التبصرة للخميصفحات 976-993

كتاب الزكاة الأول

صفحات 976-993

الواجبات؛ منع ذلك 1 وسواء أعتق بعضًا وبقي الباقي رقيقًا، أو أعتق ما تم به عتقه 2. ومنع مطرف في كتاب ابن حبيب، أن يُعتق بعضُ عبدٍ إذا كان لا يتم به عتقه 3، وأجازه إذا كان يتم به عتقه 4، وراعى في ذلك الولاء؛ لأن ميراثه إذا لم يتم عتقه لمن له بقية رقه.
وإذا تم عتقه؛ كان للمسلمين من الولاء بقدر ما عتق منه من 5 الزكاة 6. وعلى القول في المكاتب والأسير أنها تجزئ، يجوز 7 عتق بعض عبد وإن لم يتم عتقه؛ لأنه لا ولاء للمسلمين في المكاتب والأسير، ولا فيمن أعطي مالًا 8 ليعتق عبده عن نفسه.
وإذا لم يراع الولاء؛ فلا شك أن للعبد في عتق بعضه منفعة، فإن أعتق نصفه؛ كان له يوم من نفسه.
ولو دفع رجل زكاته للإمام، فرأى أن يعتق منها ولد رب المال، أو والده- جاز له ذلك 9؛ لأنه فك رقبة، والولاء للمسلمين، وهو في هذا أجوز منه في الأسير والمكاتب.

وقال محمد بن عبد الحكم فيمن أخرج زكاته فلم تنفذ حتى أسر: لا بأس أن يفتدي.
ولو افتقر 1 لم يُعْطَ منها.
ومن اشترى رقبة منها من زكاته، ثم قال: هي حرة عن المسلمين، وولاؤها لي، فإن ولاءها للمسلمين وشرطه باطل، وهو مجزئ عنه.
واختلف إذا قال: هو حر عني، وولاؤه للمسلمين، فقال ابن القاسم: لا تجزئه وولاؤه له 2. وقال أشهب في كتاب محمد: تجزئه، وولاؤه للمسلمين 3. قال: وكذلك من يُعطى عبدًا ليُعتقه عن سيده فيعتقه عن نفسه، وهو حر وولاؤه لسيده، أو يعطى أضحية ليذبحها عن صاحبها، فذبحها عن نفسه، فهي مجزية 4 عن صاحبها 5. وقد قال العبد 6 الصالح: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل 7. وهذا أحسن؛ لأنه إنما اشتراها للزكاة فهي للمسلمين بنفس الشراء، ولو

هلكت، كافت منهم، فإنما أعتق عن نفسه ملك غيره، فلا شيء له (1) من ولائه.
ولو كان له عبد ملكه، فقال: هو حرٌّ عني، وولاؤه للمسلمين- لم يجزئه قولًا واحدًا.

فصل [في تعريف الغارم وشروط اعتباره]

والغارم: من عليه دينٌ، فيجوز له 2 أن يأخذ من الزكاة ما يقضيه منه 3، وذلك بأربعة شروط: أن لا يكون عنده ما يقضي منه دينه، والدين لآدمي، ومما يحبس فيه، ولا تكون تلك المداينة في فساد، فإن كان الدينُ حقًّا لله سبحانه كفارة ظهار أو قتل - لم يُعطَ ذلك.
واختلف إذا تداين في فساد، فقيل لا يعطى منها 4 ما يقضي ذلك الدَّيْن 5، وقال محمد بن عبد الحكم: إذا حسُنت حاله أُعطي؛ لأنه غارم، وقد كان له أن يصرف ما تسلف فيما يجوز، وهو دَيْن يلزم ذمته ويُحاصُّ به الغرماء.
قال: وإن كان الدَّيْنُ عن جناية خطأ وهي دون الثلث؛ قضي عنه، وإن كانت أكثر من الثلث؛ لم يقض؛ لأن العاقلة لا تحمل مع العُسر، ولا يحاصُّ به الغرماء.
وإن كانت الجناية عمدًا؛ جرت على القولين فيما إذا كانت المداينة عما1

