتبين، ولهذا قال ابن عباس: يأكل مع الشك 8 كأنه يقول: هو شأن1
الفجر ثم يتبين، وإنما ورد 1 المنع في القرآن بالتبين 2.
ثم لا يخلو من أكل وهو على شك لأجل الغيم من ثلاثة أحوال: إما أن يتبين له أن أكله كان قبلُ فيُمضي صومه، أو بعدُ فيقضيه، أو لا يتبين له هل كان ذلك قبل أو بعد فيختلف فيه، هل يقضي واجبًا أو استحسانًا 3 أو لا شيء عليه؟ فقال في المدونة: عليه القضاء 4، وقال أشهب في مدونته: يستظهر بالقضاء، وقال ابن حبيب: يستحب له القضاء.
ويجري فيها قول ثالث: أن لا شيء عليه 5. قياسًا على من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فيجب القضاء؛ لأن الصوم في ذمته بيقين فلا يبرأ منه إلا بيقين أنه وفَّى به على وجه صحيح، ولا يجب لأنه على الأصل وهو الليل، وهو زمن أكل حتى يعلم أنه دخل في وقت محظور وهو النهار، ويستحسن لإمكان أن يكون ذلك بعد الفجر.
وقال مالك في المجموعة في رجل قال له رجل: تسحرت في الفجر، وقال له آخر: قبلُ، قال: يقضي ذلك اليوم 6، ومحمل المسألة على أنه لا علم عنده إلا ما اختلفا فيه فعاد أمره إلى الشك، ولو كان عنده علم وأنه لم يطلع لم يكن عليه قضاء بقول آخر أنه طلع.
فصل في صوم يوم الشكـ
اختلف في صوم يوم الشك على وجه 1 التطوع، وعلى وجه الاحتياط خوفًا أن يكون من رمضان، وفي الإجزاء به إن ثبت بعد ذلك أنه من رمضان، فأجاز مالك صومه على وجه التطوع، ومنعه على وجه الاحتياط أن يكون من رمضان 2.
وقال محمد بن مسلمة: من شاء صامه ومن شاء أفطره.
يريد: يصومه متطوعًا 3. قال: ويكره 4 أن يؤمر الناس بفطره 5 لئلا يظن أنه يجب عليه فطر قبل الصوم كما وجب بعده، وقيل: يكره صومه تطوعًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ أَو يَوْميْنِ..." 6 وحمل الحديث على عمومه.
وأجازت عائشة - رضي الله عنها - وأسماء صومه على وجه الاحتياط, قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ" 7، وأجاز ذلك عبد الله 8 بن عمر، وأحمد بن حنبل في الغيم دون الصحو.
وأرى أن يجوز صومه على وجه التطوع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه: "هَلْ صُمْتَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ - يعني: شعبان؟ قال: لا، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ" 1. ولا يجوز على معنى الاحتياط أن يكون من رمضان مع الصحو؛ للحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْم ولا بِيَوْمَيْنِ..." 2، ولأن ذلك من الغلو والتعمق في الدين والاحتياط في غيرً موضع شبهة، ويجوز مع الغيم بل يؤمر به على طريق 3 الوجوب أو الاستحسان، قياسًا على الشك في الفجر مع الغيم، فلم يختلف المذهب أنه لا يكره بل يؤمر به على وجه الوجوب أو الاستحسان، ولا فرق بين السؤالين؛ لأن هذا في الليل بيقين وهو في زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم؟ وهل حرم عليه الأكل؟ وهذا في شعبان بيقين، وهو زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم، وأن يكون السحاب ستر الهلال كما ستر الفجر، والمذهب كله مبني على أنه لا يكره الأخذ بالاحتياط في محرم ومباح، مع وجود الشبهة، وقد أمر مالك الحائض يتمادى بها الدم أن تستظهر بثلاث ثم تصلي وتصوم 4 قال: ورأيت أن أحتاط لها فتصلي وليست عليها، أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها 5، فرأى أن تمادي ذلك الدم مشكل هل هو حيض، أو استحاضة؟ وقد كان
الأصل الحيض، ومنع الصلاة والصوم فأمرها أن تأخذ بالأحوط مع إمكان أن يكون حيضًا، والحيض لا تصح معه صلاة ولا صوم 1 تطوعًا ولا غيره، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِهِ وعِرْضِهِ..." 2 وهذا يدخل فيه الصوم وغيره.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم أنه يصام بشهادة واحد ولا يفطر به؛ لأن شهادته لطخ 3 أوجبت شكًا.
