التبصرة للخميصفحات 6157-6197

كتاب الرجم

صفحات 6157-6197

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب الرجم

حرم الله عز وجل الزنى في غير موضع من كتابه

، وثبتت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك، وأجمعت الأمة على تحريمه، وأوجب الله سبحانه على الزاني الحد وهو 1 الجلد إن كان بكرًا، والرجم إن كان ثيبًا 2، فقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، ورجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا والغامدية 3. وقال في الحديث الآخر: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله"، ثم قال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعترَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" 4، وقال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بإحدى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيَمانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ

قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ" (1)، ولا خلاف أن حد البكر الجلد دون الرجم، وأن حد الثيب الرجم (2).

فصل [شروط وجوب الحد على الزاني]

يجب الحد على الزاني 3 بثمانية شروط: أن يكون 4 بالغًا عاقلًا 5 مسلمًا، أصاب آدمية، حية، وهي في سن من تطيق الرجال، طائعًا عالمًا بتحريم ذلك، فهذه جملة متفق عليها.
واختلف في حد من شارف البلوغ ولم يبلغ، وفي حد النصراني 6، وفي حد من أصاب صغيرة وهي في سن من لا تطيق الرجال، أو كانت ميتة أو بهيمة، أو كان مكرهًا أو جاهلًا بتحريم الزنى، فقال مالك في المدونة 7 فيمن لم يحتلم: يحد إذا أنبت، واستحب ابن القاسم ألا يحد وإن أنبت حتى يحتلم 8، وهذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.." الحديث 9، والأول12

لظاهر 1 حديث بني قريظة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل من ينظر إلى الذرية إلى مؤتزرهم 2، فمن أنبت أجرى عليه حكم الرجال، والإنبات لا يقطع فيه بالاحتلام، فأمره متردد بين هل احتلم أم لا؟ وقال في حديث آخر ينظر إلى 3 من جرت عليه الواسي 4. وهذا لا يختلف فيه؛ لأن المواسي لا تكون إلا بعد طول، وقال في المدونة: إذا زنى الرجل 5 بصغيرة يحد إذا كان مثلها يوطأ 6، يقول: إذا عنف على صغيرة لا يصاب مثلها لم يحد.
وفي مدونة أشهب مثل ذلك، أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة لا يجامع مثلها 7، وقال 8 ابن عبد الحكم في الحاوي: لا يكون محصنًا حتى يتزوج من تطيق الوطء، فإن كان مثلها يطيق الوطء فعليه الرجم.
وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين.
= الحدود، برقم (4398)، والنسائي: 6/ 156، في باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، من كتاب الطلاق، برقم (3432)، وابن ماجه: 1/ 658، في باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، من كتاب الطلاق، برقم (2041)، والحديث صحيح.

وقال في كتاب الرضاع: إذا زنى بميتة حدّ 1، وقال ابن شعبان: لا يحد 2. والأول أحسن؛ لأنه زنا بآدمية محرمة الوطء 3 يجد منها اللذة، ولا خلاف أنه لا صداق لها 4، وإن زنا بنائمة حُدَّ وكان 5 لها الصداق.
وقال ابن القاسم لا حد على من أتى بهيمة 6، وفي كتاب ابن شعبان: عليه الحد.
والأول أحسن؛ لأن القرآن إنما نزل في الآدميات، ولا يقاس عليهن إلا ما كان في معناهن أو أعلى رتبة.
وقال مالك وابن القاسم في النصراني يزني 7: لا حد عليه، وُيرَدُّ إلى أهل دينه 8. ويعاقب على ذلك إذا أعلنه.
وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر بكرًا كان أو ثيبًا.
وقول مالك 9 أحسن، وإنما تقام الحدود في فروع الإسلام لمن تقدم منه الإسلام، وإذا كان لم يقم عليه حكم الكفر 10 ولم يلزم بالإسلام- لم تقم 11 عليه فروعه، وإنما كان حكمه - صلى الله عليه وسلم - بين اليهوديين بما في التوراة ليس

بكتابنا 1؛ لأنهما رضيا بذلك وحكَّماه في أنفسهما 2، إلا ما كان بابه الذب عن المسلمين كالحرابة والسرقة وما أشبه ذلك.
فأما الزنى وشرب الخمر 3 فإنه يتعلق بحق الله سبحانه، فلم يؤاخذوا به، لقول الله -عز وجل-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ...﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فأباح أخذ الجزية، وأن يبقوا على ما هم عليه، أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، والزنى منه، ولو ألزم الحد في الزنى لألزم الصلاة والزكاة، وفي الإجماع على سقوط ذلك عنهم دليل على فساد القول بحدهم.
وإن استكرهت امرأة على الزنى لم تحد، وإن كانت هي التي 4 استكرهت رجلًا على نفسها 5 حدت، واختلف في حده 6. وإن استكرها جميعًا لم تحد هي، واختلف في حده 7 وقد احتج من أوجب حده بأن قال: إن الإكراه لا يصح؛ لأنه لا ينعظ ويصيب إلا 8 وهو مريد 9، وهذا غير صحيح، وقد يريد

الرجل شرب الخمر ويعف 1 عنها خوفًا من الله سبحانه، ولا يفعل ذلك 2، فإذا أكره على 3 شربها متلذذًا بها فليس ذلك مما يرفع حكم الإكراه ويهوى المرأة وتمكنه المرأة منها ولا يفعل ذلك خشية من الله تعالى فإذا أكره فعل ذلك لأجل الإكراه، فإن كان في الإكراه لا يجوز له ذلك ابتداءً؛ لأن الإكراه يتعلق به حق الله سبحانه 4 وحق المرأة، فهو يمنع 5 من ذلك لحق المرأة، فإن قال المكره: إن لم تفعل وإلا 6 قتلتك رضي بقتله 7 ولم يفعل 8، فإن هو فعل كان آثمًا في حقها، ولها الصداق، ولا يحد؛ لأنه في حق الله -عز وجل- مكره، ولو استكرهته هي فإن لم يفعل قتلته 9 جاز ذلك له 10؛ لأنها إذا 11 أباحت نفسها وانفرد 12 الإكراه لحق الله سبحانه، فجاز له 13 فعل ذلك على الأصل في الإكراه على ما كان من حقوق 14 الله