لا يجوز، فإن لم يتب لم يُعطَ قولًا واحدًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو أتلف غني ماله فيما لا يجوز؛ لم يُعط بالفقر؛ لأنه يصرفه في مثل الأول إلا أن تعلم منه توبة أو يخاف عليه، ولا يعطى منها ابن سبيل إن 1 خرج في معصية، وإن خشي عليه الموت، نظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل إنسان، أو هتك حرمة- لم يعط، ولا يعطى منها ما يستعين به على الرجعة إلا أن يكون قد تاب، أو يُخاف عليه الموت في بقائه إن لم يعطَ.
وإن كان عليه رزق لزوجته عن مدة فرطت، وكان موسرًا في حين إنفاقها على نفسها، كان من الغارمين، وإن كان معسرًا، لم يكن من الغارمين 2؛ لأن النفقة ساقطة عن الزوج في حال عسره، كان كانت النفقة لما يستقبل، وكذلك نفقة الولد والوالدين- يعطى بالفقر.
ومن تحمل بمال، والمتحمل به موسر- لم يعطَ، وإن كان معسرًا أعطي ما يقضي منه 3 حمالته، إلا أن تكون تلك المداينة في فساد.
وقال محمد بن عبد الحكم فيمن كانت عليه زكاة فرَّط فيها، فلم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله، ثم أتى يطلب مع الغارمين ما يؤدي منه زكاته، كان فيها قولان: أحدهما: أن ذلك له؛ لأنه مما يأخذه به السلطان ويحكم عليه به، ثم ترد إلى مواضع الزكاة وقد قضيت ذمته.

والثاني: أنه لا يعطى، ولا يقضى من الزكاة زكاة وهذا أحسن؛ لأن هذه غصوب، ولا تقضى الغصوب من الزكاة.
وقال محمد بن المواز في كتاب الوصايا: لا يقضى منها دَيْن ميت.
وقال ابن حبيب: يقضى منها وهو من الغارمين.
قال: وكان امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة على من عليه دَيْن قبل نزول الآية، فلما نزلت الآية صار قضاءُ ذلك 1 على السلطان.
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن له ألفُ درهم، وعليه ألفان، وله دار وخادم قيمتهما ألفان: فليس من الغارمين، ويكون دينه في داره وخادمه، ويزكَّى ما في يديه.
وإن قضى الألف التي عنده، وبقيت عليه ألف؛ كان من الغارمين إذا لم يكن في الدار والخادم فضل عن دار وخادم تعينه 2. وقال أشهب: إذا لم يكن في الدار والخادم فضل بعد قضاء الألف التي بقيت عليه من الخادم والمسكن إلا قدر مسكنه وخادمه، ولا فضل له فيما بقي- فأرى أن يعطى من الزكاة، وأن يكون من الغارمين 3. يريد: أن الغريم يبيع من الدار بقدر الدَّيْن، ويكون البعض الباقي لا فضل فيه.

فصل [في صفة الغارمين]

واختلف في صفة الغارمين، فقيل: هو من فدحه الدين (1) وإن كان له ما يؤدي منه دَيْنه (2). وعند ابن حبيب نحوه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: الغارمون الذين لا يجدون وفاء لقضاء دينهم، وتكون معهم أموال بإزاء ديونهم، فيعطون ما يقضون به ديونهم (3). وهذا ضعيف، وقد يكون دينهم (4) مائة دينار، وفي يده مائة دينار، فليس يقضى دينه لتبقى في يديه مائة (5) دينار.

فصل [في معني قوله -عز وجل-: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾]

وأما قوله -عز وجل-: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
يريد: الغزو، ويُعطى منها الغازي إذا كان غنيًّا في بلده، فقيرًا بالموضع الذي هو فيه.
واختلف إذا كان غنيًّا بالموضع الذي هو فيه، فقيل: يُعطى لظاهر الحديث: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنىًّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ: لِغَازٍ..." الحديث 6، ولأن أخذه في معنى المعاوضة والأجرة إذا كان أوقف نفسه لذلك، أو هو في حين غزو، ولأنه يقاتل عن المسلمين، ولأن في إعطائه ضربًا من الاستئلاف لمشقة ما12345

يتكلفون من بذل النفوس.
وقيل: لا يعطى إلا أن يكون هناك فقير.
وعلى هذا القول يكون كابن السبيل، ويعطى الغزاة وإن كانوا أغنياء إذا كانوا في (1) نحر العدو مقيمين بذلك الموضع، فيستألفون بالعطاء لمقامهم به، ويصرف منها للغازي بقدر ما يحتاج إليه في غزوه.
وقال محمد بن عبد الحكم: يُجعل منها نصيب في الحملان، والسلاح، وُيشترى منها القوس، والمساحي، والحبال، وما يحتاج إليه لحفر الخنادق، والمنجنيقات للحصون، وتنشأ منها المراكب للغزو، وكراء النواتية (2)، ويعطى منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو للمسلمين (3)، مسلمين كانوا أو نصارى، وُيبنى منها حصن على المسلمين، ولو حصر قوم من العدو قومًا من المسلمين لا قوة لهم بدفعهم، فصالحوهم (4) على مال، فلا بأس أن يُعطوا من ذلك، وأرى ذلك كله داخل في عموم قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].