ويختلف إذا شك في هلال ذي الحجة مع الغيم، فعلى قول مالك يكمل عدة الماضي ثلاثين، ولا يحتاط للوقوف، وعلى قول ابن عمر يحتاط للوقوف، فيقف يومين على النقص لذي القعدة، وعلى إكمال العدة.
وإذا صامه على وجه الاحتياط ثم تبين أنه من رمضان لم يجزئه عند مالك 4، قال أشهب في مدونته: وهو بمنزلة من صلى الظهر على شك من الوقت لغيم ستره ثم كشف الغيم فعلم أنه صلى في الوقت فلا تجزئه صلاته 5.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس السؤالان سواء؛ لأن من شك في وقت الظهر مأمور أن يؤخر حتى لا يشك، ولا يقال له: احتط بتعجيل 6 الصلاة في وقت
يشك فيه، ومن شك في الفجر أو في الهلال مأمور أن يعجل الإمساك، وهو بمنزلة من شك في صلاة هل هي عليه، أم لا؟ أو هل أجنب أو لا؟ فصلى أو اغتسل ثم تذكر أن ذلك عليه فإنه يجزئه (1)، وكذلك المرأة يتمادى بها الدم فتحتاط بالصلاة والصوم بعد الاستظهار بالثلاث على أحد قولي مالك (2)، لما كانت على شكٍّ هل هي حائض أم مستحاضة أنها (3) تجزئها الصلاة والصوم إن تبين بعد ذلك أنه استحاضة.
وروي عن عطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي (4)، فيمن أصبح صائمًا (5) يوم الشك غير عالم بالهلال ثم علم في أوله أو آخره أنه يجزئه، وقد قيل فيمن صام رمضان قضاء عن غيره: إنه يجزئه عن الذي هو فيه (6)؛ لأنه مستحق العين.
فصل يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور
يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" 7 أخرجه مسلم، وقوله: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ123456
بَرَكَةً" 1 أخرجه البخاري ومسلم.
والسحور: الأكل عند السحر، ولا خلاف أن السحور مستحب غير واجب.
واختلف في تعجيل الفطر، وفي الإمساك بعد الغروب بنية الصوم، فقيل: الإمساك غير جائز، وهو بمنزلة الإمساك يوم الفطر أو يوم النحر، وقيل: ذلك جائز، وله أجر الصائم، وروي ذلك عن ابن الزبير 2، وابن عمر: أنهما كانا يواصلان، وعن عامر بن الزبير: أنه كان يواصل ليلة سبع، وليلة سبع عشرة، وليلة سبع وعشرين 3، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السحر 4.
واحتج من منع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 5؛ أي: صار مفطرًا، وبنهيه عن الوصال.
واحتج من أباح ذلك أن النهي عن الوصال على وجه الرفق بأمته؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - واصل وواصل بهم 6، فلو كان الوصال محرمًا لم يصح أن يفعله، ولا أن يحملهم عليه 7 إذا كان ذلك معصية، ويعاقب من خالف نهيه من غير أن يدخلهم فيه،
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ..." 1. وروي عنه في البخاري أنه قال: "لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ..." 2، فالوصال إلى السحر جائز مباح بهذا الحديث، وإلى الليلة القابلة مكروه غير محرم؛ لحديث 3 عائشة - رضي الله عنها -، وبمواصلته بمن واصل من أصحابه، ثم قال: "لَوْ مُدَّ لِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ..." 4، وهذا يفهم منه الكراهية لا التحريم.
