التبصرة للخميصفحات 3084-3123

كتاب السلم الثالث

صفحات 3084-3123

أقرضه الشيء اليسير من الشيء الكثير أن يبيعه قبل قبضه من المقرض؛ لأن التهمة تضعف 1. ويجوز ذلك على أصل أشهب 2؛ لأنه لم يتهم على بيع الطعام قبل قبضه.
ولو أطاع رجل أن يقرض ذلك المسلم إليه ويقضيه عنه، لم يجز للذي له السلم بيعه قبل قبضه للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ.." 3، فهو مبتاع بَعْدُ، لم يخرج عن ذلك.
فإن قبض ذلك المسلم جاز للمقرض أن يأخذ من المسلم إليه فيه ثمنا ما شاء 4؛ لأن السلم قد قبض، وهذا مقرض وليس بمبتاع، ولو استقرض الذي له السلم مثل ذلك الطعام ثم أحال به على المسلم إليه لم يجز للمحال أن يبيعه قبل قبضه عند ابن القاسم، ويجوز على قول مالك في كتاب ابن حبيب؛ لأن المحال مقرض وليس بمبتاع، والمبتاع قد خرجت عن يده 5. ويفترق الحكم 6 أيضًا في الهبة والصدقة، فإن كانت الهبة والصدقة من الذي له السلم، وهبة لأجنبي، لم يجز للموهوب له بيعه قبل قبضه.
= باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته- صار ذلك حوالة، والحوالة عند مالك بيع من البيوع، فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف؛ لأنه يصير دينًا بدين، وبيع الطعام قبل أن يستوفي.

وقال مالك في كتاب ابن حبيب: الهبة والصدقة أخف 1. يريد: لأن يد المشتري قد خرجت.
وإن كانت الهبة والصدقة من أجنبي، التزم أن يقضي ذلك عن المسلم إليه، ورضي المسلم بالحوالة عليه، لم يجز للمسلم بيعه قبل قبضه من الواهب ولا من غيره.
وعقد هذا أنه متى كانت يد المسلم إليه 2 باقية على سلمه، وهو القابض، لم يجز البيع، وسواء كان المقبوض منه المسلم إليه أو واهبًا أو متصدقًا أو مقرضًا، للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ"، وإذا زالت يده وكان القابض موهوبًا له أو متصدقًا عليه، جاز 3؛ لأنه لا ينطلق عليه الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ".
4 ومن وكل رجلًا يشتري له طعامًا ليقضيه عنه من سلم عليه، فأمسك الوكيل الذهب، وقضى الطعام من عنده فرضي ذلك المسلم إليه، جاز؛ لأن السلم قد قبض.

باب فيمن ابتاع طعامًا على كيل، أو جزافًا ثم هلك بيد بائعه

ومن اشترى طعامًا بعينه، ثم هلك قبل قبضه، فإنه لا يخلو هلاكه من أربعٍ: إما أن يكون من سبب البائع، أو أجنبي، أو لا سبب فيه لآدمي، أو من المشتري، فإن كان من سبب البائع، باعه، أو أكله، أو وهبه- كان عليه أن يأتي بمثله إن علم كيله، وإن لم يعلم تحَرَّى قدر ما فيه فيغرمه، وليس للمشتري إن كان باعه أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، ولا إن كان أكله أو وهبه أن يأخذ القيمة، ويدخله إن فعل بيع الطعام قبل قبضه، ولا أن يفسخ البيع عن نفسه.
قال ابن القاسم: وهو بمنزلة من استهلك طعامًا، فإنما عليه مثله 1. وإن أهلكه أجنبي أغرم القيمة، واشترى بها طعامًا، ويكيله البائع للمشتري، وإن لم يشتر بالقيمة حتى حال سوقه، لم يكن على البائع سوى ما اشترى بالقيمة، وينفسخ البيع في العاجز عن قدر الأول؛ لأنه بمنزلة ما ذهب بأمر من السماء، وإن حال برخص لم يشتر بالفاضل، وكان للبائع؛ لأنه في ضمانه فله رخصه.
وإن كان الذي أهلكه معسرًا لم يكن على البائع شيء، وكان للمشتري أن يفسخ البيع، ولم يلزمه الصبر حتى يوسر المعتدي، فإن رضي بالصبر جاز ولا مقال للبائع؛ لأنه لا مضرة عليه في ذلك، وإن رضي البائع أن يغرم مكيلته 2 مثل ما كان يشتري بالقيمة، لزم المشتري.

وقال أشهب في كتاب محمد: إذا غرم الأجنبي القيمة للبائع ينفسخ البيع، وليس للمشتري إلا ثمنه، إلا أن يقر المتعدي بعدد كيل، فيكون رب الصبرة بالخيار، إن شاء أغرمه كيل ما أقر به بعد أن يستحلفه، وإن شاء أغرمه القيمة ولا يصدقه، فيكون المشتري حينئذ بالخيار، إن شاء أخذ المكيلة التي أقرَّ بها المتعدي، وإن شاء أخذ 1 القيمة، فاشترى له بها طعامًا فأكله 2، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه 3. قال محمد: اختلف قول أشهب إذا أخذت القيمة فقال مرة: يشتري بها طعاما 4 فيوفاه المشتري، ومرة قال: لا، إلا أن يعرف الكيل 5. فجعل في القول الأول الفسخ من حق البائع إذا غرم المتعدي القيمة، وكذلك قال فيمن اشترى طعامًا فاطلع فيه على عيب بعد أن فات، قال: المشتري بالخيار بين أن يغرم المثل، أو يرجع بالعيب 6. ورأى أن عليه في تغريم المثل وشرائه مشقة، وكذلك البائع ها هنا له الفسخ، ولا يتكلف الشراء.
ورأى في القول الآخر أن يشتري بالقيمة وأن هذا 7 أخف من المشتري يجد عيبًا بحضور ما يشترى به، ولأنه لا يغرم ذلك من ذمته، ثم اختلف قوله

إذا سقط قول البائع، وغرم المستهلك المكيلة: هل يكون للمشتري خيار؛ لأنه يقول: اشتريت طعامًا بعينه، فلا ألزم غيره.
وإن هلك بأمر من الله، فسخ البيع على قوليهما (1) جميعًا إذا ثبت ذلك.
واختلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قِبل البائع: فقال ابن القاسم في العتبية: لا يصدق، وعليه أن يوفِّيَ الكيل الذي باع (2). وعلى قوله في كتاب السلم الأول يحلف أنه هلك ولم يكتمه، وينفسخ البيع.
وإن أهلكه المشتري وعرف كيله، كان ذلك قبضًا، وعليه وإن يغرم الثمن، وإن لم يعرف كيله، فالقدر الذي يقال: إنه كان فيه (3)، فإن قيل: قفيز، غرم ثمنه.