سبحانه 1، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي خَطَؤهَا وَنِسْيَانُهَا وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" 2. واختلف إذا كان أعجميًّا أو حديث عهد بالإسلام 3 ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في كتاب محمد 4: يحد.
وقال أصبغ: لا حد عليه 5. والأول أشهر، والثاني أقيس؛ لأن الحدود إنما تقام على من قصد مخالفة النهي، وهي عقوبة للمخالفة 6. وقد اختلف فيمن أسلم بأرض الحرب، ثم خرج إلى أرض الإسلام، فقال سحنون: لا قضاء عليه فيما ترك من الصلاة قبل خروجه إذا كان غير عالم بفرض الصلاة 7.

وإذا سقط عنه الخطاب بالصلاة 1 سقط عنه 2 الخطاب بموجب 3 الزنى.
وإذا زنى صبي بامرأة بالغ لم يحدا 4 وعوقبا، فإن 5 زنا بالغ 6 بصبية لم تبلغ حد الرجل وعوقبت الصبية 7. وإن زنى مجنون بعاقلة أو عاقل بمجنونة، حد العاقل منهما، وعوقب المجنون إذا لم يكن مطبقًا، وكان في حالة يرده الزجر والأدب، وإن زنى مسلم بنصرانية أو نصراني بمسلمة حد المسلم منهما.
واختلف في الرجل 8 النصراني على ثلاثة أقوال: فقيل: يعاقب.
وقيل: يحد.
وقال ربيعة: ذلك نقض للعهد 9. وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الثالث 10. وإن زنى مسلم بحربية في أرض الإسلام، حد.
= القضاء لأنه مخاطب ترك الصلاة عمدًا، أو لا يلزمه لأنه بموضع لا يمكنه تعلم الشريعة فيه فصار كالمغلوب على الترك بإغماء أو غيره؟ فقال سحنون: عليه القضاء.

واختلف إذا زنى بها في أرض الحرب، فقال ابن القاسم: يحد (1). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا حد عليه.
وهو أقيس؛ لأن له أن يأخذ الرقبة ويتملكها (2) وينتفع بذلك منها، فإن (3) لم يقدر إلا على أخذ تلك المنافع منها أخذها.
واختلف إذا زنى بجارية من المغنم هل يحد أم لا؟ وذلك راجع إلى هل (4) هي مملوكة بنفس الغنيمة، فيكون له فيها شرك، أم لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب العتق الثاني (5).

فصل [في كشف الشهود عن الشهادة في الزنى]

ومن المدونة قال مالك في الشهود على الزنى: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم 6، قال ابن القاسم: كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ 7 به الحد درأه 8. قال محمد: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا بعد الشهادة أقام 9 الحد على المشهود عليه 10. يريدة إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب12345

الحد؛ لأنهم قد يرونه عليها فيشهدون بالزنى، وذلك لا يوجب الحد إلا بمعاينة الفرج في الفرج.
وقيل لابن القاسم في كتاب القذف: إذا أقر على نفسه بالزنى هل يكشف كما 1 تكشف البينة؟ فقال: الذي جاء في الحديث أنه قال: "أَبِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ" ولم يسأله 2. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن يكشف 3 كما تكشف البينة إذا أشكل أمره هل يجهل شيئًا من ذلك؟ وفي البخاري في حديث ماعز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كشفه، وسأله بالنون والكاف لا يكني 4. وإذا شهدت البينة بالزنى ولا يعلم هل هو ثيب أم لا، فقال: أنا بكر- صُدِّق؛ لأن الأصل البكارة وعدم الزوجية حتى يعلم أنه تزوج.
قال محمد: وقد قيل: لا يسأله الإمام حتى يسأل عنه فإن وجد علمًا وإلا سأله وإن لم يعلم هل هو حر أو عبد سأله.
وقال محمد: إن زنى فقال: أنا عبد فإن كان محصنًا، لم يصدق ورجم؛ لأنه يتهم أن يؤثر الرق على القتل، وإن كان بكرًا لم يقم عليه إلا حد العبد، وكذلك لو افترى أو سرق 5 أو شرب خمرًا؛ لأنه لا يتهم أن يرق نفسه ليوضع عنه ما

بين الحدين (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا لم يكن طارئًا لم يعجل برجمه إن كان ثيبًا، ولم يصدق إن كان بكرًا، ويكلف بيان ذلك وأنه مملوك (2)، فإن تبين صدقه، حُمِلَ على أحكام العبد (3)، وإن تبين كذبه، حُمِلَ على أحكام الحر، وإن كان طارئًا، والبلد الذي قدم منه قريب فكذلك، وإن كان بعيدًا أو قام (4) له دليل من تغير لون أو عجمة لسان، لم تقم عليه أحكام الحر وإن لم يكن (5) دليل، فقال: يودع في السجن حتى يكتب ليأتي ببينة (6) فإن ثبت (7) أنه عبد لم يرجم.
وعلى هذا يجري الجواب إذا شهد عليه بالزنى، فقال: هو يهودي أو نصراني، فإن كان مقيمًا كشف عن ذلك، وإن كان طارئًا بغير البلد، سُجِنَ وكتب في الكشف عنه، فإن لم يأت بشيء- أقيم عليه الحد؛ لأنه يتهم أن يظهر ذلك، وليس هو كذلك في الباطن، ليسقط عنه الحد، والتهمة فيه أبين منها في العبد.

فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم رجعوا عن شهادتهم]

وإن شهد أربعة بالزنى، واثنان بالإحصان، فرجم، ثم رجع جميعهم عن1234567

الشهادة- حُدَّ شهود الزنى دون شهود الإحصان.
واختلف في الدية على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: الدية على شهود الزنى ولا شيء على شاهدي الإحصان رجعا بانفرادهما أو رجع معهما شهود الزنى 1. قال محمد: وقال أشهب وعبد الملك: الدية عليهم أسداسًا 2. قال محمد: وقد سمعت من يقول: نصف الدية على الأربعة، ونصفها على الذين شهدا بالإحصان 3 رجعوا جملة أو مفترقين ومن 4 رجع منهم كان على هذا الحساب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا رجع جميعهم فالقول: إن الدية أسداس أحسن 5؛ لأن جميعهم تمالأ على قتله وإن رجع إحدى الطائفتين- كان عليهم جميع الدية؛ لأنهم هم الذين قتلوه دون الآخرين، فإن رجع شهود الزنى قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأن الآخرين إنما شهدوا بتزويج 6 فإن رجع شهود الإحصان أو رجع واحد منهم، قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأنَّ الآخرين إنما شهدوا بما يوجب الجلد لولا شهادتكم.

باب في الإحصان

وقال ابن القاسم في رجل 1 تزوج امرأة، وتقادم مكثه معها بعد الدخول، فيشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها: إنه إذا لم يعلم أنه جامعها بولد يظهر أو بإقرار أو بأمر يسمع- لم يرجم 2. وقوله في كتاب النكاح الثالث غير هذا 3. والإحصان يصح: بالتزويج الصحيح والإصابة وأن تكون الإصابة بوجه جائز، لا حائضًا ولا صائمةً ولا محرمةً وأن يكون في حين 4 الإصابة بالغًا عاقلًا حُرًّا مسلمًا فهذه جملة متفق عليها 5. واختلف في بعضها.
ولا 6 يكون محصنًا بنفس العقد ولا بالدخول إذا كان العقد فاسدًا مما يفسخ بعد الدخول، وإن كان مما يثبت بعد الدخول- كان به محصنًا؛ لأنه يفوت بأول الملاقاة وما بعد ذلك يحصن به.
واختلف إذا كان العقد صحيحًا والإصابة فاسدة حسب ما تقدم، فقال ابن القاسم: لا يحصن ولا يحل، وقال عبد الملك ابن الماجشون: يحصن ويحل، وقال المغيرة وابن دينار: يحصن ولا يحل 7. وهذا ضعيف، ولو قيل: إنه يحل

ولا يحصن، لكان أشبه 1 لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 2. وهذا وطء فيه وصم، وينبغي ألا يحد به، وليس يحتاط لإقامة الحد فيرجم بما لا يحل به.
ثم هما في الإصابة على خمسة أوجه: إما أن يتصادقا عليها، أو على نفيها، أو يختلفا فيدعي أحدهما ذلك وينكر الآخر أو يدعيها أحدهما أو ينكر عند غيبة الآخر أو موته أو يؤخذ أحدهما في زنى قبل أن يعلم منه إقرار بالإصابة أو إنكار.
فإن تصادقا على الإصابة، ثم أخذ أحدهما في زنى- رُجِمَ، ولم يقبل منه بعد ذلك إنكار، وإن تصادقا على نفي الإصابة حُدَّ حَدَّ البكر، وإن اختلفا حُدَّ المنكر حَدَّ البكرِ.
واختلف في مدعي الإصابة، فقيل: يحد حد البكر.
وقيل: حد الثيب، إلا أن يرجع عما كان أقر به، فإن كان الزوج هو المدعي للإصابة، ثم قال الآن: كنت قلت ذلك لأملك الرجعة، أو كانت الزوجة المدعية للإصابة 3 وقالت: كنت قلت ذلك لأستكمل الصداق، أو غير ذلك من العذر، حلف وحُدَّ حَدَّ البكر.
وهذا أحسن، أنه 4 يقام عليه حد الثيب حتى يرجع عن قوله، ولا يسقط عنه ذلك قبل رجوعه.

واختلف أيضًا إذا أخذ أحدهما في زنى قبل أن يسمع منه إقرار أو إنكار على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا يقبل قول من أنكر منهما، والرجم قائم، ولو لم يقم معها إلا ليلة واحدة 1، وقال محمد: هو قول أصحابنا وهو قول ابن القاسم 2، وقد تقدم قول ابن القاسم: إن القول قول الزوج إن أخذ في زنى، وإن طال مكثه معها إلا أن يعلم غير ذلك، لظهور حمل أو بإقرار أو بسماع.
وقال في كتاب النكاح الثالث: إذا أخذت المرأة في زنى، وكانت أقامت عشرين سنة، لم يقبل قولها 3، وهذا خلاف 4 قوله الأول.
وذهب بعض أهل العلم إلى التفرقة بين السؤالين، فقال: إنما صدق الزوج؛ لأنه يكتم ذلك من نفسه وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه قال: "حتى يعلم بولد يظهر" وهذا يتساويان فيه، فإذا لم يظهر منها قُبِلَ قولها كما قبل قوله 5. والثاني: أنه إذا كتم ذلك لم تكتمه الزوجة، وإذا كان عنده عدم ذكرها دليلًا على أنه كان يصيب فمثله إذا كان هو الزاني ولم يعلم منها 6 إنكار؛ لأن سكوتها دليل عليها وعليه، وإنكارها شاهد لهما.

