التبصرة للخميصفحات 221-261

كتاب الصلاة الأول

صفحات 221-261

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كتاب الصلاة الأول

الصلاة فرض بالقرآن والسنة والإجماع

: فأما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، والأمر بها في غير موضع من كتاب الله تعالى.
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ، وإِيتَاءِ الزَّكاةِ..." 1 الحديث.
وقال - عليه السلام -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ 2، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" 3. أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
وأعلمنا الله سبحانه أعداد الصلوات وأوقاتها في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾

[الإسراء: 78]، فتضمنت هذه الآية ثلاث صلوات: الظهر، والعشاء الآخرة، والفجر.
وهذا قول مالك في "المستخرجة" 1، وروى عنه ابن نافع في "المبسوط" أن المراد به الصلوات الخمس: الظهر والعصر؛ لقوله سبحانه: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، والمغرب والعشاء لقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.
والصبح لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ورواه ابن مسلمة عن مالك في كتاب أبي الفرج وكذلك في الواضحة 2، والقول الأول أحسن؛ لأن تقدمة العصر إلى الزوال، وتأخير المغرب إلى العشاء الآخرة لا يجوز إلا لضرورة، ومحمل القرآن 3 على الأوقات المختارة، ويلزم على هذا القول ألا إعادة 4 على من صلى العصر في أول وقت الظهر، أو قدم العشاء فصلاها مع المغرب؛ قياسًا على الظهر.
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]، واختلف فيما تضمنته هذه الآية على ثلاثة أقوال، فقيل: ثلاث صلوات، وقيل: أربع، وقيل: خمس.
قال أبو إسحاق ابن شعبان: ثلاث صلوات؛ فالصبح طرف، والمغرب طرف، والثالثة العشاء 5. فجعل المغرب من طرفي النهار؛ لأنها تصلى عند طرف النهار، وهو: إذا توارت بالحجاب، والعرب تسمي الشيء 6 باسم غيره إذا كان من سببه أو

مقارنًا له.
وروى ابن نافع عن مالك أنه قال: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الصبح والظهر والعصر، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: العشاء.
فتضمنت هذه الآية 1 أربع صلوات.
وقال ابن حبيب: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.
ووافق مالك في الطرف الثاني أنه الظهر والعصر 2. فتضمنت هذه عنده خمس صلوات، ونسبة الظهر والعصر إلى الطرف توسعة ومجاز.
ومحمل قولهما في الظهر إذا صليت عند آخر القامة ولا تنسب إلى طرف إذا صليت 3 عند الزوال؛ لأن ذلك وسط؛ قال الله -عز وجل- ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الآية [الروم: 17].
فتضمنت أربع صلوات: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب 4؛ لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وهو قول مالك في "العتبية" 5، وقال محمد بن المواز: المغرب والعشاء 6. والأول أحسن؛ لأن تقدمة العشاء عند الغروب لا يجوز مع الاختيار.

فصل أوقات الصلوات

فلكل واحدة منهن وقتان: فأول وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها أن يصير ظل القائم 1 مثله بعد طرح ظل الزوال.
وأول وقت العصر دخول القامة الثانية، وآخر وقتها ما لم تصفر الشمس.
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب 2 الشفق.
وأول وقت العشاء غيبوبة 3 الشفق وهي الحمرة، ولا ينظر إلى البياض 4، وآخر وقتها ما لم يذهب 5 نصف الليل.
وقال بعضهم: ثلث الليل 6. وأول وقت الصبح طلوع الفجر المعترض في الأفق 7، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس.
وقد اتفق في أول الوقت لهذه الصلوات الخمس إلا العشاء، فإنه اختلف في أول وقتها.
واختلف في آخر الأوقات جميعًا، فاختلف في مشاركة الظهر العصر في أول القامة الثانية، فذهب محمد بن المواز وعبد الملك إلى أنه لا مشاركة بينهما،

وأنه إذا تمّت القامة الأولى خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
ولأشهب في مدونته أنه تشارك العصر في مقدار أربع ركعات من القامة الثانية، فلو صلى حينئذ رجلان أحدهما الظهر والآخر العصر كانا مصليين في وقت، فإذا ذهب ذلك القدر انفردت العصر بالوقت.
واختلف في آخر وقت العصر فقال في الكتاب: ما لم تصفر الشمس 1. وقال في "المختصر": آخر القامة الثانية 2. وقاله 3 محمد بن المواز وابن حبيب.
واختلف في آخر وقت المغرب على ثلاثة أقوال: فقيل: ليس لها إلا وقت واحد، وهو إذا غربت الشمس.
وهو قول البغداديين 4 وروايتهم عن مالك.
وقال مالك في "الموطأ": إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء وخرج وقت المغرب 5. وبه قال محمد بن مسلمة.
وقال أشهب في مدونته: يجوز لمن كان في الحضر أن يؤخر المغرب إلى أن يغيب الشفق ويصلي آخر العشاء بعد مغيب الشفق 6 ويكون إذا غاب الشفق 7 وقتًا لهما، فجعل المغرب تشارك العشاء كما تشارك الظهر العصر في أول القامة الثانية.