باب في قضاء رمضان والزمن الذي يقضى فيه, وهل القضاء على الفوز؟ والإطعام عمن فرط في القضاء, وهل يقضى متتابعًا؟ وإذا كان عليه صومان رمضان وظهار أو صوم تمتع بأيهما يبدأ؟
وعلى من أفطر رمضان لمرض أو سفر أو غير ذلك أن يقضي عدة ما أفطر، فإن قضى للهلال وكان الشهر الذي أفطره ثلاثين، والذي يقضيه تسعة وعشرين زاد يومًا، ولم يجزه الاقتصار على عدد الثاني، وإن كان الأول تسعة وعشرين (1) والثاني ثلاثين اقتصر منه على عدد الأول، ولم يكن عليه أن يتم الثاني، وقيل: يجتزئ بالثاني عن الأول إن كان أقل، وعليه تمامه إذا كان كثر، وهذا وهم، وخلاف لقول الله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].
فصل [في الزمن الذي يقضى فيه، وهل القضاء على الفور؟]
قضاء رمضان يصح في كل زمن يصح فيه صوم التطوع، ولا يجوز في الأيام المنهي عن صيامها، ولا في زمن وجب صومه لغير القضاء كرمضان، وشهر نذر صيامه، فإن قضاه في يوم الفطر أو يوم النحر الأول لم يجزئه.
واختلف في صيام أيام التشريق الثلاثة على ثلاثة أقوال، فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، وقيل: يجزئه الثالث خاصة، وهو الرابع من أيام منى لما1
كان للحاج أن يتعجل فيه، ولا يرمي 1 فيه، وتوجيه هذه الأقوال في كتاب الظهار.
واختلف إذا قضاه في رمضان آخر، فظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه 2، وعلى هذا حمل إسماعيل القاضي، وأبو الفرج المسألة عنه 3، وحمل ابن جعفر التِّلْبَانِيَّ قوله أنه يكون قضاء عن الأول الماضي 4، وقال سحنون: يجزئه عن الأول 5، ولابن القاسم في العتبية، ولأشهب في مدونته: أنه لا يجزئ عن واحد منهما 6.
فوجه الأول أن رمضان مستحق العين فلا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه؛ لأن الواجب عليه صومه وقد فعل، ونيته أن ذلك لغيره 7 لا تخرجه عن أن يكون متقربًا لله سبحانه، ووجه القول أنه يكون قضاء أن عليه أن ينوي بصومه عين الشهر الذي هو فيه، فإذا لم ينوه لم يجزئه، ووجه القول أنه لا يجزئ عن واحد منهما أن الله -عز وجل- لم يجعله محلًا للقضاء، وأوجب على من
أفطره 1 أن يكون القضاء في غير رمضان، فسقط أن يكون قضاء لهذا، ولم يكن أداء لعدم النية فيه له، وعلى هذا يجري الجواب إذا صامه قضاء عن ظهار أو نذر مضمون، فقال في كتاب الظهار من المدونة: لا يجزئ عن واحد منهما 2، ويجري فيها الخلاف المتقدم، هل يجزئ عن الذي هو فيه، أو عن الماضي؟ وكذلك إذا أشرك في صومه وجعله عن الصومين جميعًا عن الماضي وعن ما هو فيه إذا أشرك 3، وفرّق ابن حبيب فجعله جازيًا عن الذي هو فيه إذا أشرك، وغير جازٍ -إذا أفرد النية- عن الماضي 4، والقياس ألا فرق بينهما، ويدخله في الاشتراك أنه نوى بعض اليوم عن الماضي، وبعضه عن ما هو فيه، وذلك فاسد.
وقد اختلف إذا أشرك في الحج وأتى بحجة الإسلام ينوي بها نذره وحجة الإسلام، فقيل: تجزئ عن حجة الإسلام 5، وقيل: عن النذر 6، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما.
وإذا سلم ابن حبيب أنه لا يجزئ عن الذي هو فيه لعدم النية مع كونه مستحق العين فكذلك إذا أشرك.