والثالث قوله: "أو بأمر يسمع" والسماع عن 1 ذلك يعلم من الرجال والنساء والجيران والأقارب، وهما في ذلك سواء، وأرى إذا طال مكثه أن يحمل على الإصابة، إلا أن يكون هناك سماع بعجز أو اعتراض ولا يحملان على ذلك في مبيت ليلة، لإمكان 2 أن يكون كان أمر منع من الإصابة، وقد اتفقوا على أن من غصب امرأة فبات بها ليلة، ثم أصبح وقال: لم أصب- أنه لا 3 يقام عليه حد الزنى، ولم يحمل على أنه أصاب، ويلزم على القول الأول أن يقام عليه الحد؛ لأن كل ذلك من باب القضاء بالدليل، بل هو في الغاصب أولى، ولأن من بلغ من فضيحة نفسه وفضيحة المرأة وغلبة 4 الشهوة بمثل ذلك أقوى دليلًا ممن أتى ذلك على الوجه الآخر.
وإذا غاب أحدهما أو مات قبل أن يسمع منه إقرار ولا إنكار، ثم أخذ الآخر يزني 5 كان الجواب فيه 6 على ما تقدم لو 7 كان حاضرًا، ولم يسمع منه شيء.
وأما حالة الزوجين، فإن كان الزوج وحده 8 غير بالغ- لم يكن إحصانًا لواحد 9 منهما، فإن كانت هي غير بالغة وحدها كان إحصانًا له دونها، وإن

كان أحدهما عبدًا- كان إحصانًا للحر منهما، الزوج كان أو الزوجة.
وإن كان أحدهما مجنونًا- كان إحصانًا للعاقل منهما 1 خاصة، وهذا قول مالك وابن القاسم 2. وذهب أشهب إلى أن المراعى الزوج فإن كان عاقلًا كان إحصانًا له ولها إذا زنت هي في إفاقتها، وإن كان مجنونًا لم يكن إحصانًا له ولا لها 3. وقال عبد الملك: إذا صح العقد منهما أو ممن يلي عليهما 4 - كان إحصانًا لهما ولو كانا مجنونين في حال 5 البناء إذا كان الزنى في حال الصحة 6. والقول الأول أحسن أنه يراعى العاقل منهما في نفسه وألا يكون أحدهما محصنًا بما يكون من الإصابة في حال الجنون 7؛ لأنه كالعدم.
وإن كان الزوج مسلمًا وهي نصرانية- كان إحصانًا له دونها 8، وإن كانت مسلمة وهو نصراني لم يكن إحصانًا لها؛ لأنه إن كان نكاحه وهي مسلمة، كان فاسدًا، وإن كان وهي نصرانية- لم تحتسب هي بذلك؛ لأنها حينئذ غير مخاطبة بفروع الإسلام 9.

باب في حد البكر وصفته

حد الزاني البكر ثلاثة: فحد الرجل الحر جلد مائة وتغريب عام.
وحد المرأة الحرة 1 جلد مائة بغير تغريب.
وحد العبد خمسون جلدة بغير تغريب، وكذلك الأمة هما في ذلك سواء، وكذلك كل من فيه عقد حرية لم تتم، كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل- حَدُّهُم حَدُّ من لا عقد له في الحرية.
فأما الحران فالأصل فيهما قول الله -عز وجل-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وفي تغريب الرجل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله.." فجَلَدَ الرجل مائة وغربه عامًا... الحديث 2. وفي هذا الحديث دليل عَلى أن التغريب فرض وأنه بعض الحد 3، لقوله "لأَقْضَينَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله" 4 أي بفرض الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] أي فرض عليكم 5، وهذا يَرُدُّ على من قال: إن التغريب غير واجب، وأن بابه باب التعزير 6 فإن رأى ذلك الإمام فعله.

وأما النساء فقال مالك في كتاب محمد: لا تغريب عليهن 1، للحديث: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" 2، والضيعة تصيبها.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولأن تغريب الرجل عقوبة له؛ لينقطع عن أهله وولده ومعاشه 3، وتلحق الذلة بنفيه إلى غير بلده، والمرأة محتاجة إلى الحفظ والصيانة، فكان في تغريبها هتك لحرمتها 4. وفي كتاب محمد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه غرب امرأة إلى مصر 5. وفي الموطأ: أنه غرب عبدًا 6. وفي كتاب مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" 7. فجعل على المرأة النفي ولا وجه للاعتراض بالولي فإن كانت العلة في ترك النفي عدم الولي فتنفى إذا كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كما تعمل 8 في خروجها إلى الحج، فإن عدم جميع ذلك سجنت في موضعها عامًا؛ لأن العقوبة بشيئين: تغريب وسجن، فإذا تعذر التغريب لم يسقط السجن، وقد يقال: في سقوط التغريب عن العبد إن

التغريب (1) عقوبة على (2) الإنسان عن وطنه، والعبد لا وطن له، وشأنه البيع من بلد إلى بلد، ويسجن في موضعه.

فصل [في هيئة ضرب الحدود]

الجلد بالسوط لا بالدرة ويكون سوطًا بين السوطين لا جديدًا ولا باليًا.
وفي الموطأ عن زيد بن أسلم "أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.
فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثمَرَتُهُ، فَقَالَ: دُونَ هَذَا، بينَ هَذَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ" 3. ويتولى الضرب رجل بين الرجلين لا بالشديد ولا بالضعيف، ويضرب ضربًا بين الضربين لا بغاية قوة ولا بأقلها، ويخص بالضرب الظهر.

وقال ابن القاسم: حد الزنى وشرب الخمر والفرية على الظهر ولا يعرف مالك الأعضاء 4. وقال ابن شعبان: لا يكون الجلد في الحدود إلا عدلًا.
ولمالك في المبسوط مثله.
ولا يضع سوطًا فوق سوط ويعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج.12

والأول أحسن، لحديث هلال بن أمية حين 1 قذف زوجته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَرْبَعَة وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" أخرجه البخاري ومسلم 2. ويجرد ظهر الرجل ويقعد ولا يقام ولا يمد.
والمرأة كذلك تقعد ولا تقام ولا تمد، ولا تجرد، ويترك عليها من الثياب ما يسترها ولا يقيها الضرب، وتقعد في قفة، ويجعل فيها تراب وماء فإن حدث منها ماءٌ، خفي أن يكون حدثًا 3. ويجرد الرجل في شرب الخمر، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ويجرد في العقوبات إذا بلغت تلك 4 عقوبته، ومن العقوبات ما يكون ذنبه خفيفًا 5 فيعاقب على ثيابه، وفوق رأسه، وربما كان بالحبس 6.

باب في صفة الرجم

ويرجم الثيب بالحجارة، قال محمد: ترجم بالحجارة التي ترمى بمثلها، وأما الصخور العظام فلا يستطاع الرمي بتلك 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا يرمى بالصخور وإن كانت مما يستطاع الرمي بها؛ لأنها تشوه به 2، وإنما الرمي بالحجارة، ولا تكون صغارًا مما تؤدي للعذاب ولا تجمر، ولا يختص الظَّهْرُ بالرجمِ، ويختص به 3 المواضع التي هي مقاتل 4: الظهر وغيره، ومن السرة إلى ما فوق، ويجتنب الوجه، ولا يضرب في رجليه إذا لم يحفر له ولا في ساقيه ولا يديه؛ لأن ذلك تعذيب، وليس ذلك 5 بمقتل، ويجرد أعلى الرجل، ولا تجرد المرأة.
واختلف في الحفر، فقال مالك في المدونة: لا يحفر له، واستشهد بالحديث: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة 6، فلو كان في حفرة ما حنى عليها 7. قال: ولا يربط 8.

وقال مالك 1 في كتاب محمد: لا يحفر للمرجوم ولا للمرجومة 2. وقال أشهب: وإن حفر له فأحب إليَّ أن تُخَلَّى يداه، وإن لم يحفر له لم أر به بأسًا، قال: والأحسن عندي ألا يحفر له 3. فرأى ذلك واسعًا واستحب ألا يحفر.
وقال ابن وهب: يفعل الإمام من ذلك ما أحب.
وقال أصبغ في كتاب ابن مزين: أستحب الحفر وترسل 4 يداه يتقي 5 بهما عن وجهه.
وكذلك اللص والمحارب إذا صلب 6 حيًا ليطعن ترسل يداه، وقال ابن شعبان قال بعض أصحابنا: لا يحفر للمقر؛ لأنه إن هرب ترك، ويحفر للمشهود عليه؛ لأنه إن هرب لم يترك.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول ابن وهب في ذلك حسن؛ أن للإمام أن يفعل من ذلك ما أحب، لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رجم ماعزًا ولم يحفر له وحفر للغامدية وكانت اعترفت بالزنى، فأخرج مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها فحفر لها إلى صدرها ثم رجمت 7. وفي حديث آخر أنه شكت عليها ثيابها 8. يريد: ستر ما ظهر عن الحفرة.
وقيل لابن القاسم: هل يَبدَأُ الإمامُ بالرجمِ

إذا كان إقرار أو حمل، أو إذا كانت بينة فبالشهود؟ فقال: الرجم حد مثل القتل والقطع- يأمر بذلك الإمام 1. قال الشيخ -رحمه الله-: لو فعل ذلك، وقدم إلى البينة أنهم يبتدئون بالرجم وبإراقة دمه لكان حسنًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى التثبت في الشهادة، وأدائها على حقيقتها.
وأما الإقرار فإنما يحتاج فيه إلى 2 أن يبدأ الإمام على مذهب عبد الملك وسحنون، أنه إذا اعترف عند الحاكم ثم رجع عن إقراره أنه يأخذه بعلمه.
وأما على قول مالك وابن القاسم فلا؛ لأنه إن كان متماديًا على إقراره لم يحتج إلى بداءة 3 الإمام، فإن رجع لم يؤخذ إلا بالبينة أنه كان أقر بشهادة اثنين أو أربعة على الاختلاف في ذلك، وإذا عاد الأمر إلى الشهادة استحب بداءة البينة، وتصح بداءة الإمام في الحمل؛ لأنها مسألة اختلاف: إذا ادعت أن ذلك كان بوجه شبهة فلم تصدق، فيبتدئ الإمام الذي يقلد ألا تصدق 4، ولم يخف في اجتهاده ذلك، وكل هذا استحباب.
وقال ابن القاسم في الإمام يدعو إنسانًا إلى الرجم أو القطع: إنه 5 إذا كان الإمام عدلًا فليقطعه 6، ولا يكشف عن صحة ذلك، قال: ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر بن عبد العزيز لو قالا اقطع يد هذا فإنا قضينا عليه

بالسرقة لكان يسعه 1 أن يفعل، وإن كان الإمام غير عدل لم يقطعه إلا أن يتضح له أنه حكم بحق 2. ومن المدونة 3 قال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا فأراد أن يقيم عليه البينة بذلك، فمات المقذوف قبل أن يقيم البينة: إن لورثته أن يقيموا عليه البينة، ويضرب الحد 4. قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كان القيام على القاذف بقرب قذفه أقيم عليه الحد، سواء قام بذلك المقذوف أو ورثته ولا يمين على واحد منهم في ذلك، وكذلك إذا أشهد المقذوف أنه على حقه في ذلك ليقوم به متى أحب، كان 5 له ولورثته القيام في ذلك وإن طالت المدة، ولا يمين في ذلك على واحد منهم، فإن طالت المدة 6 ولم يتقدم إشهاد، افترق الجواب، فيكون للمقذوف نفسه القيام بعد يمينه أنه لم يسكت تلك المدة على الترك، وأن ذلك كان 7 منه على أن يقوم إن أحب، ولا قيام لورثته، وهم في ذلك بخلاف ديون ميتهم؛ لأن شأن الديون ألا تترك، والأعراض كثير من الناس لا يطلبها، ولا يستحسن ذكرها، ولا يحب أن يتحدث عنه أنه شُتِمَ، فإذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس.

وقال أشهب: لورثته أن يقوموا وإن طالت المدة 1، وهذا يصح على القول إن ذلك حق لله سبحانه فلا يسقط بطول المدة.
وقال مالك فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، وفي أمهاته من جداته مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ امرأة زنت، وقال: إنما أردت جدتك التي زنت، قال: إن كان ذلك أمرًا معروفًا أُحلف ما أراد غيرها، ولا حد عليه، وعليه العقوبة 2. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو كانت الجدة مِنْ قِبَلِ أبيه لَقُبِلَ قوله أنه أرادها.
ومثله لو قال: يا ابن الزاني، وفي أجداده من غير أبيه أو أمه من قد زنى، وقال: ذلك أردت، أو قال: يا أبا الزاني، وفي ولد ولده أو ولد ابنته من قد زنى، وقال: ذلك أردت، لَقُبِلَ قوله في ذلك كله، إذا حلف أنه ما أراد إلا ذلك؛ لأن كل ذلك أمومة وأبوة وبنوة، وكُلٌّ مما يقع به التعيير.

باب في الرجوع عن الشهادة في الزنى والقتل والسرقة، وكيف إن وجد أحد البينة عبدًا أو نصرانيًا أو مولى عليه أو ولد زنا أو مسخوطًا؟ وهل على الشاهد أن يخبر بجرحة من شهد معه أو أنه عبد وإن وجد المشهود عليه مجبوبًا

1 وإذا شهد أربعة بالزنى ثم رجع جميعهم عن الشهادة 2، فإنه لا يخلو رجوعهم أن يكون: قبل الحكم، أو بعد الحكم وقبل إقامة الحد، أو بعد الحد من رجم أو جلد أو قطع.
فإن رجعوا قبل الحكم- لم يحكم.
واختلف إذا رجعوا بعد الحكم وقبل إقامة الحد 3 على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يقام الحد فيرجم إن كان محصنًا ويغرمون الدية في 4 أموالهم.
وقال أيضًا: لا يرجم لحرمة القتل وكذلك في كل ما كان مثله من القطع وفيه العقل 5. واختلف فيه أيضًا قول أشهب 6 فقال: يرجم، وقال: لا يرجم، ويقام

عليه أدنى الحدين 1. يريد: أنه يضرب مائة، ويغرب عامًا، ولا يقطع في سرقة ولا في قصاص، ويغرم العقل في القصاص.
وقال محمد: وإن كان غير محصن أقيم عليه الحد 2. قال الشيخ - رضي الله عنه -: والقول أنه لا يرجم أحسن؛ لأن رجوعهم شبهة ولا يدري 3 هل صدقوا فيما رجعوا عنه أم لا؟ وكذلك أرى إذا كان غير محصن أنه يعاقب، ولا يقام عليه الحد ويدرأ عنه اسم الحد.
وإن رجعوا بعد الحد كان المقال مع البينة في الدية والقصاص، وإن أقروا بالعمد حدوا قولًا واحدًا، واختلف في الدية والقصاص.
وإن أقروا بالخطأ كان الخلاف في الحد والدية، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا رجعت البينة بعد الرجم يضمنون ديته 4. ولم يفرق بين عمد ولا خطأ.
وقال في كتاب محمد: عليهم الدية في العمد، ولا شيء عليهم في الخطأ 5. وقال أشهب: عليهم الدية في أموالهم في الخطأ والعمد 6. وقال في مدونته: إذا أقروا بالعمد حدوا ثم قتلوا.
وفي كتاب ابن سحنون مثل ذلك أنهم يحدون ثم يقتلون 7، وأما حدهم وعقوبتهم فقال ابن القاسم: يحدون إذا رجعوا 8، ولم

يفرق بين عمد ولا خطأ.
وقال سحنون: إذا رجعت البينة وقد شهدوا بحق أو حد لله تعالى من زنى أو سرقة أو شرب خمر أو في حق للعباد من 1 قصاص أو غيره- لا شيء عليهم ولا عقوبة، اتهموا في شهادتهم أو رجعوا عنها لشك خالطهم 2. لأنه يخاف إذا رجعوا وعوقبوا 3 ألا يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بباطل أو بشك 4 إذا أراد 5 التوبة.
وقال بعض أصحابنا: لو عوقب المتهم لكان لذلك أهلًا، وأما إذا أقروا بالزور فإنهم يحدون 6. وقول أشهب في إثبات الدية في الخطأ أحسن؛ لأن الله عز وجل إنما أوجب 7 الدية في الخطأ، ولا فرق في ذلك بين الشاهد وغيره، ولا تحملها العاقلة؛ لأنهم غير عدول، وإنما تحمل العاقلة 8 الاعتراف، إذا كان المعترف عدلًا ويقسم معه وقول سحنون في سقوط الحد صواب، وقد أبان الوجه في ذلك.
وأما العمد فالقول إنهم 9 يقتلون به أشبه؛ لأنهم كالجابرين 10 للإمام

بشهادتهم فلا فرق بين أن (1) يلوا ذلك بأيديهم وبين ذلك (2). ويختلف إذا كان بكرًا، فضرب مائة وغرب عامًا، ثم اعترفت البينة بالعمد، هل يقتص منهم، فيضرب كل واحد منهم (3) خمسة وعشرين سوطًا مكان الضرب، أم لا؟ فعلى القول أن في العمد القصاص -القتل- (4) يضرب هؤلاء، قياسًا على القول أن في السوط (5) القصاص، ويزاد في عقوبتهم لمكان التغريب، إلا أن يكون رجوعهم قبل أن يغرب، ويضرب كل واحد منهم للقذف ثمانين؛ لأن للمقذوف حقين: حق من ناحية القذف، وحق من ناحية الضرب والقصاص (6).

فصل [فيما إذا رجع أحد الشهود عند شهادته]

وإن رجع أحد منهم قبل الحكم- لم يحكم، وحد جميعهم، وإن رجع بعد الرجم كان المقال فيما يغرمه وفي حده، وإن رجع بعد الحكم وقبل إقامة الحد- كان على الاختلاف 7 المتقدم، هل ينفذ الحكم أو يسقط؟ وألا يحكم أحسن.
وقال ابن القاسم في أربعة شهدوا على رجل بالزنى ثم رجع أحدهم بعد إقامة الحد: أرى أن يجلد الراجع وحده، ولا يجلد الثلاثة الذين بقوا 8.123456

وقال في كتاب محمد: يجلد جميعهم، ثم رجع فقال: لا يجلد إلا الراجع وحده 1. وإن رجع بعد الحكم وقبل أن ينفذ- أقيم الحد على المشهود عليه وعلى الراجع، وعلى القول الآخر أنه لا ينفذ، وإن كانت شهادتهم بمال يحد ها هنا ويحد جميعهم.
واختلف قوله أيضًا في كتاب محمد إذا شهد خمسة فرجع واحد منهم بعد رجم المشهود عليه، فقال مرة: يحد هذا الراجع.
وقال مرة: لا يحد، ولم ير عليه غرم شيء من الدية 2. وأرى إذا قال: أخطأت أو تعمدت ولا علم عندي مما شهد به الآخرون؛ لأني لم أكن معهم- ألا شيء عليه من حد ولا دية.
وإن قال: شهادتنا واحدة، وقد أخطأنا جميعًا لو تعمدنا- كان الجواب على ما تقدم لو كان أربعة فرجع أحدهم، فإنه يحد إذا قال: تعمدنا.
واختلف في حَدِّهِ وفي عقوبته إذا قال: أخطأنا، ويغرم خمس الدية في الخطأ ويقتل 3 في العمد.
وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إذا رجع واحد من الخمسة لم يكن عليه شيء فإن رجع آخر كان عليه ربع الدية، ويشركه فيه 4 الأول، وإن رجع ثالث كان عليهم نصف الدية، وإن رجع رابع كان عليهم 5 ثلاثة أرباع

الدية (1)؛ لأنَّ الباقي يقابله ربع دمه (2). قال الشيخ - رضي الله عنه - (3): ولا أرى على الذي رجع أولًا شيئًا إذا لم تكن شهادتهم في مجلس واحد.
وقال محمد: لو كانوا ستة فلما أخذ في رجمه رجع أحدهم بعد أن فقئت عينه وآخر بعد أن أوضح موضحة، ورجع الثالث بعد أن قتل كان على الأول سدس دية العين وعلى الثاني خمس دية الموضحة وسدس دية العين وعلى الثالث ربع دية النفس فقط؛ لأن القتل يأتي على ما قبل ذلك (4). ويلزم على قوله في الراجع أولًا أن عليه سدس دية العين أن يقول إذا رجع بعد القتل: عليه سدس دية النفس وإن لم يرجع أحد سواه.

فصل إذا شهد أربعة برجم المشهود عليه ثم علم أن أحدهم مسخوط

واختلف إذا شهد أربعة برجم المشهود عليه ثم علم أن أحدهم مسخوط هل يمضي الحكم أو ينقض؟ وتغرم البينة فقال أشهب وعبد الملك يمضي الحكم 5. وقال محمد: إذا كان القاضي غير الأول، وإن كان هو القاضي- نقضه ما لم يفت القطع والقتل والرجم 6، وإن وجد أحدهم عبدًا أو نصرانيًّا1234

نقض الحكم 1. واختلف إذا كان مولى عليه أو ولد زنى فقال ابن القاسم 2 في المولى عليه: ينقض الحكم، وجَمَعَهُ مع العبد والذمي 3. وليس بالبين، وأن يمضي الحكم أحسن إذا كان عدلًا، للاختلاف في جواز شهادته، وقد أجازها مالك في كتاب محمد، قال: وإن كان أحدهم ولد زنى نقض الحكم 4؛ لأن كونه ولد زنى من باب القطع، فأشبه لو تبين أن أحدهما عبد.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يمضى 5 ولا ينقض؛ لأنه عدل وإنما تعترض شهادتهم من باب التهمة فأشبه المسخوط.
واختلف إذا تبين أن أحدهم عبد بعد ما رجم المشهود عليه، فقال ابن القاسم: إن لم يعلموا أنه عبد كان من خطأ الإمام، وهو على عاقلته 6، وإن علموا 7 أن الذي شهد معهم عبد كانت الدية عليهم ولا شيء على العبد في الوجهين جميعًا 8. وقال محمد بن سحنون: وقد قيل: لا شيء على الحاكم ولا على الشهود إذا