واختلف في آخر وقت العشاء، فقال مالك في المختصر، وأشهب في مدونته: ثلث الليل 1. وقال ابن حبيب: نصف الليل، ويستحب ألا يجاوز الثلث 2. ونحوه عن محمد بن المواز.
واختلف في الشفق الذي بمغيبه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، فقال مالك: هو الحمرة 3. وقال في سماع ابن القاسم: أرجو إذا ذهبت الحمرة أن يكون الوقت قد ذهب والبياض الذي 4 لا شك فيه.
فراعى البياض.
وقال ابن شعبان: في "مختصر ما ليس في المختصر": أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة.
يريد: أنه اختلف قوله فيه.
وذكر عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه البياض، والاختلاف في البياض المعترض 5 ليس المستدق.
وهذه الرواية أقيس من قوله في كتاب الصيام؛ لأن الطوالع أربعة: الفجر الكاذب وهو المستدق، ثم المعترض، ثم الحمرة 6 ثم الشمس، والغوارب أربعة: الشمس، ثم الحمرة، ثم البياض 7 المعترض، ثم المستدق.
وقد أُجمع على أن حكم المعترض حكم الحمرة، وأنهما وقت لصلاة

واحدة، وهي الصبح ما لم تطلع الشمس، ولا حكم للمستدق أول الفجر، فعلى قوله يكون حكم المعترض بعد المغرب: حكم الحمرة.
وقد اختلف عن الخليل في مدة بقاء المستدق، فقيل عنه أنه قال: راعيته وأنه يبقى إلى آخر الليل.
وفي مختصر ما ليس في المختصر عنه أنه قال: 1 إلى نصف الليل.
وإذا اختلف عنه أوقف الخبران، على أن ذلك مما لا يقتصر فيه على قوله؛ لأنه لم يخبر عن أمر فائت، ولا يقدر الآن على معرفته، وإنما أخبر عن شيء موجود يقدر الآن على اختباره، وقد اختبر فلم يكن كما 2 ذكر عنه، وأيضًا فإن المستدق أول تباشير الشمس عند الطلوع، وآخر بقايا الشمس بعد الغروب، فيبتدئ أولًا مستدِقًّا، فكلما دنت منزلة الشمس قوي الضياء، وكذلك في الغروب الحمرة والبياض عن الشمس، فإذا بعدت الشمس عن الأرض 3 ذهبت الحمرة، ثم تبعد فيذهب البياض المعترض، ثم تبعد فيذهب المستدق، فبقاؤه أول الليل وطلوعه 4 آخره - متقارب، وقد ذكر أشهب في العشاء الآخرة أن تأخيرها حتى يذهب البياض إذا اجتمع رأي الجماعة على ذلك.
فهو يَرُدُّ على من قال: إن البياض يبقى إلى آخر الليل 5. واختلف في آخر وقت الصبح فقال في المختصر: الإسفار الأعلى.
ونحوه في المدونة.
وقال ابن حبيب: ما لم تطلع الشمس.
فاتفق في أوائل هذه الصلوات واختلف في أواخرها حسب ما تقدم،

والاختلاف في ذلك متردد بين حديثين: حديث ابن عباس وحديث عبد الله (ب) ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، فحديث ابن عباس أن القول بمشاركة الظهر العصر، وأن آخر العصر القامتان وانفراد المغرب بوقت واحد 1، وأن آخر العشاء ثلث الليل، وأن آخر الصبح الإسفار.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - عِنْدَ البَيْتِ فَصَلَّى بيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، والعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَه، والمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، والعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، والفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ، والعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، والمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالعِشَاءَ ثُلُث اللَّيْلِ، وَالفَجْرَ الإسْفَار 2 " 3. وحديث عبد الله بن 4 عمرو بن العاص أصل للقول بمنع مشاركة الظهر والعصر، وأن آخر العصر ما لم تصفر الشمس، وأن للمغرب وقتين، وآخر العشاء ما لم يذهب نصف الليل، وآخر وقت الصبح ما لم تطلع الشمس: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلّ الرَّجُلِ كَطُولهِ مَا لَمْ تَحْضُرِ العَصْرُ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ المَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاَةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأوسط 5،

وَوَقْتُ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" 1. فهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، فأبان - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الظهر: "مَا لَمْ تَحْضُرِ العَصْرُ" أنه لا شركة بينهما، والأخذ بهذا الحديث أولى؛ لأن الحديثين إذا تعارضا أخذ بآخرهما وأقواهما سندًا، وحديث ابن العاص متأخر مدني، وحديث ابن عباس مكي من أول ما فرضت الخمس، وهو أضعف سندًا.
ووجه ثالث: أنه قد عاضده 2 على مثل ذلك أبو موسى الأشعري وبريدة، فأخرج مسلم عن أبي موسى قال: "أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَائِلٌ فَسَأَلهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلآةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قال: فَأَقَامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ، وَالظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، والمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، وَالعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَخَّرَ الفَجْرَ مِنَ الغَدِ وَانْصَرَفَ القَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ، وَأَقَامَ الظُّهْرَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ، وَالعَصْرَ انْصَرَفَ مِنْهَا وَالقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، وَأَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ ثُمَّ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ "الوَقْتُ مَا 3 بَيْنَ هَذَيْنِ" 4. وأخرج عن بريدة مثل ذلك، وأستحسن أن تكون الفتوى للعامة بالقامتين في العصر، وبالإسفار في الصبح، وثلث الليل في العشاء الآخرة 5؛ لأنه أحوط للصلاة، وأخاف إذا أفتى الرجل

بآخر الوقت أن يتراخى، ويقول: عليَّ بقية من الوقت، فيقع في المحظور، وهو الممنوع أو المكروه، فإذا وكل في هذا إلى قياس معلوم وجعل بينه وبين آخر الوقت في الآخرة بقية كان قد احتاط للصلاة.

فصل [في قدر ما بين الأذان والصلاة]

ومن المدونة قال مالك: أحب إلينا أن يصلي الناس -في الشتاء والصيف- الظهر 1 والفيء ذراع 2. يريد: للجماعة؛ لأن الغالب أن الوقت يدخل على الناس وهم على غير طهارة، فيؤخر ذلك القدر ليتوضأ هذا ويغتسل هذا الآخر ويجتمع الناس.
وأما الفذ فيستحب له أول الوقت، ولأنه أفضل، وكذلك الجماعة إذا اجتمعت أول الوقت ولم يكونوا ينتظرون غيرهم فإنهم يصلون حينئذ ولا يؤخرون، وفي الصحيحين عن أنس 3 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ" 4.