ومثله إذا قضى رمضان في شهر كان نذر عينه فإنه يختلف؛ هل يجزئ عن
النذر، أو يكون قضاء، أو لا يجزئ عن واحد منهما؟ وإن نذر صوم الأبد صام رمضان بنية الفرض (1)، وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وقال (2) سحنون في كتاب ابنه: إذا نذر صيام الدهر ووجبت عليه كفارة يمين، وليس عنده ما يكفر به: أنه يصوم عن يمينه، ويطعم عن كل يوم مسكينًا (3).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو وجب عليه صيام عن ظهار، ولم يجد ما يشتري به رقبة، صام عن ظهاره، وذلك أوجب من النذر، ولا يجوز له أن يطعم وهو قادر على الصوم.
واختلف إذا كان في سفر في رمضان فصامه قضاء عن رمضان آخر، فقال ابن القاسم: لا يجزئه (4)، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أنه يجزئه، وهذا أخف من الأول لما كان يجوز له إفطاره (5).
فصل [من زال عذره في شعبان]
ومن أفطر لمرض أو سفر ثم قدم أو صح في شعبان كان عليه أن يعجل القضاء في شعبان ولا يؤخره إلى شوال، فإن فعل صام وكان عليه أن يطعم عن تفريطه وتأخيره عن كل يوم مسكينًا، وإن صح أو قدم في شوال كان في القضاء بالخيار بين أن يعجله الآن أو يؤخره ما بينه وبين شعبان، فإن أخره12345
فصامه في شعبان لم يكن عليه إطعام.
والأصل في جواز تأخيره حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ للشُّغُلِ برَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -" 1 أخرجه البخاري ومسلم.
وإن صح شهرًا غير شعبان، أو أقامه بعد قدومه فلم يصمه حتى مات، كان عليه الإطعام عند مالك، وجعله مفرطًا 2، وكذلك يجب على أصله لو حدث به مرض أو أحدث سفرًا اتصل به رمضان أنه 3 يكون عليه الإطعام، وجعله مترقبًا ليس على الفور ولا على التراخي، فإن صح منه القضاء في شعبان مع القدرة على تعجيله قبل ذلك لم 4 يكن عليه إطعام ولم يعده مفرطًا، وإن مات قبل شعبان كان عليه الإطعام 5، ورآه مفرطًا إذا لم يعجله 6.
وهذا نحو قول الشافعية في الحج: إنه على التراخي، فإن مات قبل أن يحج كان مأثومًا 7.
والقياس أحد وجهين: إما أن يقال: إن القضاء على الفور، وأنه يجب عقيب زوال العذر 8، كالصلاة إذا نسيها أو نام عنها أنه يصليها عقيب الذكر وزوال ما
كان فيه من نوم، فيكون مفرطًا متى لم يصلِّ، ويكون عليه الإطعام لتفريطه.
أو يقال: إن القضاء على التراخي، فلا شيء عليه قبل ذلك مما صح فيه أو قدمه عاش أو مات، فسقط أن يكون على الفور؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، وأنه بخلاف الصلاة، وإذا سقط أن يكون على الفور لم يكن عليه إطعام إذا مات قبل أن يقضي.
وقد اختلف الناس في الإطعام إذا لم يقض في شعبان، فقال القاسم بن محمد، وسعيد بن جبير 1، وعطاء بن أبي رباح 2: عليه الإطعام، وبه أخذ مالك وأصحابه 3. وذكره البخاري عن أبي هريرة، وابن عباس.
4 وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليه 5.
فصل [في الإطعام، مقداره ووقته]
الإطعام عن ذلك مُدٌّ لكل مسكين.
واختلف في الوقت الذي يطعم فيه فقال في الكتاب: إذا أخذ في القضاء (1)، وقال أشهب في مدونته: إذا صار مفرطًا أطعم (2)، وإن مضى يوم من شعبان أطعم عن يوم؛ لأنه صار مفرطًا فيه، ويؤمر بصوم باقيه، فإن لم يفعل فكلما مضى يوم أطعم عنه، وهذا هو القياس، وأظن ابن القاسم (3) ذهب فيه مذهب الهدي عن الفوات والفساد؛ أنه يأتي به في حجة القضاء، وإن مات قبل أن يصوم ووصى بالإطعام أنفذ ذلك من ثلثه، وإن لم يوصِ به (4) لم يكن على ورثته شيء.