فصل [في قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾]

وأما قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]، وهو المسافر المنقطع فيعطى منها 5 بثلاثة شروط: إذا لم يكن سفره في معصية، وكان فقيرًا بالموضع الذي هو به وإن كان غنيًّا1234

في بلده، وكان لا يجد من يسلفه.
واختلف إذا وجد من يسلفه وهو غني في بلده 1، فقال مالك في كتاب محمد بن سحنون: لا يعطى 2. وقال ابن القاسم في كتاب محمد 3: يُعطى 4. وقال محمد بن عبد الحكم: ليس عليه أن يتسلف؛ لأنه يُخاف تلف ماله، ويبقى الدَّيْن في ذمته إلا أن يجد من يسلفه، على أنه إن سلم ماله وإلا فهو في حلٍّ 5، فلا يعطى حينئذ.
وهذا أحسن، ولو كان رجلًا مقيمًا ببلدة اضطره أمر إلى الخروج لا يستطيع المقام معه، لأعطي ما يبلغه في سفره ذلك، كان كابن السبيل وهو وإن لم يقع عليه اسم ابن السبيل؛ فإنه في معناه لوجود السبب الذي من أجله جاز لابن السبيل أن يأخذ.
وإن كان سفره لغير مستعتب، وهو مضطر إلى الرجوع- أعطي للوجهين جميعًا؛ لذهابه ومجيئه.

باب في تبدية أهل الزكاة، وهل يصدق من ادعى أنه فقير أو غارم، أو ابن سبيل (1)، أو مكاتب أو أنه تحمل بحمالة (2)، ومن أخذ الزكاة بوجه جائز هل تنتزع منه بعد ذلك؟

يبدأ من الزكاة أجر العاملين، ثم بالفقراء والمساكين على العتق؛ لأن سد الخلة للمؤمن أفضل، ولأن ذلك من حق من وجبت عليهم الزكاة لئلا تصرف 3 زكاتهم لغير الفقراء، إلا بعد سد خلتهم؛ لأن صرفها إلى غيرهم يوجب عليهم المواساة لأولئك الفقراء قبل العام الثاني.
وإن كان هناك مؤلفةٌ 4، بُدِئَ بهم؛ لأن استنقاذهم من النار 5 وإدخالهم في الإسلام، أو تثبيتهم عليه إن كانوا قد أسلموا أفضل الأعمال، وذلك أولى من إطعام فقير.
وقد يُبدأ بالغزو إذا خُشي على الناس.
ويُبدأ بابن السبيل على الفقير إن كان يُدركه في بقائه، أو تأخره عن بلده، ضرر 6، والفقير في وطنه أقل ضررًا 7.12

فصل [فيمن ادعى الفقر]

ومن ادعى أنه فقير؛ صُدِّق ما لم يكن ظاهره يشهد بخلاف ذلك، فإن ادعى أن له عيالًا وأراد الأخذ لهم فإن كان من أهل الموضع وقدر على كشف ذلك- كشف عنهم 1، وإن لم يقدر 2 صُدِّق على ذلك، أو كان طارئًا صُدِّق.
وإن كان معروفًا بالغنى 3 كُلِّف بيان كيف 4 ذهاب ماله، وإن كانت له صناعة فيها كفاية، فادعى كسادها؛ صُدِّق.
واستحسن أن يكشف عن بيان ذلك، فإن لم يعلم هل فيها كفاية أم لا صدق.
وإن ادعى أنه مكاتب كلف بيان ذلك 5؛ لأنه على العبودية والصدقة لا تحل للعبد.
وأرى أن يكشف عن الكتابة وعن قدرها، ثم القول قوله: أنه عاجز.
وإن ادعى أنه من الغارمين كان عليه أن يبين إثبات 6 الدعوى والعجز عنه؛ لأنه على براءة الذمة من الدَّيْن حتى يثبت، وبعد إثباته على الملاء إذا كان عن مبايعة حتى يثبت العجز، إلا أن يكون الدَّيْن من طعام أكله، أو ثوب لبسه، ويدعي من له ذلك الدَّيْن بقاءه.
وإن ادعى أنه تحمل بحمالة، وأن الطلب توجه عليه بها، وأنه عاجز عنها