ومحمل الحديث أن ذلك لاجتماع أصحابه، وأما العصر فإن الجماعة والفذ 1 فيها سواء: تصلى أول الوقت أو تؤخر قليلًا؛ لأن الغالب أن الناس على طهارة الظهر 2، وكذلك المغرب؛ الجماعة فيها والفذ سواء إذا غربت الشمس، ولا تؤخر عنه؛ لأن الناس عالمون بدخول الوقت، متوضئون حينئذ.
وأما العشاء فبقدر اجتماع الناس؛ لأنهم يكونون في بيوتهم وربما استأنفوا الطهارة، فإن اجتمعوا صلى بهم الإمام، وإن تأخروا انتظرهم، ولا يفعل مثل ذلك في الصبح، وينبغي أن يوقعها الإمام أول الوقت اجتمعوا أو لم يجتمعوا.
وقال ابن حبيب: ينبغي أن تؤخر في الصيف إلى وسط الوقت.
والأول أحسن.
وأوقات الصلوات في الفضل على ثلاث مراتب: فأما المغرب والصبح فأول الوقت فيهما أفضل، وآخره في العشاء أفضل.
واختلف في الظهر والعصر، فقيل: أول الوقت أفضل، وقيل: أوله وآخره سواء.
وقال محمد بن سحنون: أجمع أهل العلم على أن أول الوقت في المغرب أفضل.
وثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ما طريق 3 أنه كان يصليها إذا توارت بالحجاب 4. وأما الصبح فورد فيها ثلاثة أحاديث تدل على أن أول الوقت أفضل:

أحدها: أنه كان ينادى لها قبل طلوع الفجر.
وفائدة ذلك إيقاعها في أول وقتها.
والثاني: حديث جابر - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي العِشَاءَ، أَحْيَانًا إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَأَحْيَانًا إِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا - أَوْ كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ" 1. يريد: كانوا أو لم يكونوا، كان يصليها بغلس ولم ينتظرهم بها، ولا يبالي إن فاتتهم الجماعة، بخلاف العشاء.
والثالث: حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ 2. ومعلوم أنه كان يحب ما هو أرفق بأمته، وأن إيقاع هذه الصلاة أول الوقت أثقل عليهم؛ لأن الوقت يدخل عليهم وهم نيام، فلولا عظم الأجر في ذلك لم يتكلف ذلك بهم، ولهذا استحب مالك أن يصلي أول الوقت فذًّا، ولا يؤخرها ليصليها بعد ذلك في جماعة.
وأما ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" 3 فإنه أراد أن يتحقق الفجر؛ لئلا يوقِعَ الصلاة 4 في وقت مشكوك فيه

فقال: "أسفروا بالفجر"، ولم يقل: أسفروا بالصلاة.
وأما العشاء فالأصل فيها حديث ابن عباس قال: أخَّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ليلة حتى رقد الناس واستيقظوا ثم رقدوا واستيقظوا ثم خرج فصلى بهم، فقال: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هكَذَا" 1. وقال أشهب في مدونته: تعجيلها أحب للأئمة 2؛ لما يدخل على الناس من الضرر في انتظارها، فأما الرجل يصلي لنفسه أو جماعة اجتمع رأيهم على تأخيرها 3 فإني أستحب تأخيرها إلى غيبوبة البياض، وإن أخرت خلف ذلك إلى ثلث الليل فواسع.
وهذا أحسن، ما لم يؤد ذلك إلى اختلال 4 بعبادةِ فاعلِ ذلك من آخر الليل، فينام عن حزبه أو يؤخر الصبح عن أول وقتها، فإنه يؤمر بتعجيلها ولا يؤخرها.
والقول في الظهر والعصر أن 5 أول الوقت أفضل 6؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّلَاةُ لأوَّلِ أَوْقَاتِهَا" ذكره النسائي 7. فوجب حمل الحديث على

عمومه إلا ما ورد النص باختصاصه وهي العشاء.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ الصلاة وغيرها، وبهذا أخذ مالك ولم ير تأخير الظهر إلى آخر الوقت إلا للمسافر إذا جد به السير، وقول مالك في الصلاة في الصيف أنها تؤخر ذراعًا فإن ذلك إذا كان الحر المعتاد في ذلك الزمان، فإذا كان شدة الحر أمر الإمام أن يبرد فوق ذلك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ" 1. واختلف في الوقت الذي تبرد إليه، فقال أشهب في مدونته: لا يؤخرها إلى آخر وقتها.
وقال محمد بن عبد الحكم: يؤخرها أهل المساجد في شدة الحر حتى يبردوا، ولا يجوز الخروج عن الوقت.
فأجاز التأخير إلى آخر الوقت.
= المكثرين من الصحابة، برقم (3548)، وابن حبان: 4/ 340 في باب مواقيت الصلاة، من كتاب الصلاة، برقم (1477)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

باب في صفة الأذان والمؤذن ووقت الأذان

والأذان سبع عشرة كلمة: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، ثم يرجع ويرفع ما رفع من 1 صوته، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله مرة واحدة.
واختلف في موضعين: في صفة رفع الصوت بالتكبير في أوله، وفي الترجيع إذا كان المؤذنون عددًا كثيرًا 2، فظاهر الكتاب 3 أن رفع الصوت بالتكبير الأول مساوٍ 4 لما يليه من الشهادة 5. وقال مالك في سماع أشهب: رأيت الأول من المؤذنين إذا أذن يكبر مرتين، ثم يهلل مرتين 6، ثم يتشهد بالرسالة مرتين يخفض صوته بالتهليل والتشهد 7، ثم يرجع رافعًا صوته بالتهليل وبالتشهد بالرسالة، وذكر بقية الأذان.
قال مالك: وما أرى كان الأذان إلا على صفة واحدة؛ يثني كلهم، فلما