فصل [فيمن لزمه قضاء صومين وضاق الوقت]
وإذا كان عليه صومان؛ رمضان وصوم 5 تمتع وهو في شعبان وكان الذي بقي منه محلًا لأحد الصومين، صام عن رمضان، وإن كان محلًا للصومين كان فيها 6 قولان: فقال في الكتاب: يبدأ بالصوم عن التمتع 7، وقال أشهب: يبدأ1234
بأيهما أحب 1.
والأول أحسن؛ لأن الأوامر على الفور، إلا ما قام الدليل على جواز تأخيره، وقد ورد الدليل على جواز تأخير قضاء رمضان، ولم يرد مثل ذلك في الآخر، فوجب أن يصوم عقيب وصوله، لقوله سبحانه: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وهذا في السبعة، وأما الثلاثة فإن كان في الحج وضاق الوقت وبقي إلى الوقوف 2 ثلاثة أيام، وعليه من رمضان ثلاثة أيام صام عن التمتع؛ لأن الوقت تعين لها، وهو وقت أداء، وعن رمضان قضاء، وإن كان عليه بقية من الوقت وهو بمكة، وممن يتم الصلاة، كان بالخيار يبدأ بأيهما أحب؛ لأن الصومين موسع وقتهما، وإن كان أحدهما أداء والآخر قضاء، وإن كان ممن يقصر الصلاة كان الخطاب بصيام التمتع؛ لأن صوم رمضان وقضاءه في السفر ساقط، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع فالجواب عنها كالجواب المتقدم عن السبعة.
وإن كان الصومان أحدهما عن ظهار وقد أصاب، والآخر عن رمضان وهو قادر على 3 أن يأتي بهما قبل حلول رمضان الآخر ابتدأ بالظهار على قول مالك؛ لأنه يحمله فيه على الفور.
وقال أشهب في مدونته: يبتدئ بأيهما 4 أحب 5، وكأنه رأى أن الأمر فيهما سواء على التراخي.
فصل يستحب قضاء رمضان متتابعًا
يستحب أن يقضي رمضان متتابعًا عقيب صحته أو قدومه؛ لأن المبادرة إلى امتثال الطاعات أولى من التراخي عنها، وقياسًا على الصلاة يكون وقتها موسعًا والإتيان بها أول الوقت أحسن؛ لأن إبراء الذمة من الفرائض أولى، وليخرج من الخلاف لقول من يقول: القضاء على الفور، ومن قول 1 من يقول إنه يقصي متتابعًا، ولأن 2 في القضاء متفرقًا خلاف ما نُدبنا إليه من المبادرة إلى القضاء لتراخي الأول عن الآخر.
باب فيما تجب به الكفارة على من أفطر في رمضان
الكفارة تجب بأربعة شروط وهو: أن يفطر بأحد الوجوه التي أمر بالإمساك عنها عامدًا، غير ناسٍ، ولا جاهل، ولا متأوِّلٍ.
واختلف في الكفارة إذا كان ناسيًا في الجماع خاصة، وفي الجاهل في الأكل وغيره، وفي المتأوِّلِ تأويلًا بعيدًا، وفي المتعمد بإيصال الطعام من غير مدخل الطعام، أو من مدخل الطعام مما ليس بطعام كالحصاة والدرهم، وفي المتعمد للفطر بالنية إذا ترك التبييت ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، وفي الكفارة عن الفطر بالإكراه، وفي 1 أعيان مسائل مرجعها 2 إلى أنه هل يعد متعمدًا أم لا؟
واختلف قول مالك فيمن جامع ناسيًا فقال في المدونة: لا كفارة عليه 3، وفي كتاب ابن حبيب: عليه الكفارة 4، وفي المبسوط: يتقرب إلى الله سبحانه بما استطاع من الخير، وكل هذا مرجح لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟، فَقَالَ: أَصَبْتُ امْرَأَتِي نَهَارًا فِيَ رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالكَفَّار..." 5، فحمل الحديث مرة على العمد لقول السائل: احترقت، والأشبه أن ذلك إنما يقال عند العمد؛ لأن
العقوبة والعذاب بالنار إنما تكون على من تعمد، وقياسًا على الأكل والشرب، وحمله مرة على عمومه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله هل تعمد، أو جهل، أو نسي؟ وكانوا حديثي عهد بالإسلام، وليس كلهم يعرف الفرق بين أحكام الخطأ (1) والعمد، ورأى مرة أن الأمر محتمل هل كان عن عمد أو جهل، فجعله منزلة بين منزلتين، فلم يوجب الكفارة ولا أسقطها.