فصل [فيمن ابتاع صبرة جزافًا ثم هلكت بعد تمكين المشتري منها أو بعد حبس البائع لها]

وإن بيعت صبرة جزافًا فهلكت بعد أن أمكن المشتري منها، كانت المصيبة 4 من المشتري وعليه الثمن، وإن أهلكها البائع كان له الثمن، وعليه القيمة، فمن كان له فضل عند صاحبه غرمه، وإن أهلكها أجنبي غرم القيمة للمشتري، وغرم المشتري الثمن للبائع.123

واختلف قول مالك إذا كانت محتبسة بالثمن: فقال محمد: لم يثبت مالك منها على أمر 1. يريد: أنه جعلها مرة من المشتري، ومرة من البائع، كالعبد يحبس بالثمن، فقد اختلف فيه قول مالك، فعلى قوله: إن المصيبة من المشتري يعود الجواب إلى ما تقدم لو أمكن منها، هذا إذا كان هلاكها بأمر من الله أو أهلكها أجنبي.
واختلف إذا أهلكها البائع، فقيل: المشتري بالخيار، فله أن يفسخ البيع؛ لأنه حال بينه وبين المبيع 2، وله أن يغرمه القيمة ويدفع الثمن.
قال ابن القاسم في العتبية في مثل هذا: لو قال قائل: عليه القيمة، قلّت أو كثرت لم أعبه 3. وعلى القول أن المصيبة من البائع ينفسخ البيع إن هلكت بأمر الله أو أهلكها أجنبي ويسقط الثمن عن المشتري، ويعود المقال للبائع على الذي أهلكها فيغرمه القيمة إلا أن يكون الثمن أكثر فيغرمه إياه؛ لأنه كان دينًا ثابتًا فأبطله بإهلاكه، وإن أهلكها البائع فأكلها أو باعها، كان للمشتري أن يفسخ البيع.
واختلف هل له أن يغرم البائع القيمة إن أهلكها أو الأكثر من القيمة والثمن الذي بيعت به إن باعها؟ فعلى قول أشهب ذلك له، وليس ذلك له على قول ابن القاسم، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، لما كان في ضمان بائعه، كما تقدم في اللبن في الضروع والثمرة الغائبة.

وإن أهلكها المشتري عمدا كان ذلك 1 رضا بالقبض، وإن باعها بائعها على كيل فعلى القول أن المصيبة من المشتري يكون بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يغرم البائع مثل ما وجد فيها من الكيل، وعلى القول أنها من البائع يكون له أن يغرمه، مثل ما وجد فيها من الكيل، ويختلف هل له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن؟

باب فيمن له دين على رجل يقبضه ببلد فلقيه بغيره

وقال مالك فيمن باع سلعة وهو بمصر بدنانير على أن يقبضها بإفريقية، وضرب أجلًا، وحل الأجل وهو بمصر: أجبر على القضاء الآن حيثا وجده، قال: وليس العين كالسلع؛ لأن أثمانها في البلدان تختلف، فلا يأخذه إلا في البلد الذي شرط فيه 1. قال ابن القاسم: ولو أسلم في سلعة لا حمل لها كاللؤلؤ والمسك والعنبر، لم.
يأخذه إلا في البلد الذي شرط؛ لأن سعر هذا في البلدان يختلف 2. وقال أشهب في كتاب محمد: إلا ألا يختلف السعر في البلدان ولا في سوق يلتمس فيه هذا اللؤلؤ والعنبر، وكان الموضع بعيدًا جدًا، فله أخذه بالموضع الذي هو فيه -وإن كره- إذا حل الأجل، وإن كان على غير ذلك، لم يكن له أن يأخذه به إلا أن يرضى المطلوب فيجيز صاحب الحق على قبوله؛ لأنه بموضعها أغلى، يريد: لأن القصد من السلم التَّجر والأثمان، فإن علم أن له غرضًا في قبضه في الموضع الذي سمى، لم يلزمه قبضه الآن ها هنا، إلا أن يكون الطريق مأمونًا، فإن كان مخوفًا لم يلزمه قبوله هنا، وإن كان أغلى؛ لأن الطالب يقول: لي غرض في قبض مالي في ذلك البلد، وأخاف على وصوله إليه، وإن كان الدين مما له حمل، وهو هنا أرخص، فرضي الطالب بقبوله، أجبر 3 الآخر على

الوفاء؛ لأنه حط عنه الحمل وغلاء السعر، وإن كان ها هنا أغلى ورضي المطلوب بالقضاء، كان للطالب ألا يقبل، لِحقِّه في الحمل، ويصح ألا يجبر على القضاء بغير البلد في العين.
فإن قال: أشتري لأقضي في البلد الفلاني؛ لأن لي به مالًا، وإن ما معي ها هنا ما أتوصل به، أو قال: ليس عندي ما أقضي منه ها هنا إلا داري أو ربعي، ولا أحب بيعه، فهذا لا يجبر على القضاء إلا بالبلد الذي سمّى.
ويجوز البيع وإن لم يضربا أجلًا، ويصير بمنزلة من باع على دنانير بأعيانها غائبة، فإن كان الشرط من البائع فقال: أبيعك على أن أقبض في بلد كذا؛ لأني احتاجها هناك لوجه كذا، فعجلها المشتري بغيره- لم يلزم البائع قبولها؛ لأنه يقول: أخاف في وصولها إلى هناك، وقد اشترَطتُ شرطًا جائزًا؛ فيوفي لي به.

فصل [في مسائل في اشتراط القبض في السلم في غير بلد التبايع]

وإن اشترط المشتري الوفاء في بلد وكان الثمن معينًا عبدًا أو دنانير موقوفة، جاز البيع وإن لم يضرب الأجل، واستحب محمد في الدنانير أن يضرب أجلًا 1، ولا وجه لذلك؛ لأنهما في الأجل على وجهين: إن حل الأجل قبل الوصول لأمر عاقهما لم يجبر على القضاء من غير الغائب، وإن وصلا قبل الأجل، كان للبائع قبض تلك الدنانير، ولم يلزمه الصبر حتى يحل الأجل، وإن كان الثمن مضمونًا وهو عين لم يجز إلا أن يضربا أجلًا.

