التبصرة للخميصفحات 4814-4853

كتاب الشركة

صفحات 4814-4853

فصل [في ما إذا كان البذر من عند صاحب الارض والعمل والبقر من عند الآخر]

واختلف إذا كان البذر من عند صاحب الأرض والعمل والبقر من عند الآخر، فأجازه سحنون، ومنعه محمد وابن حبيب.
فقال سحنون: إذا اشتركا على ذلك على أن ما أخرجه الله -عز وجل- من شيء فلصاحب الأرض والبذر 1 ثلثه، ولصاحب العمل ثلثه 2، وحق البقر الثلث، وكانت القيم 3 كذلك، جاز 4. ومثله إذا كانت البقر من عند صاحب الأرض والبذر، ومن عند الآخر العمل 5 على أن له الثلث والقيم 6 في ذلك أثلاثًا، فهو جائز.
وقال محمد في مثل هذا: هو فاسد، وقد كان يكون على أصله جائزًا؛ لأنه قال: إذا سلم المتزارعان من أن تكون الأرض لواحد والبذر لواحد جازت الشركة إذا تساويا 7. قال ابن حبيب: فإن نزل ذلك كان الزرع لصاحب الأرض والبذر، وللآخر إجارة عمله، إلا أن يقول له 8: تعال نتزارع على أن يكون نصف

أرضي ونصف بذري ونصف بقري كراء لنصف عملك، فيكون الزرع بينهما؛ لأن 1 هذا قبض نصف البذر في أجرته وضمنه 2. والصواب في جميع هذا الجواز، كما قال سحنون، إذا دخل على وجه الشركة، وأن يعمل البذر على أملاكهما، وإن كان على أنه يعمل على ملك صاحب البذر وللآخر ثلث ما يخرج، كان فاسدًا قولًا واحدًا؛ لأنه آجر نفسه بمجهول ما يكون بعد الخروج.
وإن اكتريا الأرض ثم تعادلا فيما سواها 3 جاز، بمنزلة ما لو كانت لهما، وإن اكتراها أحدهما، كان بمنزلة ما لو كانت له.
وأجاز 4 محمد بن المواز وسحنون إذا كانت ملكًا لأحدهما فاستأجر الآخر نصيبه منه بدنانير أو بدراهم أو بعروض 5. قال سحنون: فإن أخرج أحدهما البذر والآخر كراء الأرض وتكافآ في العمل، لم يجز، ويدخله كراء الأرض بالطعام 6. يريد: إذا اكتراها لنفسه، وإن اكتراها لهما وقال: أشاركك بالذي تكتري به 7، جاز، ولا يدخله كراء الأرض بالطعام.
وذكر سحنون عن ابن دينار أنه قال: إذا كانت الأرض ملكًا بينهما أو

باكتراء ومن عند الآخر البذر ومن عند الآخر العمل أن ذلك لا يجوز.
قال: وجعله مثل ذهب بذهب وعرض 1. وبنى ذلك على قول مالك: فيمن اكترى أرضه ممن يزرعها طعامًا بعسل أو سمن، فمنع ذلك؛ لأنه يدخله عنده الطعام بالطعام 2. فإذا جعل ما أخرجت الأرض 3 كان صاحب الأرض 4 بائعه، وإن كانت الزريعة من المكتري.
فكذلك تصير الشركة بما أخرجته الأرض يكون طعامًا بطعام وعرض، أخرج أحدهما بذرًا وما أخرجته أرضه, والآخر العمل وما أخرجته أرضه، وعلى هذا لا تجوز الشركة إذا كان البذر بينهما والأرض لأحدهما؛ لأنه طعام وأرض بطعام وعمل، وإن كانت الأرض والبذر من عند أحدهما والعمل من عند الآخر جاز.
وإن كانت الأرض لا خطب لها، جاز أن تلغى ويتساويا فيما سواها، وهو قول مالك وابن القاسم وسحنون ومنعه ابن عبدوس 5. وإن كانت لا خطب لها إذا كانت ممن له العمل والبذر من عند الآخر، قال: ويدخله كراء الأرض بالطعام.
وهو أقيس إذا كانوا يكرونها وإن قل، وإن كانت العادة أنها تمنح جاز.

فصل [في ما إذا كان البذر من عند الشريكين]

واختلف إذا كان البذر من عندهما، هل من شرط الصحة أن يخلطاه قبل الحرث؟ وهل يجوز أن يخرج أحدهما القمح والآخر الشعير؟ وإن كان أحدهما يحرث 1 في بلد والآخر في غيره؟ وإذا أسلف أحدهما الآخر 2 نصيبه من الزريعة؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة إذا أخرجا قمحًا أو شعيرًا وإن لم يخلطاه، وهو أيضًا أصلهما في الشركة في العين: الدنانير 3 والدراهم أنها جائزة 4 وإن لم يخلطا 5. واختلف عن سحنون، فقال مرة بمثل قول مالك، وقال مرة: إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو جمعاها في بيت، أو حملاها إلى فدان وبذر كل واحد في طرفه، وزرع واحد ثم زرع الآخر 6، فهو كما لو جمعاها في بيت، وإلا لم تصح ويكون لكل واحد ما أنبت حبه 7. ورأى 8 أن ذلك مبايعة تحتاج إلى مناجزة وتقابض، والخلط كالقبض، وهو أصله في الشركة بالدنانير والدراهم ألا تصح إلا بالخلط.

وقد اختلف قول مالك في الشركة بالطعامين إذا كان صفة 1 واحدة، فمنع ذلك مرة ورأى أنها مبايعة 2. فعلى هذا لا تجوز الشركة في الحرث إلا أن يكون جميعه من عند صاحب الأرض.
ويجوز على قوله أن الشركة جائزة إذا كان البذر من عندهما 3 وتساويا فيما بعد ذلك.
وتجوز الشركة إذا أخرج كل واحد منهما مائة دينار وعروضًا والآخر مثله.
واختلف عن سحنون إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنع ذلك مرة، وإن فعلا كان لكل واحد ما أنبتت زريعته، ثم رجع فأجاز ذلك إذا اعتدلت القيمة 4. يريد: والمكيلة.
ويجوز على هذا أن يخرج أحدهما قمحًا والآخر قطنية ويجمعاهما في بيت؛ لأنه كالقبض.
قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض ومُدَّي قمح ونصف مُدَّي شعير، والآخر مُدَّي قمح والعمل على أن جميع الزرع بينهما، جاز إذا كان العمل مكافئًا لكراء الأرض ولما أخرج ربها من الشعير.
قال ابن حبيب: لأن الشعير ثمن لبعض العمل 5. قال ابن سحنون: ولو أخرج صاحب القمح 6 أكثر مما أخرجه صاحبه، لم يجز، ودخله قمح بشعير ليس يدًا بيد، وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها،

ولو كان الشعير من عند صاحب العمل واعتدلا في القمح، لم يجز (1). قال ابن حبيب: لا بأس أن يشتركا بصنفين من الطعام إذا اشتركا في كل صنف (2). يريد: أن يخرج هذا قفيز قمح وقفيز فول أو حمص، ويخرج الآخر مثله.
وهذا مثل قول مالك: إذا أخرج أحد الشريكين مائة دينار وألف درهم والآخر مثله (3). قال محمد بن سحنون: لو اشتركا على أن يزرعا بالريف ثم ذهبا إلى الشام فزرعا؛ جاز ذلك في قياس قول سحنون.
ولو كان هذا يزرع بالفيوم ويخرج الآخر بذره فيزرعه (4) بالشام، لم يجز (5).

فصل [في ما إذا أخرح أحد الشريكين الأرض والآخر البذر]

وقال ابن حبيب: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر على أن نصفه سلف من عند صاحبه، لم يجز، والزرع بينهما نصفين؛ لأنهما ضمنا الزريعة وتكافآ في العمل وكراء الأرض 6.12345

وقال سحنون في "كتاب ابنه 1 ": الزرع لمسلفه وعليه كراء الأرض؛ قبض صاحب الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبضها، إلا أن يكون السلف بعد 2 صحة الشركة على غير شرط 3. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: إذا كان المتولي للعمل المسلف، كان الزرع له؛ لأن المسلف لم يقبضه ولا أفاته، وإن كان العامل المسلف 4، كان له منه 5 بقدر ما أسلفه؛ لأنه قبضه وأفاته بعمله.
ولو كانت الشركة على أن يسلف أحدهما الآخر الثمن ليشتري به نصيبه من الزريعة، كان الزرع بينهما نصفين قولًا واحدًا، بخلاف سلف الزريعة.
واتفق ابن القاسم وسحنون، إذا كان السلف بغير شرط في أصل العقد، أن الشركة صحيحة والسلف صحيح 6. قال ابن القاسم: ولو دفع أحد الشريكين لصاحبه دنانير ليشتري له نصيبه من الزريعة، فزرع ثم قال: لم أشتر شيئًا وإنما زرعت من عندي، لم يصدق والزرع بينهما، فإن صدقه كان بالخيار بين أن يعطيه المكيلة ويكون الزرع بينهما، وإن شاء أخذ دنانيره، وكان الزرع لزارعه 7.

قال يحيى بن عمر: إن صدقه أو قامت 1 البينة أنه من عنده، كان 2 الزرع لزارعه 3، ولا يجوز للآخر الرضا بأخذ نصفه ويدفع الزريعة.
يريد: لإمكان أن يكون اختار الترك ثم انتقل إلى الرضا فيدخله بيع الزرع قبل بدو 4 صلاحه.
قال ابن القاسم في كتاب محمد 5: إذا غاب أحد الشريكين بعد أن قلَّبا الأرض ثم زرع الآخر له ولصاحبه ثم قدم الغائب، فإن رضي جاز، وإن لم يرض لم يلزمه.
قال: وأحب إليّ إذا رضي أن يؤخر ذلك حتى يحصد فيأخذ الزارع منه بذره، ويكون ما بقي بينهما.
وإن زرعها 6 لنفسه، لم يكن للغائب في الزرع شيء، وله قيمة كراء نصيبه محروثًا.
وإن حرث نصفها، كان للغائب قيمة كراء نصف ذلك النصف.
وإن أحضر شهودًا لقسمة ذلك، لم ينفعه إلا بقسم السلطان 7. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- وقد قال في كتاب الرواحل: إذا أشهد جماعة، كان كحكم السلطان إذا لم يكن سلطان.

باب في الشركة (1) بالعروض والطعام

الشركة بالعروض على وجهين: فإن كان القصد بيع بعض أحدهما ببعض آخر وعلى أنهما لا يتجران في أثمانها إذا بيعا 2، كانت جائزة، وإن كان فيها تغابن أو تفضل 3 من أحدهما على الآخر.
وإن كانت الشركة ليتجرا بأثمانها، جازت الشركة 4 إذا كانت على أن لكل واحد منهما في الشركة مبلغَ قيمة سلعته، فإن اشتركا على المساواة والقيم مختلفة، لم يجز.
ثم هما فيها على ثلاثة أوجه: فإما أن يبيع كل واحد سلعة نفسه قبل قبضها منه أو بعد 5، أو 6 باع كل واحد سلعة الآخر، أو باع أحدهما سلعته وسلعة صاحبه.
واختلف إذا نزل وفات بالقبض أو البيع، هل تكون بينهما شركة في القيم، أو في الأثمان؟ فقال في "المدونة": لكل واحد منهما ما بيعت به سلعته 7. ولم ير بينهما شركة ولا قبض؛ لأن لكل واحد من الشريكين 8 أن يتصرف فيما باعه بالبيع بعد قبضه منه، فكان قبض المشتري كلا قبض.
والقبض الصحيح ما لا1

يتسلط 1 لبيعه فيه، فوجب لهذا أن تكون المصيبة بعد القبض من البائع والثمن له، كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل، وسواء كان بائع ذلك العرض مشتريَه أو بائعه.
والقول الآخر إن ذلك قبض، وهو قول مالك في الشريكين يُخرج أحدهما ذهبًا والآخر فضة، أن الشركة صحيحة والقبض صحيح تصح به المناجزة في الصرف 2. وإذا كان ذلك فقبض كل واحد من الشريكين سلعة صاحبه، ضمن نصف قيمتها يوم قبضها وعمرت ذمته بذلك وصار جميع ما تجرا فيه بينهما نصفين إذا باع كل واحد منهما 3 سلعة صاحبه بعد قبضها منه؛ لأن الثمن بينهما.
وإن كان بيعه لها قبل قبضها، كان في المسألة قولان: أحدهما 4: أن بيع المشتري كالقبض يوجب 5 عليه نصف القيمة ويكون له نصف الثمن.
والثاني: أن ذلك ليس بقبض والثمن لمن كانت له تلك السلعة، وإن باع كل واحد منهما 6 سلعة نفسه قبل قبضها منه، أو بعد قبضها وقبل أن يفوت عند القابض بحوالة سوق أو جسم، كان الثمن له دون الشريك.
وإن كان بيعه لها بعد القبض والفوت بتغير سوق أو جسم، كان الثمن

بينهما وعلى كل واحد نصف قيمة سلعة (1) صاحبه.
وإن قبض أحدهما سلعة صاحبه ثم باعهما (2) جميعًا، كان (3) ثمن سلعته له (4)، وثمن سلعة صاحبه بينهما وعليه لصاحبه نصف قيمتها (5). وإن اتجرا بعد ذلك كان المشترى بينهما على قدر ذلك، لأحدهما بقدر (6) ثمن جميع سلعته ونصف ثمن سلعة صاحبه، وللآخر قدر نصف ثمن سلعة صاحبه خاصة (7). وإن أخرج أحدهما عروضًا والآخر عبيدًا أو حيوانًا أو طعامًا، كانت (8) الشركة إذا اعتدلت القيم جائزة، ولم تجز إذا اختلفت القيم واشتركا (9) على المساواة في القيم.
والجواب إن نزل ذلك (10) على ما تقدم في العرضين (11).

فصل [في الشركة بالطعامين]

لا تخلو الشركة بالطعامين من 12 أربعة أوجه: إما أن يكونا صنفًا واحدًا1234567891011

وهما في الجودة سواء، أو بعضهما أفضل من بعض، أو جنسين قمحًا وشعيرًا، أو صنفين قمحًا وتمرًا 1. وقد اختلف في الشركة في جميع هذه الأوجه.
فأجاز مالك 2 في "المدونة" الشركة إذا كان الجنس واحدًا والجودة سواء، بمنزلة لو كانت دنانير كلها أو دراهم كلها 3، ولم يرها مبايعة، ويجوز على هذا وإن لم يخلطاها، ثم رجع عن ذلك ورأى أن الطعام مما تختلف فيه الأغراض بخلاف الدنانير فيدخلها 4 المبايعة من بعضها ببعض 5، وإذا دخلت المبايعة منع لأجل عدم المناجزة.
وقد أجاز مرة أن يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم وهي مبايعة، وإذا كان ذلك جازت الشركة بالطعامين مع تسليم القول: إنها مبايعة إذا قبض كل واحد منهما طعام الآخر.
وأجاز ذلك محمد إذا خلطا الطعامين 6. وإن اختلفت الجودة لم تجز الشركة على قيم الطعامين؛ لأنه ربًا، وسواء كان الفضل يسيرًا أو كثيرًا، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا؛ لأن ذلك الفضل في الشركة لا يجوز في عرض ولا في طعام، وإن كان الفضل يسيرًا واشتركا على الكيل جاز على قوله في "المدونة" 7، والقياس المنع؛ لأن من له الفضل إنما 8 تركه لمكان الشركة

والتجر في المستقبل، وإن لم يقصد التجر بأثمانهما جاز، وهذا إذا كانت سمراء كلها أو محمولة كلها.
وإن كان من عند أحدهما سمراء والآخر محمولة، لم تجز الشركة أيضًا على القيم، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا، وإن كان يسيرًا، جاز على القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض فإن المحمولة أدنى، وعلى القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض 1 وتراد 2 في بعض الأوقات للزريعة، فلا يجوز لأنها تدخلها 3 المبايعة، إلا على القول بإجازة الصرف في الشركة ويقبض كل واحد طعام صاحبه.
واختلف إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنعه ابن القاسم في "المدونة" 4. واختلف فيه عن سحنون، فمنعه مرة وأجازه أخرى إذا اعتدلت القيم 5. يريد: والكيل وقبض كل واحد منهما طعام الآخر.
وإن أخرج أحدهما قمحًا والآخر تمرًا 6 كانت مبايعة، ويختلف في جواز الشركة, فعلى القول بإجازتها يأخذ كل واحد منهما طعام الآخر أو يجمعانه.
وقال ابن القاسم: إذا اشتركا في قمح شركة فاسدة ثم خلطاه كان لكل واحد منهما قيمة طعامه يوم خلطاه 7. وقال محمد: يقتسمان الثمن والربح

نصفين 1. ورأى 2 أن ذلك قبض، فتعمر ذمة كل واحد منهما بمثل نصف 3 طعام صاحبه، ويكون الموجود بينهما نصفين.
ولم يره ابن القاسم قبضًا، ولا يكون نصفين، ولا 4 يضمن أحدهما لصاحبه شيئًا 5؛ لأن خلطهما بإذن منهما وليس بتعد، وإذا ارتفع العداء 6 كان كالذي اختلط بأمر من الله وتكون الشركة فيه على القيم 7. وإذا اشترك رجلان على أن يخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفين والربح بينهما على رأس الأموال، وكذلك إن لحقهما دين بعد أن خسر المال وذهب فيه، فعلى صاحب الألف ثلث الدين، وعلى صاحب الألفين ثلثا الدين.
وقيل: على كل واحد ما تداين به بعد تلف رأس المال 8.

باب في عقد الشركة هل (1) يلزم الوفاء به؟

وإذا كانت الشركة بأن أخرجا دنانير ودراهم ليشتريا بها 2 سلعة بعينها لا يقدر أحدهما على شرائها بماله بانفراده، لم يكن لأحدهما الرجوع عن ذلك؛ لأنهما أوجبا أمرًا جائزًا يتعلق به حق لمن طلب الوفاء به، وإن كان يقدر كل واحد بانفراده على شرائها 3 وكان شراء الجملة أرخص فكذلك.
وإن كان الشراء في الجملة وعلى الانفراد سواء، جرت على القولين فيمن اشترط شرطًا جائزًا لا يفيد، فاختلف هل يلزم الوفاء به أم لا؟.
وإن كانت الشركة ليتجرا في شيء بعينه وما لا أمد لانقضائه، كان لكل واحد منهما الرجوع عن ذلك، وتكون له دنانيره وإن كان لها فضل؛ لأنه إنما رضي أن تكون بينهما لمكان التجر في المستقبل، فإذا لم يصح له 4 كان له دنانيره.
وكذلك 5 إذا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم -على قول من أجاز ذلك- ثم بدا لأحدهما، فيكون له ما كان أخرجه؛ لأنه لم يكن له غرض في الصرف إلا 6 لمكان الشركة والتجر في المستقبل.
ويجري فيها قول آخر: أنه تلزم الشركة لأول نضّة، قياسًا على أحد قولي مالك فيمن عقد الكراء مشاهرة؛1

أنه يلزم 1 أول الشهر 2. وإن كانت الشركة في سلع أخرج كل واحد منهما سلعة، كانت الشركة على ثلاثة أوجه: فإن كان القصد بيع نصف إحداهما 3 بنصف الأخرى لا أكثر من ذلك، كانت لازمة لا رجوع لأحدهما 4 عنها، ومن دعا منهما إلى المفاصلة والبيع كان ذلك له.
وإن كان قصدهما التربص بها لما يرجى من حوالة الأسواق لموسم يرجى وما أشبه ذلك -وذلك القصد لو لم تكن شركة- كان القول قول من دعا إلى تأخير المفاصلة إلى الوقت المعتاد ويصير حكمهما فيها 5 حكم القراض، أنه لا يمكَّن أحدهما من بيعه قبل الأوان الذي يؤخر إليه، إلا أن يكون مما ينقسم 6 من غير نقص ولا مضرة فيقسم بينهما، وهذا في الشريكين.
وإن كان القصد تمادي التجر بأثمانها 7 كان القول قول من دعا إلى ترك التجر بأثمانها 8 في المستقبل على أحد قولي مالك في الكراء، ويكون لمن أحب التماديَ الخيارُ في نقض الشركة في العرضين 9 دون من أحب ألا يتمادى فيها؛ لأن مقال من أحب التماديَ أن يقول: لم أقصد باخراج عرضي 10 والشركة فيه إلا لمكان ما

نرجو من التجر في المستقبل، ولولا ذلك لم أشاركك 1 فيه 2، فإذا لم تمكني من الوجه الذي 3 شاركتك له عدت في عرضي، ولا مقال في ذلك لمن كره التمادي؛ لأن الآخر يقول: قد ملكت عليك نصف عرضك ومكّنتك من الوجه الذي قصدت الشركة لأجله.
ولو أخرجا دنانير ثم سافر أحدهما بالمال، لزمت الشركة، وليس للحاضر أن يوكل من يأخذ ذلك منه بعد أن خرج الآخر لأجله، وليس للذي سافر بالمال أن يترك الشركة ويوقف له ماله هناك، ولو سافرا جميعًا وكان السفر لأجل التعاون بالمالين وإنما يتجران فيما لا يقدر أحدهما أن يتجر فيه على الانفراد، لكان القول قول من دعا إلى التمادي لأول نضة.
واختلف في الشركة في الحرث إذا أراد 4 أحدهما النزوع 5 قبل الحرث.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك له.
وقال سحنون: ليس ذلك له.
وإن كانا قد بذرا، لم يكن لواحد منهما النزوع قولًا واحدًا؛ لأنه لا 6 تجوز قسمته، بذر من الأرض أو لم يبذر.
وقال ابن حبيب: إن ذهب السيل بذلك الزرع لم يجبر أحدهما على أن يعيد بذرًا آخر.
وإن هلك ثور أحدهما أو غلامه أو بعض الأداة جبر الآبي منهما، وإن ذهب البذر قبل أن يزرعا أو بذر أحدهما، لم يجبر الآبي منهما 7. وقول سحنون أبين، وهو الأصل في الشركة في المعينات، هذا إذا اشتركا ليعملا بطنًا واحدًا، وإن كان ليعملا في المستقبل ولم يسمّيا، لزم أول بطن على أحد القولين.

باب في نفقة أحد الشريكين [ونفقة العيال]

وإذا كان الشريكان 1 لا عيال لهما، أو لهما عيال سواء، أو بينهما الشيء اليسير كانت النفقة والكسوة ملغاة، وسواء كانا في بلدين أو في بلد واحد 2 اتفق سعرهما أو اختلف، هذا هو الظاهر من المذهب.
والقياس: إذا كان البلدان قرارًا لهما أيحاسب من كان في البلد الغالي بما بين السعرين؟ فإن لم يكن واحد منهما في قراره لم يحسبا ما بين السعرين، وإن كان أحدهما في قراره وهو أغلاهما سعرًا حوسب بما بين السعرين 3، وإن كان الآخر أغلاهما لم يحاسب بذلك الفضل؛ لأنه خرج من سبب المال ولتنميته، وقد كان في مندوحة عن الإنفاق من ذلك الغلاء، فإذا كان كل واحد في قراره، أو كان أغلاهما من هو في قراره دون من خرج لسبب المال، كان من حق أقلهما سعرًا أن يحسب 4؛ لأن الأصل أن نفقة كل واحد من الشريكين على نفسه وعياله مما 5 يخصه، وما سواه 6 فهو للعادة، فإن كانت العادة الإنفاق من الأوسط 7، جاز ذلك على أصل ما تجوز عليه الشركة، وهي المساواة في الانتفاع، وأن يكون الربح على قدر رؤوس الأموال، فإذا تراضيا على أن يأخذ أحدهما من الربح أكثر من الآخر لم يجز، وكل

موضع تلغى فيه النفقة فإنه تلغى فيه الكسوة إذا كانت مما تبتذل.
وإن تساوى العيال في العدد وتباينوا في السن تحاسبوا 1 بفضل ذلك كتباين اختلاف العدد.
وإن كانت مما لا تبتذل واشتريت من مال الشركة، كان ربحها داخلًا في المال وخسارتها على مشتريها ويحاسب بما 2 وزن فيها، وإن علم لذلك قبل دفع الثمن، كان 3 الشريك الآخر بالخيار بين أن يردها للشركة أو يمضيها 4 له خاصة ويمنعه من وزن ثمنها من مال الشركة، إلا أن يسقط من نصيبه من المال قدرها.
وإن غاب المشتري وطلب البائع الشريك الآخر بالثمن، لم يكن ذلك له.
وإن قال مشتريها: اشتريتها 5 على غير مال الشركة لاستقراض الثمن أو لأخذه من الشركة وتسقط الشركة فيما ينوب ثمنها، كان ذلك له ولم يكن للآخر من ربحها شيء.
وإن اختلف رأس المال فكان لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث وتساوى العيال، لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بقدر جزئه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله ليحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه لا 6 يأخذ من المال أكثر مما أخذ صاحبه.

باب في اختلاف المتفاوضين والشريكين والشهادة في ذلكـ

ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن أقام 1 البينة على رجل أنه مفاوضه 2: كان جميع ما في يدي 3 الذي قامت عليه البينة بينهما، إلا ما أقام البينة عليه أنه ورثه أو وهب له أو كان له قبل المفاوضة، وأنه لم يفاوض عليه 4. وهذا إذا أنكر الآخر المفاوضة 5. ولو أقر واختلفا في الأجزاء، فقال أحدهما: نصفين.
وقال الآخر: لك الثلث ولي الثلثان؛ لاقتسما السدس على أصله نصفين؛ لأن المفاوضة تقتضي كون أيديهما على جميع أملاكهما وتصرف كل واحد منهما فيه مع إمكان أن يكون ذلك نصفين أو الثلث أو 6 الثلثين، ولأنهما لو تفاوضا في جميع أملاكهما 7 على مثل ذلك من اختلاف الجزء، لقيل: هما متفاوضان، إلا أن يكون قوم لا يوقعان 8 المفاوضة إلا على ما استوت أجزاؤه.

ولو أقام رجل البينة على رجل أنه شريكه، لم يقض بالشركة في جميع أملاكهما 1؛ لأن ذلك يقع على بعض المال وعلى جميعه.
ومن كتاب ابن 2 سحنون: ومن أقر أنه شريك فلان في القليل والكثير، كانا كالمتفاوضين في كل ما في أيديهما، إلا أنه لا يجوز إقرار أحدهما على الآخر بالدين ولا بالوديعة ولم يتقاررا أنهما شريكان في التجارة، كان ما بأيديهما من التجارات بينهما، ولا يدخل في ذلك مسكن ولا خادم ولا طعام.
وإن قال أحدهما: هذا الذي في يدي ليس من الشركة إنما أصبته من ميراث أو جائزة أو هو بضاعة لرجل أو وديعة، صدق مع يمينه، إلا أن يقيم الآخر بينة أنه من الشركة، أو أنه كان في يديه يوم أقر، فإن أقر أنه كان في يديه يوم أقر بالشركة، كان بينهما؛ لأن 3 العين من التجارة، ولو كان بيده متاع من متاع التجارة، وقال: ليس هو منها ولم يزل في يدي قبل الشركة، كان بينهما ولم يصدق 4. قال: وإن قال: فلان شريكي ولم يزد، ثم قال: إنما عنيت في هذه الدار أو الخادم، صدق مع يمينه.
وإن قال: شريكي في متاع كذا، صدق.
وإن قال: في كل 5 تجارة، وقال الآخر: فيما بين يديك 6 ولست شريكي فيما في يدي صدق مع يمينه.
وإن قال في حانوت في يديه: فلان شريكي فيما فيه 7، ثم أدخل فيه

عدلين رضيا 1، فقال: ليس هو من الشركة، وقال الآخر: قد كان في الحانوت يوم إقراره، كان القول قول من قال 2 إنه كان فيه، إلا أن يقيم الآخر البينة أنه لم يكن فيه يومئذ 3. قال: وقال سحنون أيضًا وأشهب: لا يكون بينهما ويصدق من قال أنه قال 4 أدخله بعد الإقرار؛ لأن ما في الحانوت غيرُ معلوم 5.

باب في مقاسمة أحد الشريكين مال الشركة بغير رضا شريكه

وإذا سافر أحد الشريكين بمال من شركتهما فلما بلغ البلد قسم ذلك الربح 1 واشترى لنفسه ولشريكه على الانفراد، فهلك أحد المالين أو سلما واختلف الربح، كان للمقيم أحسن ذلك وأفضله، فإن كانت الخسارة أو الضياع فيما جعله لنفسه 2، كان منه خاصة وكان للآخر 3 السالم بربحه؛ لأنه لا يختار إلا إجازة القسمة.
وإن كانت الخسارة أو الضياع في نصيب المقيم كان النصيب السالم بربحه بينهما وتلف الآخر وخسارته منهما 4 ولا يضمن للمقيم من ذلك شيئًا 5؛ لأنه لم يتعد 6 إلا في النية خاصة في قوله: هذا لي وهذا لصاحبي، والنية في هذا لا توجب ضمانًا، وإنما يضمن لو رفع يده عن نصيب صاحبه وجعل يد غيره عليه.
ولو كان الشركاء ثلاثة لكل واحد مائة دينار، فسافر اثنان منهم بجميع المال، ثم اقتسماه في سفرهما نصفين، ثم تجرا وربح أحدهما وخسر الآخر، كان الجواب على ما تقدم: له ثلث ما في يد هذا على خسارته وثلث ما في يد الآخر بربحه، ولا يرجع من خسر على من ربح بشيء؛ لأن مقاسمتها على أنفسهما

جائزة وعلى الغائب غير جائزة، وحكمها 1 على الغائب بمنزلتهما لو تجر كل واحد منهما بنصف المال على أن الشركة قائمة بين جميعهم، ويكون كل واحد 2 منهما بنصف المال على الشركة، فإنه بين جميعهم، ولا يكون واحد منهما 3 متعديًا برفع يده عن الذي بيد صاحبه بخلاف الوصيين؛ لأن لأحد الشريكين أن يشتري بانفراده من غير مطالعة صاحبه، وإذا كان ذلك كان التعدي في النية ويكون معهما بمنزلة من لم يقسم فله 4 ثلثا 5 الجميع على الشياع 6 وذلك يؤدي إلى أن يأخذ ثلث ما في يد كل واحد، إلا أن يكون قدم إليهما المقيم ألا يقسما فيضمن التلف دون الخسارة؛ لأنهما يبقيان في الاشتراء على الأصل أن كل واحد منهما يشتري بغير محضر الآخر ما رآه صوابا، ويكون ذلك تحت أيديهما، إلا أن يكون الاشتراط ألا يشتري أحدهما بغير اجتماع من رأي صاحبه فيضمن الخسارة، وله أن يأخذ بما يجب له عن 7 الضياع أو الخسارة أيُّهما أحب، فيضمن من لم يضع ذلك عنده ومن لم يتول الشراء خسارة ما اشتراه 8 صاحبه؛ لأنه متعد 9 في رفع يده عنه، ويضمن ذلك من كان عنده؛ لأنه متعد في انفراده في النظر فيه.

واختلف فيما يكون له من الربح في يد الآخر، فقيل: يكون 1 له ثلث ذلك.
وقيل: نصفه.
والأول أحسن، وإنما له ما 2 في يد كل واحد منهما نصفها.
وقال ابن القاسم في أحد المتفاوضين يشتري شراء فاسدًا، قال: ذلك لازم لشريكه، وليس كل الناس فقهاء يعرفون ما يشترون وما يبيعون، وإذا فات 3 كانت القيمة على الشريكين جميعًا 4.

باب في مشاركة الحر العبد والمسلم النصراني والرجل المرأة

قال ابن القاسم: ولا بأس بمفاوضة الحر العبد ومشاركته إذا كان مأذونًا له في التجارة 1. قال الشيخ -رحمه الله-: فإن لم يكن مأذونًا له في التجارة 2 وكان العبد المتوليَ للبيع 3 والشراء، لم يكن على الحر في ذلك مطالبته إن هلك المال أو خسر فيه، وكذلك إن توليا جميعًا الشراء ووزن كل واحد منهما ما ينوبه وأغلقا عليها 4 ولم ينفرد الحر بها، وإن كان الحر هو المتولي لذلك ضمن رأس المال إن هلك أو خسر.
ولا ينبغي مشاركة النصراني لعمله بالربا واستحلاله ما حرم علينا، إلا ألا 5 يغيب النصراني على شيء من 6 ذلك، فإن فعل استحب للمسلم أن يتصدق بنصيبه من الربح، لإمكان أن يكون عمل بالربا، وإن شك هل تجر به في الخمر؟ استحب له أن يتصدق بالجميع، وإن علم أنه سلم من ذلك، لم يكن عليه شيء.

قال ابن القاسم: ولا بأس بشركة الرجل المرأة 1. يريد 2 إذا كانت متجالة أو شابة ولا تباشره في تلك المتاجر 3؛ لأن كثرة محادثة الشابة للرجل تبقي فيه الفتنة، فإن كان بينها وبينه واسطة فلا بأس في ذلك 4.

باب في وطء أحد الشريكين جارية من الشركة وإذا اشترى من المال جارية لنفسه

ولا يجوز لأحد الشريكين أن يطأ جارية من الشركة، ولا أن يشتري جارية 1 من المال ليطأها 2، أذن الشريك له في ذلك أم لم يأذن 3، فإن فعل ووطئ جارية من الشركة بغير إذن شريكه، كان الذي لم يطأ بالخيار بين أن يضمّنه قيمتها أو يقاوله فيها.
واختلف هل يردها في الشركة؟ وإن اشتراها لنفسه فأدرك قبل أن يمسها، كان بالخيار بين أن يمضيها 4 له بالثمن الذي اشتراها به، أو يردها في الشركة.
وإن لم يعلم حتى أصابها، كان بالخيار 5 بين أن يمضيها له بالثمن، أو يضمنها 6 له بالقيمة، أو يقاويه فيها.
واختلف هل يردها في الشركة؟ فمنع ذلك ابن القاسم في "المدونة" وأجازه غيره 7. وأرى إن كان فعل الشريك ذلك جهلًا يظن أن ذلك يجوز له

لمكان الشركة ولو علم بتحريم ذلك لم يفعل، جاز بقاؤها تحمت أيديهما، فإن أتى ذلك عالمًا، لم يجز بقاؤها تحت أيديهما وحازها عنه الشريك الآخر إذا كان مأمونًا وله أهل، وإلا جعلت على يد عدل حتى تباع.
وقد قال ابن القاسم في "كتاب المدنيين" فيمن وطئ أخته من الرضاعة بملك اليمين: أنها تباع عليه إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلًا يظن أن ذلك يجوز له ولا يتهم في حاله إلى العودة لمثل ذلك، لم تبع عليه 1. وأجاز في كتاب محمد 2 الاستبراء فيمن جمع بين 3 أختين في الوطء بملك اليمين 4، ثم عادت إليه إحداهما بعد البيع قبل أن يطأ الباقية عنده، أن يجتمعا في ملكه 5. ومحمل هذا على أن فعله الأول كان على وجه الجهل.
وكذلك الذي يصيب زوجته بعد الإحرام وهو عالم بتحريم ذلك، فرق بينهما عند الإحرام الثاني، وإن كان جاهلًا ولو علم بتحريم ذلك لم يصب، لم 6 يفرق بينهما.
ولو اشترى أحد الشريكين جارية للتجارة وليصِيبَها وكان اشتراءُ 7 مثلها للتجارة 8 حسنَ نظر وعلم بذلك قبل أن يصيبها -لم يضمن الثمن الذي

اشتُرَيتْ 1 به وكانت شركة بينهما، وإذا كانت إصابة أحد الشريكين بإذن شريكه، لزمته القيمة 2، حملت أو لم تحمل 3؛ لأنه تحليل.
وإن اشتراها بإذن شريكه، ردت إلى الشركة وحيل بين مشتريها وبين إصابتها ولم يلزمه غرم ما اشتراها به 4؛ لأن مقتضى الإذن أن تكون على ملكهما، وإن بيدت بربح أو خسارة، كان ذلك لهما وعليهما، وإن لم يعلم حتى وطئ، كانت عليه بالقيمة من غير خيار لواحد منهما، وعلى هذا يجري الجواب إذا فعلا ذلك جميعًا، فإن كان فعله بغير علم من شريكه، خوطب كل واحد منهما بمثل ما تقدم إذا كان الفعل من واحد، وإن كان بعلم صاحبه وبإذنه بمثل ما تقدم 5 إذا كان الإذن من واحد والفعل من الآخر وحده.

باب في أحد الشريكين يستدين أو يبيع بالدين 1 أو يؤخر به 2 أو يضع منه أو يهب أو يعير أو يستعير أو يودِع أو يودَع 3 أو يؤاجر نفسه أو يعمل بقراض أو يتحمل 4 أو يبضع وكيف إن مات المبضع قبل أن يشتري المبعوث معه المال

5 ويجوز 6 لأحد الشريكين أن يشتري بما 7 لم ينضّ معه ثمنه إذا كان الشراء على النقد لينقد بعد اليومين والثلاثة، وهذا مما لابد للناس منه، ولا يشتري بثمن مؤجل، فإن فعل وكان ذلك بغير إذن شريكه، كان الشريك بالخيار بين القبول أو الرد، ويكون الثمن عليه خاصة، وإن كان ذلك بإذن شريكه في سلعة بعينها، جاز الشراء على مثل 8 ذلك.
وإن كان شيئًا بغير عينه، لم يجز ذلك ابتداء، فإن فعل كان المشترى شركة بينهما على المستحسن من القولين في الشركة على الذمم، ولا يجوز أن يعقدا 9 الشركة على ما بأيديهما وعلى 10 أن

يشتريا بأكثر منه، فإن فعلا كان ما اشتريا شركة بينهما.
واختلف في بيع أحدهما بالدين، فأجازه ابن القاسم في "المدونة" (1)، وروى عنه أصبغ أنه قال: لا يجوز (2). والأول أحسن؛ لأن كل ذلك من نحو ما دخلا عليه من التجارة وتنمية المال.

فصل [في تأخير أحد الشريكين على وجه المعروف]

وتأخير أحد الشريكين على وجه المعروف لا يجوز، ولشريكه 3 أن يرد التأخير في نصيبه من ذلك الدين، وأما نصيب صاحبه، فإن كان لا ضرر عليهما في قسمة الدين حينئذ؛ مضى التأخير في نصيب من أخّر، وإن كان عليهما في ذلك ضرر وقال من أخر: لم أظن أن ذلك يفسد 4 عليّ شيئًا من الشركة، رد جميع ذلك، فإن لم يعلم بتأخيره حتى حل الأجل، لم يكن على من أخر في ذلك مقال.
فإن أعسر الغريم بعد التأخير 5، ضمن الشريك لشريكه نصيبه منه, وإن كان تأخيره إرادة الاستيلاف، جاز ذلك على شريكه، ولا ضمان على من أخّر إن أعسر الغريم بعد ذلك، إلا أن يكون الغريم ممن يخشى عُدْمُه والعجز عن الأداء، فيرد في التأخير ويعجل جميع الحق، وإن لم يردّ حتى أعسر، ضمن الشريك إذا كان عالمًا بذلك.12

وقد قيل: لا يجوز التأخير إرادة الاستيلاف؛ لأنه من باب سلف بزيادة (1). والأول أحسن، وليس هذا داخلا في معنى الحديث في النهي؛ لأن هذا إنما يرجو حسن المعاملة من سائر الناس وقد يعامله هذا الغريم أو لا يعامله.
وإن وضع أحد الشريكين، كان الجواب على ما تقدم في التأخير، فلا يجوز على وجه التأخير (2) المعروف، ثم ينظر هل يمضي نصيب الذي وضع من ذلك؟ ويجوز إن أراد الاستيلاف، إلا أن يكثر فيما حط فيرد الزائد على ما يراد به الاستيلاف.

فصل [في ما تجوز إعارته من الشريكين]

ويجوز لأحد الشريكين أن يعير الشيء الخفيف 3 كالماعون وما أشبهه مما العادة أن الشريك يفعله بغير إذن شريكه 4، وكالدابة لمن يقضي عليها حاجة ليس ليسافر 5 بها، ولا يجوز فيما كثر إلا أن يكون ذلك لمن عادته مبايعته 6 فيرجع إلى الاستيلاف أو لمن يخشى 7 رده.
وأما استعارته، فهي على ثلاثة أوجه: تجوز فيما لا يغاب عليه؛ لأنه غير12

مضمون.
وفيما 1 يغاب عليه إذا كان لا خطب له.
ويمنع مما 2 يغاب عليه وله خطب 3. قال ابن القاسم: فإن استعار كان ضمان ذلك على 4 المستعير دون شريكه؛ لأن شريكه يقول: أنا لم 5 آمرك بالعارية ولو 6 استأجرت لم أضمن، وقد يستعير الدابة والسفينة قيمتها مائة دينار وكراؤها دينار وهذا يدخل على صاحبه الضرر 7. ومحمل قول ابن القاسم في ذكر الدابة والسفينة قدر القيم 8، ليس لأنها مضمونة أو يكون مذهب الحاكم بالموضع تضمينَ العواري.
وإن كانت مما لا يغاب عليها، فإن كان الحاكم ممن لا يرى التضمن فعزل قبل النظر في ذلك وولي غيره فضمنه، لكان الضمان عليهما.
وإن كان مذهب الحاكم الأولِ التضمينَ والمستعير يجهل ذلك، لكان الضمان عليهما على اختلاف فيه 9. قال ابن القاسم: وليس 10 كل الناس فقهاء 11.

وقد اختلف في تضمين من وكَّل على شيء فاجتهد فأخطأ هل يضمن؟ فهو في هذا أعذر، والغالب اليوم أن الناس يرغبون في العارية لئلا يؤدوا أجرة، ويحملون الأمر في الضياع على السلامة وأنه من النادر.
وأرى أن يكون الضمان عليه وعلى شريكه وإن كانت مما يعاب عليه، وإذا استعار أحد الشريكين دابة فحمل عليها الشريك الآخر 1.