فصل [في موجب الكفارة]
واختلف في الكفارة على من أنزل 2 عن قبلة أو مباشرة مرة من غير تكرار، فقال مالك في المدونة: إذا قبل مرة واحدة فأنزل فعليه الكفارة 3، وقال ابن القاسم في المبسوط: إذا باشر مرة فأنزل فعليه الكفارة 4، وقال أشهب وسحنون: لا كفارة عليه، إلا أن يتابع القبل والمباشرة، واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر ألا كفارة عليه إلا أن يتابع 5. والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم، وإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك، فإن كان شأنه أنه ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة، أو كانت عادته 6 مختلفة مرة ينزل، ومرة لا ينزل كانت عليه الكفارة؛ لأن فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه ومتعرض له، وإن كانت عادته السلامة فقدر أنه لا ينزل حسب1
عادته (1) إن كان منه خلاف العادة لم تكن عليه كفارة، فقد يبعد عهد الرجل بأهله فيحدث منه ما لم يظنه (2)، وقد يحمل قول مالك في وجوب الكفارة؛ لأن ذلك لا يجري إلا فيمن (3) يكون ذلك طبعه، فاكتفى بما ظهر منه، وحمل أشهب الأمر على (4) الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك.
فصل [في الخلاف فيمن أفطر جاهلًا هل عليه كفارة]
اختلف في الجاهل فجعله ابن حبيب كالعامد، فقال في الذي يتناول فلقة حبة: إن كان ساهيًا فلا كفارة عليه، وإن كان جاهلًا أو عامدًا كان عليه القضاء والكفارة 5.
والمعروف من المذهب أن الجاهل في حكم المتأول، ولا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد انتهاك صومه، ولو كان رجل حديث عهد بالإسلام يظن أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب دون الجماع، لم تجب عليه كفارة إن جامع.
وقد قال مالك 6 في من قدم من سفر ليلًا فأصبح مفطرًا يظن أنه لا يجزئه الصوم إلا أن يقدم نهارًا، أو في من خرج يرعى غنمًا على ثلاثة أميال فأفطر ظنًا منه أن ذلك سفر يبيح الفطر، وفي امرأة رأت الطهر ليلًا فلم تغتسل حتى أصبحت1234
فأفطرت ظنًا أنه لا يجزئها الصوم إلا أن تغتسل قبل الفجر-: لا كفارة على أحد منهم، وكل هؤلاء أفطروا على الجهل بموجب الحكم 1. واختلف إذا قالت: حيضتي اليوم، فأفطرت قبل أن تحيض، ثم حاضت في ذلك اليوم، فقال في المدونة: عليها الكفارة 2، ورآه من التأويل البعيد، وقال محمد بن عبد الحكم: لا كفارة عليها، وقال عبد الملك بن حبيب: لا كفارة على من أفطر بتأويل، إلا في التأويل البعيد كالذي يغتاب، أو يحتجم فتأول أنه أفطر، والذي يقول: اليوم تأتي حُمَّاي 3، والتي تقول: اليوم أحيض 4. وقال ابن القاسم في الذي احتجم ثم أفطر متأولًا: لا كفارة عليه 5.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أصل المذهب أن 1 الكفارة إنما تجب على من قصد الفطر جرأة وانتهاكًا، وإذا كان ذلك نظر إلى من أفطر بتأويل، فإن جاء مستفتيًا، ولم يظهر عليه صدق فيما يدعيه 2، وأنه لم يفعل ذلك جرأة، فلا كفارة عليه، وإن ظهر عليه نظر فيما يدعيه، فإن كان مما يرى أن مثله يجهله صُدِّق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق وألزم الكفارة، وهذا فائدة قولهم: إن هذا ينوَّى، ولا ينوَّى الآخر، ويجبر على الكفارة، ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادَّعى ما لا يشبه لم يكن للتفرقة وجه، وهذا الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال فيمن كان لا يؤدي زكاته، أو وجبت عليه كفارة أو عتق عن ظهار، أو قتل، أو هدي، فامتنع من أداء ذلك أنه يجبر على إنفاذه، وقاله محمد بن المواز فيمن وجبت عليه كفارة فمات قبل إخراج ذلك 3: إنها تؤخذ من تركته إذا لم يفرط.
