باب في إقامة الحد في الزنى بالشهادة والاعتراف والحمل في المرأة
وإذا شهد أربعة على الزنى وجاءوا معًا، وأخبروا عن فعل واحد، وأنهم عاينوا الفرج في الفرج- حُدَّ المشهود عليه.
واختلف إذا أتوا مفترقين وأخبروا عن فعل واحد، أو أتوا معًا وأخبروا عن فعلين وموطنين، فقال ابن القاسم: لا تثبت الشهادة في المسألتين جميعًا، ويحد الشهود، ولا يحد المشهود عليه 1.
وإن أتى شاهد واحد، وقال: أنا آتي بمن يشهد معي أنه إن كان أمرًا قريبًا، أُخِّرَ، 2 ويحبس هو والمشهود عليه، ويقال له: ابعث إلى من تزعم أنه يشهد معك 3، ولا يخرجه من الحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء 4 سواه 5؛ لأنه صار خصمًا 6، ويحد الثلاثة أيضًا.
يريد: إذا لم يأت إلا بثلاثة.
وقال أشهب 7 في كتاب محمد: تجمع شهادة الأربعة وإن أتوا مفترقين، ويحد المشهود عليه، إلا أنه قال: ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن تتم الشهادة، فإن هو فعل، ولم يَحد الأولين حتى ثبتت الشهادة حد
المشهود عليه 1.
وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم لوجب عليه إنظارهم، وتجمع الشهادة، ويحد المشهود عليه.
وهذا أحسنها 2، ولا وجه للمبادرة بحدهم، وهذا من الظلم لهم، والأصل في ذلك 3 أن كُلَّ مَنِ ادَّعى منفعة قريبة يدرأ بها عن نفسه أو ماله، أن ذلك له، وتأخير ذلك على من 4 أتى على وجه الشهادة أبين.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا اتفقوا في صفة الرؤية، واختلفوا في الأيام والمواطن لم تبطل الشهادة 5.
وروى ابن وهب عن مالك في كتاب محمد فيمن شهد عليه شاهد أنه رآه أمس سكران، وشهد آخر أنه رآه اليوم سكران أن شهادتهما جائزة 6، وكذلك في شعبان ورمضان.
وقال محمد: إذا شهد اثنان أنه زنى بها، وشهد اثنان أنه اغتصبها- حُدَّتِ البينة ولم يحد المشهود عليه 7.
فصل [لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى]
وقال ابن القاسم: لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى لحد المشهود عليه، وسواء شهد جميع هؤلاء على شهادة كل واحد من شهود الزنى، أو شهد اثنان على شهادة اثنين واثنان على شهادة اثنين، أو شهد اثنان على شهادة ثلاثة واثنان على شهادة واحد 1. وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك في كتاب 2 الشهادات 3.
وإن شهد اثنان بالمعاينة، ونقل اثنان عن اثنين، أو شهد واحد بالمعاينة، ونقل ثلاثة عن ثلاثة بالمعاينة، حد المشهود عليه 4، وكل هذا إذا أتى جميعهم معًا: من شهد بالمعاينة 5 ومن نقل عن غيره.
فإن أتوا مفترقين حدوا على قول ابن القاسم 6 ولم يحدوا على قول أشهب 7، وحد المشهود عليهما، ولو شهد واحد بالمعاينة ونقل اثنان عن ثلاثة - لم يحد المشهود عليهما، وحد الشاهد بالمعاينة.
واختلف في حد الاثنين الناقلين، فقال ابن القاسم: يحدان 8. وقال محمد:
إذا لم يكن في شهادتهما أنه زان، وإنما قالا 1 أشهدونا على فلان أنه زان رأيناه، وفلان معنا، يعنون: الذي شهد على رؤية نفسه- لم يكن على الناقلين حد، وإن قالا هو زان أشهدنا فلان وفلان، حدًّا 2.
وهذا هو الصحيح ألا حد عليهما إذا نقلا ولم يقولا هو زان؛ لأنهما يقولان: نحن 3 لا نتقلد من أمره شيئًا، ولا نعلم هل صدق الذين نقلنا عنهم أم لا؟ فأما إن صدقا من نقلا عنهم 4 فقالا هو زان؛ لأن فلانًا وفلانًا وفلانًا 5 أشهدونا عليه بوجه كذا وكذا 6، وقالا: أشهدنا فلان وفلان وفلان أنه زان، فهو زان، فيكونان 7 قد قذفاه، وسواء قدما قولهما: هو زان، أشهدونا، أو أخرا ذلك فقالا: أشهدونا، فهو زان.
واختلف فيمن قال لرجل: سمعت فلانًا يشهد أنك زان، فقال ابن القاسم: يضرب الحد إلا أن يقيم البينة أن فلانًا قال ذلك 8. وقال أشهب في مدونته: لا حد عليه إلا أن يكون ذلك في مشاتمة.
وإن شهد اثنان على شهادة أربعة فلم 9 يحدا على قول ابن القاسم حتى قدم الأربعة المنقول عنهم، فإن ثبتوا على شهادتهم- حُدَّ المشهود عليهما 10.
واختلف إن أنكروا أن يكونوا أمروهما بالنقل، فقال محمد: يحد القادمون؛ لأنهما صارا شاهدين عليهم بأنهم قذفوا هذا الرجل 1. وجعلهم كالراجعين عن شهادتهم.