واختلف إذا كان عرضًا أو طعامًا، فقيل: ذلك جائز، والمسافة كالأجل، وعلى المسلم إليه أن يخرج للقضاء فإذا وصل قضاه.
وقال ابن القاسم في سماعه عن مالك: سئل مالك عن ذلك، فقال: أحالٌّ هو؟ فقيل 1: نعم، قال: لا بأس به.
ولم يجعله على الجواز بمجرد العقد، وقال فضل: الدنانير والعروض سواء، فإن لم يضربا أجلًا فهو فاسد.
وهو أحسن؛ لأن السلم يحتاج إلى أجل يقبض عنده، وموضع يقبض فيه، فإذا ذكر الموضع بقي الأجل، وذكر الموضع لا يفهم منه الأجل.
وقد استحب مالك فيمن باع بدنانير غائبة أن يضربا الأجل، فهو في السلم أولى، وإذا ضربا الأجل 2 فبقي من الأجل قدر مسافة الوصول، كان على الغريم أن يخرج للقضاء.
واختلف إذا وكل وكيلًا للقضاء: فأجازه ابن القاسم 3. ومنعه سحنون، وقال: لا أعرف الوكيل في هذا؛ لأنه لا يستطيع أن يتحول بما له من الطعام.
وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه إنما يخرج على أنه وكيل، والوكالة تضمنت بقاء الدين في ذمة الأول، وليس بحوالة، فيدخله دين في دين، وإن خرج على أنه وكيل وحميل 4 جاز؛ لأن الطالب له ذمة غريمه وذمة الحميل، والحمالة بما لم يحل جائزة، ويسقط مقال الطالب بخروج الوكيل إذا كان يدفع إليه من المال ما يوفي بالدين في الغالب، أو كان للغريم بذلك الموضع ما يوفي به

ولا يحتاج فيه إلى خصومة، وإلا لم يجز، إلا أن يتحمل الوكيل بالقضاء ويكون موسرًا بذلك، أو يأتي بمن يتحمل به إلى ذلك البلد، فإن حيل بين الناس وبين ذلك البلد لفساد طريق أو لعدو أو فتنة ولا يرجى قرب انكشافه، كانت على الخلاف فيمن أسلم في ثمرة فخرج وقتها هل يلزم الصبر إلى انكشاف ذلك أم لا؟ وأرى أن يكون بالخيار بين الصبر أو يأخذ رأس ماله، وإن أراد أن يأخذ الثمن الذي كان يشتري به في ذلك البلد، جاز على قول أشهب إذا كان السلم في عروض، وإن كان في طعام لم يجز، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وإن رضي الطالب أن يقبض ببلد هو قريب من البلد الذي شرطا والسعر سواء وهو في هذا أرخص كان ذلك له.
وإن كان بالبلد الذي هما فيه فقال الغريم: خذ حقك، وقال الطالب: لا أقبضه؛ لأني إن قبضته هلك، يجبر على قبضه، وكذلك إن كان على الطالب طلبٌ من سلطان، فكان قبضه أخذه السلطان، وإن لم يقبضه أغرمه المطلوب، كان من حق الغريم أن يبرئ ذمته منه (1) فيكون الغصب على الطالب.

فصل [في منع الدائن للمدين من السفر عند قرب حلول الأجل]

ومن كان عليه دين إلى أجل فأراد السفر قبل حلوله لم يمنع إذا بقي من الأجل قدر سيره ورجوعه، وكان ممن لا يخشى لدَدُهُ ومقامه، وإن خشي ذلك1

منه، أو كان معروفًا باللدد، منع إلا أن يأتي بحميل، وإن كان موسرًا وله عقار كان بالخيار بين أن يعطي حميلًا بالقضاء أو وكيلًا بالبيع، ويكون النداء قبل الأجل بقدر ما يرى أنه يكمل الإشهاد قبل محل الأجل.
وإن أشكل أمره هل يريد سفرًا بجيدًا أم لا؟ حلف أنه ما يسافر فرارًا، وأنه لا يتأخر عن العودة عند محل الأجل، وتُرك.

باب فيمن اشترى تمرًا في النخل بطعام، أو نخلًا مثمرة بطعام، أو طعامًا حاضرًا بغائب عن موضعهما

ومن اشترى تمرًا في نخل بطعام نقدًا، فإن كانت زهوًا أو رطبًا 1، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة ويتقابضا، قال ابن القاسم: لأن فيها الجوائح 2. وإن كانت قد يبست، وكان الجذاذ على المشتري، جاز وإن لم يجذ بالحضرة، وكذلك إن كان الجذاذ على البائع، ودخل على أنها في ضمان المشتري بالعقد، وإن شرط أنها في ضمان البائع حتى تجذ، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة 3 بالحضرة أو يتقابضا 4، واختلف إذا اشترى نخلًا بما فيها من الثمار وهي زهو أو رطب: فقال ابن القاسم: لا يجوز إلا أن تجذ الثمار، ويتقابضا في الطعامين 5. وقال سحنون: يجوز ذلك وإن لم تجذ الثمار وكان قبض الطعام الآخر مؤجلًا، قال 6 كان كحلية السيف ومال العبد.
وقد مضى ذلك في كتاب القسم.
وإن بيع قمح بتمر أو عسل بزيت تقابضا بحضرة العقد وقبل الافتراق،

كالصرف، وإن كان أحد الطعامين غائبًا وقريبًا من مجلسهما أُحضر بفور ذلك، أو قاما إليه وتناجزا بالحضرة، جاز ولم يفسخ، وقد مضى مثل ذلك في كتاب الصرف.
وقال مالك في صاحب الحانوت يشتري حنطة بزيت أو سمن، فيكتال الحنطة، ويدخل الحانوت ليخرج السمن أو الزيت: لا يعجبني، وليدع الحنطة عند صاحبها، ويخرج السمن أو الزيت ثم يأخذ ويعطي.
وهذا حماية، ولا يفسخ إن نزل 1.