فإن قيل: الكفارات مختلف فيها، هل هي على الفور، أو على التراخي؟ فكيف يجبر على إخراجها مع القول: إنها على التراخي؟ قيل: إنما يصح أن يؤخرها إذا كان معتقدًا أنه يخرجها، فأما من عُلِم منه جحودها، وأنه يقول: لا شيء عليَّ.
فلا يؤخر بها، وهذا في الحقوق التي تجب عليه لله سبحانه، ولم يوجبها على نفسه.
واختلف فيما تطوع بإيجابه على نفسه 4، فقال: مالي صدقةٌ للمساكين في غير يمين، فقال ابن القاسم: لا يجبر على إنفاذ ذلك، وقال في كتاب الصدقة من كتاب محمد: يجبر 5، وبقية ما يتعلق بذلك مذكور في كتاب الهبات.
فصل [في الاختلاف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم]
واختلف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم، فقال سحنون: لا كفارة عليه، قال: وإنما الكفارة فيما يتعمد إدخاله من الفم إلى الحلق 1، وقال أبو مصعب في السعوط وتقطير الدهن في الأذن والحقنة: إن وصل شيء من ذلك إلى الجوف عليه القضاء والكفارة، وإن وصل من العين فلا قضاء عليه.
يريد: لأنه منفذ لطيف، وهذا الخلاف إذا كان فاعل ذلك عالمًا بوصوله، وأن ذلك غير جائز له، فان كان جاهلًا يظن أن ذلك جائز لمّا لم يكن من الحلق عاد الجواب إلى ما تقدم من التأويل، فمضى أبو مصعب على الأصل في متعمد الفطر.
وذهب سحنون إلى أن الكفارة إنما وردت فيمن أتى من الجرم 2 والانتهاك أعظم من هذا وهو الوطء، وألحق به الأكل والشرب المعتاد؛ لأنه بمثابته في الانتهاك ولم يلحق به من لزوم شروط الصوم من الإمساك عن الوطء والأكل والشرب، وأتى مثل ذلك من تقطيره في أذن وما أشبهه؛ لأن جرمهما مختلف فلم يلحق بحكم الأعلى، وإلى هذا يرجع الاختلاف فيمن بيت الفطر ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، فقال مالك وابن القاسم: عليه الكفارة 3، وقال أشهب: لا كفارة عليه 4، وذكر أبو الفرج عن مالك قولين: وجوب الكفارة، وسقوطها، فلزومها؛ لأنه متعمد للفطر غيرُ متأوِّلٍ،
وسقوطها؛ لأنه لم يجتزئ (1) بالانتهاك بالأكل والشرب.
واختلف في الكفارة إذا ابتلع حصاة أو درهمًا - مع تسليم القول أنه مفطر، فأسقطت الكفارة في أحد القولين؛ لأن جرمه دون من انتهك صومه بالأكل والشرب، وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة (2)، والشافعي.