واختلف في حد البينة إذا لم يثبتوا، وإن نقل اثنان عن ثلاثة وواحد عن 2 المعاينة، فلم يحدا حتى قدم الثلاثة 3، فإن ثبتوا على ما نقل عنهم حدوا هم والرابع الذي شهد على المعاينة 4 على قول ابن القاسم 5، ولم يحدوا على قول أشهب وحد المشهود عليه 6؛ لأنه يضم 7 الشهادتين، وإن أنكروا وقالوا: ما أشهدناهما بشيء- لم يحد المشهود عليه.
ويختلف في حد المنقول عنهم فعلى قول محمد يحدون، ولا يحدون على قول مالك في كتاب ابن حبيب؛ لأنه قال في شاهدين شهدا على شهادة رجل بمال فقضي 8 بشهادتهما، ثم قدم المنقول عنه فأنكر الشهادة- قال 9: يرد الحكم ولا يمضي 10. وقال مطرف وابن القاسم وأصبغ: الحكم ماض ولا شيء على المنقول عنهم، ولا على الناقلين 11.
فرد مالك الحكم، ولم يره كالراجع عن شهادته، وجعل للمحكوم عليه أن يسترجع المال، ويلزم على قوله هذا ألا يكون على القادمين حد، ورأى (1) مطرف وابن القاسم أن الأمر مشكل، أيهم صدق، فأمضيا الحكم ولم يجعلا على أحد غرمًا، وعلى هذا لا يحد المنقول عنهم، وتسقط دية المرجوم إذا نقل أربعة عن أربعة ورجم، ثم أنكر المنقول عنهم، وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
وذكر ابن سحنون القولين جميعًا إذا أنكر المنقول عنهم بعد الحكم هل ينقض الحكم أم لا؟ (2).
فصل [في الإقرار بالزنى وكيف إن رجع]
حد الزنى يقام بأربعة: بالشهادة 3 وقد تقدم، وبإقرار الفاعل على نفسه، وبالحمل 4 في المرأة.
فأما الاعتراف فيجزئ منه مرة واحدة إذا صرح بما أقر به ولم يرجع عنه، وقيل لمالك في كتاب محمد: أترى للإمام إذا اعترف عنده رجل بالزنى أن يعرض عنه 5 أربع مرات قبل أن يقيم عليه الحد؟ فقال: ما أعرف هذا، إذا 6 اعترف مرة12
واحدة وأقام على ذلك- أقيم عليه الحد 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 2: ولو أجرى الإقرار مجرى الشهادات 3 وألا يحد حتى يقر أربع مرات- لم يُقَمْ حد بإقرار 4 أبدًا؛ لأنه يحتاج أن يكون المقر عدلًا والزاني غير عدل، ومحمل إعراض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المقر، أنه أراد سترًا؛ لأن إقراره كان محتملًا، فلما سأله في الرابعة عن تحقيق إقراره وسأله بالنون والكاف فقال: نعم 5 أقام عليه الحد ولم يلزمه بأن يقر أربع 6 مرات بعد تحقيق الإقرار، وقال "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" 7 ولم يقل: فإن اعترفت أربع مرات.
وإن رجع المقر عن إقراره، وأتى بعذر تعرف به الشبهة التي دخلت عليه، فأقر لأجلها قبل رجوعه ولم يحد.
واختلف إذا لم يأت بعذر أو لم يرجع وجحد الإقرار جملة فقال مالك 8 مرة يقبل رجوعه، وقال 9 مرة: لا يقبل 10.
وقال في كتاب القطع في السرقة: إذا جحد الإقرار أصلًا يُقال، وجعله
بمنزلة من رجع 1. وليس بالبين؛ لأن هذا لم يرجع عن أن يكون زنى وإنما رجع عن القول 2، وليس الرجوع عن 3 القول رجوعًا عن الفعل، وعلى القول الآخر يحد إذا أنكر؛ لأنه لا يقبل رجوعه إلا أن يأتي بعذر.
ومن أنكر الإقرار لم يأت بعذر، وكذلك كل من أقر بحق لله تعالى من سرقة أو شرب خمر أو حرابة أو ما أشبه ذلك، ثم رجع، فإنه يقبل رجوعه إذا أتى بعذر يعرف.
واختلف فيه إذا لم يأت بعذر، وكذلك إذا اجتمع في الإقرار الواحد حق لله سبحانه وحق لآدمي، مثل أن يقر أنه سرق من فلان مائة درهم أو سلعة كذا أو اغتصبت فلانة أو حاربت فلانًا فأخذ ماله، ثم رجع عن ذلك، فإنه يؤخذ 4 بما يتعلق من إقراره 5 ذلك لآدمي، ثم ينظر فيما يكون من حق 6 الله سبحانه، فإن أتى بعذر -تُرِكَ، وإن لم يأت به- حُدَّ.
وقيل في السرقة: إن لم يعينها قبل رجوعه، وإن عينها لم يُقْبَلْ.
واختلف فيمن أقر بالزنى، ثم رجع عن ذلك، ثم قذفه رجل هل يحد قاذفه؟
وقال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا ثم أقام عليه شاهدين أنه اعترف
بالزنى: أن الحد سقط.
وقال أشهب الحد ثابت عليه (1).
والقول الأول أحسن، وإنما يسقط عنه إذا رجع فيما بينه وبين الله سبحانه ولا يسقط عنه (2) فيما كان يتضمن ذلك من حقوق العباد، وهو مأخوذ (3) بها على الأصل في الإقرارات.
ولو أقر رجل باغتصاب امرأة، ثم رجع، لسقط عنه الحد، ولم يسقط عنه الصداق، ولم يحد لقذفها إن أنكرت؛ لأنه لم يقذفها، وأنه إن (4) قال: اغتصبت ولم تطع (5)، يكن لها صداق (6)، أو أقر بسرقة من رجل؛ لسقط عنه القطع، ولم يسقط عنه الغرم، وأيضًا فإن الحد في القذف حماية لعرض المؤمن.
ومن اعترف بالزنى ثم رجع عنه مُنْتَهَكُ العرض عند الناس.
فصل [في ثبوت حد المرأة]
يقام الحد على المرأة بالحمل إذا لم يكن زوج ولا سيد ولا شبهة ولم تكن طارئة، فإن قالت: هو من زوج طلقني أو غاب عني، فإن كانت طارئة- صدقت، ولم تحد.
وإن كانت مقيمة ولم يأت لذلك 7 شاهد ولا شبهة، حدت 8، وإن ادَّعَتْ أنه من غصب وكان تقدم لها ذكر ذلك، وأتت متعلقة123456
برجل أو كان سماعًا واشتكت ولم تأت متعلقة به لم تحد إذا ادعت ذلك على من يشبهه 1، وإذا ادعت ذلك 2 على من لا يشبه، على رجل صالح حُدَّتْ، ولم تصدق، وهذا إذا تقدمت الدعوى أو الشكوى قبل ظهور الحمل، فإن لم تذكر ذلك إلا بعد ظهور الحمل-حدت، إلا أن تكون المرأة معروفة بالخير ولا يطعن 3 عليها بشيء، فقالت: كنت 4 كتمت ذلك، رجاء ألا يكون حمل، ولا أكشف نفسي، أو رجاء أن يسقط؛ فتعذر بذلك، ومثله لو لم تسم من استكرهها، وقالت: رجوت ستر ذلك، وهي معروفة بالخير، فلا أرى أن تحد، وهذا الذي آخذ به في ذلك، وقد روي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت، وقالت: كنت نائمة فبها أيقظني إلا الرجل، وقد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى الموسم هي وناس معها من قومها، فسألهم عنها فأثنوا عليها خيرًا، فلم ير عليها حدًّا، وكساها وأوصى بها أهلها 5. وقد اختلف في هذا فقال ابن وهب في كتاب محمد: إن ادَّعت ذلك على رجل صالح معروف بالخير- حدت للقذف، كانت تدمى أو لا تدمى، ولا
تحد للزنى إلا أن يكون دعواها لذلك 1 بعد أن ظهر 2 الحمل، فلا تصدق، وتحد حد الزنى وحد القذف 3.
وقال ربيعة: إذا جاءت تدعي ذلك على رجل بغير شبهة من خلوة ولا استغاثة عندما غُلِبَتْ، فإنها تحد للقذف، وإن استمرت حاملَّا حَدت للزنى 4.
فجعل لها في القول الأول شبهة بالدعوى، وقد جاءت في هذا الأصل 5 مسائل متقاربة المعنى، حمل في بعضها على الوطء 6، وفي بعضها على عدمه، فقالوا: إذا شهد أربعة على رجل أنهم رأوه على امرأة بين فخذيها، أنه لا يحمل على الوطء ولو وجد الماء لإمكان أن يكون أصابها بين فخذيها.
وإن ظهر بها حمل، حمل على أنه 7 الوطء في الفرج، ويقام عليها الحد مع إمكان أن يكون ذلك خارج الفرج ثم وصل الماء، إلا أن يقال: إنما حدت لأنها سلمت أنه كان في الفرج، وادعت الاستكراه، وأنها لو 8 ادعت أن الإصابة كانت خارج الفرج فوصل الماء فحملت؛ لصدقت، كما يصدق من شهد عليه أنه كان بين فخذيها.
وفي حديث عويمر أنه لاعن وادعى عليها الزنى، ولم يقل: رأيت فرجًا في
فرج فلاعن النبي - صلى الله عليه وسلم - 1 بينهما على ذلك، ولا أمره أن يثبت ذلك في لعانه 2، وقد أخذ مالك بهذا مرة في الزوج خاصة دون الشهادة، فقال: إذا قذف امرأته أو نفى حملًا لاعن ولم يسأل عن شيء 3، اتباعًا للحديث.
وكذلك 4 الرجل يغتصب المرأة ويحتملها، ويبيت معها ثم يصبح ويقول: لم أصبها، أنه يصدق ولا يحد.
أو يتزوج المرأة فيبيت معها، ثم تشهد عليه البينة من الغد بالزنى، فإنه يرجم، ويحمل على أنه أصابها البارحة.
والأمر فيهما سواء؛ لأن كل 5 ذلك من باب القضاء بالدليل وليس 6 بالبينة، فإذا حمل عليه في ليلة البناء أنه أصاب 7، حمل مثل ذلك على من اغتصب امرأة وهو في الاغتصاب أولى؛ لأنه حملته الشهوة على أن أتى إلى مثل هذه الشهوة، ويثبت 8 الآن وقد أصاب.
وإن ظهر بامرأة حمل 9 تجن وتفيق، فقالت: أصابني ذلك في حال أجن فيه، صدقت، ولم تحد.