باب فيمن اقتضى من ثمن الطعام طعامًا

ومن باع طعامًا فقضى في ثمنه طعامًا، فإن كان مثله في الصفة والكيل جاز، وهي كالإقالة، وإن كان أكثر كيلًا أو أجود صفة لم يجز؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عَمِلا 1 على سلف بزيادة، وإن كان أقل كيلًا وأدنى صفة كان فيها قولان، وأرى أن يجوز؛ لأنه لا يتهم على خسارة.
قال فضل: إنما كره ذلك لما يتخوف في الطعام من السوس، وهذا إنما يخشى إذا كان بين الكيلين ما يرى أن الناس يدفعونه للضمان، ويكون هناك ما يوجب أن يخرجه عن يده ليضمن، أما أن يكون في وقت يخشى عليه الفساد، ويكون بين بيعه وبين اقتضائه ما يتغير فيه الأول أو تكون فتنة.
وكل ما لا يجوز للبائع أن يأخذه من المشتري منه، فإنه إن أحال بالثمن على المشتري لم يكن للمحال أن يأخذه من المحال عليه، وكذلك إن أحال المشتري البائع على غريم له، لم يأخذ البائع من المحال عليه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من المشتري منه، وهذا حماية، ولا أفسخه إن نزل، وإن أحال البائع على المشتري رجلًا فأحاله المشتري على آخر جاز أن ياخذ طعامًا، أيّ صنف أحب؛ لأن المنع في الأول لأجل التهمة خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، فإذا خرجت يد البائع والمشتري، وصار الآخذ والمأخوذ منه غير المتبايعين في ذلك الطعام، ضعفت التهمة، وقد تقدم بيان ذلك في الكتاب الأول.
ومن باع حبًا فلا يقبض من المشتري في ثمنه ما ينبت ذلك الحب إذا كان

بينهما من الأجل ما ينبت ذلك الحب فيه، قال مالك في كتاب محمد: وما هو بالحرام البين 1. يريد: أن ذلك حماية، واختلف فيمن باع ثمرة حائطه 2 بعد الطيب، فلما صار تمرًا أقال منه: فقال مالك 3 مرة: لا بأس به 4. ومرة: لا خير فيه إلا أن يفلس المشتري فيكون البائع أحق بها من الغرماء 5. وأرى أن يجوز وإن لم يفلس؛ لأنه طعامه بعينه فلا يدخله طعام 6 بطعام.

باب في بيع الشاة اللبون بالطعام أو باللبن نقدًا أو إلى أجل أو بيع الخلايا بالعسل

ومن المدونة قال مالك: لا بأس بالشاة اللبون بالطعام نقدًا أو إلى أجل، ولا بأس بها باللبن نقدًا، ولا يسلم في لبن، ولا يسلم اللبن في شاة لبون، ولا بأس بالشاة غير اللبون باللبن إلى أجل 1. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا تقدم اللبن فلا بأس، وإن تقدمت الشاة في اللبن فذلك حرام 2، وله نحو ذلك في كتاب محمد 3. وقال أشهب: لا بأس بالشاة اللبون باللبن إلى أجل إذا صح، ولم يتق ذلك منهما.
وقال أيضًا: إن كان اللبن المعجل لم يجز 4. عكس ما ذهب إليه ابن القاسم.
فمن منع الوجهين جميعًا رأى أنه من باب سلف بزيادة إذا تقدم اللبن، كالكتان في ثوب كتان، وإن تقدمت الشاة من باب ضمان بجعل.
وأرى إن أسلم اللبن الكثير وما يرى أنه لا يرجى من تلك الشاة إلا في أعوام أن يجوز، ويحمل على أنه لبن شياه 5، وإن كان قليلًا يرجى منها مُنِعَ، إلا أن يعلم أنه أراد المعروف والمكارمة، ولا يجوز أن يسلم الشاة 6 في اللبن

الكثير، إلا أن يعلم أنه أراد المكارمة فيجوز وإن كان يسيرًا، وكذلك إذا أسلم صوفًا في شاة عليها صوف، يجوز إذا كان كثيرًا، ويمنع إذا كان في قدر ما عليها إذا تم، وكذلك إن أسلم شاة في صوف فإن كان في (1) قدر ما يرجى منها في عامها وما قارب ذلك لم يجز، وإن كان كثيرًا لا يرجى منها جاز.

فصل [في بيع النحل أو الخلايا بالعسل]

قال ابن حبيب: لا بأس ببيع ذباب النحل بالعسل نقدا أو إلى أجل، وكذلك بيع العسل بكيل 2 من ذبابه أو من ذباب النحل إلى أجل؛ لأنه لا عسل فيه 3، بمنزلة بيع النخل بتمر إلى أجل يكون في النخل تمر.
قال محمد: قال ابن القاسم: لا تباع الخلايا بشيء من العسل نقدًا ولا إلى أجل 4. قال محمد: كان فيها عسل أو لم يكن 5. قال أصبغ: فإن لم يكن فيها يَومَ بِيعتْ عسل، جاز بيعها بالطعام غير العسل نقدًا أو إلى أجل قريب، لا يأتي فيه بعسل، وإلا فلا خير فيه إلا بالعين1

والعروض، ولا يجوز بالعسل على حال 1. قال الشيخ -رحمه الله-: أما بيع ذباب النحل بالعسل فالجواب فيه حسن إذا كان إلى أجل لا يجني فيه منها 2 ذلك العسل.
ويختلف إذا كان الأجل بعيدًا يجني فيه ذلك منها، قياسًا على بيع النخل بتمر إلى أجل يكون فيها تمرًا، وأما الخلايا بالطعام فإذا كان فيها عسل فاضل عن قوتها جاز بالطعام نقدًا، ولم يجز إلى أجل.
ويختلف إذا لم يكن فيه فضل.
هل يجور بيعها بالطعام إلى أجل، قياسًا على حلية السيف إذا كانت تبعًا وهى فضة، هل يجوز بيعها بالفضة أو الذهب إلى أجل؟ فقيل: يجوز.
وقيل: يكره.
فإن نزل مضى.
وقيل: يفسخ.
فإن فات مضى وهو في النحل أجوز؛ لأنه إن قطع هلكت، وليس في زوال 3 الحلية أكثر من أجرة تؤدى على إعادتها، ولا يجوز بيعها بالعسل إذا كان فيها فضل عنها، نقدًا ولا إلى أجل، ويدخله التفاضل والنساء إن كان إلى أجل، ويختلف إذا لم يكن فيه 4 فضل هل يباع بعسل إلى أجل يصير فيه فضل عنها؟ وإن بيع النحل والخلايا بقرب ما رمى النحل فيها ولم تعمل شيئًا، أو عملت الشهد دون العسل، جاز بيعها بالعسل، بمنزلة بيع الذباب قبل أن تعمل ذلك.

باب [فيما] (1) يحرم التفاضل فيه من الطعام وما يجوز منه

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "البُرُّ بِالبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ 2 شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" 3. واختلف في تعليل هذه الأصناف فقال مالك في كتاب محمد: ما كان من الطعام والشراب من الحبوب والأوداك، والأدم، والفاكهة رطبها ويابسها مما يدخر- نوع واحد لم يجز التفاضل فيه.
فجعلها ثلاثة أقسام: مقتات، مؤتدم، ومتفكه، وقال أبو جعفر الأبهري: مِن أصحابنا من علله بثلاث علل فالبر مقتات مدخر جنس، فكل مقتات مدخر مردود إليه، والتمر متفكه يصلح للقوت، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله، والملح مؤتدم، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله.
ومنهم من علله بالقوت جنسًا.
وقال ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: العلة أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا 4. وليس هذا التعليل بصحيح، وهذه العلة شرط في كل ما تجب فيه الزكاة، وأنها إنما تجب فيما كان للعيش غالبًا، إذا كان مقتاتًا مدخرًا وقد يكون مدخرًا،1

وليس للعيش غالبًا يحرم فيه التفاضل، وليس تجب فيه زكاة، فالجوز واللوز 1 وما أشبه ذلك يحرم فيه التفاضل؛ لأنه مقتات مدخر، ولا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بأصل للعيش 2، فالبر والشعير وما أشبه ذلك أصل للعيش فوجبت فيه الزكاة، وحرم فيه التفاضل.
والقول إن التمر متفكه غلط؛ لأنه كان بالمدينة أصلا للعيش، وكذلك مدائن التمر هو العمدة في أقواتهم، كالقمح في الحواضر، والشعير في البوادي.
وفي كتاب مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ لأزواجه من خيبر ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْق شَعِيرٍ 3. ولورود النص بوجوب الزكاة فيه، ويلزم القائل أنه تفكه، أن يسقط الزكاة منه أو يوجب الزكاة في الفواكه، وإذا صح أن هذه الثلاثة البر والشعير والتمر أصل للعيش لم يبق إلا الملح، وهو مصلح القوت، فَقِس عليه المؤتدمات والفواكه المدخرة؛ لأن عمدة الملح في القوت الإصلاح، إن صنع في خبز أو طعام صلح وعذب، واستعمل الإنسان منه أكثر ما يستعمل لو لم يكن فيه، وإن أخل به كان ناقصًا، وفي معنى الفساد 4، وتدخل فيه المؤتدمات بالمعنى؛ لأن كل واحد منها متعلق بما هو أصل للعيش غالبًا يراد ليستطاب به 5 الطعام، ولينال منهما من الطعام ما لا ينال عند عدمهما، وكذلك المتفكه به تعلق فيما هو أصل للعيش فيما يستطاب به.
واختلف في الرمان والتفاح

والخوخ: فأجاز مالك التفاضل فيها، ولم يرها مدخرات 1. وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: الرمان والخوخ وعيون البقر والإجاص 2 والموز مما ييبس ويدخر، فلا يجوز التفاضل فيه.
وقال محمد في الزفيزف 3 يجوز التفاضل فيه، قال: لأن يبس ذلك ليس الغالب، ولا ييبس للأكل ولا للمعاش، وإنما ذلك ليدخل في غيره من العلاج والطبخ 4. قال الشيخ -رحمه الله-: أما الرمان فلا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه يدخر الشهور، وهو يتفكه قبل الادخار وبعده، وأما العين، والزفيزف فيجوز التفاضل فيهما؛ لأنهما إنما يرادان بعد اليبس للعلاج.
والحلبة الخضراء طعام، فإذا يبست كانت علاجا، فإن نبتت كانت طعاما وهي في حال اليبس على حكم العلاج، ولا تراد في المغرب لتنبت بخلاف الترمس له حكم الطعام وإن كان لا يؤكل في حال اليبس؛ لأنه لا يراد إلا لينبت فحمل على ما يراد له.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في التوابل والبقول 5، وألا يجوز التفاضل فيه أحسن؛ لأنها مصلحة للقوت كالملح.

فصل [في بيع الرطب بالرطب، والرطب بالتمر، والبسر بالرطب، والبسر بالبسر]

البسر بالبسر والرطب بالرطب والتمر بالتمر لا يجوز التفاضل فيها 1، واختلف في بيع بعضها ببعض مثلًا بمثل: فأجازه مالك وابن القاسم.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن عبد الملك: أنه منع بيع الرطب بالرطب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ..." الحديث 2. ويمنع على قوله بيع البسر بالبسر، ويجوز التمر بالتمر إذا كانا جديدين أو قديمين.
واختلف في الجديد والقديم: فأجازه مالك في كتاب محمد، ومنعه عبد الملك.
والمنع في جميع 3 ذلك أحسن إذا كانا من جنسين صيحاني وبرني 4، وما يعلم أنهما يختلفان في النقص إذا صار تمرًا، للحديث، ولا يجوز البسر بالرطب، ولا الرطب بالتمر مثلًا بمثل، ويختلف إذا تحريا نقص الرطب إذا جف، وقد

اختلف قول مالك في بيع الطري من اللحم باليابس على التحري، وفي العجين بالدقيق على التحري، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه على التحري 1، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لأن الفضل محرم وإن قل، والتحري لا يأتي على حقيقة المماثلة.
وقال ابن القاسم في بيع البلح الكبير بعضه ببعض لا يجوز متفاضلًا 2. وأن يجوز أحسن؛ لأنه غير مدخر، وكذلك البلح الكبير بالبسر أو بالتمر قال مالك: لا خير فيه.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: تركه أحب إليّ وعسى أن يجوز.
وهذا أقيس؛ لأنه مدخر بما ليس بمدخر.
وقد اختلف في الشتوي من التين والعنب متفاضلًا: فأجيز؛ لأنه لا يدخر، ومنع؛ لأن الغالب في ذلك الجنس الإدخار، فحمل القليل على حكم الكثير، وأجاز البلح الصغار بالكبار وبالبسر وبالرطب متفاضلًا إذا كان يدًا بيد.
وقال في كتاب القسم في البلح 3 الصغار هو علف كالبقل.
فإذا كان في وقت يكون علفًا جاز أن يسلم في الكبار وفي الزهو والتمر إذا كان مجذوذًا أو يجذ قبل أن يراد للأكل، فإن كان يراد للأكل جاز التفاضل يدًا بيد، ولا يجوز صغاره بصغاره إلى أجل وإن لم يكن طعامًا، كما لا يجوز ثوب بمثله إلى أجل وأجاز النوى بالتمر، ومنعه مرة بموضع المزابنة خاصة؛ لأن التفاضل بين النوايين وبين النوى بالتمر جائز.

باب في بيع اللحوم بعضها ببعض، وفي بيع الحيوان باللحم والحي بالحي

اللحم 1 ثلاثة أصناف: فلحوم ذوات الأربع صنف، إنسيها ووحشيها، الإبل والبقر والغنم وبقر الوحش وحمره وغيرها من ذوات الأربع، لا يجوز التفاضل فيها.
ولحوم الطير صنف، إنسيه ووحشيه، وما كان عيشه في البر والماء سواء، ولحوم الحيتان كله صنف البحري والنهري لا يجوز التفاضل فيه، والجراد صنف رابع لا يضم إلى الطير ولا إلى الحوت 2، وأجاز أشهب في كتاب محمد التفاضل فيه 3، ولا أرى ذلك؛ لأنه مما يدخر.
ومنع مالك التفاضل بين لحوم ذوات الأربع بعضها ببعض، وبين لحوم الطير بعضها ببعض لتقارب الأغراض وتقارب منافعها، وأجازه بين ذوات الأربع ولحوم الطير، لتباعد الأغراض والمنافع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الُبرُّ بِالُبرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ" 4. فأبان أن التفاضل جائز فيما تباعدت الأغراض فيه.

فصل [في بيع اللحم بالحيوان]

روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ" 1، ومحمل الحديث إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين جاز، فيجوز أن يباع لحم ذوات الأربع بحي الطير، ولحم الطير بحي ذوات الأربع، والحيتان بحي ذوات الأربع وبحي الطير، كل ذلك جائز يدًا بيد.
ويفترق الجواب إذا كان إلى أجل، فإن كان الحي يراد للقنية جاز إلي أجل 2، وإلا يكون يدًا 3 بيد، واختلف إذا كان لا يراد للقنية: فمنعه مالك إذا كان الحي لا تطول حياته، واختلف عنه إذا كانت تطول: فمنعه مرة، وأجازه أخرى 4. قال في كتاب محمد: ليس كل شارف يمنع وإنما ذلك إذا شارف

الموت 1. ومنعه ابن القاسم جملة، ورآه في حكم اللحم فيدخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد 2. وأجازه أشهب وإن كان لا تطول حياته، كطير الماء، وهو أقيس، وهو قبل الذبح كسائر الحيوان، وليس كونه مما لا تطول حياته مما يخرجه عن أن يكون في حكم الحي، والقول حتى تطول حياته أحوط، وإذا كان من شرط جواز النسيئة الاقتناء فإن المقتنى ما كان يراد للولادة أو اللبن، أو كان كبشًا يراد لصوفه أو للفحلة للغنم، أو تيسًا يراد لشعر ولمثل ذلك، واختلف فيما لا منفعة فيه إلا اللحم: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هي شاة لحم 3. وقال أصبغ: لا بأس به، ولا يعد شاة لحم 4. وهو أبين؛ لأنهم سلموا ما كان يراد للصوف أن ذلك قنية، وما يراد للسمن ولكثرة لحمه أبين، واختلف قول ابن القاسم في الكبش الخصي بالطعام إلى أجل: فكرهه مرة، وقال: لأنه لا يقتنى للفحلة، ثم رجع فقال: إذا كانت فيه منافع غير ذلك فلا بأس به 5. يريد: إذا كان يرغب في بقائه لصوفه، وإن كان للحمه فهو موضع الخلاف.
وقد 6 قال مالك في العتبية في التيس الخصي: إن كان لا منفعة فيه قائمة

ولا مؤخرة فهو مثل ما وصفنا (1). يريد: ألا يجوز.
وأرى أن يجوز؛ لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه، وأما الوحشي من ذوات الأربع والطيرفقال مالك: ما كان منه يستحيا فلا بأس به بالحيتان إلى أجل (2). وقال ابن حبيب: الوحشي لا يقتنى ولا يحيى حياة الاقتناء (3). وأرى أن يجوز في مثل الحيوان؛ لأنه تطول حياته، ويراد للفراخ والولد، والولد (4) قنية قولًا واحدًا، فيجوز بذوات الأربع وبالحيتان إلى أجل.

فصل [في بيع اللحم بالحيوان من جنس واحد]

واختلف إذا كان الحي واللحم من جنس واحد فقال مالك وابن القاسم: لا يجوز كان الحي يراد للقنية أو للذبح، لا نقدًا ولا إلى أجل، لظاهر الحديث، ورأيا أنه شَرْعٌ غير معلل.
وقال ابن القصار: معنى الحديث إذا كان الحي لا يراد إلا للحم، وهو من المزابنة بمنزلة الرطب باليابس، وإليه ذهب الأبهري، وأبو محمد عبد الوهاب، وغيرهم من البغداديين، ورأوا أن الحديث معلل 5، وإن كان الحي يراد للقنية جاز.1234

وقال ابن القاسم في المدونة: إن المنع لأجل المزابنة، إلا أنه مر على المنع جملة، وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي يراد للقنية 1. ويجري فيها قول ثالث: ألّا يجوز حتى يعلم ما بينهما من الفضل فيخرجان من عين المزابنة، قياسًا على قول مالك في بيع 2 ثوب الصوف بالصوف، والجلد بالأحذية، فقال: يكره وإن كان يدًا بيد 3. قال محمد: إن 4 جعله من المزابنة فلا يجوز هذا حتى يتبين الفضل 5. وإن كان الحي لا يقتنى ويراد للذبح لم يبعه باللحم على الإطلاق للحديث، ويختلف هل يجوز على تحري مساواة ما فيهما من اللحم؟ فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد على التحري 6. وأجاز في العتبية أن يباع طير لا يستحيا بطير لا يستحيا إذا كان 7 تحريا أن يكون مثلًا بمثل 8. وقال محمد: كره مالك الشارف والمكسورة من الأنعام التي هي للذبح أن تباع باللحم ثم أجازه 9. يريد: على التحري.
وكرهه ابن القاسم.
وقال أصبغ: هو خفيف وليس بالحرام 10.

وقال محمد: لا خير فيه وبيعها باللحم أكره من بيعها بالحية، وكل لا خير فيه (1).

فصل [في بيع الحيوان الحي بالحي]

وبيع الحي بالحي على أوجه: فإن كانا مما يقتنى جاز، وإن كانا لا يرادان للقنية وهما مما تطول حياته، جرت على اختلاف قول مالك، فأجاز ذلك مرة، ورآه بمنزلة ما يقتنى، ومنعه أخرى، ثم يختلف بعد القول بالمنع، هل يجوز على تحري مساواة اللحم؟ وإن كان لا تطول حياتهما لم يجز عند مالك على الإطلاق، ويختلف هل يجوز على التحري؟ فأجازه أشهب على الإطلاق، وهو عنده بمنزلة ما يقتنى، فإن اختلفا فكان أحدهما يقتنى، والآخر لا يقتنى، لم يجز على أحد قولي مالك أنه في حكم اللحم، وإن كان مما تطول حياته، وعلى قوله أنه كالذي يراد للقنية، يجوز، وإن كان مما لا تطول حياته لم يجز على قوله، ويجوز على ما ذكره ابن القصار وغيره.
وإن كان أحدهما تطول حياته ولا يراد للقنية والآخر لا تطول لم يجز عند مالك، ويدخله اللحم بالحي على أحد قوليه، وعلى قوله أن ما تطول حياته في حكم الحي، يختلف هل يجوزان على التحري؟ وعلى قول أشهب يجوز ذلك كله كيفما تصرفت به 2 الحالات من الاختلاف؛ لأنه حي كله.1

والقول ألا يجوز على التحري، وإن سلم 1 أنه في حكم اللحم أحسن؛ لأن التحري لا يأتي على الحقيقة.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم على التحري في الكتاب الأول، وما قيل: إنه لا يجوز إلا عند عدم الموازين، والقول الأخر: أن ذلك لا يجوز بحال أحوط.

باب في بيع اللبن والبيض بعضه ببعض

اللبن عند مالك في حكم ما يدخر؛ لأنه يعمل منه ما يدخر: السمن والجبن وما أشبه ذلك، واللبن وما يؤول 1 عنه على وجوه: حليب، ومخيض، ومضروب، وزبد، وسمن، وجبن، وأقط، فبيع الحليب بالحليب، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا ممنوع قولًا واحدًا 2. واختلف في بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فأجازه مالك في المدونة 3، وحكى عنه أَبو الفرج المنع، قال: لما بينهما من الزبد المجهول.
فمنعه من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة؛ لأن المماثلة موجودة.
وهذا يصح إذا كانوا يريدونه ليستخرج زبده، وإن كانوا لا يريدونه لذلك جاز.
والأول أصوب، ولو منع ذلك لاختلاف ما يراد منهما لما جاز بيع قمح بقمح، لاختلاف ريعهما، ويجوز بيع الزبد بالزبد والسمن بالسمن متماثلًا، وكذلك الجبن بالجبن إلا أن يكون اليابس بالطري.
ولا يجوز الحليب بالزبد ولا بالسمن ولا بالجبن ولا بالأقط، ولا يجوز بيع شيء من هذه بالآخر؛ لأن الادخار موجود والتفاضل ممنوع، والمماثلة معدومة لا يقدر عليها.

ويختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلًا؛ لأنهما لا يدخران، فمن منع التفاضل فيهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره مما تقدم ذكره؛ لأنه كالرطب باليابس.
ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب وغيره، وقال مالك في المدونة: لا بأس بالسمن باللبن الذي قد (1) أخرج زبده (2). وهذا لا يصح إلا على القول أن التفاضل بينهما جائز؛ لأنه كالرطب باليابس.
وأرى أن يجوز التفاضل في المخيض بالمضروب؛ لأنه مما لا يدخر، ومن منع ذلك حمله على الأصل، وقد تقدم الاختلاف في التين والعنب الشتوي، هل يمنع التفاضل بينهما ويحمل على الغالب من جنسه، أو يجوز؛ لأنه لا يدخر في نفسه ويفسد.

فصل [في بيع البيض بالبيض]

اختلف في التفاضل في البيض: فمنعه مالك، ورآه مما يدخر 3. وذكر ابن شعبان فيه قولين: الجواز، والمنع.
والأول أبين أنه مدخر، وإنما يسرع إليه التغير في بعض أزمنة الصيف.12

قال محمد: والبيض كله صنف بيض ما يستحيا وبيض 1 ما لا يستحيا، وما يطير وما لا يطير 2. وقال مالك في بيع 3 بيض النعام وبيض الأوز وبيض الدجاج: يتوخى أن يكون قدرًا واحدًا.
قال محمد: ذلك إذا استثنى صاحبه قشره، فإن أسلمه بقشره لم يصلح وزنًا؛ لأنه لو نحّى قشرة دون الآخر لكان فسادًا، وإنما يريد مشتريه أن يبقى في قشره إلى وقت استعماله 4. وقد يحمل قول مالك في تسليم بيض النعام بقشره لهذا، ويكون في موضع لا ثمن له فيه، والقياس ألا يجوز ذلك جملة.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم تحريًا، وألا يجوز أصوب؛ لأن حقيقة المماثلة إنما تصح بالوزن أو الكيل، وذلك لا يعقل؛ 5 لأنه يصير إلى حالة لا تقبله النفس، والتحري لا يأتي على المماثلة حقيقة، ولو كانت شركة فقسمت جاز؛ لأنه يجوز أن يَفْضُلَ أحدهما صاحبه في القسم، ولا يجوز في البيع.

باب في بيع الزيت والعسل والخل بعضه ببعض

الزيوت والعسول أصناف، والخلول صنف، ويفترق الجواب في الأنبذة هل هي صنف أو أصناف؟ فزيت الزيتون، والجلجلان والفجل والقُرطُم، وزيت زريعة الكتان، والجوز واللوز أصناف، يجوز بيع كل واحد منها بالآخر متفاضلًا 1، ويجوز التفاضل في زيت زريعة الكتان؛ لأنه لا يراد للأكل، ويجوز بيعه بزيت الزيتون نقدا وإلى أجل، ويجوز التفاضل في زيت اللوز؛ لأنه لا يراد للأكل غالبًا، وإنما يراد للعلاج ويدخل في الأدوية، وكذلك زيت الجوز عندنا.
وعسل النحل والقصب والقشر 2 أصناف يجوز بيع 3 أحدهما بالآخر متفاضلًا، وخل التمر والعنب والتين والعسل صنف لا يجوز التفاضل فيه، ويجوز مثلًا بمثل؛ لأن منافعه الآن متقاربة، فلم يراع الأصل وإن كانت 4 أصنافًا.
واختلف في نبيذ الزبيب والتمر: فقال مالك لا يصلحان إلا مثلًا بمثل؛ لأن منفعتهما واحدة 5.