باب في أحد الشريكين يودِع أو يودَع أو يشارك أو يعطي قراضًا أو يأخذه أو يبضع وكيف إن مات المبضع قبل أن يشتري المبعوث معه بالمال

1 ولا يجوز لأحد الشريكين أن يستودع شيئًا من مال الشركة إلا لعذر 2، وكذلك أحد المتفاوضين، وله أن يقبل الوديعة اختيارًا من غير عذر، فإن مات المودع ولم توجد الوديعة، كانت في ذمته وحده شريكًا كان أو مفاوضًا، فأما الشريك فلإمكان أن يكون فيما يخصه من المال الذي لم يشارك فيه، ولأن أمره فيها متردد بين ثلاثة أو جه: الضياع، أو إدخالها فيما يختص به، أو فيما يشتركانه.
فكان إدخالها 3 فيما يخصه أو لى، ولا يغرم الآخر بالشك، ولا يحمل على التلف؛ لأن الغالب التصرف فيها إذا كانت عينا، ذهبًا 4 أو فضة.
وقال ابن القاسم في المتفاوضين مثل ذلك أن الوديعة في نصيب المستودع خاصة 5. ولو قيل في المتفاوضين: إنها في نصيبهما جميعًا لكان مذهبًا؛ لأنه على أحد أمرين: إما أن يكون أدخلها في المفاوضة، أو أنفقها 6، وأي ذلك كان فإن له أن يرجع بها في جميع المال؛ لأن الإنفاق يجب من جميع المال، فإذا أنفق من

غيره كان العوض عنها من جميع المال، وقد يحمل قوله على أن لأحدهما مالًا لم يتفاوضا فيه.

فصل [في ما إذا تجر المودع في وديعة لنفسه]

وإن تجر المودع في وديعة لنفسه، لم يدخل شريكه في ربحها، وإن نوى أن يكون تجره فيها لهما، كان لشريكه نصيبه من الربح؛ لأنه لا يختار إلا الإجازة، ولا شيء عليه من الوضيعة؛ لأنه لا يرضى بإجازة تجره لهما.
وإن تجر فيها برضا شريكه، كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: الربح بينهما والوضيعة عليهما وإن لم يعمل معه.
وقال غيره: إن عمل كان ضامنًا ولا شيء له من الربح وله على شريكه الأجرة، وإن رضي ولم يعمل لم يضمن وله الربح يأخذه ما لم يفت العامل بالوديعة أو يفلس، قال: بمنزلة من قال لرجل لك نصف ما أربح في هذه السلعة 1. فجعله ابن القاسم سلفًا صحيحًا لما تقدمت الشركة وانعقدت 2 بوجه صحيح استخف أن يسلف أحدهما الآخر ليتجرا 3 جميعًا.
وقد أجاز مالك أن يخرج أحد 4 الشريكين مائتي دينار والآخر مائة ليتجرا فيها نصفين إذا كان ذلك من صاحب المائتين لصداقة بينهما أو 5 معروف.

وكذلك إذا تقدم الشركة استخف مثل ذلك، وأجرى غيره الجواب فيها 1 بمنزلتهما لو لم يشتركا أنه لا يجوز لأحدهما أن يخرج مالًا فيسلف نصفه ليكونا شريكين فيه؛ لأن السلف في الوديعة والمنع بيد 2 المودع فهو المسلف 3 لصاحبه، فإن كان ربح، كان للموح وعليه الأجرة كما تقدم في أو ل الكتاب إذا أخرج أحدهما مائتين والآخر مائة، وإن كان فيها خسارة، كان الضمان على المودع إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا ضمن الثاني نصفها؛ لأن السلف 4 الأو ل كان لوجه جائز، فمع اليسر لا يضمن الشريك لشريكه شيئًا؛ لأنه أذن له, ومع العسر مقال العامل مع المستحق؛ لأنه لم يأذن له أن يدخل يده فيها، وإذا لم يعمل فيها لم يضمن؛ لأنه كان قراضًا فاسدًا ولم يعمل به، فينبغي ألا يكون له شيء من الربح؛ لأن المودع لم يرض أن يكون له شيء من الربح إلا ليكون الأصل سلفًا عنده ويكون ضامنًا 5، وإذا لم يصح الضمان لم يكن له الربح.
وإذا استودع أحد الشريكين فردها المودع على الشريك الآخر برئ إذا صدقه.
ويختلف فيه إذا كذبه، فقال ابن القاسم: يضمن 6. وعلى قول عبد الملك القول قول الودع أنه ردها إلى شريكه مع يمينه ويبرأ.
وإن استودع رجل أحد المتفاوضين أو الشريكين وديعة، لم يكن له أن

يجعلها عند صاحبه، فإن فعل ضمن؛ لأن صاحبها إنما (1) رضي أمانة من دفع إليه.

فصل [في مشاركة أحد الشريكين ثالثًا]

مشاركة أحد الشريكين ثالثًا 2؛ على ثلاثة أو جه: فإن شارك في شيء بعينه، سلعة أو عبدًا أو بدنانير يخرجها من مال الشركة 3 فشارك فيها 4 آخر ليتجرا في ذلك، جاز.
فإن جعله ثالثًا معهما لم يجز، فإن فعل فربح أو خسر أو ضاع المال وكان المتولي للشراء 5 أو كان تحت يديه، لم يضمن لشريكه شيئًا 6، وإذا كان الآخر هو المتولي للشراء أو الدفع، ضمن الخسارة والضياع.
وكذلك إذا تولى الآخر الشراء وجعله تحت يدي 7 الأول؛ لأنها سلعة متعدى 8 في شرائها.
وإن تولى الأول الشراء وجعل عند الآخرة لم يضمن الأول خسارة ولا1

وضيعة (1)؛ لأنه بمنزلة من أودع لعذر.
ويجوز لأحد المتفاوضين أن يقارض وأن يبضع من غير مطالعة لصاحبه إذا كان المال واسعًا يحتاج (2) فيه إلى مثل ذلك، فإن لم يكن فيه فضل عنهما لم يخرجه عن (3) نظره إلا برضا شريكه، أو يكون ذلك في شيء بار عليهما وبلغه عن بلد نفاق ولا يجد إلى (4) السفر به سبيلا (5) أو يبلغه عن سلع صلاح ببلد فيبعث ما يشبه أن يبعث به من مثل ما بأيديهما، ومثل هذا يعرف عند النزول.

فصل [في ما إذا أخذ قراضًا فربح]

واختلف إذا أخذ قراضًا فربح، فقال ابن القاسم: الربح له وحده.
وقال أشهب: بينهما، قال: وإن أجر نفسه أو تسلف مالًا فربح كان بينهما 6. قال ابن حبيب: لأنهما إنما سميا متفاوضين لتفويض كل واحد منهما في النظر والطلب فيما يجرُّ إليهما من منفعة 7. وقال أصبغ: الربح له خاصة وللآخر أجرة ما عمل في غيبته إذا حلف أنه لم يعمل على التطوع 8.12345

جارٍ التحميل