كثر المؤذنون خففوا على 1 أنفسهم فصار لا يثني منهم إلا الأول.
فحصل الخلاف في خفض التشهد الأول عن التكبير، وفي إسقاط الترجيع وأنه ثلاث عشرة كلمة، ورفع التكبير الأول ومساواته واسع إذا أعلن 2 التشهد الأول، وإنما ينكر من ذلك ما يفعله بعض المؤذنين اليوم 3 أنه يخفيه ولا يأتي به على صفة يقع بها إعلام، وإنما جعل الترجيع ليكون ذلك أبلغ في الإعلام 4، فإن فات السامع أوله أمكن ألا يفوته ما بعده، ولهذا يؤذن الثاني والثالث، وأما إسقاط الترجيع فيحتمل أن يكون ذلك لما ذكره مالك، أو لاختلاف الأحاديث في الترجيع، فجمعوا بين الأحاديث؛ لأن كل ذلك عندهم واسع.
ويزيد المؤذن 5 في الأذان في الصبح بعد قوله: حي على الفلاح - الصلاة خير من النوم (مرتين) وذلك إذا كان الأذان للجماعة.
واختلف فيمن يؤذن لنفسه هل يثبت ذلك في أذانه، فقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن كان في ضيعة متنحيًا 6 عن الناس فترك ذلك: أرجو أن يكون في سعة.
وقوله هذا أحسن، وإنما زيد هذا في الأذان لإمكان أن يسمع النداء من كان في مضجعه، فيؤثِرَ الصلاة على النوم 7، وينشط للقيام، فأما من كان

وحده أو معه من ليس ينام (1) فلا معنى لذلك.
وقال مالك: التثويب (2) ضلال.
يريد: حي على خير العمل.
وإنما كره ذلك لأنها كلمة استعملها في أذانهم من خالف السنة، وكان مذهبهم (3) التشيع.

فصل [في وقت الأذان وما يشترط في المؤذن]

والأذان للصلوات بعد دخول الوقت، ومن أذن قبل ذلك أعاد الأذان إذا دخل الوقت، إلا الصبح وحدها 4 فإن النداء لها 5 قبل الوقت أفضل؛ لقوله - عليه السلام -: "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ..." 6 الحديث، فأمر بالنداء لها قبل الوقت 7؛ ليوقع في أول الوقت.123

واختلف في الوقت الذي يؤذن لها فيه، فقال ابن حبيب: إذا أذن بعد خروج وقت العشاء، وهو شطر الليل - فواسع.
وقال ابن وهب: سدس الليل الآخر.
وهو أحسن؛ لأن الأذان قبل طلوع الفجر ليتهيأ للصلاة، وليصلي من له حزب، وإذا 1 كانت عادة المؤذن سدس الليل قام الناس لأذانه، وإذا علم أن عادته نصف الليل لم يقوموا له ولم ينتفع بأذنه.
ويستحب أن يكون المؤذن بليغ الصوت ليبلغ القاصي صوته 2، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، وفي البخاري: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْمُؤَذِّنِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلاَّ فَاعْتَزِلْنَا 3. وقال أشهب: ويكون المؤذن من أفضل الحي.
وهذا هو الحق؛ لأنه أمين على الأوقات: يُصَلَّى بقوله، ويصام ويفطر؛ فينبغي أن تكون فيه خصلتان: الثقة، والمعرفة بالأوقات.
ولا بأس أن يكون المؤذن أعمى إذا كان ثقة لا يخشى عليه أن يفتري 4 في الوقت بالتقدير، وكان الذي يعلمه بالوقت ثقة عالمًا بالأوقات.
واختلف في أذان الصبي والجُنُبِ والقاعد، فكره مالك ذلك للصبي والقاعد، وقال: لا 5، إلا أن يكون من عذر مرض أو غيره، فيؤذن لنفسه لا

للناس 1 وكرهه ابن القاسم في العتبية للجنب 2. وقال أبو الفرج: لا بأس أن يؤذن الرجل قاعدًا أو جنبًا وأن يكون غير بالغ، ولا يقيم على شيء من هذه الوجوه 3. وقال سحنون: لا بأس أن يؤذن الجنب خارج المسجد 4. ولم يختلف أنه لا بأس أن يكون على غير وضوء، وعلى وضوء أفضل، والمنع في الصبي أحسن 5، إلا أن يعلم منه الصيانة والضبط لنفسه، ويكون أذانه تبعًا لمن تقدمه من الرجال.
وقول سحنون في الجنب حسن؛ لأنه غير ممنوع من الذكر والتسبيح وقراءة الآيات، ولا أرى أن يؤذن قاعدًا، وإنما يتبع الناس في ذلك ما مضى عليه السلف الصالح، ومن 6 التواضع لله سبحانه أن يقوم على قدميه 7 ويدعو إليه.
والأذان راكبًا خفيف إن لم يتعمد الركوب لذلك، ولا يقيم إلا وهو نازل على الأرض على طهارة؛ ليصلي معهم، ولا ينبغي أن يقيم وينصرف.
ويؤذن المؤذنون واحدًا بعد واحد، إلا المغرب؛ فإنهم يؤذنون جميعًا احتياطًا ومراعاة لمن يقول 8: إن لها وقتًا واحدًا وهو غروب الشمس.
وأجاز مالك في سماع ابن وهب لمن كان يؤذن في مسجده وأذن فيه - أن يؤذن في غيره، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي فيه.
وكره أشهب إذا كان قد صلى تلك الصلاة

أن يؤذن لها في موضع آخر 1، قال: ويعيدون الأذان والإقامة ما لم يصلوا.
ويستفتح المؤذن أذانه وهو مستقبل القبلة، ثم يدور بجسمه إن شاء، أو يحول صوته إلى حيث يرى أن فيه من يأتي للصلاة.
وقال ابن شهاب: يثبت قدميه إلى القبلة ويبلغ بصوته يمينًا وشمالًا، قال: وهي السنة.
وكره مالك التطريب في الأذان 2، ولا يسلم على المؤذن في حال أذانه، ولا على الملبي في حالة التلبية، فمن فعل رد عليه بعد فراغه من أذانه وتلبيته.
وفي مختصر الوقار: أنه 3 لا بأس أن يَرُدَّ عليه حينئذ بالإشارة، ولا يتكلم في أذانه 4. فإن فعل وعاد بالقرب - بنى على ما مضى، وإن بعد ما بين ذلك استأنفه من أوله.
ومثله إن عرض له رعاف أو غير ذلك مما يقطع أذانه أو خاف تلف شيء من ماله، أو خشي تلف أَحَدٍ؛ أعمى أو صبي أن يقع في أهويةٍ - فإنه يقطع ثم يعود إلى أذانه فيبني إن قرب، ويبتدئ إن بعد.
وقال مالك في المؤذن أراد الأذان فأخطأ فأقام ساهيًا: لا يجزئه، ويعيد الأذان 5. وقال في كتاب ابن حبيب: وإن أراد أن يقيم فأخطأ فأذن إنه يبتدئ.
وقال أصبغ: يجزئه لقول من قال: الإقامة شفع.

وقد رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأذان وقال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا..." 1. الحديث، وقال: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْس وَلاَ شَيءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" 2. وفي كتاب مسلم: قال: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوُل النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" 3، وأخبر أنه مطردة للشيطان فقال: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلآةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَحُولَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُوُل لَهُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، لمِا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُه" 4، وقيل: "حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى" 5. وندب من سمع المؤذن أن يقول مثل قوله، فقال: "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُوُل المُؤَذِّنُ" 6.

واختلف في منتهى ما يحكيه السامع، فقال مالك في المدونة: إنما ذلك إلى هذا الموضع: "أشهد أن محمدًا رسول الله" فيما يقع في قلبي، ولو فعل ذلك رجل لم أر به بأسًا 1. قال سحنون: ولو قال بقية الأذان.
وقيل لمالك في المجموعة: إذا قال مثله أيثني 2 التشهد؟ قال: يجزئه التشهد الأول.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يقول مثل قوله، فإذا بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" قال: لا حول ولا قوة إلا بالله 3، ثم يقول كما يقول بعد ذلك.
وهذا أحسن؛ لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - رضي الله عنه - "إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكْبَرُ.
فَقَالَ أَحَدُكمُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوُل الله.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ.
قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاَحِ.
قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ.
قَال: اللهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ 4 دَخَلَ الجَنَّةَ" 5. فإن أذن آخر قال معه؛ لظاهر الحديث.
وقيل: ليس ذلك عليه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن أقام بعد ذلك فليس ذلك عليه إلا أن يشاء.
= النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يسأل الله له الوسيلة، من كتاب الصلاة، برقم (384).

واختلف إذا سمع النداء من كان في صلاة، فقال مالك قي المدونة: إن كان في مكتوبة لم يقل مثل قوله، وإن كان في نافلة قال مثله (1). وقال ابن وهب: يقول مثله وإن كان في مكتوبة.
وقال سحنون: لا يقول وإن كان في نافلة.
وهذا أشبه؛ لأنه قد تلبس بطاعة، فعليه أن يقبل على ما هو فيه.

فصل [في أقسام الأذان]

الأذان على خمسة أقسام: سنة، ومختلف فيه هل واجب أو سنة؟ ومستحب، ومختلف فيه هل هو مستحب أم لا؟ وممنوع.
فالأول: الأذان في المواضع التي العادة أن يجتمع الناس بها 2، كالجوامع والمساجد، والمواضع التي الشأن اجتماع الناس فيها 3 كعرفة ومنى، والعدد الكثير يكونون في السفر.
وقال في المدونة: وإمام مصر يخرج إلى الجنازة 4 فتحضره الصلاة، فالأذان في هذه المواضع سنة لا تترك، وهو في الجامع والمساجد آكد؛ لأنه حفظ للأوقات ولإقامة الجماعات، فلا يجوز لأحد تركه 5. ولمالك في الموطأ أنه1

واجب 1. ولو ضيع الأذان لم يتحصل لكثير من الناس الأوقات، ولفاتهم أداء الصلاة في الجماعات.
والثاني: الأذان للجمعة، قيل: سنة؛ بمنزلة غيرها من الصلوات.
وقيل: واجب.
وهو أحسن؛ لتعلق الأحكام به من: وجوب السعي، وتحريم البيع والشراء.
والثالث: أذان الفَذِّ في السفر فهو مستحب؛ لحديث أبي سعيد، الخدري - رضي الله عنه - 2 قال: "إِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلاَةِ فَارْفَعْ مِن 3 صَوْتِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى 4 صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيءٌ، إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 5. وقال سعيد بن المسيب: من صلى بأرض فلاة 6 فأذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة 7. والرابع: أذان الفذ في الحضر 8 والجماعة في غير المصر 9 لا يحتاجون إلى إعلام غيرهم، فقال مرة: الأذان حسن.
وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: لم يكن مالك يستحب الأذان لمن يصلي وحده إلا أن يكون مسافرًا.
وقاله ابن حبيب فيمن صلى وحده 10 في منزله أو أم جماعة في غير

المسجد، قال: فلا أذان لهم إلا المسافر 1. وقال ابن المسيب ومالك: وإن أقام فحسن 2. وهذا هو الصواب؛ لأن الأذان لم يكن لنفسه، وإنما جعل ليدعى به الغائب للصلاة، وقد كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير أذان، فلما كثر الناس أرادوا أن يجعلوا علمًا يجتمع له الناس؛ فقال بعضهم: نوّروا نارًا، وقال بعضهم: نجعل ناقوسًا كناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا كقرن اليهود، فأري هذا الأذان في المنام فدعوا إلى الصلاة بالقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، واستفتح بذكر الله وختم به، وهو شأن العرب أن يستفتحوا كلامهم بذكر الله 3. وإذا كان ذلك لم يكن لأذان الفذ وجه؛ لأنه لا يدعو أحدًا 4، وحَسُن في المسافر لما جاء فيه أنه يصلي خلفه الجبال من الملائكة 5، فصار في معنى الجماعة.
والخامس: الأذان للفوائت والسنن كالعيدين والخسوف 6 والاستسقاء والوتر وركعتي الفجر وأذان النساء للفرائض، فذلك مكروه؛ فأما الفوائت

فإنه لا يدعو أحدًا إليها (1) فيزيدها فوتًا.
وأما السنن فالثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن يؤذن لها (2). وأما النساء فإنه ليس من شأنهن الإمامة (3).

فصل [في حكم الإقامة للصلاة]

الإقامة سُنَّة على الرجال؛ كان في صلاة جماعة 4 أو فذًّا، صليت في الوقت أو فائتة.
ولا إقامة على النساء، قال ابن القاسم: وإن أقامت المرأة فحسن 5. ومن شرط الإقامة أن تعقبها الصلاة في الفور، وإن بَعُدَ 6 ما بينهما أعاد الإقامة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التوسعة في ذلك، ففي مسلم عن أنس قال: "أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُنَاجِيه رَجُلٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ" 7، ولم يقل إنه أعاد الإقامة.
ومن ترك الإقامة عامدًا أو سهوًا أجزأته صلاته.
وقال ابن كنانة: يعيد123

الصلاة إذا تركها عمدًا 1. والأول أحسن.
واختلف في الأئمة تجمع 2 الصلاتين كالظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، والجمع ليلة المطر، وفي جمع المسافر، فقال مالك: يصليها بأذانين وإقامتين 3. وقال ابن الماجشون في المبسوط 4: بأذان للأولى وإقامتين.
وفي التفريع لابن الجلاب أنه يصليهما بإقامتين، بغير أذان 5. وذكر بعض المخالفين عن ابن عمر أنه أقام للأولى خاصة وصلى الثانية بغير إقامة 6. فأثبت مالك الأذانين؛ لأنه الشأن في صلاة الجماعة، وأسقط عبد الملك الأذان للثانية؛ لأن الأذان إعلام بدخول الوقت ليتطهروا ويكونوا على أُهْبَةٍ 7، وليأتوا الصلاة، وهؤلاء متطهرون مجتمعون، وأسقط بالقول الثالث الأذان فيهما 8؛ لأن الأصل أن يدعى لهما 9 من كان غائبًا وهؤلاء حضور

مجتمعون، وأسقطت الإقامة على القول الآخر للثانية؛ لأن الإقامة أذان في الحقيقة، فالأول إعلام بدخول الوقت ليأخذوا في الطهارة والأهبة للصلاة، والثاني إعلام للدخول في الصلاة ليأتي من لم يأت، وكل واحد منهما متضمن للدعاء إلى الصلاة بقوله فيهما: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وفي الصحيحين 1 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لمِنْ شَاءَ" 2 يريد: التنفل بين الأذان والإقامة، فسمى الإقامة أذانًا، فإذا سقطت الإقامة للثانية- جاز للفذ ألا يقيم.
وهو قول الشعبي والأسود ومجاهد والنخعي وعكرمة وأحمد 3 وأصحاب الرأي.
وقال مالك في المبسوط فيمن أتى المسجد فوجد الناس صلوا، فقال: يقيم لنفسه أحب إلي من أن يصلي بغير إقامة.
فاستحب ذلك ولم يره سنة.
وقال محمد بن مسلمة في المبسوط أيضًا: إنما الإقامة لمن يقيم 4 لنفسه ولمن يأتي بعده، فإن دخل معه أحد كان قد أقام له.
واختلفت الأحاديث في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة، فظاهر حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - "أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ" 5. وفي مسلم من طريق جابر بن عبد الله "أنه بِأَذَانٍ وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ" 6. وفي الموطأ من حديث أسامة

"بِإِقَامَتَيْنِ" 1. وفي مسلم من طريق ابن عمر "بِإِقَامَةٍ وَاحِدَة" 2. وإذا اختلفت الأحاديث رجع إلى ما يعضده القياس، فيؤذن للأولى في الظهر؛ ليعلم بدخول الوقت ويأخذوا في أهبة الصلاة، دون الثانية؛ لأنهم على أهبة مجتمعون، وكذلك في الجمع في المطر.

باب في التكبير للإحرام والتسبيح والدعاء قبل القراءة والتكبير بالعجمية وقراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي 1. قال مالك: ولا يجزئ من التكبير إلا: الله أكبر 2. فالوصف بـ (أكبر) أبلغ من الوصف بالكبير، وبالأكبر.
واختلف في التسبيح قبل القراءة والدعاء وقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فمنع مالك ذلك مرة وقال: إذا كبر قرأ، وليس بين التكبير والقراءة شيء 3. قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى هذا الذي يقوله الناس: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" 4. وفي مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكًا كان يقول ذلك بعد إحرامه.
وفي مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يجهر بذلك في الصلاة 5.