وإن ظهر حمل بامرأة، فإن كانت ملكًا لامرأة أو لصبي أو ما أشبه ذلك-
حدت، وإن كانت لرجل وأنكره ولم تدع أنه منه، حُدَّتْ، وإن ادَّعَتْ أنه منه، حلف أنه ما أصابها إن أنكر الإصابة أو لقد استبرأ، وإن اعترف بالإصابة وادعى الاستبراء، ثم 1 لا حد عليه 2؛ لأن دعواها على السيد شبهة، ويمينه مظنونة ليس مما يقطع بصدقها، وله أن يعاقبها؛ لأنه أمين على عقوبتها، وذلك من صلاح 3 المال، وله أن يحدها على القول أن له أن يقيم عليها الحد 4 بعلمه، وليس ذلك للإمام إذا اختلفت مع السيد؛ لأن السيد يقول: أقطع أني 5 لم أصبها، والإمام لا يقطع بكذبها.
ومن المبسوط في امرأة معها ولد، وقالت: لم ألده، وشهد عليها شاهدان أنها أقرت أنه ولدها، قال: لا تؤخذ بشهادتهما، وهي مثل ما لو شهد أنها أقرت بالزنى وحدت، لا تؤخذ في ذلك بأقل 6 من أربعة.
باب في القاذف يقذف وهو يحد
وقال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا، فلما ضرب أسواطًا قذف الذي يجلد له أو قذف غيره: إنه يبتدأ ضربه ثمانين، ولا يعتد بما مضى من الضرب 1.
وقال مالك في كتاب محمد: إن لم يمض من الضرب إلا أيسره 2 أجزأه تمام هذا الحد للقذفين، ولا يستأنف الضرب 3، وإن كان إنما بقي أيسر الحد السوطان والثلاثة، أتم هذا، واستؤنف للقذف الثاني حد آخر 4. وكذلك إذا مضى منه 5 مثل 6 ذلك، أعني: السوطين والثلاثة- أنه يكون في حَيِّز اللغو يبني عليه.
وقال أشهب: العشرة أسواط قليل، وإذا ضرب الحد لقذفه رجلًا، ثم قذفه ثانية بغير الذي جلد له 7 حد له 8 ثانية 9.
واختلف إذا قذفه بما حد فيه فقال محمد: إذا قال له بعد الضرب صدقت عليك أو ما كذبت عليك 10 يجلد ثمانين؛ لأنه قذف مؤتنف 11، وقيل: لا
شيء عليه إلا العقوبة في تماديه على ذلك.
وقد كان أبو بكرة بعد الجلد متماديًا على قوله 1، فقال له 2 عمر: ارجع عن قولك وأقبل شهادتك، فلم يفعل 3. وهو أحسن 4، وليس بقذف مؤتنف.
وأما قوله: إذا قذف آخر وهو يضرب 5، فإنه يستأنف ضربه فهو على أصله فيمن قذف جماعة أنه يحد حدًّا واحدًا، وأما على القول إنه يحد بعدد من قذف، فإنه يتم الحد لمن ضرب له، ثم يستأنف الحد للآخر 6.
باب في اجتماع الحدود
وإذا شرب الخمر مرارًا حد لجميع ذلك حدًّا واحدًا، وكذلك إذا زنى، ثم زنى، فإنه يحدُّ حدًّا واحدًا كان ذلك بامرأة واحدة أو بجماعة نساء 1، وكذلك إذا افترى ثم افترى، وكُلُّ 2 ذلك لرجلٍ واحدٍ، فحَدٌّ واحد يجزئه عن ذلك.
واختلف إذا قذف جماعة هل يحد حدًّا واحدًا، أو لكل واحد منهم حد؟ ومثله إذا قذف وشرب خمرًا، فإنه يختلف فيه هل يحد حدًّا واحدًا، أو لكل صنف حَدٌّ؟ وقد تقدم ذكر 3 ذلك في كتاب القذف.
واختلف إذا قذف وزنى، أو شرب وزنى، فقال مالك وابن القاسم: يحد حدين مائة للزنى، وثمانين للقذف 4. وقال عبد الملك بن الماجشون: يحد مائة للزنى 5، والفرية والشرب يدخلان 6 في حد الزنى.
والأول أحسن؛ لأنهما حَقَّانِ وجِنسانِ، فيجب أن يقاما جميعًا، وإن سرق وقطع يمين رجل- قطع للسرقة، تقدمت السرقة أو تأخرت؛ لأنه قد اجتمع في اليد القطع من وجهين، والقطع عن السرقة يسقط حق الآخر، وهو بمنزلة
من قطع 1 ثم قتل، فإن القتل يجزئ عن جميع ذلك، ولا يكون لأحد الأولياء مقال 2 ولا دية، ولأنه لو 3 قطع يمين رجل ثم ذهبت يمين 4 القاطع بأمر من الله عز وجل -لم يكن للمقطوعة يده 5 شيء، وإن قطع يمين رجل من دون الرسغ، ثم سرق قطع للسرقة من الرسغ، وسقط مقال الآخر، وإن قطع حين رجل من 6 المرفق وسرق- قطع من الرفق، ودخل فيه القطع للسرقة؛ لأن المراد في القطع 7 للسرقة أن يكون بين الناس ممثلًا به، نكالًا، ذاهب العضو، وليس المراد أن يألم بالقطع، وإن سرق وحارب ورأى الإمام قطعه في الحرابة- دخل قطع السرقة في قطع الحرابة، وإن رأى نفيه- أقام عليه الحدين جميعًا، فقطعه للسرقة، وضربه ونفاه للحرابة، وإن رأى قتله- لم يقطع للسرقة، وإن سرق وقتل لعداوة أو لحرابة -قتل، ولم يقطع للسرقة 8. قال محمد: وإن اجتمع زنىً وحرابة، فإن كان ثيبًا رجم وكان ذلك للحدين جميعًا، وإن كان بكرًا قتل بالسيف 9.
يريد: إذا رأى الإمام قتله للحرابة، وإن رأى قطعه أو نفيه- أقام عليه الحدين 1 جميعًا، فيجلد مائة للزنى، ويقطع أو ينفى 2 للحرابة.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 3: ولو قتل رجلًا وزنى وهو محصن، رُجِمَ، ويسقط مقال أولياء المقتول، وإن كان غير محصن- قتل للقصاص، ولم يجلد 4 للزنى.
ولو قتل رجلًا لعداوة وآخر في حرابة أو غيلة، قُتِلَ للحرابة وللغيلة، ولم يكن لأولياء المقتول مقالٌ في عفو ولا دية.
وإن زنى وهو محصن أو قَتَلَ في حرابة وافترى على رجل، حُدَّ للفرية، ليدفع عنه معرة القذف، ثم قُتِلَ.
وإن قطع يمين رجل، قُتِلَ للحرابة، ولم يقطع 5، هذا قول ابن القاسم 6.
وأرى أن يقطع ثم يقتل، ليشتفي بالقطع من قُطِعَتْ يمينه 7.
وإن زنى وهو بكر، ثم زنى وهو محصن- رجم ولم يجلد، وهو قول ابن القاسم.
والقياس أن يجلد ثم يرجم؛ لأن الغرض الأول أن 8 يؤلم بالضرب، وهو جنس غير الآخر، فيقام عليه ثم يرجم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إذا قطع يد رجل وقتل آخر أنه يقطع لصاحب اليد ثم يقتل بالنفس 9.
باب في القاذف والسارق والزاني البكر يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحد
إذا وجب حد ما دون القتل كقطع لسرقة أو قصاص أو ضرب بِكْرٍ في الزنى أو جلد لشرب خمر أو قذف في شدة حر أو برد وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك 1 - أُخِّرَ لوقت آخر 2 يؤمن عليه فيه.
وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان يقام عليه افترق الجواب: فأما القطع عن السرقة فيسقط، ويعاقب ويسجن وإن كان القطع عن قصاص رجع فيه إلى الدية.
واختلف هل يكون في مال الجاني أو على العاقلة؟ وإن كان ضرب لقذف كان من حق المقذوف أن يفرق الضرب عليه وقتًا بعد وقت حتى يستكمل حقه في ذلك.
وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يكمل ما وجب عليه فيه 3 وإن اجتمع على رجل حدان: جميعًا لله، أو لآدمي، أو أحدهما لله والآخر لآدمي، فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه، وإن كان فيه محمل لأحدهما، وهما جميعًا لله عز وجل -بدئ بآكدهما 4 كالجلد عن الزنى وشرب الخمر، فيجلد عن الزنى إلا أن يخاف عليه في المائة ولا يخاف عليه في الثمانين، وإن كان الخوف لشدة حر أو
برد- أقيم عليه الثمانون وأُخِّرَ بالمائة، وإن كان الخوف لضعف بنية- ابتدئ بالجلد عن الزنى، وأقيم عليه منه ما يؤمن عليه معه 1، ثم يستكمل وقتًا بعد وقت، فإذا أكملت المائة- ضرب للشرب.
وإن كان الحقَّانِ لآدمي؛ لأنه قطع يد هذا وقذف هذا- اقترعا أيهما يبدأ بإقامة حقه من غير مراعاة للآكد، وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأدنى من غير قرعة، وإن كان أحدهما لله سبحانه، والآخر للآدمي- بدئ بما هو لله، إلا أن لا 2 يكون فيه محمل، إلا 3 لما هو لآدمي، فيقام عليه، ويؤخر ما كان لله عز وجل لوقت لا يخاف عليه، وإن كان الخوف في أي وقت أقيم عليه، وكان الحق الذي هو لله سبحانه جَلْدٌ ابتدئ به متفرقًا يقام عليه 4 ما كان للآدمي.
باب في الحامل يجب عليها الحد جلد أو رجم
ولا يقام على حامل حد ما كانت حاملًا 1 جلد 2 ولا رجم؛ لأن الرجم قتل لولدها، والجلد يخشى منه عليها وعلى ولدها أن تطرحه، فتؤخر حتى تضع، فإذا وضعت وكانت بكرًا أُخِّرَتْ حتى تتعالى من نفاسها؛ لأنها مريضة، وإن كانت ثيبًا رُجِمَتْ إلا ألا يوجد لولدها من يرضعه، فتؤخر حتى تفطمه.
وفي كتاب مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك كفلها رجلًا، وأَخَّرَهَا حتى وضعت وفطمت ولدها 3.
وأما الكفيل فيحتمل أن يكون ذلك لمكان الحمل؛ لأنه كالبينة 4 فلا يقبل رجوعها، وإذا شهد على امرأة بالزنى وقد مضى لها من حين زنت أربعون يومًا، أخرت ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم 5 لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان أن تكون قد حملت، وإن لم يمض لها أربعون يومًا جاز إقامة الحد عليها الجلد أو الرجم، إلا أن تكون ذات زوج، فإنه يسأل الزوج، فإن 6 قال: كنت استبرأتها 7 - أقيم عليها 8 الحد،
ورجمت إن كانت ثيبًا، وإن قال: لم أستبرئها 1 - كان بالخيار بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها، فتؤخر حتى ينظر هل تحمل منه أم لا؟ أو يسقط حقه فتحد.
وأجاز ابن القاسم في المدونة إذا مر لها منذ زنت شهران أن 2 ترجم إذا نظر إليها النساء فقلن 3 لا حمل بها 4.
وليس بالبين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه يكون أربعين يومًا 5 نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح 6 في الشهر الخامس 7.
وإذا كان ذلك فإنه يمكن أن يكون في الشهرين علقة فلا يجوز حينئذ أن يعمل عملًا يؤدي إلى إسقاطه ولا إلى إفساده كما لا يجوز للمرأة أن تشرب حينئذ 8 ما يطرح ذلك.
باب في المرأة يشهد عليها بالزنى فتقول: أنا عذراء، وفي المرأة تموت من جماعه أو افتضها أو جامعها في غير موضع
1 وقال ابن القاسم في المرأة يشهد عليها أربعة بالزنى، فتقول: أنا عذراء: إنه يقام 2 عليها الحد، ولو نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء أو رتقاء، فإنها يقام عليها الحد 3. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا أرى أن يقام عليها الحد لوجهين: أحدهما: أن شهادة النساء بذلك تثبت شبهة 4 لا شك في ذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ادرَأُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 5. والثاني: أنه يصح أن توقف شهادة الرجال بشهادة النساء 6؛ لأنه من باب اختلاف الشهادات وليس من باب التجريح، وقد قال ابن القاسم إذا شهد رجلان بحق وشهد رجل وامرأتان بخلافه وهم أعدل أنه يقضى بها 7،
وتسقط شهادة الرجلين.
وأيضًا فإنه لا وجه لإقامة الحد عليها مع القدرة على معرفة ما يقوله هل هو صحيح أم لا؟ فينبغي أن ينظر إليها من النساء جماعة يقع بقولهن العلم.
ولو قالت: أنا أنكشف لأربعة رجال، فينظرون إليَّ ولا أجلد ولا أرجم؛ لأني قائمة البكارة، ولم يصل إلي زوجي، لكان ذلك لها؛ لأن هذه ضرورة، وإذا جاز نظر الرجال أولًا لإقامة الحد، كان جوازه الآن أولى لدرء الحد، ودفع القتل عنها.
فصل [في المرأة تموت من جماع الرجل]
وقال مالك في الرجل يأتي امرأته 1 فتموت من جماعه أنه إن علم ذلك كانت ديتها على العاقلة 2. وقال في المجموعة فيمن دخل على بكر صغيرة 3 فعنف في وطئها، فلم تقم إلا يسيرًا، فماتت: إنه إن عُلِمَ أنها ماتت من 4 ذلك فعليه الدية، وليجبر أهلها على أخذ الدية، ويُكَفِّرُ 5. وقال عبد الملك: إن كان فيها محمل للوطء فلا شيء عليه كالحجام والبيطار 6. قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كانت كبيرة وجاء الأمر مِنْ قِبَلِهَا لضعف تركيبها أو
لقلة خلقها 1 فلا شيء على الزوج، وإن جاء الأمر مِنْ قِبَلِهِ لا من قبلها، ولم تعلم هي حاله قبل 2 أن يصيبها، فذلك عليه، وإن كان يرى 3 أن ذلك مما يخاف عليها- كان كعمد لا قصاص فيه، فيختلف هل تكون الدية في ماله أو على العاقلة؟ وإلا كان خطأ تحمله العاقلة إذا علم أنها ماتت منه، ولا قسامة في ذلك إذا ماتت بفور ذلك، وإن كانا جميعًا يعلمان أنه يتوقع منه خوف أو يجهلان ذلك جميعًا- كانا شريكين في القتل، فينبغي أن يسقط عنه نصف الدية، وإن كانت صغيرة السن كانت عليه الدية؛ لأن رضاها كَلَا رضا.
وقال ابن القاسم في الذي يأتي امرأته فيفضيها: عليه ما شانها، فإن بلغ ثلث الدية كان على العاقلة، وإن كان دون ذلك 4 كان في ماله، وقد جعل بعض الفقهاء في ذلك ثلث الدية على العاقلة 5 وجعلوا ذلك بمنزلة الجائفة 6.
وقال سحنون: لا شيء عليه 7، وقال ابن القاسم أيضًا: إذا بلغ بها الحدث حتى يفيض بمذهبها 8 وبولها حتى لا ينتفع بها فأرى عليه الدية
كاملة 1. وقال مالك 2 في المدونة: إن زنى بامرأة فأفضاها 3 فلا شيء عليه، وإن اغتصبها فعليه صداقها وما شانها 4. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الغصب فالجواب فيه صحيح؛ لأنه متعد في الوجهين جميعًا في الإصابة بانفرادها فبمغيب 5 الحشفة يلزمه صداقها، وما كان بعد ذلك من الفساد فعليه قيمته، وأما ما كان 6 طوعا 7 به فبخلاف ذلك، ولا ينبغي 8 أن يرد الجواب فيها 9 إلى ما تقدم في الزوجة إذا ماتت من جماعه، فالموضع الذي تسقط عنه 10 الدية فيه 11 إذا ماتت يسقط عنه في هذا الوجه الآخر 12 ما شانها، والموضع الذي تكون عليه 13 الدية فيه يكون 14 في هذا
ما شانها (1)، والموضع الذي تكون عليه (2) الدية فيه بينهما- يكون ما شانها عليهما يسقط عنه نصفه (3). وقال أشهب في مدونته: إذا زنى بها فأفضاها عليه حكومة.
وهو أحسن، ولا فرق في ذلك بين التزويح وغيره؛ لأن كل ذلك بطوعها (4).
فصل [في الجماع في غير موضع الولد]
ومن زنى بامرأة في غير ما خلق لذلك، كان عليهما الحد الجلد إن كان بكرًا 5، والرجم إن كان محصنًا، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويغتسلان من جميع ذلك، وإن عمل ذلك رجل مع رجل- رُجِمَا جميعا، أحصنا أو لم يحصنا، إلا أن يكون المفعول به مكرهًا أو غير بالغ، فيرجم الفاعل، ولا شيء على المكره، ويعاقب الصغير، ويغتسلان، أنزلا أو لم ينزلا 6.1234
باب في شهود الزنى هل يتعمدون النظر؟ ومن قذف رجلًا ثم ادعى أن المقذوف عبدٌ أو أمه أمة
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا شهد أربعة بالزنى، وقالوا: إنا 1 تعمدنا النظر، قال: 2 وكيف يشهد الشهود إلا هكذا 3. يريد: أن ليس محمل ما أجيز من الشهادة على أن ذلك كان عن غير عمد وإن تعمد 4 النظر لا تبطل الشهادة لما كان المراد إقامة حق 5. وهذا أحسن فيمن كان معروفًا بالفساد، وأما من لم يكن معروفًا بذلك ففيه نظرة فيصح أن يقال: لا يكشفون 6 عن ذلك ولا يطلبون تحقيق الشهادة لما ندبوا إليه من الستر، ولأنهم لو تبين ذلك لهم لاستحب لهم أن يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة فلم يحد القاذف، والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه من النادر 7. ومن المدونة قال مالك فيمن قال لرجل: يا زاني، ثم قال: لا يحد
نسأله 1 البينة على أنه حر أو 2 على أن أمه حرة أن القاذف يحد، ولا ينظر إلى قوله، قال مالك: ومن يعرف الشامي والبصري والإفريقي ها هنا 3 بالمدينة، والظالم أحق أن يحمل عليه 4. يريد: إذا كان المقذوف 5 طارئًا.
ويختلف في ذلك إذا لم يكن طارئًا، فقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن قال لرجل يا ابن الزانية 6، وقد هلكت أمه: إنه إن كان بقرية فيها اليهود والنصارى مثل مصر والشام أقام المقذوف البينة أن أمه لم تكن يهودية ولا نصرانية، فإن كان بقرية ليس فيها مثل ذلك 7 مثل مكة والمدينة- حُدَّ القاذف ولم يكن على الآخر أن يقيم البينة 8.
قال الشيخ: 9 ويلزم على هذا إذا كان بمكة والمدينة أن يقيم البينة أنها حرة؛ لأن الإماء يولدن في كل بلدة.
والمعروف من قوله في هذا الأصل أن الناس على الحرية والإسلام الآباء والأمهات والبينة في ذلك على القاذف وهو قول ابن القاسم وبالأول أخذ أشهب.
واختلف في هذا الأصل، فقيل في البينة تشهد على رجل بالزنى أو بمال، فيقول المشهود عليه: يثبتون أنهم أحرار، فقال ابن القاسم: ليس ذلك عليهم، وأصل الناس عند مالك في الشهادات كلها أنهم 1 أحرار 2 إلا أن يقيم المشهود عليه البينة أنهم عبيد 3.
وقال أشهب: لا يقام بها 4 حق إلا أن يثبتوا أنهم أحرار، وهذا هو أحد قولي مالك في قوله: يثبت أن الأم مسلمة ليست يهودية ولا نصرانية 5، وينبغي على هذا أن يسألهم هل هم مسلمون؟ واعترافهم بالإسلام يجزئ، وكل هذا راجع إلى النادر والقليل، هل يراعى أم لا؟ فراعاه مالك مرة ومرة رآه 6 في حكم العدم.
وهو الصحيح من القول.
واختلف فيمن قذف رجلًا فأقام القاذف شاهدين على المقذوف أن القاضي حده في الزنى فقال محمد: لا يخرج القاذف من الحد ويحد هو والشاهدان حد الفرية، إلا أن يقيم أربعة يشهدون أن الوالي حده في الزنى.
قال وهو قول مالك وأصحابه 7. وقال مالك قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] قال ابن القاسم: وكذلك الأمة تقذف بعد العتق، فيقيم القاذف البينة أن سيدها أقام عليها حد الزنى فيسقط الحد عن
القاذف 1. قال عبد الملك بن الماجشون: وكذلك لو أقام القاذف أربعة أن سيده باعه إذ كان عبدًا، وتبرأ 2 من زناه وإن شهد في ذلك أقل من أربعة لم أر على الشهود حدًّا؛ لأنهم لم يشهدوا على رؤية 3.
وفي كتاب ابن حبيب عن مالك مثل ذلك أنه 4 قال: لا يحدان؛ لأنهما لم يشهدا على رؤية 5.
وقال أبو مصعب: إذا أتى القاذف بشاهدين أن السلطان ضرب المقذوف الحد في الزنى فلا حد على القاذف وقد خرج مما قال.
والخلاف في موضعين:
أحدهما: هل يسقط الحد عن القاذف بشاهدين أن القاضي حده في زنا؟
والثاني: إذا لم يسقط الحد عن القاذف 6 هل يحد الشاهدان؟
وفي القول الأول الحد على القاذف والشاهدين، وفي القول الثاني يحد القاذف وحده، وفي القول الآخر 7 لا حد على واحد منهما 8. وهو أبين ألا حد على الشاهدين؛ لأنهما لم يشهدا على زنى، وإنما شهدا على قضاء القاضي،
وهما يقولان: نحن لا ندري هل حكم بحق أم لا، ولا هل 1 شهدت البينة بحق أو بباطل؟
وأن لا حد على القاذف أبين 2؛ لأنه موضع مختلف فيه هل يبرأ بتلك البينة؟ فيدرأ الحد للاختلاف، ومن هذا الأصل أن يشهد شاهدان على حكم قاض إلى قاض أنه قضى على فلان بشهادة أربع شهدوا عليه بالزنى.
واختلف فيه هل يحد المشهود عليه أم لا؟ ويختلف بعد القول أنه لا يحد المشهود عليه أم لا هل يحد الشاهدان؟
باب في إقامة السيد على عبده الحد وعقوبته إياه وشهادته عليه
للسيد أن يقيم على عبده حد الزنى والقذف وشرب الخمر وما أشبه ذلك مما هو جلد، وليس يقطع جارحة منه ولا يقطعه 1 في سرقة ولا حرابة، ولا يقتص منه إن قطع يد عبد له آخر أو يد عبد لغيره أو يد حر على قول 2 من أجاز القصاص في ذلك، ولا يقتله في حرابة 3 ولا في قصاص، والأصل في إقامة الحد عليه قول النبي في: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا... الحديث" أخرجه البخاري ومسلم 4، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ" 5 فله أن يقيم الحد على عبده أو أمته إذا زنت ولم يكن لها زوج أو كان زوجها عبده.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: ولا يقيم ذلك عليها إذا كان زوجها حرًّا أو عبدًا لغيره لما تعلق بها حق لغيره وهو مما يدرك الزوج منه معرة 6، وأيضًا فإنه يفسد جسمها، وإن كان ذلك مما يذهب بعد إلا أن يعترف الزوج بصحة
الشهادة فيقيمه ولا يرفع ذلك إلى الحاكم 1.
واختلف هل يقيم الحد على عبده بعلمه، فمنع ذلك في المدونة إلا أن يشهد عنده 2 أربعة سواه إذا كانت الشهادة على زنى 3 وإن كان هو تمام الأربعة فيرفعه إلى غيره 4.
وحكي عنه في المبسوط أنه قال: مرة له أن يقضي بعلمه وإن لم يطلع على ذلك سواه.
وكأنه رأى أن ذلك من باب التأديب لأمته وعبده، ولأن في ذلك صلاحهما، ولا خلاف أن له تأديبهما بعلمه في الجنايات وما يستحقان عليه العقوبة، فإذا كان ذلك وكان الغالب في مثل ما يفعله من هذه الأشياء عدم البينة، وأن السيد وأهله الذين يطلعون على ذلك- أدى إلى فسادهم وألا ينزجروا عن ذلك؛ لأن في إقامة الحدود زجرا عن العودة إلى مثل ذلك، وقد أباح مالك أن يبلغ في العقوبة من العدد ما يكون حدًّا، ولا يلزم على ذلك الزوجة الحرة وإن كان قد جعل له تأديبها؛ لأن لها حرمة وهي محصنة، فليس له أن يلزمها معرة ذلك إلا أن يثبت 5، وإن كانت الزوجة أمة لغيره مُنِعَ من ذلك، لحق السيد، ليس لحرمتها.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا رأى أمته تزني فلا يجلدها؛ لأنه ليس للسلطان أن يجلد برؤيته وإن كان حمل أو ولد فللسيد أن يحد فيه ويحضر للحد أربعة فصاعدًا.
قال مالك: وقد تعتق فيفترى عليها فلا يوضع الحد عمن قال لها ذلك إلا بأربعة شهداء.
وقال مالك فيمن وجد عبده سكرانًا فلا يجلده حتى يشهد على سكره ويحضر جلده رجلين فصاعدًا؛ لأن العبد عسى أن يعتق ثم يشهد فيجرحه 1 المشهود عليه فترد به 2 شهادته.
ولا يختلف أنه لا يقطعه في سرقة أو قصاص فإن فعل ذلك وأقام البينة على ما يجب به قطعه لم يكن على السيد شيء، وإن لم تكن للسيد بينة أعتق عليه؛ لأنها مثلة، إلا أن يعترف العبد بالسرقة أو أنه قطع الذي اقتص منه مثله.
وأرى إن أنكر العبد وشهد شاهد عدل بالوجه الذي قطعه السيد له- ألا يعتق عليه؛ لأنها شبهة تنفي عنه التعدي.
ولو قيل: إنه لا يعتق عليه إذا قطعه قصاصًا مع عدم البينة وإنكار العبد لكان له وجه؛ لأن وجود قطع اليدين بالمقتص ودعواه عليه شبهة بينة للسيد.
تم كتاب الرجم
بحمد الله وحسن عونه