(3) وأوجب أبو حنيفة الكفارة إذا جامع في الفرج، وأسقطها إذا أصاب دون الفرج، أو أنزل عن القبل (4) وإن تابع، أو ابتلع حصاة، وذكر عن الزهري والأوزاعي والثوري مثل ذلك (5)، وقال الشافعي: لا تجب الكفارة على من أكل متعمدًا، ولا تجب فيما سوى الجماع الذي هو الإيلاج في قبل أو دبر (6).
فصل [واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا]
واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: إذا أكره زوجته عليه أن يكفر عنها 7، وقال سحنون: لا كفارة عليه عنها؛ لأنها لم تجب عليها، وليس كالحج؛ لأن الحج عمده وخطؤه وإكراهه سواء 8. وقال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أكره رجلًا على الشرب: عليه123456
الكفارة 1، وقال فيمن جامع زوجته وهي نائمة: عليها القضاء، ولم يجعل في ذلك كفارة، خلاف الأولى؛ لأنها حينئذٍ غير مخاطبة 2، وقال الشافعي: لا قضاء عليها 3.
وقولُ سحنون: أن 4 لا كفارة على المرأة إذا أكرهت بالوطء، ولا على من أكره بالشرب - أحسنُ؛ لأن المكره أعذر من الناسي، فإذا لم يكن على الناسي في ذلك كفارة كان المكره أبين ألا كفارة عليه.
ويكفِّر المكرِهُ عن نفسه وعن اجترائه على انتهاك صوم غيره؛ لأن الإطعام والعتق إنما هو كفارة عما أتى من الذنب في إفساد الصوم، ولا فرق بين أن يفسد صوم نفسه أو صوم غيره، فعليه أن يأتي بالكفارة ليسقط عن نفسه ما أتى من ذلك، فيصح أن يكفِّر بالصوم، وإن كفَّر بالعتق كان الولاء له، فإن كره غيره على الشرب أتى بكفارة واحدة, وإن أكره زوجته على الوطء أتى بكفارتين؛ لأنه أفسد صومه وصومها.
وقد تأول بعض أهل العلم قول مالك في الكفارة في الإكراه على الوطء على قوله في كتاب ابن حبيب في لزوم الكفارة إذا وطئ ناسيًا 5. ويقوي ذلك ما في الزاهي: إذا أكره العبد زوجته, أنها جناية في رقبته، فجعل الكفارة عليها،
ولها أن ترجع على المكرِه بما لزمه 1، وهذا ينتقض بقوله في الكفارة: على من أكره غيره على الشرب؛ لأنه لا خلاف أن لا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا، وإذا لم تكن على الناسي كفارة مع أن معه شبهة من التفريط لم يكن على المكرَه، وذهب ابن شعبان إلى أن الكفارة عليه عنها، فإن كان معسرًا كفرت عن نفسها ورجعت عليه.
باب في أصناف الكفارات, وهل هي على الترتيب أو التخيير؟ وعقوبة من أفطر في رمضان
اختلف في الصنف الذي يكفِّر به على أربعة أقوال: فقال مالك: يكفِّر بالإطعام، قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق ولا بالصوم 1، وقال: قال الله -عز وجل-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فجعل الكفارة صنفًا واحدًا.
وذكر ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين أنه جعل الكفارة عن الأكل ثلاثة أصناف: إطعام أو صوم أو عتق، قال: واستحب البداية بالإطعام ثم بالصوم ثم بالعتق.
وقال أبو مصعب: إن أكل أو شرب فليس عليه كفارة إلا بالإطعام، وإنما العتق والصيام عن الجماع.
وقال أشهب: يكفّر بأي الأصناف الثلاثة شاء.
ولم يفرق بين أن تكون الكفارة عن أكل أو جماع 2. وقال ابن حبيب: يكفِّر بالعتق أحب إلي، فإن لم يجد فبالصيام، فإن لم يستطع فبالإطعام.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الكفارة عن الجماع فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ثلاثة أصناف: عتق، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا.
واختلف عنه هل هي على الترتيب، أو التخيير؟ فأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ.
فَقَالَ: مَا لَكَ؟.
قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً