باب في الوقت الذي تخرج فيه زكاة الفطر، والصنف الذي تخرج منه، ومن يتولى إخراجها إلى المساكين، وإن أخرجها ثم ضاعت قبل وصولها إليهم
قال مالك: تخرج قبل الغدو إلى المصلى، ورأيت أهل العلم يستحبون أن تخرج إذا طلع الفجر قبل الغدو إلى المصلى، قال: وذلك واسعٌ قبل الصلاة وبعدها 1.
وقوله الأول أحسن 2. وقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بإخراجها قبل الخروج إلى الصلاة 3.
واخْتُلِفَ إذا قدمها قبل وجوبها، فقال مالك في المدونة: إن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به 4. وقال محمد بن مسلمة: لا تجزئه.
وقاله عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد.
والأول أشبه، وإن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه أجزأت قولًا واحدًا؛ لأن لدافعها إذا كانت لا تجزئ أن ينتزعها منه، فإذا
تركها كان كمن ابتدأ دفعها حينئذٍ، ولأنه مستغنٍ ببقائها في يديه عن طوافِ ذلك اليوم.
فصل [الصنف الذي تخرح منه زكاة الفطر]
واخْتَلَفَتِ الأحاديثُ في الصنفِ الذي تخرج منه ففي حديث ابن عمر أنها تخرج من صنفين: التمر والشعير 1. وقال أبو سعيد الخدري: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" 2. وقال هذا البخاري: فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: "أُرَى مُدًّا مِنْ هَذه يعدل مُدَّيْنِ" 3. واخْتَلَفَ المذهبُ في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يخرج من القمح والشعير، والسُّلْت، والأرز، والذرة، والدخن، والتمر، والزبيب، والأقط 4. وقال أشهب في كتاب محمد: يؤدي مما فرضه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، يدخل 5 مع الشعير القمح والسلت؛ لأنهما منه.
وقال مالك في كتاب محمد في القِطْنِيَّة والتين: لا يؤدي منه، وإن كان عيشَ قومٍ 6. قال محمد: ولا تخرج من السويق،
وإن كان عيشَ قوم، واستشهد بحديث أبي سعيد.
وقال ابن القاسم: تخرج من ذلك إذا كان عيشًا لهم (1).
واخْتُلِفَ هل يراعى عيشه (2)، أو عيش البلد؟ فقال مالك في المدونة: يخرج من عيش البلد (3). وقال أشهب في كتاب محمد: المُراعَى ما يقوتُ به نفسه وعِياله (4).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وظاهر الحديث: التوسعةُ في ذلك، وأرى أن يخرجَ كلُّ قومٍ من عَيشِهم أيَّ صِنْفٍ كان، وهو بالخيار بين أن يخرجَ من قوتِه، أو قوتِ البلدِ الذي هو به.
ومن كان في سفر أخرجَ عن نفسه من الصنفِ الذي يأكلُه، أو يأكله أهلُ ذلك البلد، وأخرج أهله مما يأكلونه أو يأكله أهل بلدهم، وإن أخرج عن أهله أخرج من المصنف الذي يأكلونه، وإن أخرجوا عنه فمن الصنف الذي يأكله على الاختلاف في إخراجِ كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر؛ لأنه نقلُ الزكاةِ.
فصل [في الإمام الذي تدفع له الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحدا أن يفرق شيئًا من الزكاة، ولكن يدفع إلى الإمام زكاته 5. وهذا للحديث في زكاة الفطر أنها كانت تدفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - 6.1234
وإن كان غير عدل، أو عدلًا وكان يفرط في إخراجها، لم تدفع إليه وقال أيضًا: إن كان الإمامُ يقسمها من غيرِ ضيعةٍ 1 كان الأمرُ إلى المزكي؛ إن شاء قسمها، وإن شاء دفعها إليه، قال: وأحب إليَّ أن يدفعها إلى المسجد مع طعام المسلمين.
وقال أيضًا: أَحَبُّ إليَّ أن يُفَرِّقَها أربَابُها.
وقال في المدونة: لا بأسَ أن يعطي الرجلُ صدقةَ الفطرِ عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا 2. وقال أبو مصعب: لا يعطى مسكين أكثر من زكاة إنسان واحد 3، وهو صاع، ولا يعطى من أخذ.
وأرى ذلك؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" 4؛ فالصاع يغنيه عن ذلك.
وقال ابن القاسم فيمن أخرجها فضاعت قبل وصولها إلى المساكين: إنها تجزئه 5.
وليس بالبين، وليس هو مخاطبا بالإخراج وإنما خوطب بالإطعام، فلا يبرأ إلا بوصول ذلك إلى من وجبت مواساته.
ولو دفع ذلك إلى الإمام = أموالي؟ قال: منها ما أدفعها إلى السلطان، ومنها ما أتصدق بها.
فقال: مالك وما لذلك، قال: إنهم يشترون بها البزوز ويتزوجون بها النساء ويشترون بها الأرضين.
قال: فادفعها إليهم؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن ندفعها إليهم وعليهم حسابهم) أخرجه في سننه: 4/ 115، في باب الاختيار في دفعها إلى الوالي، من كتاب الزكاة، برقم (7172).
فضاعت لم يكن عليه شيء؛ لأنه وكيل له.
ولو قدمها قبل وجوبها فضاعت عنده، أو عند الإمام، لم يجزئه.
ولو أسلمها إلى الفقيرِ فضاعت عنده قبل يوم الفطر لأجزأه.
تمَّ كتابُ الزكاة الثاني بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على محمد نبيه وعبده 1.