لأنه يقطع أنه لم يخاطب بزكاة أكثر منه، فإن نضَّ له شيء بعد ذلك؛ زكَّاه.
فإن اختلط عليه بعد ذلك جعل لنفسه شهرًا، فقد يكثر ما ينضُّ له بعد ذلك فيقرب شهره، أو يقل فيبعد، ثم يقوَّم جميع ما في يديه، وأسقط من ذلك قدر ما ينوب ما كان زكَّاه، إنْ نصفًا فنصفًا، وإن ثلثًا فثلثًا، وزكَّى الباقي.
وإن مر عليه حول من يوم قوَّم، زكَّى عن جميع ذلك، وكان هو حوله أبدًا.
وإلى هذا ذهب ابن نافع فى شرح ابن مُزَيْن، قال فيمن كان يبيع العرض بالعرض: فإنه إن باع بعد ذلك بعين فإنه يُحصيه، فإذا تم مائتي درهم، أو عشرين دينارًا 1؛ زكَّى ذلك، ثم يزكي كما نضَّ له شيء من قليل أو كثير، ولا تقويم عليه 2. يريد: إذا لم يختلط عليه ذلك وإلا 3 قوم.
وقيل لأشهب في كتاب محمد فيمن كان يبيع العرض بالعرض ثم باع بعد سنين بخمسة دنانير: أيزكي؟ فقال: لا، أفي خمسة دنانير زكاة؟ فقيل له: إنه قد بقي عنده من عروضه.
قال: لا قيمة عليه ولا زكاة ما لم يكن له شهر يزكي فيه.
فاتفقت هذه الأقاويل على أنه لا يجب التقويم في موضع يقطع أنه لم تجب عليه فيه زكاة، ولا يُراعى ما كان من البيع بالعين في الحول الأول؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بزكاة، وإنما يراعى الاختلاط إذا تم الأول، ودخل في الثاني.
وكل هذا أيضًا منهما 4 مخالف لما قال ابن القاسم، وقال أشهب 5 فيمن كان يبيع
العرض بالعرض، ثم باع بدراهم، أنه يقوم إذا نضَّ له دراهم (1).
وقال أشهب في شرح ابن مزين، فيمن كان يبيع العرض بالعرض: أنه لا تقويم عليه حتى يمضي له حول مستقبل من يوم باع بالعين (2)؛ لأنه إنما صار من أهل الإدارة، ودخل في سنتها في الوقت الذي باع فيه بالعين، وهذا ضعيف وهذا (3) ظلم على الفقراء.
ومن أقام في يديه مالٌ ناضٌّ ستة أشهر، ثم جلس به للإدارة؛ فإنه يبني على قول مالك على تلك الأشهر المتقدمة قبل أن يدير ماله، ويستأنف الحول على قول أشهب من يوم أخذ في الإدارة (4)، والأول أحسن.
فصل فيما بار من عروض المدير وفيه الخلاف
اختلف فيما بار من عروض المدير، فقال ابن القاسم: يقوم دلك (5). وقال ابن نافع، وسحنون: لا تقويم عليه (6). وهذا إذا بار أيسر ما في يديه.
فرأى ابن القاسم: التقويم لما كانت تبعًا، وأجراها على حكم ما لم يَبُر.
ورأى ابن نافع وسحنون: أنها مراعاة في نفسها، وقد خرجت عن الإدارة.
ولو بار نصفُ ما في يديه أو أكثرُه أو جميعُه، لم يُقوَّم قولًا واحدًا.1234
واختلف في ديونه أيضًا، فقال ابن القاسم: يزكيها 1. وقال المغيرة: لا زكاة عليه في الدين.
ومحمل الخلاف فيما كان من الدين مؤجلًا أجلًا بعيدًا، وهو تبع لما في يديه، فمَرَّ ابن القاسم في ذلك على أصله، وأجراه على حكم الأكثر.
ورأى المغيرة: أنه مراعى في نفسه لما بذلك عن حكم 2 الإدارة.
ويختلف أيضًا فيما أقرضه من مال الإدارة، فقال ابن حبيب: لا زكاة عليه فيما أقرض من ماله 3. يريد: أنه خرج به عن التجارة.
وعلى أصل ابن القاسم: يزكيه إذا كان القرض 4 أقل ماله 5. وقال مطرِّف، وابن الماجشون، عن مالك في كتاب ابن حبيب، فيمن كان يبيع العروض بالعروض، ولا ينض له شيء: أنه يقوِّم ويزكي 6. وهذا مراعاة لاختلاف الناس فيما ذكرناه قبل في زكاة العروض، مع أنه اجتمع 7 في ذلك أنه مال محرَّك مُنمَّى، وقد جاءت السُّنة بزكاة الأموال النامية وإن لم تكن عينًا كالماشية، وفي كتاب الزكاة الثاني ذكرُ زكاة ماشية المدير إذا كانت دون نصاب، أو كانت نصابًا 8 وكان يديرها بالبيع قبل مجيء الساعي.
وأما إن كانت في يديه حوائط للإدارة، وأتى وقت التقويم وفيها ثمار غير مأبورة، أو مأبورة، قُوِّمت مع الأصل 1؛ لأنها حينئذ ليست بغَلَّة، ولأنها تُباع قبل أنْ تَجِبَ فيها زكاةُ الخرصِ.
وإن كانت وقت التقويم قد طابت، وفيها خمسة أوسق فأكثر- لم تقوَّم مع الرقاب؛ لأنها تزكى زكاة الخرص.
وإن كانت دون خمسة أوسق، أو كانت خمسة أوسق، وهي من جنس لا تجب فيه الزكاة كالفواكه وما أشبه ذلك، جرت على القولين 2. فمن قال: إنها لا تكون غلة بالطيب قوِّمت مع الأصل.
ومن قال: إنها بالطيب غلة لم تقوَّم مع الأصل إلا على 3 قول من قال: غَلاَّتُ ما اشتري للتجارة مزكاة كالأصل.
باب في زكاة الديون، وحكم أحواله إذا كان الاقتضاء متفرقًا، وكيف إن اختلط أحوال الاقتضاء
ولا زكاة في الديون وإن أقام أحوالًا، حتى يقبض فيزكى لعام واحد 1.
واختلف إذا تطوع بإخراج زكاته من ذمته قبل قبضه 2.
فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجزئه 3. وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئه لما روي عن ابن عمر من الاختلاف في ذلك، وقول ابن شهاب: إن الدَّيْنَ يُزَكَّى.
قال: وإن كنت لا آمر به، فإن فعل رأيته محسنًا 4؛ لأنه قد وجبت عليه في الدين الزكاة، وإنما يمنعنا أن نأمره بأدائها خوفًا أن يتلف قبل أن يقبضه، فيكون قد أدى عما لا يلزمه.
قال: ولو كنا على ثقة من قبضه، لرأيت ذلك عليه 5، فجعل الدين إذا كان على موسر كالعين في قوله: إذا كان على ثقة من قبضه، أن عليه زكاته، ويلزم على قوله إذا قبضه بعد حولين أن يزكيَهُ لعامين 6؛ لأنه بقبضه سلم مما كان خاف منه.
والديون أربعة: فما كان أصله قرضًا، أو ثمن سلعة للتجارة؛ زكَّاه ساعة يقبضه إذا تقدم له حول.
وما كان أصله فائدةً بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو مهر امرأة، أو أرش جناية؛ استانف به بعد قبضه حولًا، ويلزم على قول أشهب
في جعله إياه كالعين، أن يحسب الحول من يوم ملك ذلك الدَّيْن.
وإن كان الدَّيْن عن ثمن سلعة للقنية باعها بالنقد ثم تأخر الثمن في الذمة؛ استأنف في بالثمن حولًا من يوم القبض على قول مالك (1).
واختلف إذا بيعت بثمن إلى أجل فقال ابن القاسم: يستأنف الحول من يوم القبض (2). وقال عبد الملك بن الماجشون: الحول من يوم البيع (3).
والرابعُ: ديون المدير، واختلف هل تزكى وهي في الذمة قبل قبضها أو لا؟، وقد تقدم الكلام على هذين القسمين (4).
فصل من له ثلاثين دينارًا ذهبًا حال عليها الحول فاقتضى منها عشرة
ومن كان له دين ثلاثون دينارًا حال عليها الحول، واقتضى منها عشرة، لم تكن عليه فيها زكاة، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة أو العشرين الباقية؛ زكَّاهما جميعًا، وكان حول الجميع يوم اقتضيت 5 الثانية.
وإن كان 6 اقتضى في الأول 7 عشرين فزكاها ثم اقتضى عشرة؛ زكاها أيضًا، وكان حول الثانية يوم1234
اقتضيت، ولم يجمعا، وهذا قول ابن القاسم 1.
وقد اختلف في الفصلين جميعًا، فخالف أشهب إذا اقتضى عشرة، ثم عشرة 2 أو عشرين، وزكَّى جميع ذلك، فقال: يعود حول العشرة الأولى يوم اقتضيت؛ لأنه عنده إنما منعه أن يزكيها يوم اقتضيت، خيفة ألا يقتضي غيرها 3.
وخالف محمد بن مسلمة إذا اقتضى عشرين ثم عشرة، قال: يعود حول الأولى يوم اقتضيت حول الثانية؛ لأنه لما زكَّى الأولى عادت إلى ما لا زكاة فيه، وتصير بمنزلة مال أفاده ذلك اليوم وهو دون نصاب، فيضمه إلى حول الثانية وهي العشرة، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
وإن اقتضى عشرة، ثم عشرة، ثم عشرة، فعلى مذهب ابن القاسم: يكون حول الأولى يوم اقتضى الثانية، وحول الثانية 4 يوم اقتضيت 5. وعلى مذهب أشهب: يكون حول كل واحد منها يوم اقتضيت.
وعلى مذهب ابن مسلمة: يعود حول الجميع يوم اقتضيت 6 الثانية 7، وكل هذا الاختلاف 8 مع بقاء جميع ذلك المال في يديه، وكيف يزكِّي في المستقبل؟ وإن أنفق المقتضى من
الدين؛ كان الحكم فيه بمنزلة لو كان قائم العين 1 لم ينفق، فإن اقتضى عشرة دنانير 2 فأنفقها، ثم اقتضى عشرة- زكى العشرين.
وإن اقتضى عشرين فزكاها ثم أنفقها ثم اقتضى عشرة- زكَّاها أيضًا، وهذا الحكم في الإنفاق.
ويفترق الجواب في الضياع، فإن اقتضى عشرين فزكَّاها ثم ضاعت ثم اقتضى عشرة- زكاها، وإن ضاعت العشرون قبل أن يزكيها، وبعد أن فرط في زكاتها- فكذلك يزكيها وما اقتضى بعدها، وإن ضاعت الأولى قبل، أن يفرط في زكاتها- لم يكن عليه فيها زكاة، ولا فيما اقتضى بعدها إلا أن يكون في الاقتضاء الثاني نصاب 3.
واختلف إذا كان الاقتضاء الأول أقل 4 من نصاب مثل: أن يقتضي عشرة فضاعت، ثم اقتضى عشرة، فقال ابن القاسم وأشهب: يزكي العشرين جميعًا 5. وقال محمد: لا زكاة عليه فيها 6.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: والمسألة على وجهين: فإن كانت نيته حين اقتضى الأولى 7 أن يضمها إلى ماله أو يتصرف بها، ولا يمنع نفسه منها حتى يقبض الثانية- كان الجواب على 8 ما قاله ابن القاسم وأشهب أنه يضمن
زكاتها، ويزكي الثانية.
وإن كانت نيته أن يوقفها 1 ولا يتصرف فيها حتى يقبض الباقي- كان الجواب على ما قال محمد؛ لأن كل مال لم يفرط في زكاته حتى ضاع، لا يضمن زكاته.
وإن عدمت النية؛ زكَّاهما جميعًا، وحمل على الغالب من حال الناس أنهم على التصرف فيما يصل إليهم، ولا يوقفون ذلك لمكان الزكاة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا اقتضى أقل من نصاب فأنفقه، ثم اقتضى بعد ذلك تمام نصاب- فإنه 2 يزكي على الجميع على اختلاف بين أصحابنا في إنفاقه 3 أو ضياعه أو بقائه، ثم يزكي بعد ذلك ما يقتضيه من قليل أو كثير.
انتهى قوله 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: المعروف من الاختلاف إنما هو في الضياع، وأما إنفاقه فلا أعرفه وقد كان بعض شيوخنا يقول ذلك، ويقول: القياس ألا يزكي ما تقدم إنفاقه قبل اقتضاء الثاني؛ لأنه أنفقه ولم يخاطب فيه بزكاة، ويرى أن 5 ما قيل
في ذلك من وجوب الزكاة؛ فإنما هو مراعاة للخلاف، ولقول من يقول: إن الدَّيْن يزكى قبل قبضه، وأنه كان مخاطبًا بزكاة ما أنفقه قبل القبض 1، وكذلك إذا انفق عشرة حالَ عليها الحول، وعنده 2 عرض حَالَ عليه الحول 3 ثم باعه؛ فإن القول بوجوب الزكاة في جميع ذلك؛ مراعاة للقول: إن الزكاة تجب في العروض قبل البيع.
ومحمل ما ذكر 4 من الخلاف في بقاء ذلك؛ فإنما هو على الأحوال، فعلى قول ابن القاسم، الحول فيهما 5 يوم اقتضي الثاني.
وعلى قول أشهب؛ يكون حول الأولى يوم اقتضيت، فلو اقتضى من دين حالَ عليه الحول دينارين، فاشترى بكل دينار سلعة، ثم باع كل واحدة منهما بعشرين دينارًا، فإن كان اشترى بالثاني بعد أن باع ما اشتراه بالأول- زكَّى عن إحدى وعشرين، يزكي الأول بربحه، والثاني بغير ربحه؛ لأنه تَجِر في الأول قبل 6 أن تجب فيه الزكاة فكان ربحه بمنزلته، وتَجِر في الثاني بعد أن وجبت فيه الزكاة؛ لأن في يده من الأول عشرين دينارًا 7، فلم يكن ربحه بمنزلته إلا في العام الثاني، وإن اشترى بالثاني قبل أن يبيع الأول، زكَّى الأربعين؛ لأنه تَجِر في الثاني 8 قبل أن تجب فيه الزكاة، فكان ربحه بمنزلته.
فصل [اختلاط أحوال الاقتضاء والفوائد]
اختلف إذا اختلط أحوال الاقتضاء أو أحوال الفوائد، هل تزكى على الحول الأول أو على الآخر؟ وقال محمد ابن المواز في الدَّيْن إذا أكثر واشتد عليه إحصاؤه لكثرة أحواله: فليقدم ما شاء منه إلى ما قبله، ولا يؤخر منه شيئًا إلى ما بعده 1.
وقال في الفوائد تختلط أحوالها: يرد الأول إلى الآخر بخلاف الدَّيْن 2، وبه قال سحنون في الفوائد 3. وقال عبد الملك 4: يضم الفوائد الآخرة إلى الأولى 5، قال: وهو قول مالك.
وهذا مراعاة للاختلاف في الفوائد، هل تزكى بنفس الملك؟، وهو قول ابن عباس، والحسن البصري، والزهري.
وفرَّق محمد بين الفوائد والدَّيْن لقوة الاختلاف في زكاة الدَّيْن قبل قبضه، وضعَّفه في الفوائد.
وإذا لم يُرَاع الخلافُ؛ فإن القياس أن يجعل حولًا بين الحولين، ويزكِّي جميع ذلك عليه، وذلك عدل 6 بينه وبين المساكين، وهذا هو الأصل في كل حق تنازعهُ رجلان إذا لم يكن لأحدهما مزية على صاحبه؛ أن يُقْسَم بينهما.
باب في زكاة الفوائد من الذهب والفضة، وإذا اجتمع فوائد ودَيْن
ومن أفاد عشرين دينارًا أو مائتي درهم؛ لم تجب زكاتها بنفس المِلك له حتى يمر عليها حول.
فإن أفاد مالين؛ فإنه يراعي قدرُهما والأوقات التي أفادهما فيها، فأما قدرهما فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكونا نصابًا بمجموعهما، أو يكون كل واحد منهما نصابًا، أو يكون أحدهما نصابًا والآخر دون النصاب.
وكذلك الوقت الذي أفادهما فيه، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون واحدًا بعد واحد ثم بقيا في يده حتى يجمعهما الحول، أو اجتمعا في ملك ولم يجمعهما الحول، أو افترقا فلم يجتمعا في ملك ولا حول، فإن كان كل واحد منهما دون نصاب مثل: أن يفيد عشرة فأقامت في يده حولًا، ثم أنفقها، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده حولًا، فلا زكاة عليه؛ لأنه لم يجمعهما ملك ولا حول.
واختلف إذا جمعهما الملك ولم يجمعهما الحول مثل: أن يفيد عشرة فأقامت العشرة في يده ستة أشهر، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده ستة أشهر، فحال الحول على الأولى فأنفقها، ثم أقامت الثانية ستة أشهر فتم حولها، فقال ابن القاسم: لا زكاة عليه؛ لأنه لم يجمعهما حول.
وقال أشهب: يزكي عن العشرين جميعًا، وإن بقيت في يده العشرة الأولى حتى حال الحول على الثانية؛ زكاهما على القولين جميعًا 1.
واختلف في حول الأولى، فقال ابن القاسم: حولها حول الثانية، لا يفترقان أبدًا.
وقال أشهب: يعود حول الأولى يوم كان تم حولها، فإن ربح فيها وفي الثانية ما تعودان به إلى نصاب، زكَّاهما جميعًا على حولهما 1.
ويختلف إذا أفاد عشرة ثم عشرين، أو عشرين ثم عشرة في صفة الأحوال على نحو ما تقدم في الاقتضاء، إذا اقتضى عشرة ثم عشرين 2، أو عشرين ثم عشرة.
فعلى قول ابن القاسم؛ إن تقدمت العشرة، زُكِّيت على حول العشرين، وإن تأخرت زُكِّيت على حولها ولم تضم إلى العشرين.
فعلى قول أشهب؛ تُزكَّى العشرة على حولها 3 وإن تقدمت.
وعلى قول ابن مسلمة إذا زُكِّيت العشرون؛ ضُمّت إلى العشرة، وزُكِّيت فيما بعد ذلك على حولها.
وإن كان في كل فائدة عشرون؛ زُكَّيت كل واحدة بانفرادها، ولا يزالان على ذلك ما لم ينقصا إذا جُمعا عن عشرين دينارًا أو مائتي درهم، ويراعَى حينئذ من أيهما ابتدأ النقص، فإن كان حول الأولى المحرَّم، والثانية رجب فأتى المحرَّم وفي كل واحدة عشرة دنانيرة زكَّى الأولى ربع دينار ثم يجمعهما على مذهب ابن القاسم وقد سقطت الزكاة من الثانية إلا أن يتجر 4 في أحدهما؛ فيزكي الثانية، فإن ربح قبل رجب أو عند حلول الثانية؛ زكاها على حولها 5، وإن ربح في شعبان أو رمضان؛ زكَّاها حينئذ وانتقل حولها إلى يوم زكَّاها، وإن
لم يربح حتى أتى المحرم؛ زكاهما جميعًا ولم يفترقا أبدًا، فإن كان النقص من الثانية؛ لأنه زكى الأولى ولم ينقصا عن عشرين 1، فلما زكَّى الثانية نقصتا جميعًا فجمعهما إن شاء.
وإن ربح في إحداهما قبل المحرَّم؛ زكَّى التي في المحرَّم وبقيت على حولها.
وإن ربح في صَفَر أو فيما بعد ذلك وقبل رجب؛ زكَّاها حينئذ ويكون ذلك حولها.
وإن ربح في رجب زكَّاهما ولم يفترقا أبدًا.
وقال أشهب في كتاب ابن حبيب: إذا زُكِّيت الأولى ثم أنفقها أو تلفت؛ أنه يزكي الثانية إذا حال عليها الحول وإن لم يكن في يده سوى عشرة 2.
وقال محمد بن مسلمة في رجل أفاد مائتي درهم، ثم أفاد بعد ستة أشهر ألف درهم، فزكى المائتين عند تمام حولها، ثم زكى الألف أيضًا عند تمام حولها، فإذا مرت ستة أشهر بعد ذلك فحال على المائتين الحول لم يزكها؛ لأنها ناقصة عن النصاب، فإذا بلغت حول الألف وقت زكاتها 3؛ اختلطت بها وزُكِّيت معها، فرأى أنه لما زكَّى الألف؛ صار بمنزلة ما لو أفاد تلك الألف وقت زكَّاها، فلا يؤمر بزكاة المائتين؛ لأنها أقل من نصاب، والألف حينئذ لم يَحُل عليها الحول.
فصل وإذا اجتمع فائدة واقتضاء
وإذا اجتمع فائدة واقتضاء، فإن بقي 1 الجميع في يده؛ كان النظر في صفة الأحوال.
وإن كان إنفاقًا؛ كان النظر في وجوب الزكاة وسقوطها.
فإن كان له دين عشرون دينارًا حال عليها الحول، ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولًا فأنفقها، ثم اقتضى عشرة- فيزكِّي 2 عن عشرين نصف دينار؛ لأن الفائدة تضم إلى ما اقتضى بعدها، ولا تضاف إلى ما اقتضى قبلها، وإن اقتضى عشرة دنانير 3 أولًا فأنفقها، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده 4 حولًا- لم تضف إلى الأولي؛ لأنه لم يجمعهما مِلْك، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة؛ زكَّى عن ثلاثين، والعشرة الآخرة أوجبت الزكاة في العشرتين الأوليين؛ لأن الاقتضاء يضاف بعضه إلى بعض وهو عشرون ففيها الزكاة لو لم تكن الفائدة، والفائدة تضاف إلى ما اقتضى بعدها وهما عشرون؛ ففيها الزكاة لو لم يتقدم الاقتضاء الأول.
ولو كان الاقتضاء الآخر خمسة لم تجب في شيء من ذلك زكاة؛ لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر ولا زكاة فيها، والفائدة مع اقتضاء ما 5 بعدها خمسة عشر؛ فلا زكاة في ذلك، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة، زكَّى عن الثلاثين، ولو اقتضى عشرة فأنفقها، ثم أفاد خمسة فأقامت حولًا، ثم أنفقها، ثم اقتضى خمسة - لم تجب عليه زكاة؛ لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر، والفائدة وما بعدها عشرة،
فإن اقتضى بعد ذلك خمسة زكَّى عن جملة الاقتضاء؛ لأنها عشرون، ويبقى الأمر في الفائدة موقوفًا؛ لأن الذي بعدها عشرة، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة؛ زكَّى الفائدة والخمسة المقتضاة أخيرًا.
ولو كان الاقتضاء المتقدم خمسة والفائدة عشرة، ثم اقتضى بعدهما عشرة- لزكيت الفائدة مع ما اقتضى بعدها؛ لأنهما عشرون، ويبقى الاقتضاء الأول موقوفًا فإن اقتضى بعد ذلك خمسة؛ زكى الخمستين؛ لأن بالآخرة تم جميع الاقتضاء عشرين، وإن اقتضى عشرة فلم ينفقها حتى أفاد عشرة، ثم أنفق عشرة الاقتضاء، ثم حال الحول على الفائدة- لزكى عن عشرين على قول أشهب (1)؛ لأنه قد جمعهما المِلك، ولم يزكهما على قول ابن القاسم؛ لأنه لم يجمعهما حول (2).
فصل من كاتب عبده بدنانير فلم يقبضها حتى حال الحول
ومن المدونة قال فيمن كاتب عبده على دنانير، فلم يقبضها حتى حال عليها الحول: إنها فائدة فيستقبل بها حولًا من يوم قبضها 3. قال الشيخ - رضي الله عنه -: اختلف في الكتابة هل هي غلة، أو ثمن للرقبة؟ واختلف في غلات ما اشتري للتجارة، وإذا كان ذلك وكان العبيد للتجارة؛ وجبت الزكاة فيما أخذ منه من 4 وجهين: على القول إنها ثمن12
للرقبة، وعلى القول إنها غلة وأن الزكاة تجب في غلات ما اشتري للتجارة، وتسقط على القول إنها غلة 1، وأن الغلات فائدة.
وإذا كان العبد للقنية؛ لم تجب الزكاة من وجهين: لم تجب على القول إنها غلة، ولا على القول: إنها ثمن للرقبة، على أصل ابن القاسم 2.
وتجب على قول عبد الملك فيما كان للقنية، فتباع بثمن إلى أجل، أن الزكاة تجب من يوم البيع؛ لأن الكتابة كالثمن المؤجل، واستحسن إذا كانت الكتابة نحو خراج العبد أو ما قاربه، أن تجري على حكم الغلة، وإن كانت أكثر بالشيء البيَّن، أن تجري على حكم الثمن للرقبة، ثم ينظر هل كان للتجارة أو للقنية؟ وعلى هذا يجري الجواب إذا بيعت الكتابة؛ فتجب الزكاة في ثمنها، في الموضع الذي كانت تجب فيه قبل البيع إذا أديت، وتسقط في الموضع الذي كانت ساقطة فيه قبل البيع.
وفرَّق في قول آخر بين اقتضائها قبل البيع، وبين الثمن إذا بيعت فأجرى حكمها قبل البيع على أنها غلة، وبعد البيع على أنها ثمن للرقبة لما كانت الرقبة للمشتري إن عجز فتجب الزكاة إذا كان العبد للتجارة، إذا حال الحول على ما كان قبل الكتابة لو بيع وهو عبد، وهذا الحكم في بائع الكتابة 3. وأما مشتريها، فيزكي ما يقبض 4 منه على أصل ذلك المال الذي اشتراها به، وسواء حمل شراء المشتري على الغلة، أو على الرقبة؛ لأن من اشترى منافعًا ونوى بها التجارة، زكى ثمنها كما يزكي مشتري الرقاب للتجارة.
فصل من بيده مائة دينار وعليه دين مثلها وحال عليها الحول
ومن المدونة قال مالك فيمن بيده مائة دينار حال عليها الحول، وعليه دين مثلها، فوُهبت له المائة الدَّيْن 1: أنه يستأنف بالمائة التي في يده حولًا؛ لأنها صارت فائدة 2.
وقال غيره: يزكي ما في يديه 3، وهو أبين؛ لأن الدَّيْن لم يكن معلقًا بها، وإنما الدَّيْن في الذمة، فالموهوب ليس فيما في يديه 4.
واختلف إذا لم يوهب له وأفاد عرضًا عند رأس الحول، فعلى قول مالك: يستأنف حولًا وكأنه أفاد المائة يوم أفاد العرض، وعلى القول الآخر: يزكي ما في يديه.
واختلف إذا وهب صاحب المال 5 دينه لغير غريمه، فقال أشهب: لا زكاة فيها على الواهب، ولا على الموهوب له 6. وقال ابن القاسم: الزكاة فيها على الواهب 7. وقال محمد: لأن قبض الموهوب له كقبضه لها 8، قال محمد: ولأنها
تؤخذ الزكاة منها.
وقول أشهب أحسن؛ لأنه وهبها وهي دَيْن، فلم يكن على الواهب فيها زكاة، ولا على 1 الموهوب؛ لأنها فائدة.
وقول ابن القاسم، استحسان، ومراعاة للخلاف، فإن الحوالة ليست بقبض، وأن الهبة إنما تصح بقبض الغريم لها، وكأنها على ملك الواهب حتى تقبض، وأرى أن تزكى على تسليم هذا القول منها إذا كان لا 2 يرى أن الحوالة عليها قبض.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا أحال بمائة عليه على مائة له على غريم، أن على المحيل زكاتها إذا قبضها المحال بها، وعلى المحال بها زكاتها أيضًا 3.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: يزكِّي هذه المائة اثنان: المحال عليه إذا كان عنده عرض يوفي بها، والمحال لها؛ لأنه لا فرق بين أن يقبضها من غريمه أو من المحال بها عليه، وإنما يختلف في المحيل بها، فعلى قول أشهب: لا زكاة عليه، وعلى قول ابن القاسم: يزكيها.
وقال محمد بن سحنون في رجل تصدق على رجل بألف درهم، وعزلها 4 للمتصدَّق عليه فأقامت سنين، فإن قبله المتصدَّق عليه، استقبل بها حولًا وسقط منها زكاة ما مضى، وإن لم يقبلها رجعت إلى مولاها، وزكاها لما مضى من السنين 5.
فصل لا زكاة على قوم ورثوا دارًا فباعها القاضي ووضع ثمنها فأقام أحوالًا
ومن المدونة قال مالك في قوم ورثوا دارًا، فباع عليهم القاضي، ووضع ثمنها على يدي عدل حتى يقسم بينهم، فأقام أحوالًا ثم قبضوه: لا زكاة عليهم حتى يحول الحول من يوم قبضوه 1.
فأسقط الزكاة لما كانوا مغلوبين على تنمية ذلك المال.
وإن كانوا عالمين به، وكان موقوفًا بإيقاف القاضي، فقد اختلف في هذه المسألة، فقيل: يزكونه إذا اقتضوه لعام واحد 2؛ لأنه ضمار، والضمار 3: المال 4 المحبوس عن أهله.
وقيل: يزكونه للأعوام كلها؛ لأنه ملك لهم بنفس الموت.
وقيل: إن وضعه القاضي على يدي عدل 5، زكَّى للأعوام كلها.
واختلف أيضًا هل عِلْمُ 6 الوارث بذلك وعدم علمه 7 سواء؟ فقيل: إذا
لم يعلم؛ استأنف به حولًا، وإن علم؛ زكَّاه لعام.
وقيل: للأعوام كلها.
وقال مالك في المدونة فيمن ورث مالًا بمكان بعيد، ثم قبضه الوارث بعد ثلاثة أحوال: إنه لا شيء عليه فيه 1؛ حتى يحول الحول من يوم يقبضه 2 رسوله 3. وقال في كتاب محمد: إن لم يعلم ووضعه الوالي على يدي ثقة، ومضى له سنون كثيرة 4؛ يزكيه لعام واحد.
وقال مطرِّف في الواضحة: إن لم يعلم به؛ استأنف به حولًا، وإن علم ولم يستطع التخلص إليه؛ زكَّاه لعام واحد، وإن كان يقدر على التخلص إليه؛ زكاه لماضي السنين 5.
وإن وضعه السلطان على يدي عدل؛ زكَّاه لماضي السنين 6 وإن لم يعلم به 7؛ لأن قبض السلطان للغائب والصغير كقبضه.
والذي يقتضيه قول مالك في المدونة: أنه يستأنف الحول 8 من يوم القبض 9 وإن كان عالمًا به؛ لأنه جعل الحول من يوم يقبضه رسوله، فقد علم به ثم بعثه 10 فيه، فلو كان للعلم تأثيرٌ، لكان الحول من يوم علم، ولا فرق في الحقيقة بين علمه وعدمه إذا كان غير قادر على أخذه.
وكل هذا الذي تقدم اضطراب، والصحيح من ذلك أحد وجهين: فإما أن يقال: إن عدم القدرة على التصرف فيه والتنمية تمنع الزكاة، فلا تجب إلا من 1 بعد القدرة على ذلك، علم بالمال أو لم يعلم، وضع على يدي عدل أو لم يوضع، وإلى هذا ذهب مالك في المدونة في الدار التي بيعت على الورثة 2، أو يقال: إن عدم القدرة على التنمية لا يمنع الزكاة، فتجب لسائر الأعوام، وإن لم يعلم، ولم يوضع على يدي أحد، وهذا أحسنُها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن آخذها من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم" 3. ولم يفرق.
ولم يختلف المذهب فيمن ورث ماشية أو نخلًا؛ أنها تزكى لماضي الأعوام، علم أو لم يعلم، وُضعِت على يدي عدلٍ أم لا 4؛ لأن التنمية فيها موجودة بخلاف العين 5، وكذلك الأسير والمفقود تزكى ماشيتهم وثمارهم بخلاف العين، وإذا بعث الورثة رسولًا؛ فإنه لا يختلف أنه يحسب حولًا من يوم قبضه، ولا ينظر إلى وقت وصوله إلى الوارث؛ لأنه كان قادرًا على أن يوكله على تنميته، فإن كانت المسافة والمقام المعتاد فيما بين ذلك عامًا أو عامين زكَّى عن تلك الأعوام، وإن عرض مَانِعٌ في الطريق؛ عدوٌ أو غيره، فأقام لأجله أعوامًا- عاد الخلاف في تلك المدة التي وقع فيها المنع على ما تقدم، إذا علم ولم يقدر على التخلص إليه.
ويختلف إذا حبسه الرسول تعديًّا أعوامًا (1)، هل يستأنف به حولًا أو يزكيه لعامٍ واحدٍ؟ ولا خلاف أنه لا يزكيه لتلك الأعوام؛ لأنه صار دَيْنًا.
فصل [فيمن سقط ماله ثم وجده]
ويختلف في المال يسقط من صاحبه على نحو ما تقدم إذا ورثه وعلم به، هل يستأنف حولًا من يوم وجوده، أو يزكيه لعام واحد أو للأعوام؟ وهل يفترق الجواب إذا وُقف على يدي عدلٍ؟ فقال مالك في العتبية: إذا وجده صاحبه بعد سنين؛ زكَّاه لعام واحد 2. وقال المغيرة، وسحنون: يزكيه لكل عام 3. وقال ابن حبيب: يستأنف حولًا إذا كان صاحبه منقطع الرجاء منه؛ لأنه ضمار، ولا زكاة في الضمار، وهذا إذا حبسه لصاحبه 4. واختلف إذا حبسه الملتقط لنفسه بعد الحول، ولم يحركه حتى أتى صاحبه، فقال مالك في كتاب محمد: يزكيه ملتقطه لحول من يوم نوى ذلك، ويزكيها صاحبها لعام 5، وإن أقامت بعد ذلك أعوامًا 6. وقال ابن القاسم في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها وإن نوى 7 حبسها لنفسه للحديث 8،1
والأول أبين؛ لأنها صارت دينًا عليه.
واختلف فيمن دفن مالًا ثم ذهب عنه موضعُه (1)، ثم وجده بعد أعوام، فقال مالك في كتاب محمد: يزكيه لماضي السنين.
وقال محمد بن المواز: إن دفنه في صحراء، أو في موضع لا يحاط به- فهو كالمغصوب، والضائع، وأما البيت والموضع الذي يحاط به؛ فيزكيه لكل سنة (2). وعكس ابن حبيب الجواب فقال: إن دفنه في صحراء؛ زكاه لماضي السنين؛ لأنه عرّضه للتلف لما دفنه بموضع يخفى عليه، وإن كان بموضع لا يخفى عليه؛ لم يزكه للأعوام (3).
قال الشيخ: وأرى أن يزكيه لتلك الأعوام، وسواء كان دفنه في بيته، أو في صحراء، وقد تقدم وجه ذلك.
فصل من اشترى حائطًا للتجارة ولا ثمرة فيه ثم أثمر عنده
ومن اشترى حائطًا للتجارة ولا ثمرة فيه، ثم أثمر عنده؛ فإنه في ثمرته على ثلاثة أوجه: إما أن يجُدّ الثمرة، أو يبيع الأصل بثمرته بعد الطيب، أو قبله، فإن كانت الثمرة من صنف يُزكى وهي خمسة أوسق فأكثر زكَّاها زكاة الخرْص، فإن جدَّها ثم باعها؛ زكَّى عن المكيلة لا عن الثمن 4، وكذلك إن باع الأصول واستثنى الثمار، وإذا أدخل الثمار في البيعِ؛ فضَّ الثمن، فما ناب123
الأصول؛ زكَّي زكاة العين، وما ناب الثمار؛ زكَّي زكاة الخرص.
وإن كانت الثمار من صنف يزكَّى وهو دون خمسة أوسق، أو من صنف لا يزكى وهي خمسة أوسق فأكثر؛ نظرت فإن كانت قد جُذَّت ثم باعها؛ كان الثمن فائدة، وإن باع الأصول والثمار قبل الجِذاذ وكانت قد طابت؛ زكَّى عن جميع الثمن على القول: إن الثمار لا تكون غلة بالطيب، وأما على القول: إنها غلة بالطيب؛ فيفض الثمن، فما ناب الغَلة كان فائدة.
واختلف أيضًا إذا باع الأصول والثمار بعد اليبس، فعلى القول: إنها غلة باليبس؛ يفض الثمن، وعلى القول: إنها لا تكون غلة إلا بالجِذاذ؛ يزكي عن جميع الثمن، وإن بيعت الأصول بثمارها قبل الطيب؛ زكَّى عن جميع الثمن، وعلى هذا يجري الجواب في الغنم إذا اشتُريت قبل تمام صوفها، فتمَّ عند المشتري ثم جزه فباعه؛ فهو غلة.
وإن باعها بصوفها وقد تم ولم يَتَوَذَّح 1، كان كالطيب في الثمار.
وإن تعسّل كان كاليبس في الثمرة؛ لأنه لم يبق إلا جدادُ هذه، وجزازُ هذه.
واختلف إذا اشتراها وعليها صوف قديم 2 قديم 3، فجزه ثم باعه، فقول ابن القاسم: أنه مشترى، يزكيه على الأصل في المال الذي اشتريت به الغنم، وعند أشهب: أنه غلة.
والأول أبين؛ لأنه مشترى ويزاد في الثمن لأجله، ولو ثبت أن البائع للغنم باع الصوف قبل بيعه إياها، لرجع المشتري بما ينوب ذلك الصوف من الثمن.
باب في زكاة من عليه دَيْن
وقال مالك فيمن وجبت عليه زكاة وعليه دين يغترق جميع ما في يديه: أن الدَّيْن يُسقط زكاةَ العينِ: الذهب والفضة، ولا يسقط زكاة الحرث، ولا الماشية 1، ولا زكاة العين إذا كان 2 من مَعْدِن 3.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أصحاب الرأي: يسقط الدَّيْن زكاة العين والمواشي، ولا يسقط زكاة الحرث، ولا زكاة العين إذا كان من معدن 4.
وقال سليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والنَّخَعي، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور - رضي الله عنهم -: لا زكاة على من كان عليه دَيْن في شيء من الأشياء.
وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى: لا يُسقط الدَّيْنُ الزكاةَ بحالٍ.
واختلف فيه عن الشافعي، فقال مرة بقول ابن يسار وغيره ممن ذكرنا معه، ومرة بقول ربيعة 5.
واختلف المذهب في زكاة الفطر، فقال أشهب: لا يسقط الزكاة بخلاف العين، وقيل: لا زكاة عليه كالعين 6.
واختلف المذهب في زكاة العين إذا كان له من العروض أو غيرها ما يحمل دينه، فقال مالك وابن القاسم: يجعل دينه في عروضه 1، وسواء كانت للقنية أو للتجارة، ويُزكي ناضّه 2. وذكر عبد الملك عن الليث وسفيان 3، ومحمد بن عبد الحكم أنهم قالوا: يجعل 4 الدَّيْن في الناضّ، ولا يجعل في العروض 5. قال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن لا زكاة على من عليه دَيْن 6 أيّ صنف كان الذي 7 تجب فيه الزكاة؛ لأن الزكاة مواساة من الأغنياء إلى الفقراء، ومن كان عليه دَيْن يستغرق ما في يديه؛ فهو فقير ممن تحل له الزكاة قبل أن تؤخذ منه = الأئمة قالوا ذلك عند أخذهم زكاة الفطرِ، والحَبِّ، والثَّمرِ، والماشيةِ، أَنْ يسقطوا زكاة ذلك بالدينِ، وقد قالوه في العين، وكان عثمان ينادي به عند الحولِ فِي مَنْ عليه دَينٌ".
زكاة ما في يديه، وقد يكون الدَّيْن أكثر مما في يديه، فيكون من الغارمين، وليس هذه صفة من تجب عليه الزكاة.
ومن المدونة قال مالك: لا يجعل الدين في عروضه إذا كانت ثياب جسده ويجعلها في الفاضل 1. يريد: عن لبسة واحدة.
قال ابن القاسم: ويجعل دَيْنه في خاتمه 2.
وقال أشهب: لا يجعل دَيْنه فيه.
والأول أحسن، ولا مضرة في زوال الخاتم 3: ويجعل دَيْنه في ثوبي جمُعته إلا أن لا تكون لهما تلك القيمة 4، وهذا استحسان.
ومن حق الطالب 5 أن يُباعا وإن قَلَّت قيمتهما.
واختلف في المدبَّر، فقال ابن القاسم: يجعل دَيْنه في قيمته على أنه لا تدبير فيه.
وقال سحنون: لا يجعل دَيْنه في قيمته، ولا في قيمة خدمته 6.
وهذا هو الأصل ألا يجعل الدَّيْن إلا فيما يجوز أن يباع للغرماء، والأول استحسان واحتياط للزكاة، ومراعاة للقول أنه يجوز بيعه في الحياة بين لم يكن عليه دَيْن.
وأرى أن يجعل دَيْنه فيما يجوز أن يباع من خدمته بالنقد، وذلك السنتان 7 ونحوهما قياسًا على المعتق إلى أجل، ولم يختلفوا أن الدَّيْن يجعل في قيمة خدمته.
واختلف في المُكَاتَب.
فقال ابن القاسم: يجعل دَيْنه في قيمة كتابته على حاله 1. وقال أصبغ في قيمة عبد: لا كتابة فيه مثله كالمدَبِّر.
والأول: أقيس، والثاني: احتياط للزكاة، ومراعاة للخلاف أن الكتابة ليست بعقد لازم.
وقال محمد: لو أخدم رجلٌ رجلًا عبده سنين، أو أخدم هو عبدًا لغيره سنين أو حياته، لجعل دينه فيما تساوي تلك الخدمة، أو مرجع ذلك العبد 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله يجعل دينه 3 في الخدمة إذا كانت حياته، ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا بغيره، وأظنُّه قاس ذلك على المدبَّر، وليس مثله؛ لأن الجواب في المدَبَّر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة 4، ولا خلاف أنه لا يجوز للمُخدَم أن يبيع تلك الخدمة حياته، وكذلك المرجع لا يجوز أن يجعل فيه الدين؛ لأن بيعه لا يجوز.
وأما إذا كانت الخدمة سنين معلومة؛ فيحسُن أن يُجعَل الدَّيْن في قيمتها؛ لأنه لا 5 يجوز بيعها.
ويختلف فيها بعد ذلك ولأن حقه متعلق بحياة العبد، وقد تقدم مثل ذلك فيمن اكترى دارًا، ثم أكراها بالنقد.
وقال مالك: إذا كان عليه إجارة أجراء قد عملوا حط عنه في ذلك من
الزكاة (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا يحط عنه الزكاة إذا لم يعملوا على أصل مالك إذا كانت الإجارة ليس فيها محاباة؛ لأنه يجعل دينه فيه.
فصل من بيده مائة دينار وعليه دين مائة وله على أحد دين مائة
ومن المدونة قال مالك فيمن بيده مائة دينار، وعليه دَيْن مائة 2، وله دَيْن على آخر مائة: أنه يجعل الدَّيْن الذي عليه في الدَّيْن الذي له، ويزكّي المائة التي في يديه 3. فجعل الدَّيْن الذي عليه في عدد الدَّيْن الذي له 4، وقال ابن القاسم: إن كان دينه على غير مليًّ، فليحسب قيمته 5. وقال سحنون: يجعل عدد ما عليه في قيمة ما له من الدَّيْن 6. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا يخلو الدّينان أن يكونا حالَّين، أو مؤجلين، أو أحدهما حالٌّ والآخر إلى أجل، وفي كل هذه الوجوه لا يختلف الجواب في الدَّيْن الذي عليه، أنه يحسب عدده، وإنما يفترق الجواب 7 في الدَّيْن الذي له، فإنه يحسب تارة عدده، وتارة قيمته، وتارة لا يحسب قيمته ولا عدده، فإن كان الدَّيْن الذي1
له حالاًّ على موسر، حسب عدده، وسواء كان الدَّيْن الذي عليه حالاًّ، أو مؤجلًا، وإن كان دينه مؤجلًا والذي عليه حالاًّ؛ جعل في قيمة دينه، وإن كانا مؤجلين وتساوى الأجل، وكان أجل (1) دينه يحل أولًا؛ جُعل في عدد دينه، وإن كان أجل ما عليه يحل قبلُ؛ جعل عدد ما عليه في قيمة ماله.
فإن كان أجَّلَ ما عليه إلى ستة أشهر وأجل دينه سنة؛ قوّم دَيْنه (2) على أنه يقبض إلى ستة أشهر؛ لأنه الذي يبقى من أجل دينه إذا حلَّ ما عليه، وإن كان غريمه موسرًا بنصف دينه وهو حال؛ جعل نصف ما عليه في نصف ما له، وزكَّاه، وإن كان لا يعلم ما ينوبه في الحصاص، جعل في قيمته دينه، وهذا استحسان، والقياس ألا يجعل في شيء منه؛ لأنه لا ينبغي أن يُباع ما في ذمة غريمه إذا كان لا يعلم قدر ما ينوبه في الحصاص، نصف، ولا ثلث، ولا ربع.
وإن كان دَيْنه على فقير ولا يشتري ما عليه لفقره، أو لتعذر ما يرجى من يسره - لم يجعله في عدد ولا قيمة.
فصل من بيده مائتا دينار وعليه دين مائة
واختلف إذا كان في يده مائتا دينار وعليه دين مائة، فقيل: يجعل دينه في مائة، ويزكي مائة واحدة 3. وقيل: إذا زكَّى مائة؛ جعل دينه فيها، وزكَّى المائة الأخرى إلا ما نقصت الزكاة من 4 الأولى، وسواء اتفق حول المائتين أو12
اختلف 1.
وقيل: إن اتفق حول المائتين؛ زكى مائة واحدة، وإن اختلف؛ زكى التي حل حولها، وجعل دينه في الثانية، فإذا حل حول الثانية ولم يقبض ذلك الدين؛ جعل دينه في الأولى وزكَّى الثانية.
ومن كان معه مائتا دينار، إحداهما معدنية والأخرى فائدة 2، ولم يزكِّ واحدة منهما؛ فإنه يبدأ بزكاة المعدنية؛ لأن الدَّيْن لا يُسقط زكاتها، ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي المائة الأخرى إلا ما نقصت الزكاة من المائة الأولى.
وكذلك الماشية إذا كان في يده مائة دينار وعليه مثلها، وله نصاب ماشية حال عليه الحول؛ فإنه يزكي ماشيته، ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي ما في يديه من العين.
ومن كان عليه دَيْن من نفقة زوجته؛ حط عنه فيها الزكاة، وسواء كانت بقضية أم لا.
واختلف في نفقة الولد والوالدين، فقال ابن القاسم: لا تسقط بها الزكاة وإن كانت بفريضة من القاضي 3. وقال أشهب: تسقط الزكاة بنفقة الولد وإن لم تكن بفريضة من القاضي؛ لأنها لم تزل، ولا تُسقط نفقة الوالدين إلا أن تكون بفريضة من القاضي 4، وهذا أقيس، وكل موضع يكون لمن أنفق إذا قام بنفقته أن يقضى له فيها، فإنها تحط عنه الزكاةُ.
وقال محمد: وأما المرأة في زكاتها،
فلا تلزمها نفقة ولدها، ولا رضاعُه إلا في عدم الأب، ومثلها لا ترضع وهي مليةٌ فلتسترضع له، وكذلك في موت الأب ولا مال لهم 1.
يريد: فيصيرُ أجرُ رضاعه كالدَّيْن عليها تحط به الزكاة، وهذا أحسن إذا كانت قد اسزضعت لهم؛ لأن الإجارة صارت دَيْنًا عليها وإن لم تكن استأجرت، فالقياس ألا شيء عليها إذا لم يكن لها لبن، وإن كان لها لبن 2 فامتنعت من ذلك لشرفها، استأجرت له.
واختلف في صداق الزوجة، فقال ابن القاسم: تسقط به الزكاة 3. وقال ابن حبيب: لا تسقط به الزكاة لما كان الغالب ألا تقدم 4 عليه به الآن، وإنما يطالب به عند موته، أو فراقه 5، وهو أشبه.
باب في زكاة القراض، وما يزكي منه وهو في يد العامل، أو تؤخر زكاته (1) إلى وقت المفاصلة
ومن عمل بمال قراض؛ فإنه لا يخلو المال بعد العمل من ستة أوجه: إما أن يكون في ماشية، أو ثمار، أو 2 زرع، أو رقيق، أو عروض وهو مدير أو غير مدير، أو يكون عينًا.
فتجب فيه الزكاة وهو عند العامل، وقبل رجوعه إلى يد صاحبه في ثلاثة أوجه: إذا كان في ماشية إبل، أو بقر، أو غنم.
وإذا كان في زرع، أو ثمَّار مما تجب فيها الزكاة، أو رقيق، فيمر 3 يوم الفطر قبل بيعه.
وإن كان في عروض وهو غير مدير؛ لم تجب زكاته؛ لأنه لو كان في يد صاحبه؛ لم تجب فيه زكاة.
واختلف في المدير، فقال ابن القاسم في كتاب محمد بن سحنون: لا يزكيه إلا عند المفاصلة.
وقاله سحنون.
وقال ابن حبيب: يزكي الآن، ويخرج زكاة ذلك المال من عنده لا من القراض 4. وهو ظاهر قول مالك في كتاب محمد.
ويختلف إذا كان غير مدير والمال عين، فقال مالك وابن القاسم: لا يزكي إلا عند المفاصلة 5.1
وعلى القول في المدير أنه يزكي قبل المفاصلة، يزكي غير المدير العين؛ لأن أعلى مراتبه أن يقدر أن ما في يديه من العروض كالعين، ولا يكون نضوض المال عند الحول أدنى رتبة من العروض 1 للإدارة.
وأرى أن يزكي العين الآن؛ لأن كون 2 المال في يدي العامل لم يُخرجه عن ملك ربه، والعامل وكيل له فيه على وجه التنمية، ولا فرق بين أن يوكِّل من يتجر له فيه بدنانير معلومة، أو بجزء من ربحه، ولم يختلف إذا كان في يد العامل 3 بإجارةٍ، بدنانيرَ معلومةٍ، أنه يزكى قبل رجوعه، ولأنه كان قادرًا على أخذه والمفاصلة فيه حينئذ، فلم يكن تركه له باختياره طلبًا للتنمية مما يمنع من أخذ ما أوجب الله سبحانه فيه.
وقياسًا على أخذ الزكاة منه إذا كان في ماشية أو زرع.
ولا أعلمهم اختلفوا بعد القول: أنه لا يزكي إلا عند المفاصلة، أن الزكاة تجزئ إذا زكَّى قبل ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا أخرج الزكاة قبل المفاصلة، أو جهل العامل فزكَّاه دون رب المال- مضي ذلك ولم يجبُر المال إن خسر فيه العامل ما أخرج فيه من الزكاة 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد يختلف إذا أخرجها بغير أمر رب المال؛ لأن رب المال لم ينوِ زكاة ماله، وقد اختُلف فيمن كفّر عن غيره بغير إذنه.
فصل [في إخراج الزكاة التي في يدِ العامل]
وإذا كان الحُكم أن يخرج الزكاة وهي في يد العامل، فإنه يُعتبر في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: هل يخرج الزكاة من عين 1 ذلك المال أو يخرجها رب المال من عنده؟.
والثاني: هل يزكي جميع المال أو ما ينوب رب المال دون نصيب العامل؟
والثالث: هل تسقط الزكاة عند المفاصلة من رأس المال، أو تكون مفضوضة عليهما العامل ورب المال 2، أو تلغى كالنفقة؟ فأما الماشية فتخرج الزكاة عنها منها.
واختلف كيف تكون المحاسبة فيها عند المفاصلة، فقال مالك 3 في المدونة: تكون على رب المال في رأس ماله، ولا شيء على العامل منها 4.
وقال في المجموعة: يطرح قدرُها من رأس المال 5. وهذا مثل الأول.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تلغى كالنفقة 6. وقاله أشهب في
كتاب محمد 1.
ويجري فيها قول ثالث أنها متى بيعت بربح؛ فضت الزكاة، وكان على العامل منها بقدر ربحه، وتخرج زكاة الزرع منه، ثم يختلف هل يسقط قدرها من رأس المال، أو تلغى كالنفقة، أو فض عليهما حسبما تقدم في الماشية؟
واختلف في رقيق القراض، فقال في المدونة: على صاحب 2 المال، ولا تخرج من المال 3. وقال أشهب، وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تخرج من مال القراض، ثم يكون رأس المال ما بقي بعد إخراجها 4. وقاسها على الغنم.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تلغى كالنفقة 5. وقال أشهب في المدونة: إن بِيعوا بربح؛ كان على 6 العامل منها بقدر ربحه 7؛ لأنه كان شريكًا له يومئذ، وذكره أشهب في كتاب محمد عن مالك.
ويختلف في زكاة المدير وغيره من العين، هلْ تخرج منه أو من عند صاحب المال؟ فأما إخراجها من المال؛ فعلى الأصل في زكاة العين، وقياسًا على زكاة الماشية.
وقال في كتاب محمد: إذا كان العامل غائبًا ببلد بعيد، ولا يدري ما حدث عليه- فلا يزكي حتى يعلم أو يرجع إليه.
قال: 8 بمنزلة المدير تجهز إلى
بعض البلدان، فلا يزكيه حتى يرجع إليه، أو يأتيه علمه 1 بالأمر 2 البين، فيزكيه لما مضي من السنين 3.
فجعل المدير وغيره سواء، أن المال يزكى وإن كان في يد العامل، ويزكيه رب المال من عنده لا من عين ذلك المال.
ولم يختلف المذهب في زكاة العين إذا حضرت للمفاصلة 4، أنها مفضوضة على رأس المال والربح، وأنه لا يجوز أن تكون زكاة المال على العامل وحده، ولا على رب المال وحده، وإذا كان ذلك نظر في الشاة التي أخذت عن الزكاة، فإن كانت الغنم على حالها حتى بيعت وفيها فضلٌ - كانت الشاة مفضوضة على رأس 5 المال، والربح على حسب 6 ما تقدم في زكاة العين، وإن كانت لا ربح فيها وإنما كان 7 الربح فيما اشترى بها بعد ذلك- كانت الشاة على رب المال، ويحط قدرُها من رأس المال، ولا يصح أن تُلغى؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تجعل الزكاة على العامل وحده.
وكذلك في الزرع إذا زكي، ثم بيع بغير ربح أو ربح فيه بعد ذلك، وكذلك الأمر في رقيق القراض، يراعى الربح هل كان في أثمَّانهم بعد البيع، أو فيما تجر فيه بعد البيع؟.
وقال محمد (1) فيمن أخذ مائة دينار قراضًا، واشترى بها رقاب نخل فأثمرت وطابت، فباع الثمرة بمائة دينار، والأصل بمائة دينار بعد أن حال الحول على العامل، قال: زكاة الثمرة منها، وهو عُشرُها، أو نصف عشرها، ثم يكون للعامل ربع ثمنها، ولا زكاة عليه فيه؛ لأن زكاة ذلك قد أخرجت، ثم يكون للعامل (2) ربع ثمن الرقاب؛ خمسة وعشرون دينارًا، وعليه زكاتها نصف دينار وثُمن دينار، وعلى رب المال زكاة خمسة وسبعين دينارًا.
ولو كان المشتري بالمال اشترى (3) أشجارًا مما لا زكاة في ثمرها مثل: الجوز، والتين والرمان، فأثمرت وباع الثمرة بمائة دينار، والأصل بمائة دينار- كان للعامل خمسون، نصفها من الثمرة، ونصفها من الأصل، فما كان من الثمرة؛ فلا زكاة فيه، وما كان من الأصل ففيه الزكاة (4).
فصل [في تزكية مال القراض إذا نضَّ]
واختلف إذا لم يزكَّ مال القراض حتى نضَّ، وأحضر للمقاسمة في نصيب العامل، هل يزكى على ملك صاحب المال، أو على ملك العامل ويكون بذلك الجزء كالشريك؟ فروى أشهب عن مالك: أنه يزكي على ملك صاحب المال، فإن عمل به شهرًا وهو تمام حول رب 5 المال زكاه 6. ولو كان رأس المال1234
خمسة دنانير ربح فيها خمسة، ولصاحب المال عشرة دنانير- زكَّى العامل نصيبه وإن كان دينارًا واحدًا.
وكذلك إن كان على العامل دَيْن، أو كان عبدًا أو نصرانيًّا 1.
فإن كان المال لعبد أو نصراني؛ لم يزكِّ العامل نصيبه، وإن صار له نصاب، وهو حر مسلم، لا دين عليه 2.
وقال ابن القاسم: لا يزكى إلا أن يعمل به حولًا، وإن فاصل في ذلك المال قبل الحول؛ استأنف به حولًا؛ لأنه فائدة 3. وإن كان على صاحب المال دَيْن يغترق جميع المال، أو على العامل ما يغترق نصيبه من الربح- لم يزكه.
وإن بقي بعد دينه دينار؛ زكَّاه.
وإن كان المال لعبد أو نصراني، لم يزكِّ العامل 4، وعلى قوله: إن كان المالُ لحرٍّ مسلمٍ، والعامل عبد أو نصراني؛ لم يزكِّ، كما لم يزكِّ إذا كان عليه دَيْن، وكل هذا اضطراب؛ لأنه جعله كالشريك في قوله: أنه 5 لا يزكي حتى يعمل به حولًا ولا يكون عليه دَيْن، ثم نقض ذلك بقوله: إذا فاصله قبل تمام السنة؛ لأنه لا يحتسب بما مضى من الشهور قبل المفاصلة، وأنه يزكي نصيبه وإن كان أقل من نصاب.
وقياد قوله: لا زكاة عليه إذا لم يعمل به حولًا، أو كان عليه دَيْن لا يسقط 6 الزكاة، إذا كان العامل حرًّا مسلمًا.