ويختلف على هذا في تقدمة الدعاء قبل القراءة، والجواز أحسن؛ لحديث أبي هريرة قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ سَكْتَةً.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، سُكُوتكَ بَيْنَ القِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِى مِنَ الخَطَايَا كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالَبرَدِ".
أخرجه البخاري ومسلم 1. وأما قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فليس بواجب ولا مندوب إليه.
واختلف هل يكره في هذا الموضع أو يباح؟ فقال مالك في المدونة: لا يفعل ذلك في المكتوبة سرًّا ولا جهرًا، وعليه أدركت الناس 2. وقال في المبسوط: إن جهر بذلك في المكتوبة فلا حرج.
وفي مسلم: قال أنس: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالحَمْدُ للهِ، وَلاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ القِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا" 3. فانتفى بهذا الحديث أن 4 تكون قراءته فرضًا ولا ندبًا، وكذلك حديث أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قَالَ الله عز وجل: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.

يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾..." (1) الحديث.
وهذه حكاية عما يبتدئ به المصلي عند القراءة.
قال مالك: ولا يتعوذ قبل القراءة في المكتوبة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ (2). وقال في المجموعة في قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]: إن ذلك بعد أم القرآن لمن قرأ في غير الصلاة (3). قال الشيخ -رحمه الله-: الشأن فيمن افتتح الصلاة أنه لا يتعوذ، وأرى ذلك؛ لأن الافتتاح (4) بالتكبير ينوب عنه ويجزئ منه، وقد جاء في الحديث أنه "إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ..." (5) الحديث معلوم، وأخبر أن فيه مطردة للشيطان.

فصل [فيمن لا يحسن العربية كيف يفتتح الصلاة]

واختلف في العجمي لا يحسن 6 العربية كيف يفتتح الصلاة، فقال ابن القاسم في "المدونة": لا يفتتح بالعجمية 7. ولم يذكر كيف يفعل.12345

وقال أبو الفرج: لا يجزئه غير التكبير يدخل به، أو بالحرف الذي أسلم به.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: من شيوخنا من يقول: يحرم بلسانه -يريد: بالعجمية- ومنهم من يقول: يعتقد الدخول في الصلاة بقلبه بغير نطق 1. وقال مالك في المدونة: أكره أن يدعو بالعجمية في الصلاة 2. وقال في موضع آخر: واسع أن يدعو به في غير الصلاة.
وقال في الذي يحلف بالعجمية: وما يدريه أن الذي حلف 3 به هو كما قال؟ 4 فعلى هذا لو علم أن ذلك هو اسمه عز وجل بذلك اللسان لجاز أن يدعوه به في الصلاة؛ لأن الله -عز وجل- علّم آدم الأسماء كلها، وسمّى نفسه تعالى بكل لسان وأعلمهم كيف يدعونه بلسانهم فقال -عز وجل-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وقد يحمل ما حكاه أبو محمد عبد الوهاب من إجازة ذلك أن يقول: إن أهل ذلك اللسان نقلوه 5 خلفًا عن سلف على ذلك وقد كان فيهم مؤمنون 6.

فصل [فيما يلزم من لا يحسن القرآن]

واختلف فيمن لا يحسن القرآن 1، فقال محمد بن سحنون: فرضه أن يذكر 2 الله تعالى في صلاته.
يريد: في موضع القراءة.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ليس يلزمه من طريق الوجوب تسبيح ولا تحميد، ويستحب له أن يقف وقوفًا ما، فإن لم يفعل وركع أجزأه 3. وقال محمد بن مسلمة: يستحب له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة.
وليس هذا بالبين؛ لأن الوقوف لم يكن لنفسه، وإنما كان ليقرأ القرآن، فإن لم يحسن ذلك سقط 4 القيام 5 لغير فائدة، وكذا لا نقول إن فرضه أن يذكر الله؛ لأن الفرض كان لشيء معين، فلم يكن 6 الذكر بدلًا منه إلا بنص أو إجماع، ويستحب ذلك لحديث الأعرابي لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاته فقال له: "إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلاَّ فَاحْمَدِ اللهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ" 7. ولا يجب؛ لأن الثقات من رواة هذا الحديث في البخاري ومسلم لم يذكروا هذه الزيادة 8، وأيضًا

فإنها لم تأت من طريق صحيح.
ويؤمر من لا يحسن القرآن أن يتحرى الصلاة مأمومًا، ويجب عليه أن يتعلم ما يؤدي به فرضه في خلال ذلك، فإن فاتته الجماعة صلى فذًّا حسب ما تقدم.
واختلف إذا صلى فذًّا وهو قادر على أن يصلي مأمومًا، فقال أشهب في مدونته في أمي صلى بقوم فيهم من يقرأ ومن لا يقرأ: صلاته مجزئة.
قال: وإن كنت لا أحب 1 له أن يصلي فذًّا ما دام أمِّيًّا، وصلاة من خلفه فاسدة.
فرأى صلاة الإمام مجزئة وإن كان في الجماعة من يقرأ.
وقال سحنون: لا يجزئه؛ لأنه قال 2 في أمي يؤم الأميين: أرى أن يعيدوا الصلاة أبدًا، إلا ألا 3 يجدوا أحدًا يقرأ بهم ويخافوا ذهاب الوقت.
وإن فرط في التعليم قضى من الصلاة ما صلاها فذًّا بعد مضى قدر ما يتعلم فيه.

باب في تكبيرة الإحرام

تكبيرة الإحرام فرض لا تجزئ الصلاة إلا بها، وهذا في الإمام والفذ 1، واختلف 2 في المأموم هل يحملها الإمام عنه، أو لا؟ فقال مالك: لا 3 يحملها الإمام عنه 4. وروى عنه ابن وهب في سماعه أنه قال: إذا نسي تكبير الإحرام وتكبيرة الركوع أنه يجزئ عنه إحرام الإمام.
ففرق في القول الأول بين حمل الإمام التكبير والقراءة؛ لأن المأموم عند قراءة الإمام يسكت، ولا يسكت عند تكبيرة الإحرام، وكل واحد منهما يكبر.
وقاسه في القول الآخر على قراءة السر أن كل واحد منهما يقرأ، فإن فاتت المأموم القراءة وأدرك الإمام راكعًا- أجزأته تلك الركعة، وكلها أقوال، وإذا لم يحملها الإمام على القول الأول فإنه إن كبر للركوع ينوي بها تكبيرة الإحرام أجزأه، وإن لم ينو بها تكبيرة الإحرام مضى في صلاته وأعاد.
وإن لم يكبِّر للإحرام ولا للركوع حتى ركع أو سجد ولم يكبر للسجود قطع وابتدأ.
وقال أبو مصعب 5: من نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام قطع وابتدأ،

وإن أحب مضى وأعاد.
واختلف إذا كبر للركوع وكان قادرًا على أن يرفع ويكبر ويدرك الإمام راكعًا، فقال مالك في كتاب محمد: يرجع 1 ويكبر ثم يعود إلى الركوع.
وقال ابن القاسم: أخاف أن يكون قد انعقدت له الركعة بتكبيرة الركوع؛ لما جاء في ذلك من الاختلاف، فإن رفع وركع ثانية كانت خامسة 2. واختلف بعد القول بجواز الرفع هل يسلم ثم يكبر أم لا؟ وأرى أن يرفع ولا يسلم، ثم يكبر ويعود إلى الركوع وتجزئه صلاته؛ لأنه إن كان الحق عند الله تعالى أن الإمام لا يحملها فهو في غير صلاة؛ فلا يحتاج إلى تسليم، أو يكون الحق عنده أنه في صلاة وأن الإمام يحملها، وأن رفعه إذا رفع يبطل ما هو فيه، فلا يحتاج إلى سلام أيضًا، ولا تكون خامسة وإن كان رفعه لا يبطل لما كان متأولًا، وأن الحكم ألا يرجع 3، وأن الواجب أن يعود إلى ركوعه، فلا تكون خامسة، ويكون بمنزلة من رفع قبل إمامه وهو قادر أن يعود قبل رفعه، فإنه يعود وتجزئه صلاته، ولا تكون خامسة.
= على نسخة مصورة عنها في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 347، والديباج، لابن فرحون: 1/ 30، والانتقاء، لابن عبد البر، ص: 62، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 241، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 57، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 154، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 11/ 467، وفهرس مخطوطات خزانة القرويين: 1/ 588.

وإن كبر بعد أن صار راكعًا ينوي (1) تكبيرة الافتتاح (2) - لم يحتسب بتلك الركعة، واحتسب بالإحرام، وتمادى، وقضى ركعة، وأجزأته صلاته.
وإن لم يكن نوى بها تكبيرة الإحرام أعاد، ومثله لو كبر وهو يريد السجود أو رافعًا منه يريد القيام.
وإلى هذا ذهب محمد، وليس بالبين؛ لأنه عقد الصلاة في غير قيام.

فصل [فيمن نوى الإحرام بتكبيرة الركوع، وفي الإمام ينسى تكبيرة الإحرام]

واختلف في الإمام والفذِّ إذا كبر للركوع ينوي بها تكبيرة الإحرام، فقال مالك: لا تجزئه الصلاة 3. وقال أبو الفرج: هذا على القول أن أمَّ القرآن هي 4 فرض في كل ركعة، ويقول: الصلاة تجزئ على القول أنها فرض في ركعة أو في جل الصلاة؛ لأنه يقرؤها في بقية الصلاة.
وقال ابن شعبان: وإنما بطلت لأنه تركها عمدًا.
يريد: أن قراءتها فرض في ركعة أو في جل الصلاة والزائد سنة، فإن ترك ذلك سهوًا أجزأته، وإن كان عمدًا لم تجزئه.
وإذا نسي الإمام ومن خلفه تكبيرة الإحرام لم تجزئهم صلاتهم، وإن نسيها الإمام وكبر من خلفه وهم عالمون أنه لم يكبر- لم تجزئهم أيضًا 5، وإن كانوا12

غير عالمين يظنون أنه كبر وهو ناسٍ أجزأتهم الصلاة، قياسًا على أحد القولين إذا أَمَّهُم وهو جُنبٌ أو على غير وضوء ولم يتعمد، وإن كان عامدًا لترك التكبير أو ناسيًا ثم ذكر فتمادى بهم- لم تجزئهم الصلاة.
وإن كبّر المأموم قبل إمامه وهو يظن أن الإمام قد كبّر ثم علم أنه لم يكبر- لم تجزئه، قال مالك: ويكبر بعد تكبير 1 الإمام ولا يسلم 2. وقال سحنون: يسلّم ثم يكبّر.
ولو صلى لنفسه بتلك التكبيرة لم يجزئه على قول مالك وأجزأه على قول سحنون.
وهذا أبين؛ لأنه عقد على نفسه الصلاة بإحرام؛ فلم يسقط حكم الإحرام.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يجزئه إن تمادى 3 على إحرامه.
وهذا اختلاف قول، إلا أن يكون أجاب على أصل قول مالك.
وقال أشهب في المجموعة: إذا سلم الإمام فجاء رجل يظن أنه في الصلاة فأحرم ودخل معه ثم انصرف الإمام- فإنه يمضي على صلاته، وليس عليه أن يستأنفها 4. واختلف إذا كان تكبير الإمام والمأموم معًا، فقال مالك في المجموعة: يعيد الصلاة.
وقال ابن القاسم: يعيد التكبيرة، فإن لم يفعل أجزأته الصلاة 5.

جارٍ التحميل