التبصرة للخميصفحات 936-975

كتاب الزكاة الأول

صفحات 936-975

وإن كان المال لعبد أو لنصراني، فقال في كتاب محمد: لا يزكي حتى يصير له في نصيبه عشرون دينارًا، وهذا موافق لقوله في مراعاة الحول، وما عليه من الدَّيْن.
وقياد قوله في الشاة: أنها 1 على صاحب المال دون العامل، تكون زكاة العين كذلك على رب المال دون العامل، وهو أقيس في المسألتين جميعًا؛ لأن ما يأخذه العامل ثمنًا لمنافعه، وهو بمنزلة من باع سلعة للقنية بثمن إلى أجل، وقول ابن القاسم في ذلك: أنه يستأنف بالثمن حولًا.
ويؤيد هذا قوله: إذا فاصله قبل تمام الحول، أنه يستأنف بالثمن حولًا.
وقال محمد: مثل ما يخرج من الربح للعامل، مثل الإجارة يخرجها من مال بعد وجوب الزكاة في ذلك المال 2. واختلف إذا عمل به أعوامًا، فقال مالك في كتاب محمد: يزكي لعام واحد 3. وقال أيضًا: يزكي لجميع الأعوام 4. وهذا هو الصحيح؛ لأن المال كان في تلك الأعوام في يد وكيله على وجه التنمية، فمن عمل به ثلاثة أحوال وكان في الأول مائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث ثلاثمائة- زكَّى عن كل عام ما كان في يديه إلا ما حطت الزكاة.
وإن كان في الأول مائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث مائة 5 - زكى عن مائة 6 مائة في كل عام إلا

ما حطت الزكاة؛ لأن المائة التي خُسرت في العام الأوسط تسقط زكاتها؛ لأنه مال غير 1 مفرط في زكاته، فلا تتعلق في الذمة.
وإن كان في الأول مائتان، وفي الثاني مائة، والثالث مائتان- زكَّى عن الأول عن مائة، ثم عن مائة، ثم عن مائتين.
وفي كتاب محمد إذا زكَّى صاحب المال ماله وهو في يد العامل، أنه يزكي عن رأس ماله ما ينوبه 2 من الربح، وهذا أيضًا إنما يصح على القول أنه كالشريك.
واختلف في العامل إذا تفاصلا بعد أعوام هل يزكي لعام واحد أو لأعوام 3. وأرى أن يزكي لجميع الأعوام؛ لأنه على أحد الوجهين: إما أن يقول 4 أنه مزكى على ملك رب المال؛ والزكاة تجب لجميع الأعوام، أو على ملك العامل وأنه شريك فيه 5؛ فيزكيه لجميع الأعوام.
أو يقال: إنه فائدة فيستأنف به 6 حولًا، ولا وجه أن يزكى لعام واحد.
وقال محمد فيمن أخذ مائة دينار قراضًا، عمل فيها ثمانية أشهر فتحاسبا، فجاءه برأس المال، وبقي الربح في سلعة فباعها بعد الحول، وصار للعامل

عشرون دينارًا- فلا زكاة عليه 1. وهذا أصل ابن القاسم في المدونة إذا صار إلى العامل ربح قبل تمام الحول، أنه يستأنف به حولًا.
وفي المجموعة: أن عليه الزكاة.
يريد: 2 لأنه قد بقي عليه عمل 3 من سبب القراض وهو الربح، فعليه أن يبيعه لرب المال حتى ينضّ، ولا يستحق العامل نصيبه من الربح إلا بذلك.
قال محمد: فإن باع بخمسة وتسعين؛ وباع ما بقي بخمسة وعشرين 4 لم تكن على العامل زكاة عند ابن القاسم حتى يبيع الباقي بخمسة وأربعين.
وأما صاحب المال، فإن بقي بيده ما إن 5 ضمه إلى ما يأخذه وجبت فيه الزكاة- زكَّى وإلا لم يزكِّ 6. قال محمد: ويزكي نصف دينار 7. يريد: ربع عُشر 8 نصف دينار، وجعل الربح مفضوضًا 9، فما قابل الخمسة وتسعين، سقطت زكاته؛ لأن العامل فاصل فيه 10 قبل الحول، وما قابل الخمسة من 11 بقية رأس المال، زكَّاه على قول أشهب عن مالك؛ لأنه إذا أضاف الخمسة وربحها إلى ربح رب

المال 1، فيما قابل ما فاصل فيمن وجده نصابًا، فزكى جميع ذلك على ملك رب المال؛ لأن ما قابل ما فاصله 2 فيه لو كان مقبوضًا 3 قبل ذلك عند رب المال لأضاف الباقي في يد العامل إليه، كما قال فيمن دفع خمسة دنانير قراضًا فربح فيها حتى 4 صارت عشرة وبيد رب المال عشرة أخرى أن على العامل الزكاة.
وفَضُّ الربح حسب ما ذكره محمد ليس بحسن؛ لأن الربح لا يستحق إلا بعد نضوض المال.
ولو خسر في السلعة فلم يحصل فيها إلا خمسة دنانير؛ لكانت لصاحب المال، ولو جعل العامل شريكًا فيها، فبيعت بخمسة دنانير، لكانت مفضوضة 5 على قدر ما بقي من رأس المال، وعلى قدر ربح ذلك اليوم، وفي فساد ذلك ما يمنع الفض على ما كان من القيمة يوم 6 المفاصلة.

باب في الإمام هل يسأل الناس عن زكواتهم، وفي أخذها ممن يعلم أنه لا يؤديها؟ وهل تنقل إلى غير البلد الذين وجبت فيه؟ ومن وجبت عليه زكاة (1) وهو في سفر

وقال ابن القاسم: لا بأس أن يسأل الإمام إذا كان عدلًا الناس عما في أيديهم، وهل وجبت عليهم زكاة؟ 2 وقد فعل ذلك أبو بكر.
ومن قدم بتجارة، فقال: هذا الذي معي مضاربة 3، أو بضاعة، أو علي دَيْن، أو لم يحل عليَّ الحول، أو أنا عبدٌ، أو نصرانيٌّ، أو حديث عهد بعتق، أو إسلام، صُدِّق 4. واختلف في يمينه، فقال في المدونة: لا يحلف 5. وقال في موضع آخر: إن كان من غير البلد وكان 6 ممن يتهم حلف.
وأرى أن تكشف عنه الرفقة التي أتى فيها، فإن لم يوجد من يقول خلاف ذلك؛ صُدِّق.
وأما المقيم فلا يحمل على الصدق في حدوث العتق والإسلام؛ لأن مثل ذلك لا يخفى، وكذلك إن ادعى أن ما في يديه قراض،1

وأن عليه من الدين ما يستغرق ما في يديه؛ فيكشف عن ذلك، وأما إذا قال لم يحل الحول؛ صُدِّق.

فصل [في أخذ الإمام الزكاة ممن لا يؤديها]

وقال مالك: إذا علم الإمام من رجل أنه لا يؤدي زكاة ماله قال إذا 1 علم ذلك أخذت منه 2. يريد: إذا ادعى أنه يؤدي زكاته، وهذا على القول أنها تجزئه إذا ثبت أنه أداها.
وأما على القول أنها لا تجزئه إذا كان الإمام عدلًا؛ فإنها تؤخذ منه، وإن اعترف أنه لم يزكِّ ولدَّ عن أدائها؛ أخذت منه جبرًا وأجزأته، وإن عُدمت منه النية بمنزلة من طلق في الحيض وأبى أن يرتجع، فإنَّ الإمام يرجع عليه، وتصح الرجعة، ولو أخذ ذلك القدر من ماله من بعد الحول وفرق في المساكين- لم يجزئه عن الزكاة.
ويُختلف إذا أخرج ذلك الرجل من ماله على وجه الزكاة؛ قياسًا على من أعتق عن إنسان بغير إذنه 3 عن كفارة وجبت عليه، أو ذبح أضحيته بغير أمره.
وقد اختلف في ذلك، فإن امتنع جماعة من أداء الزكاة، ولم يقدر على أخذها إلا بقتالهم، قوتلوا عليها، وإن امتنع جحدًا، كان كافرًا، ويقتل إن لم 4

يقر بها وإن أطاع بأدائها.
وقال مالك في خوارج غلبوا على بلد (1) ثم ظفر بهم.
قال: تؤخذ زكاة تلك السنين (2) عنهم (3). فإن قالوا: قد أديناها في تلك الأعوام؛ لم يصدقوا إذا كان امتناعهم لئلا يؤدوها وإن كان امتناعهم لغير ذلك؛ صُدِّقوا (4).

فصل [فيمن عجَّل زكاته قبل أن يقرب الحول]

ومن عجَّل زكاته 5 لعام واحد 6، أو لعامين، أو في العام نفسه قبل أن يقرب الحول- لم تجزئه 7. واختلف إذا قرُب الحول، فقال مالك في العتبية: لا تجزئه 8. قال: أرأيت الذي يصلي الظهر قبل الزوال، والصبح قبل الفجر، أليس يعيد؟ وهذا مثله 9. وقال أشهب في كتاب ابن حبيب تجزئه 10. واختلف بعد القول إنها تجزئ إذا قرب الحول- في حد القرب، فقال في1234

كتاب محمد: إذا كان مثل اليوم واليومين؛ أجزأه، ولا يجزئه ما فوق ذلك 1. وقال ابن حبيب: لا تجزئه إلا ما كان 2 مثل الخمسة الأيام، والعشرة لا أكثر من ذلك 3، وقيل: تجزئه الخمسة عشر يومًا.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: أرى الشهر قريبًا، ويجزئه 4. فرأى في القول الأول: أنه شرع غير معلل عُلِّق بوقت؛ فلا يجوز تقدمته عليه كالصلاة.
وفي القول الثاني: أنه شرع معلل، وأن التأخير يتعلق به حق المالك، وحق المساكين، فإذا أخرجها عندما قرب من ذلك؛ أجزأته.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجزئ وإن عُجِّلت لعام أو لعامين.
وفي الترمذي قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ" 5 وفي حديث آخرَ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّا أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ" 6 وقد أجاز أيضًا في حديث أبي موسى تعجيل الكفارة قبل الحنث 7. وقال الليث: لا تجزئ إن

عجلت قبل الوقت؛ خوفًا أن يعود المعطى موسرًا عند الحول.
وقد أجاز ابن القاسم للمعسر أن يكفر قبل الحنث بالصيام وإن كان موسرًا يوم يحنث.
وهذا في زكاة العين، ولا يصح في زكاة الحرث؛ الزرع (1)، والثمار؛ لأنها زكاة عما لم يملك بعد، فلا يدري ما قدره.
وتجوز في المواشي إذا لم تكن لهم سعاة على مثل ما يجوز في العين (2)، أو كان لهم سعاة على القول- أنها تجزئ إذا أخرجها قبل مجيء الساعي.

فصل [في نقل الزكاة]

واختلف في نقل الزكاة على أربعة أقوال: فقال مالك: تقسم في البلد الذي أخذت منه، وإن أصابت قومًا سَنَةٌ، فأذهبت 3 مواشيهم، فنقل إليهم بعض ذلك- رأيته صوابًا، وقال أيضًا: لا بأس أن يوجه بالزكاة من بلد إلى بلد 4. وقال سحنون: إن أخرجها في غير قريته وفيها فقراء، لم تجزئه 5. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إنما يقسم في الموضع الذي أخذت منه الزكاة سهم الفقراء والمساكين، وأما الستة الأسهم؛ سهم العاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فيقسم بأمر الإمام في12 = برقم (5199)، ومسلم: 3/ 1268، في باب نذر من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، من كتاب الأيمان، برقم (1649).

أمهات البلاد التي فيها الأئمة 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: مفهوم حديث معاذ أن لا تنقل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَخبرْهُمْ أَنَّ اللهَ -عز وجل- فَرَضَ 2 عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتردُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" 3 وأيضًا فإن القياس إذا كان فقراء بين أغنياء، أن لا تنقل عنهم زكواتهم، ويكلفوا إلى أن يطلبوا زكوات قوم آخرين في بلد آخر، أو يقيموا على خصاصة، أو يكلف من هو بينهم من الأغنياء مواساتهم، فيكون قد كلفوا زكاة أخرى 4 إلا أن تنزل بقوم سنة، فتنقل إليهم لتغليب أحد الضررين؛ لأن الغالب فيمن نزل بهم ذلك، فنقلها إليهم لتحيا بها النفوس، ولا يخشى ذلك على من تنقل عنهم.
وقد رُوي عن معاذ أنه نقل الزكاة، وقال لا نقبل الثمن: "ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ 5 مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرةِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَأَنْفَعُ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالمَدِينَةِ" 6. والحديث محتمل أن يكون نقل ما بعد سهم الفقراء والمساكين كما قال ابن الماجشون؛ لأنه كان بالمدينة المجاهدون 7، وهم يأخذونها لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
والمهاجرون هم في معنى ابن السبيل والمؤلفة قلوبهم، أو

نقل الجميع للحاجة التي كانت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في (1) إعطاء من يدخل في الإسلام، وينقذهم من الكفر، فقام ذلك مقام من أعطي في سنة الجدب (2)، وقد قال مالك في المستخرجة (3): أستحب لأهل الأمصار أن يحملوا زكواتهم إلى المدينة؛ لأنها دار الهجرة والتنزيل، وأهلها يصبرون على لأوائها وشدتها (4).

فصل [فيمن كان في سفر ومعه زكاة ماله]

وعلى من كان في سفر أن يزكي ما معه من المال 5 ولا يؤخره إلى بلده.
واختلف في زكاة ما خَلَّفَه في بلده، فقال مالك: يزكيه الآن إلا أن يحتاج ولا قوة 6 معه، فليؤخره إلى 7 أن يجد من يسلفه، فليستسلف 8، يريد: يخرج الزكاة ويتسلف ما يحتاج إليه.
وقال أيضًا: يؤخر زكاته حتى يقسم في بلاده 9. فراعى في القول الأول موضع المالك، ومرة موضع المال، وهو أبين أن يكون فقراء من فيهم ذلك المال أحق بزكاته، وأيضًا فإن الزكاة معلقة بعين1234

ذلك المال، فليس يجب على المالك أن يخرج عنه من ذمته، وهذا إذا كان سفره مما يعود منه قبل وجوب الزكاة، فعاقه عن ذلك أمر.
وإن كان سفره مما يعلم أنه لا يعود حتى يحول الحول، فعليه أن يوكل من يخرج عنه عند حلول حوله، فإذا لم يفعل، كان متعديًا، وتصير الزكاة في ذمته، وإذا صارت في الذمة؛ وجب عليه أن يخرجها الآن.
وإن كان محتاجًا على أحد قولي مالك، أن المراعى موضع المالك 1، وكذلك مع القول بجواز نقلها.
وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل 2 إلى بلده 3.

باب فيمن يوخذ منه العشر من أهل الذمة والحربيين

وإذا خرج الذمِّي تاجرًا إلى أُفُقِه؛ لم يؤخذ منه شيء.
وإن خرج إلى غير أفقه؛ أخذ منه إن قدم بتجارة عُشر ثمنها إذا باع 1، وإذا قدم بعين فاشترى به تجارة؛ أخذ منه عُشر تلك السلع 2. وإن قدم بفضة استأجر على ضربها، وكانت ألف درهم؛ ضرب له تسعمائة، وأتى من ينظر للمسلمين بمائة للأجير 3 يضربها لهم، أو يبيع منافعه في ضرب مائة.
ولو قدم بثياب استأجر على صبغها وهي مائة؛ صبغ له تسعين، وإن لم ينظر في ذلك حتى ضرب الألف، وصبغ الثياب 4 المائة، أخذ منه قيمة ذلك الجزء الذي كان يستحق المسلمون، وُيعشر أيضًا ذلك العُشر، فإن باع أو اشترى بعد ذلك في ذلك البلد؛ لم يؤخذ منه شيء.
وكذلك إن خرج إلى بلد آخر من ذلك الأفق؛ لم يؤخذ منه شيء، وإن خرج إلى أفق آخر؛ أخذ 5 منه أيضًا.
واختلف إذا رجع إلى بلده بتجارة، هل يؤخذ منه شيء؟ فقال مالك 6 في

المجموعة: تؤخذ منه 1. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منه مما قدم به شيء 2. واختلف القول 3 إذا أكرى إبله، فقال أشهب: لا شيء عليه 4 في الكراء 5. وقال ابن القاسم وغيره: يؤخذ منه 6. واختلف بعد القول أنه يؤخذ منه، فقيل: يؤخذ منه 7 العُشر بالموضع الذي عقد فيه 8. وقيل: بالموضع الذي قصد 9 إليه 10. وقال بعض أهل العلم 11: يفض 12 الكراء على قدر مسيره في أرضه، وما بعده، فما سار في بلاده؛ سقط عنه، وما سار في غيره؛ أخذ منه 13. ويُختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقبضها في غير بلده، هل يراعى

موضع العقد أو موضع القبض؟ وقال مالك فيما قدموا به إلى مكة والمدينة من الحنطة والزيت: يؤخذ منه نصف العشر (1). وكذلك إلى ما كان من أعراض المدينة من القرى التي يكثر حملهم (2) إليها، من المدينة (3) ورُوي عن مالك أنه قال: يؤخذ منه فيها العُشر (4)، فقد أغنى الله أهل المدينة وغيرها من المسلمين (5). وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين إلا نصف العشر كما فعل عمر - رضي الله عنه - (6). ومن أراد من أهل المدينة (7) أن يرجع بما قدم (8) به من التجارة- لم يمنع من ذلك، ولم يؤخذ منه شيء.
وإن قدم بجارية للتجارة، لم يحل بينه وبينها؛ لأن العشر إنما يستحق من الأثمان.

فصل [في القدر الذي يؤخذ من الحربيين]

واختلف في الحربيين إذا قدموا بتجارة في القدر الذي يؤخذ منهم، وهل يؤخذ من عين ما قدموا به، أو من أثمانه؟ فقال مالك: يؤخذ منهم العشر 9. وقال ابن القاسم، وابن نافع: ليس في ذلك حد معلوم، إنما هو ما12345678

راضاهم 1 المسلمون عليه 2. وقال أشهب في المجموعة: إلا أن ينزلوا من غير مقاطعة، فلا يزاد عليهم على العشر 3. يريد: إذا لم ينظر في ذلك حتى باعوا- وهذا أحسن إذا لم تتقدم لهم عادة ولم يفت ببيع -، كان الأمر على ما تراضوا عليه من قليل أو كثير.
وإن لم ينظر في ذلك حتى فات بالبيع أجروا 4 على حكم أهل الذمة.
قال ابن القاسم: فإن نزلوا على دنانير معلومة؛ لم يُحل بينهم وبين رقيقهم 5. قال: وقال مالك: فإن نزلوا 6 على العشرة حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا.
وإن لم يبيعوا ورجعوا بسلعهم أخذ منهم العشر بخلاف 7 الذميين 8. قال ابن القاسم: وإن نزلوا على العشرة فليس للوالي أن يقاسمهم رقيقهم حتى يبيعوا إلا أن يبدو لهم في البيع، والخروج إلى بلد آخر، أو إلى بلدهم، إلا أن ينزلوا على أن يقاسمهم رقيقهم 9 ما بأيديهم، فلا يكون لهم أن يطؤوا، ولا يبيعوا حتى يقاسموا 10.

وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لهم أن يرجعوا بسلعهم إلا أن يشترط عليهم شروط 1. وقال مالك في المجموعة في الذمِّيِّ يقدم بالخمر أو ما يحرم علينا 2: تركوا حتى يبيعوه، فيؤخذ منهم عُشر الثمن، وإن خيف من خيانتهم، جعل عليهم أمين 3. قال ابن نافع: وذلك إذا جلبوه لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها 4. وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء لهم 5 بذلك، ولا النزول بمثل هذا، وتُهراق الخمر، وتُعرقب الخنازير، فإن نزلوا على أن يقروا على ذلك، وهم بحدثان نزولهم، قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا.
وإن طال مكثهم، فُعل 6 ذلك وإن كرهوا 7.

باب في زكاة معادن الذهب والفضة

الزكاة تجب في معادن الذهب، والفضة دون معادن النحاس، والحديد، والرصاص.
وذلك بأربعة شروط: أن يؤخذ من معدن واحد ونيل واحد عشرون دينارًا 1، أو مائتا درهم بعد الكلفة والمؤنة.
واختلف فيما نيل من المعدن بغير كلفة، أو كلفة يسيرة على ثلاثة أقوال: فقيل: يخمَّس.
وقيل: يزكَّى.
وقيل: إن كان له قدر خُمْس 2 خُمِّس.
وقال مالك في المدونة في الندرة 3 توجد في المعدن من غير كبير عمل: تخمَّس 4. وقال في كتاب ابن سحنون: تزكى 5. وظاهر قوله في كتاب محمد: أنها تخمَّس إذا كانت كثيرة 6. وقال أيضًا في كتاب ابن سحنون في الرِّكازِ: لا يخمَّس إذا كان قليلًا 7، فعلى هذا لا تخمَّس الندرة إذا كانت قليلة، وليست بأعلى رتبة من الرِّكاز، وإذا لم تخمَّس ضمها إلى ما أصاب 8 في المعدن، وجرت على حكم الزكاة.
ومحمل قوله: إنها تخمَّس؛ إذا لم يصب سواها، وإن أصاب غيرها وكان إن

أضيفت الندرة إليه؛ بلغ نصابًا 1، وإذا لم تضف؛ لم يكن في 2 الباقي نصاب، أجري أمرهما 3 على ما هو أكثر للمساكين من خمُس الندرة، أو رُبع عُشر الجميع، هذا على تسليم القول: إنها تخمَّس.
والقول: إنها تزكى، أحسن؛ لأن الخُمس في الرِّكاز، وهذا معدن 4. وقال سحنون: والرِّكازُ هو 5 دفنُ الجاهليةِ، فيؤخذ [منه الخمس 6، 7 لقوله -عز وجل-] 8: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، وإذا انقطع نيل المعدن، ثم حفر وأدرك نيلًا آخرة لم يضف إلى الأول.
ويعتبر نيل كل واحد بانفراده، فما كان منه نصابًا؛ زُكِّي.
وأما المعدنان، فاختلف إن ابتدأ في عمل أحدهما، فلم ينقطع نيله حتى عمل في الآخر وأدرك نيلًا، فقال سحنون: لا يضافان 9.

وقال محمد بن مسلمة: يضافان (1). وإن وجد في معدن أوقيتين (2)، ثم استأنف العمل في ثانٍ ونيلُ الأول قائمٌ، فوجد فيه أيضًا أوقيتين (3)، ثم انقطع نيله، ثم عاد إلى الأول فأخذ منه أوقية أو أوقيتن- زكَّاهما جميعًا؛ لأنهما خمس أواقٍ.
قال (4): وإن كان له تسعة عشر دينارًا، فحال عليها الحول، وأصاب في معدن دينارًا- فإنه يزكي العشرين.
وعلى قول سحنون؛ لا زكاة عليه في هذه العشرين قياسًا على قوله في المعدنين.

فصل [في زكاة المعادن]

واختلف في معادن: الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، يظهر في أرض 5 ملك لرجل، فقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام، يقطعه لمن رآه 6. قال: لأن المعادن يجتمع إليها شرار الناس.
وقال في كتاب ابن سحنون: هو باقي على ملك 7 صاحب الأرض ولا1234

مقال لأحد عليه فيه 1. قال ابن حبيب: ولا يبالي كان أصل الأرض قبل ذلك من أرض الحرب والصلح، أو العنوة، فهي لمن ظهرت في أرضه، وليس ظهور المعدن في الأرض يزيل ملك صاحبها عنها 2. واختلف فيه قول 3 سحنون؛ فروي عنه مثل ذلك 4، وقال أيضًا: أما معادن الذهب، والفضة، فالأمر فيها إلى الإمام لحفظ الزكاة 5. فأما معادن 6؛ الحديد، والنحاس، والرصاص، فلمالك الأرض؛ لأنه لا زكاة فيها 7. وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن زكاة العين والزرع موكولة إلى أمانة أهلها بخلاف ما يخرص.
والثاني 8: أنه لو لم يكل 9 الزكاة إلى أمانتهم؛ لجُعل معهم أمين، وليس كون الشركة بجُزء الزكاة مما يوجب أن يؤخذ منه جميع المال، ويخرج عن ملكه.
والقول: أنه لمالك الأرض أصوب، ويأمره الإمام أن لا يجتمع 10 إليه

أحد يُخشى منه ضرر ولا فساد، فإن لم يفعل؛ باعه ممن لا يخشى ذلك منه.

فصل [القول في المعادن وملكها وإقطاعها وأخذ الزكاة مما يخرج منها من ذهب أو ورق]

واختلف بعد القول أنه لمالكه إذا أعطاه لمن يعمل فيه على معاوضة في الصفة التي يجوز أن يُعطى عليها، وعلى ملك من يزكي، فأنزله ابن الماجشون وغيره بمنزلة من أعطى مالًا قراضًا، أو مساقاة، وأجاز أن يعطي المعدن على جزء نصف، أو 1 ثلث، أو ربع، أو بأجرة 2 يأخذها العامل، فيكون ما أخرج لمالكه.
فأنزله مالك، وأشهب، وسحنون بمنزلة من أكرى أرضه بأجرة معلومة يأخذها صاحبُها، فيكون ما أخرج للعامل، ويزكي 3 على ملك العامل.
وأجاز في كتاب محمد أن يعطى على الثلث، والخمُس، ويجوز على هذا أن يعطى بأجرة يأخذها العامل ويكون ما أخرج لمالكه.
وأجاز مالك في كتاب ابن سحنون للإمام أن يعطي المعدن لمن يعمل فيه على شيء معلوم 4 يؤديه إليه بمنزلة من أكرى أرضه.
وقال أشهب في كتاب محمد، في أهل الصلح يسلمون وفي أيديهم معدن، فيأذنون 5 لمن يعمل فيه من سواهم: فلا بد من زكاة ذلك 6. قال: وكذلك من عاملهم عليها قبل

الإسلام إن كان مسلمًا يؤدي زكاته بمنزلة من اكترى منهم أرضهم 1. فيه فائدتان: أنه يزكيه المسلم وإن كان في 2 الأصل للكافر 3، وأنه بمنزلة الاكتراء، ولا يجوز على هذا أن يعطيه بجزء مما يخرجه، إلا على قول الليث في كراء الأرض بالجزء، ويُمنع على قول ابن القاسم، أن يُعْطَى معدن الذهب بذهب، كما يمنع من كراء الأرض بالحنطة لمن يزرعها حنطة، ويمنع من كرائها بفضة كما يمنع من كراء الأرض بالعسل والملح.
واختلف عبد الملك وسحنون في زكاته، فقال عبد الملك 4: إذا أعطى لمن يعمل فيه، فالشركاء فيما خرج منه كالواحد، والعبدُ فيه كالحر، والذمي كالمسلم 5 فإنما يزكى على ملك صاحبه 6. وقال سحنون: هو كالزرع ليس على عبد ولا على ذمي فيه شيء، وحكم الإشراك فيه حكمهم في الزرع 7. والأول أحسن؛ لأن ما يؤخذ من المعدن قد كان فيه موجودًا، فلم يخرج العامل فيه من عنده شيئًا، وإنما حفر عن شيء موجود حتى كشف عنه، فالذي كان فيه موجودًا، هو الذي يزكى، ومكتري الأرض أخرج من عنده الزريعة ووضعها في الأرض، وهي التي نبتت، وإذا كان ذلك؛ وجب أن يزكى المعدنُ على ملك صاحبه.

فإن كان لحر مسلم؛ زُكي، وإن كان العامل عبدًا، أو ذميًّا، أو جماعة.
وإن كان المعدن لذمي؛ لم يزكِّ العامل وإن كان حرًّا مسلمًا 1. وفي كتاب الشركة ذكر بيع 2 المعادن، وموت 3 من أقطعت له.

باب القول (1) في الرِّكاز

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" 2. قال الشيخ - رضي الله عنه -: يعتبر في الرِّكاز خمسة أوجه: جنسه.
هل هو عين أو عرض؟ وقدره.
وهل يكلف فيه عمل؟.
والموضع الذي وجد فيه هل هو فلاة أو مملوك؟.
وهل وجده مسلم أو كافر؟.
فإن كان عينًا وله قدر، ولم يتكلف فيه كبير عمل- خُمِّس قولًا واحدًا.
واختلف إذا كان عرضًا، أو عينًا لا قدر له، أو له قدر 3 وقد تكلف فيه المؤنة، فقال مالك مرة: إذا كان جوهرًا، أو لؤلؤًا، أو حديدًا، أو نحاسًا- يُخمَّس 4. وقال أيضًا: لا خمس فيه 5. وقال مالك 6 في المدونة: إذا كان عينًا، وكان يسيرًا؛ خمس 7.1

وقال في كتاب ابن سحنون: لا خمس فيه 1. واختلف عنه إذا أدركه بعد الكلفة والمؤنة، فقال: يخمَّس 2. وقال في الموطأ، والمدونة: سمعت أهل العلم يقولون في الرِّكاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه كبيرُ عمل، وأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل 3 فأصيب مرة وأُخطئ مرة- فليس بركاز.
قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا 4. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الصواب أن يخمَّس العين، والجوهر، والعروض والقليل والكثير 5، وما تكلف فيه العمل لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" ولم يفرق، وقياسًا على المغانم أنها تخمَّس، العين، والعروض، والقليل والكثير، وإن تكلف فيه القتال.
وقد قال سحنون في الرَّكاز: دفن الجاهلية، وفيه الخمس 6 لقول الله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، وما وجد على البحر من تماثيل الذهب والفضة- خُمَّس 7. وما وُجد من ترابها، وليس بمعدن فغسل فوجد فيه الذهب وأَيْضة- خُمِّس 8 إن كان يتكلف من ذلك العمل 9 اليسير ويختلف فيه إذا

كان ما له قدر، وفيه مشقة.
ومحمل قوله في كتاب اللقطة، أنه يزكى، ولا يخمِّس على أنه تعظم فيه التكلف.