كُلِّف بيان جميع (1) ذلك.
وإن ادعى أنه ابن سبيل؛ أعطي إذا كان على هيئة الفقير.
قال مالك في المجموعة: وأين يجد من يعرفه (2). وقال في الذي يقيم السَّنَة والسنتين، ثم يدعي أنه لم يقم إلا لأنه (3) لم يجد ما يتحمل به، أيعطى (4) على أنه ابن سبيل؟ فقال: المجتاز أبين أن يُصَدَّق (5)، وإن صدق هذا أعطي (6).

فصل [في تعريف الفقير والمسكين]

واختلف في الفقير والمسكين، فقال مالك في كتاب ابن سحنون: الفقير الذي لا غنى له، ويتعفف ولا يسأل، والمسكين الذي لا غنى له، وهو يسأل 7. وقال في المجموعة: الفقير الذي يحرم الرزق، والمسكين الذي لا يجد غنى، ولا يسأل، ولا يُفطن له 8.123456

وقال أبو محمد عبد الوهاب: الفقير الذي له الشيء اليسير الذي لا يكفيه، والمسكين الذي لا يملك شيئًا.
وقيل عكسه: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين 1 الذي له ما لا يكفيه 2. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: هما اسمان لمعنى واحد، وهو من يملك شيئًا يسيرًا لا يكفيه، ولا يقوم بمؤنته 3. واحتج من قال إن الفقير 4 له شيء بقول الشاعر: أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُهُ... وَفقَ العيالِ فلم يُتْرك له سَبَدُ وأما من قال: إنه الذي لا شيء له؛ فلأن اشتقاق الفقير من فقار الظهر، فكأنه بمنزلة من أصيب فقاره، ومن أصيب في ذلك خشي عليه الموت.
واختلف في قوله -عز وجل-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]، فاحتج به من نفى عن الفقير السؤال؛ لأنه يظن به أنه غني لتعففه عن المسألة، وقد بلغ به الجهد والخصاصة حتى ظهرت عليه، وعرفت في سيمته.
وقيل فيها غير ذلك، واحتج بها من قال: إنه يسأل، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]. يقول: إنه يسأل الناس 5 ولا يلحف، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه يتعفف عن المسألة، والمراد؛ أنه لا يسأل ولا يُلحف 6؛ لأنه يصح أن يسمى:

مُلحفًا إذا كان عنده شيء وإن لم يتكرر منه السؤال.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" 1 واستشهد من قال: المسكين 2 يقع على من له شيء.
بقوله -عز وجل-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79]، فأثبت لهم سفينة وليس كذلك، والمساكين ها هنا المسكنة وقلة المقدرة على الدفاع من ظلم ذلك الملك وهذا مثل قوله -عز وجل-: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: 61]، واحتج من قال لا شيء له بقوله -عز وجل-: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16]، وليس هذا أيضًا بالبين، وإنما وصف بأنه ذو متربه 3؛ لأن ذلك نهاية ما يبلغه من الفقر، وفيه دليل على أنه يكون مسكينًا فوق هذه الصفة، ولهذه خُصَّ من بين غيره، فقيل: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
واستشهد من نفى عنه السؤال بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِ فَلا يَسْأل النَّاسَ إِلحافًا" وهذا لفظ البخاري 4، ومحمل هذا الحديث أنه ليس كغيره ممن بلغ به الحال ولا يسأل، وليس لأنه لا يقع عليه اسم مسكين.
وفي الترمذي: "جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ المِسْكِينَ لَيقُومُ عَلَى بَابِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَجِدِي إِلاَّ ظِلْفًا

مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ" 1. وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلاَثَةٌ: أَبْرَصُ وَأَقْرَعُ وَأَعْمَى، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأتَى الأبْرَصَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ: لَوْن حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، فَمَسَحَهُ فَذَهَب مَا بِهِ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا -الحديث بطوله ثم قال:- ثُمَّ أَتي الملَكُ للأبرَصِ فِي صُورَتهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِهِ الحِبَالُ فِي سَفَرِه، ولاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلاَّ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ بَعِيرًا أتبلَّغُ بهِ فِي سَفَرِي" 2، ثم سمي نفسه للثاني والثالث مسكينًا.