وقال ابن حبيب: الأشربة الحلال ما كان من التمر والزبيب والتين (1). وقال أبو الفرج: عصير العنب والتمر صنفان ما داما حلوين، فإذا خللا لم يجز التفاضل بينهما.
وهذا أبين؛ لأن التمر بنبيذه والعنب بعصيره لا يجوز متفاضلًا، ولم ينقله ما يحدث فيه من عصر وانتباذ عن أصله، وإذا كانت باقية على أصولها وكان التمر بالعنب متفاضلًا جائزًا (2)، جاز الفضل بين نبيذيهما، فإذا صارا خلًا جازت بأصولهما متفاضلة، ولو طالت مدة الانتباذ حتى انتقل طعمه عن أصله جاز بأصله متفاضلًا، واعتبر حينئذ الحالة التي هما عليها، هل يتقارب طعمهما ومنفعتهما أم لا؟ واختلف في بيع التمر بخله، والزبيب بخله، فأجيز ذلك على الإطلاق.
وفي ثمانية أبي زيد أنه فاسد، لموضع المزابنة حتى يتبين الفضل، مثل قول مالك في الجلد بالأحذية.

فصل [في بيع الزيتون بعضه ببعض وبزيته، وبيع قصب السكر بعضه ببعض]

ويجوز بيع الزيتون بالزيتون مثلًا بمثل، وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر، كالقمح بالقمح، والقمح بالشعير والسلت، يجوز كيلًا وإن كان الريع مختلفًا، ولا يباع الزيتون بالزيت.
واختلف إذا كان ذلك الزيتون لا زيت فيه مثل زيتون مصر: فمنعه مالك،12

وأجازه ابن نافع في المبسوط، ويختلف على هذا في بيع الزيتون المصري بالآخر متفاضلًا، وقول ابن نافع هو أحد القولين في بيع التين والعنب الشتوي بالصيفي، فلا يجوز التفاضل في المصري بعضه ببعض؛ لأنه مما يدخر.
ولا يباع السمسم بزيته إلا أن يدخله صنعة فيعمل بالورد، أو بالبنفسج، أو الياسمين، فيباع به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ذلك يخرجه عن حكم الطعام، وإنما يراد حينئذ للعلاج، ويباع أحد هذه الأدهان بالصنف الآخر متفاضلًا يدًا بيد، وإلى أجل؛ لأنها ليست بطعام ومنافعها مختلفة.
ولا يباع القصب بعسله ولا برُبه إلا أن يدخله الأبزار 1، وأجيز في السليمانية بيع قصب السكر وعسل القصب بالسكر؛ لأن ذلك صنعة ويطول أمره، ومنع مالك التفاضل بين السكر؛ لأنه عتده يستعمل للتفكه 2، ومنه يعمل أهل مصر حلواتهم، ولا يراد عندنا إلا للعلاج.
ولا يجوز بيع عسل القصب بِرُبِّهِ 3، وهو كالطري باليابس؛ لأن عسل القصب إذا عمل رُبا 4 نقص.

باب فيما يكون من الأطعمة صنفًا أو أصنافًا، والصنعة التي تخرجه عن أصله

القمح والشعير والسلت صنف واحد.
واختلف في العلس والأرز والذرة والدخن، فقال مالك: هي أصناف يجوز التفاضل بينها وبين الآخر 1. وقال مالك في كتاب ابن حبيب في العلس مع الحنطة: صنف واحد في الزكاة والبيع 2. وقال ربيعة في مدونة أشهب: في الذرة أنها مع القمح صنف واحد في الزكاة والبيع.
وذكر عن الليث أنه قال: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن صنف واحد في الزكاة والبيع، قال: لأنها تخبز خبزًا 3. وهو أقيس على قولهم أن أخبازها صنف واحد؛ لأن هذه الأشياء ليست تؤكل على حالها وإنما تراد للخبز 4، إلا التسعير فإنه يستعمل على الوجهين جميعًا على حاله ويختبز.
وقال أشهب في كتاب محمد: أخبازها كلها صنف واحد 5. وقال ابن القاسم في العتبية: أكره خبز القمح بخبز الأرز متفاضلًا، فإذا

كان الغرض استعمالهما خبزًا، وكانت أخبازها كلها 1 صنفًا واحدًا كانت أصولها كذلك، وليست كالخلول؛ لأن التمر والزبيب استعمالهما على حالهما وطعمهما حينئذ متباينة 2. ويلزم على القول أن أصولهما مختلفة أن يجوز التفاضل فيها، ويجوز التفاضل في أخبازها.
وكل ما طُحن من هذه الأصناف فلا يخرجه الطحين 3 عن أصله فلا يجوز الفضل بينهما، وكذلك إن عُجن، فإن خبز أو عمل سويقًا كان ذلك صنعة يخرجه عن أصله، فيجوز التفاضل إذا بيع بحبه، والفرق بين ذلك أن الطحين لم ينقل طعمه ولا منفعته، وأكثر ما فيه تفرقه أجزائه، وكذلك إذا عجن فإنما أضيف إليه ماء، فإذا خبز انتقل طعمه ومنفعته وتباين الغرض بينهما، وكذلك إذا عُمل منه سويق انتقل طعمه ومنفعته، وإذا كان الطحن ليس بصنعة ولم يجز الفضل فقد اختلف في بيع أحدهما بالآخر كيلًا على ثلاثة أقوال: فقال مالك: يجوز بيع القمح بالدقيق كيلًا لا فضل بينهما 4. وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز إلا فيما قل على وجه المعروف بين الجيران والرفقاء، ولا يجوز فيما كثير لزيادة القمح وريعه إذا طحن 5. وقال أَبو الحسن ابن القصار: يجوز موازنة ولا يجوز مكايلة.

وظاهر قول مالك في كتاب ابن حبيب: أنه لا يجوز مكايلة ولا موزانة، ولا يصلح 1 أن يجوز موازنة إلا أن يقال: إن المماثلة بين القمحين تجوز من طريقين: الكيل والوزن، وإذا جاز 2 ذلك قبل الطحن جاز إذا طحن أحدهما؛ لأنه ليس في طحنه أكثر من تفرقة أجزائه.
وإن قيل: إن المماثلة بالكيل خاصة لم يجز إذا طحن أحدهما على الوزن، وكان الوجه امتناع المبايعة جملة، فلا يجوز على الكيل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ" 3 الحديث، ولا على الوزن؛ لأن استواء الوزن لا يدل على استواء الكيل؛ لأن الكيل يستوي والوزن يختلف.
ولا يصح حمل قولهم على ما وزنه وكيله سواء؛ لأنهم لم يتكلموا على بيع صورة معينة، ولا على نازلة في عين، وإنما أطلقوا الجواب في بيع القمح بالدقيق وزنًا، وإن كان غير معين، وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" 4. ففي قوله: "ووزن معلوم" 5 دليل على أنه كان لا 6 يباع عندهم على الكيل والوزن.
ويختلف في بيع الدقيق بالسميد 7، فيجوز على من أجاز القمح بالدقيق،

جارٍ التحميل