فصل [في زكاة الركاز]

وإذا وُجد الرِّكاز في فلاة من الأرض؛ كان لواجده، وفيه الخمس 1. واختلف إذا وجده وحده 2 في أرض مملوكة بشراء، أو خطبة 3، أو عنوة، أو صلح؛ فقال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ في كتاب ابن حبيب: هو لواجده 4. وقال ابن نافع موضع آخر: إذا كان جاهليًّا 5. وقال مالك في كتاب ابن سحنون فيمن وجد ركازًا في منزل غيره: أنه لصاحب المنزل 6. وقال عبد الملك بن الماجشون فيمن استأجر رجلًا يحفر له في داره، فوجد ركازًا: هو لصاحب الدار 7. وهذا خلاف ما حكى 8 عنه ابن حبيب.
وقال مالك في المدونة فيمن وجد ركازًا من دفن الجاهلية في بلاد قوم صالحوا عليها: فأراه لأهل تلك الدار الذين صالحوا عليها دون من أصابه 9.

وإن أصيب في أرض عنوة؛ كان لجماعة المسلمين أهل تلك البلاد الذين افتتحوها دون من أصابه.
قال ابن القاسم: لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها، وهو لجميع أهل الجيش 1، ويخمَّس.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: إلا أن لا يوجد أحد ممن كان افتتحها، ولا من ورثتهم، فيكون لجماعة المسلمين عنهم 2 ما كان لهم، وهو أربعة أخماسه، ويوضع خمسه موضع الخمس إلا أن يعلم أنه لم يكن لأهل تلك العنوة فيكون لمن وجده، ويخرج خُمسه 3. وقال سحنون في العتبية: اذا لم يبق من الذُين افتتحوها أحد، ولا من أولادهم، ولا من نسلهم 4 - جعل مثل اللقطة، وتصدق به على المساكين.
وإن كانت الأرض لا يعرف كانت عنوة، أو صلحًا، أو ملكًا 5 - فهو لمن أصابه 6. وقال أشهب في مدونته فيمن وجد شيئًا من دفن الجاهلية في بلد قوم صالحوا عليها: إن كانوا مما يجوز أن يكون لهم 7؛ كان فيه التعريف، وليسوا بأعظم حرمة في دفنهم من المسلمين في دفنهم إذا وجد كان فيه التعريف 8. وإن كان مما لا يجوز أن يكون لهم، وإنما هو لمن لم تكن له ذمة، ولا ممن يرثه أهل

الذمة- ففيه الخمس، وسائره لمن وجده 1. وقال ابن القاسم في المدونة: إن أصابه إنسان في دار نفسه 2، فإن كان من الذين صالحوا على تلك الأرض؛ كان له، وإن كان من غير الذين صالحوا على تلك الأرض، كان للذين صالحوا على تلك الأرض 3. يريد: إذا كان الذين صالحوا على تلك الأرض جماعة، وإن كان واحدًا؛ كان له، وهذا مثل قول مالك: إن الرِّكاز لبائع الأرض دون المشتري 4. وقد قال ابن القاسم في مثل هذا: أن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها 5. وقول مالك أنه لمالك الأرض دون المشتري، أحسن؛ لأن من اختط أرضًا أو أحياها، ملكها وملك ما في بطنها، ولا خلاف أنه أحق به، وليس جهله به هي هنا 6 مما يُسقط ملكه عنه، وإنما يدخل المشتري في الشراء على المعتاد، فجهل الأول والثاني مختلف؛ فجهل الأول لا يزيل 7 ملكه، ويوجب له ملك ما في بطنها وإن لم يقصده، وجهل المشتري لا يوجب له شراء ما لم يقصده، ولا يسقط ملك الأول؛ لأنه لم يقصد بيعه.
ويختلف إذا استأجر المشتري أجيرًا فحفر له، فوجد الأجير ركازًا؛ هل يكون له أو للمشتري أو للبائع؟

باب فيمن يجوز له أخذ الزكاة

أوجب الله تعالى في كتابه الزكاة لثمانية أصناف 1: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
فأما الفقير 2 فتعطى بثلاثة شروط وهي: أن يكون حرًّا، مسلمًا، ممن لا تلزم المزكي نفقته.
فإن أعطى عبدًا، أو أم ولد، أو مدبَّرًا، أو معتقًا إلى أجل، أو معتقًا بعضه- لم يجزئه إذا كان عالمًا؛ لأن هؤلاء وإن كانوا فقراء في معنى الموسر؛ لأن نفقتهم على من له الرق فيهم، فإن عجز عن الإنفاق عليهم؛ بيع هذا، وعجل عتق الآخر.
وإن أعطى كافرًا وهو عالم؛ لم تجزئه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ 3 فِى فُقَرَائِهِمْ" 4. فاقتصر في ردها على المسلمين.
وإن أعطاها لغني، أو عبد، أو نصراني وهو عالم- لم تجزئه 5، وإن لم يعلم وكانت قائمة بأيديهم؛ انتزعت منهم، وصرفت لمن يستحقها.
وإن أكلوها غرموها على المستحسن من القول؛ لأنهم صانوا 6 بها أموالهم، وإن هلكت بأمر من الله، وكانوا غروا من أنفسهم 7 - غرموها، وإن لم يغروا؛ لم يغرموها،