باب في انتزاع الزكاة بعد أخذها

ومن أخذ الزكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها وإن أخذها ليغزو بها فجلس انتزعت منه لأن الغزو في معنى المعاوضة فإذا لم يوفِّ به أخذت منه.
وكذلك ابن السبيل يأخذ ما يتحمل به إلى بلده فلم يفعل انتزع منه إلا أن يكون ذلك القدر يسوغ له لفقره وإن لم يكن ابن سبيل، وفي الغارم يأخذ ما يقضي به دينه ثم يستغنى قبل أدائه إشكال.
ولو قيل تنتزع منه، لكان وجهًا.

فصل [في تحريم الصدقة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -]

لا تحل الصدقة لآل النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ".
أخرجه البخاري، ومسلم 1. واختلف في ثلاثة مواضع من معنى الحديث: أحدها: من آله بنو هاشم، أو قريش؟، والثاني: دخول مواليهم في التحريم، والثالث: هل تدخل صدقة التطوع في التحريم؟ فقال ابن القاسم في كتاب محمد: آله بنو هاشم 2. وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون آل غالب؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. نادى: "يا آل قصي، يا آل عبد مناف 3 " 4.

والقول الأول أحسنُ؛ لأن العشيرة غير الأقارب، والعشيرة تتسع، وإنما نزل القرآن في الأقرب 1 من العشيرة، ليس الأقربين مطلقًا، وليس الأقربون كالأقرب من العشيرة 2. وأجازها ابن القاسم لموالي آل محمد 3. ومنع ذلك مطرف، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب أيضًا 4: لا يعطى لآل محمد من التطوع.
وأجازه ابن القاسم في كتاب محمد 5. والذي آخذ به، أنها تحرم على بني هاشم دون من بعدهم، وأن مواليهم بمنزلتهم، وأن الزكاة، والكفارات، والتطوع في ذلك سواء لحديث أبي رافع قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اصحبني كيما تصيب منها.
فقال: لا، حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله، فأتاه 6 فسأله، فقال: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا، وَلا لموَالِينَا".
وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي في مسنده 7 فيه فائدتان: إحداهما: أن الصدقة حلال لبني مرة بن كعب، فمن بعدهم إلى غالب،

خلاف ما ذهب إليه أصبغ؛ لأن مخزوم تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مرة.
والثانية: أن مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقة، وأعطيت بَرِيرَة شاة من صدقة، فأهدت منها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: إنها صدقة، وأنت لا تأكل الصدقة.
فقال: "هِيَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّةٌ" 1. فتضمن هذا الحديث أيضًا إباحتها لبني مرة؛ لأن عائشة تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرة، وأن أزواجه غير داخلات في التحريم، فإباحته إياها لَبرِيرَة، ومولاتها في التحريم بمنزلتها، ولو كان أزواجه بمنزلته؛ لحرمت على بَرِيرَة كما حرمت على أبي رافع.
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي، أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي، أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي 2 قيل لزيد: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لاَ، إِنَّ المَرْأَةَ تُقِيمُ مَعَ الرَّجُلِ الزَّمَان 3 ثُمَّ يُفَارِقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا.
وَأَهْلُ بَيْتِهِ: أَهْلُهُ وَعَصَبَتُهُ الذين حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.
وَهُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ.
كُلُّ هَؤُلاَءِ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ" 4.

فصل [في خمس الرِّكاز]

خمس الرِّكاز 1 حلال للأغنياء كخمس الغنائم، ويُبدأ بالفقراء.
وكره ابن القاسم أن يعطي منه أحد 2 قرابته؛ خوف المحمدة، وقد تقدم ذكر الاختلاف عن مالك في ذلك في الزكاة 3. واختلف هل يُعطي منه من تلزمه نفقته كالولد والوالد؟ فكره ذلك ابن القاسم.
وقال غيره: يجوز ذلك إذا أعطاهم، كما يعطي غيرهم من الأباعد على غير إيثار؛ لأن الخمس فَيء، وهو حلال للأغنياء؛ إلا أن الفقير يؤثر عليه.
كمل الأول من الزكاة 4

جارٍ التحميل