ويختلف 1 فيمن كان وجبت عليه؛ هل يغرمها؟ وكذلك الإمام، أو من جعل إليه تفريقها.
وحكم مخُرج الزكاة إذا أخطأ 2، حكم الوكيل يخطئ فيما وُكل عليه؛ لأنه بنفس إخراجها وتميزها من جملة ماله؛ بريء منها إن ضاعت.
ولا يجزئه أن يعطيها من تلزمه نفقته، من زوجة، أو ولد، أو والد؛ لأن منفعتها عائدة عليه.
واختلف إذا أعطت الزوجةُ زكاتَها لزوجها، فمنع من ذلك في المدونة 3. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن بعض شيوخه، أن ذلك على وجه الكراهية، فإن فعلت أجزأها.
وقال ابن حبيب: إن كان يستعين بما تعطيه في النفقة عليها؛ لم تجزئها، وإن كان بيده ما يُنفق عليها منه 4 وهو فقير، ويصرف ما تعطيه في كسوته ومصلحته؛ أجزأها 5. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي منه دينًا؛ جاز؛ لأن منفعة ذلك لا تعود على المعطي.
واختلف إذا أعطى رجل زكاته من لا تلزمه نفقته من أقاربه؛ فكره مالك ذلك في المدونة خوفًا أن يحمدوه عليها 6. وذكر مطرف عنه في كتاب ابن حبيب أنه قال: لا بأس بذلك 7.

قال: وحضرت مالكًا يعطي زكاته قرابته (1). قال الواقدي: قال مالك: أفضل من وضعت زكاتك فيه قرابتك الذين لا تعولُ (2). وهذا أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجة عبد الله بن مسعود: "لكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ" (3).

فصل [في عجز الفقير والمريض عن الزكاة]

وإذا كان الفقير أو المسكين غير قادر على الاكتساب لزَمانة، أو ضرارة بَصَرٍ، أو صِغر، أو شيخوخة أُعطي من الزكاة.
واختلف إذا كان شابًّا صحيحًا، فأجاز مالك 4 في مختصر ما ليس في المختصر: أن يُعطى، وقال يحيى بن عمر: لا يُعطى وإن فعل فلا يُجزئه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" 5. وقال في حديث آخر: "وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" 6 فاقتضى الحديث الأول المنع لوجود الصحة، لا123

أكثر من ذلك.
وأما قوله: مُكتسب؛ فيحتمل أن يريد به من له قوة (1) على الاكتساب بصحة بدنه، أو لأن له صناعة، والصحيح على خمسة أوجه: فمن كانت له صناعة فيها كفاية لمؤنته، ومؤنة عياله؛ لم يُعط، ولا فرق بين أن يكون غنيًّا بمال، أو صنعة يقوم منها عيشُه فيها كفاية (2). وإن لم تكن فيها كفاية؛ أُعطي ما يكون (3) تمام الكفاية إلى ما يجد (4). وإن كسدت صناعتُه؛ كان كالزَّمِنِ (5). وإن لم تكن له صناعة، ولا يجد في الموضع ما يحترف فيه (6)، أُعطي الزكاة.
وإن كان يجد ما يحترفُ فيه (7) لو تكلف ذلك، كان موضع الخلاف، فأجيز له الأخذ بالقرآن؛ لأنه فقير، ومُنع للحديث.

فصل [في حد الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة]

واختلف في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ 8 " 91234567 = الزكاة، برقم (1633)، والنسائي: 5/ 99، في باب مسألة القوي المكتسب، من كتاب الزكاة، برقم (2598)، وأحمد: 4/ 224، في مسند الشاميين، من حديث رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم (18001).

على ثلاثة أقوال: فقيل: هو من كانت له كفاية وإن كانت دون نصاب للحديث: "مَنْ سَأل وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" 1. وقيل: هو من له نصاب، وأن الغني الذي حرمت عليه، هو كالغني 2 الذي تجب عليه.
ومن كان له دون نصاب، حلت له للحديث: "أمرت أن آخذها من أغنيائهم، فأردها في فقرائهم" 3. وقيل: المراد الكفاية، فمن كان له أكثر من نصابٍ ولا كفاية فيه 4؛ حلت له.
وهذا ضعيف؛ لأنه غني تجب عليه الزكاة، فلم يدخل في اسم الفقراء، ولأنه لا يدري هل يعيش إلى أن ينفق 5 ما في يديه، ولا خلاف بين الأمة فيمن كان له نصاب، وهو ذو عيال ولا يكفيهم ما في يديه، أن الزكاة واجبة عليه، وهو في عداد الأغنياء، وإذا كان ذلك 6 فلم يحلَّ أن يعطى.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَل وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" محمله على من سأل من غير الزكاة فلا تجب مواساته، ألا ترى أنه لا 7 تجب مواساة من له دار وخادم لا فضل في ثمنهما 8، ويجوز له أن يأخذ من = (1635)، والحاكم: 1/ 566، في كتاب الزكاة، برقم (1481)، وصححه.

الزكاة (1)، وفي الحديث: "أو عِدْلِهَا".
والدار والخادم أكثر من عدل الأوقية، ولم يكن ذلك مما (2) يمنع من أن يعطى الزكاة.
واختلف هل يعطى الفقير نصابًا، وأرى أن ينظر إلى زكوات (3) الناس بذلك البلد، فإن كان يخرج به زكاة واحدة في العام، وُسع (4) له في العطاء على قدر (5) ما يُرى أنه يُغنيه إلى مثل ذلك الوقت إذا كان في الزكاة متسعٌ لذلك، وإن كان يخرج به (6) زكاتان: العين والزرع، أعطي من الأولى ما يبلغه الثانية إذا كان فيها محمل لذلك.
وإن كان يخرج به زكاة العين، والحرث والماشية، أعطي من كل واحدة ما يبلغه الأخرى.
والغِنَى المراعى: العين، وعروض التجارة، وفضلة بينة (7) على القنية.
فإن كانت له دار أو خادم لا فضلة فيهما، أو كانت فيهما فضلة يسيرة؛ أُعطي من الزكاة.
وإن كانت فضلة بينة؛ لم يُعطَ.

فصل [في العاملين على جمع الزكاة ومن لا يستعمل عليها]

قال الله -عز وجل-: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، وهم الذين يستعملون على جمع الزكاة 8، فيعطى أجرته بقدر سعيه، وتعبه، وما تكلّف من القرب والبعد.1234567

ويجوز أن يستعمل عليها غني؛ لأنه يأخذ ذلك بوجه الأجرة، ولا يستعمل عليها أحد من آل النبي - صلى الله عليه وسلم -. واختلف في العبد والنصراني، فقال محمد: لا يستعملان عليها؛ لأنهما لا حق لهما في الزكاة، فإن استعملا وفات 1؛ انتزع منهما ما أخذا وأعطيا من الفيء.
وأجاز ذلك أحمد بن نصر، وقاسهما على الغني.
قال: وقول محمد 2 استحسان.
وأجاز محمد بن عبد الحكم أن يُعطَى منها للجاسوس، وإن كان نصرانيًّا.
ويجوز على هذا أن يستعمل عليها العبد والنصراني، ويعطيا الأجرة منها.
والأصل في جواز استعمال الغني قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ: لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ 3 " الحديث 4. وفي منع من كان من آل النبي - صلى الله عليه وسلم - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عبد المطلب ابن الحارث، وللفضل بن عباس وقد سألاه أن يستعملهما على الزكاة فقال: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ" أخرجه مسلم 5.

ولا أرى أن يمنع استعمال العبد والنصراني عليها، وأن يأخذا العوض منها (1)؛ لأن كل واحد منهما بائع (2) لمنافعه، فيأخذ العوض منها قياسًا على الغني.
وأما منع - صلى الله عليه وسلم - آله من الاستعمال عليها، فإن ذلك تنزيه وإعظام لحرمته؛ لأن أخذها على وجه الاستعمال عليها لا يخرجها عن أوساخ الناس، والإذلال في الخدمة لها وفي سببها.

فصل [في المؤلفة قلوبهم]

واختلف في المؤلفة قلوبهم على ثلاثة أقوال: فقيل: هو الكافر يؤلف بالعطاء ليدخل في الإسلام 3. يريد: إذا كان مثله يرجى ذلك منه.
وقيل: هو المسلم يكون حديث عهد بالإسلام، يُرى فيه من الضعف ما يخشى عليه، فيُعطى ليثبت في الإسلام.
وقيل: هو الرجل من عظماء المشركين يسلم، فيُعطى ليستألف بذلك غيره من قومه ممن لم يدخل في الإسلام.
وكل هذا قريب بعضه من بعض، ولا فرق بين أن يعطى كافر لينقذه الله به من النار، أو المُسلم خوفًا أن يعود إلى الكفر، أو ليدخل غيره في الإسلام، فكل ذلك عائد إلى الإيمان للدخول فيه، أو للثبات عليه.
وقد روُي عن صفوان بن أمية أنه قال: "أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ12

وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ" 1. وهذا حجة للقول الأول؛ لأنه لا يبغضه وهو مؤمن.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ" 2. وهذا حجة للقول الثاني.
وقد اختلف في سهم المؤلفة قلوبهم، هل هو منسوخ أم لا؟ فقال ابن شهاب في المدونة: لم يُنسخ من الآية شيءٌ 3. وهذا هو الصحيح، وقد كان الأمر على العطاء 4 لهم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ثم قال لأبي سفيان: قد أغنى الله عنك وعن ضربائك، ولكنك 5 في الفيء كأحدهم.
فلا يقال فيما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل به بعده 6: إنه منسوخ.
وقال عمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، وأبو محمد عبد الوهاب: إذا دعت الحاجة إلى ذلك في بعض الأوقات؛ رد إليهم سهمهم 7. وهذا أحسن؛ لأنه

يرتجى من كافر الدخول في الإسلام بالعطاء، ولا يقدر عليه بالسيف.
ويخشى على الآخر الارتداد واللحوق بدار الحرب، وُيرجى أن يكون العطاء يصده عن ذلك، فيعطى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ" (1). ويرى (2) من كافر بعد الأسر الأنفة والتجبر، ويختار القتل على الدخول في الإسلام بالقهر، والتهديد بالسيف، ويرجى منه باللين، والاستئلاف والعطاء الدخول في الإسلام، فيُعطى عند (3) ذلك.

فصل [في عتق الرقاب من الزكاة]

وأما قول الله سبحانه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177]. يريد: العتق، فينبغي أن تشترى من الزكاة 4 رقبة مسلمة 5، سالمة من العيوب، ليس فيها عقد حرية مما يكون 6 ولاؤها للمسلمين.
واختلف في خمس: في عتق المعيب، وإعطاء المكاتب، وهل يُعطى الرجل مالًا ليعتق عبده، أو يفدي به أسيرًا أو يعتق بعض عبد، فقال أصبغ في العتبية: إن أعتق عبدًا 7 معيبًا، مما 8 لا يجزئ عن الواجبات- لم يجزئه 9. والذي يدُل123

عليه قول مالك وغيره من أصحابه- أنها تجزئه 1. وقال أحمد بن نصر: إنها تجزئه.
ولم يُجز مالك في كتاب محمد، أن يعطى من الزكاة لمن يعتق عبده عن نفسه، وأجازه في مختصر ما ليس في المختصر.
وكره مالك في المدونة، أن يُعان منها مكاتب 2. وأجازه غيره 3، فإن وفَّى وإلا انتزع منه ذلك.
وقال مالك 4 في كتاب محمد: إن أعطي ما يتم به عتقه؛ فلا بأس 5. وقال أيضًا: لا يعجبني ذلك 6. وقال أصبغ، ومحمد بن عبد الحكم: يجزئه 7. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يفتدي منه أسيرًا 8. وأجاز ذلك ابن حبيب 9، ومحمد بن عبد الحكم، فأجرى أمر العتق من الزكاة مرة 10 مجرى العتق عن الواجبات؛ الظهار والقتل، فلا يجزئه إلا ما يجزئ فيه، ومرة لم يقس عليه.
ويختلف على هذا 11 إذا أعتق بعض عبد، فمن أجراه مجرى العتق عن

جارٍ التحميل