لم يعلموا أن معهم 1 عبدًا أو ذميًا أو علموا وكانوا يجهلون رد 2 شهادتهم مع العبد وإن تعمدوا وهم عالمون أن معهم عبدًا وأن شهادتهم معه لا تجوز كانت عليهم الدية 3. يريد: 4 لأن الكشف في ذلك والنظر فيمن تجوز شهادته أو لا تجوز إنما هو للحاكم 5، فلا شيء عليهم إلا أن يعلموا بالوجهين جميعًا أنه عبد وأن شهادته 6 لا تجوز، فتكون الدية عليهم، وإن علم العبد وحده أن شهادته لا تجوز وجهل ذلك البينة، كانت الدية كلها 7 جناية في رقبته، وإن علم بذلك 8 جميعهم هو والبينة- كانت الدية عليهم أرباعًا، وهو قول أبي مصعب أن على العبد ربع الدية.
واختلف أيضًا إذا كانت الشهادة بقطع أو قتل، ثم تبين أن أحدهم عبد، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا شهد شاهدان على رجل بقطع يد رجل 9 عمدًا، فاقتص من المشهود عليه، ثم تبين أن أحدهم عبد أو ممن 10 لا تجوز

شهادته- أرى 1 ألا شيء على المقتص له 2. يريد: إذا لم يعلم الحر أن الذي معه عبد.
وقال محمد بن سحنون 3: إذا تبين أن أحدهم عبد أو ذمي أو مولى عليه فإنه إن حلف المحكوم له بالقصاص في اليد مع الشاهد الباقي أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينًا -تم ما حكم به ونفذ، وإن نكل عن اليمين في اليد، ولم يعلم أن شاهده عبد، وكانت الحرية فيه الظاهرة، وحلف المقتص 4 منه في اليد أن ما شهد عليه 5 به الشاهد باطل ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة، فإن الأحكام تنقض حتى تصير كأنها لم تكن 6. وقال بعض أصحابنا: لا ضمان على الحاكم؛ لأنه لم يخطئ ولا ضمان على المحكوم له بالقصاص؛ لأنه أخذ ما أعطته البينة والحاكم 7 باجتهاده ولم يأخذ مالا يرده 8، وغرم ذلك على الشاهدين إذا كانا جهلا رد 9 شهادة العبد أو الذمي 10. وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام، وقيل إنه هدر، ولا شيء

على الحاكم ولا على البينة ولا على المحكوم له، وإنما يلزم الإمام إذا أخطأ فقتل من لا يجوز قتله أو قطع من لا يجوز قطعه أو أجاز شهادة من لا تجوز شهادته مثل أن يجيز (1) شهادة العبد والذمي وهو يرى أن ذلك يجوز، فقال سحنون في الرجل يشهد عند القاضي وهو عدل ويشهد معه رجل غير عدل هل يجوز للشاهد العدل أن يخبر بجرحته (2)، وهو يعلم أنه شهد بحق؟ قال: لا يجوز له ذلك ولعله يرى حقًا وقف على الهلاك إن جرح (3). قال محمد: قال لي ذلك (4) غير مرة، ثم قال بعد ذلك: يخبر بجرحته (5). ألا ترى لو شهد معه عبد أو نصراني والقاضي به (6) جاهل أن على العدل أن يخبر به.

فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى، فرجمه الإمام ثم أصابوه مجبوبًا هل يحدهم الإمام؟]

وقال ابن القاسم: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجم، ثم تبين أنه مجبوب كانت الدية عليهم في أموالهم مع الأدب الموجع والسجن الطويل ولا حد 7 عليهم؛ لأنه لا حد على من قال لمجبوب يا زاني 8. إلا أن يُجَبَّ بعد123456

بلوغه، فيكون على قاذفه الحد 1. وقال أشهب في كتاب محمد: الدية على عاقلة الإمام إلا أن يقولوا: رأيناه يزني قَبْلَ أَن يُجَبَّ، فتكون شهادتهم ماضية، ولا حدّ عليهم بحال؛ لأنهم إن قالوا: رأيناه قَبْلَ أَن يُجَبَّ كانت شهادتهم ماضية، وإن قالوا بعد جبابه- لم يكن عليهم حدّ 2. قال الشيخ - رضي الله عنه - 3: العقوبة والسجن في ذلك صوابًا، وأما الدية فلا أراها على الشهود، ولا على الإمام؛ لأنه قاصر 4 على أن يظهر ذلك من نفسه، وذلك له 5 كالبينة العادلة ترد بها شهادة من شهد عليه.
وأما سقوط الحد إذا شهدوا عليه أنه زنى الآن وكان جبابه بعد البلوغ فصواب؛ لأنهم أتوا 6 على وجه الشهادة، ولا يحمل عليهم أنهم أرادوا غير ما شهدوا عليه به، ولو كان ذلك في القذف أو المشاتمة فقال للمجبوب: يا زاني- عليه الحد 7؛ لأنه يحمل قوله أن ذلك قبل جبابه، وكذلك إن قال له: زنيت وأنت مجبوب فإنه يحد عند ابن القاسم 8؛ لأنه يحمل عليه 9 أنه أراد ما كان

قبل واستتر (1) بقوله: وأنت مجبوب، كالذي قال لامرأته: (2) زنيت وأنت نصرانية أو (3) زنيت وأنت صبية، وقد كان ذلك منها في حال الصبا والكفر أنه يحد، وحمل عليه أنه أراد غير ذلك وكنى عنه بقوله: وأنت صبية أو نصرانية.

فصل [في أربعة شهدوا على أربعة بالزنى، فقال لهم القاضي: صفوا لنا الزنى]

ومن المدونة 4 قال ابن القاسم في أربعة شهدوا على أربعة بالزنى، فقال لهم القاضي: صفوا لنا 5 الزنى، فوصفه ثلاثة منهم، وقال الرابع: رأيته بين فخذيها، فقال: يحد الثلاثة، ويعاقب الرابع 6، وقال غيره: لا عقوبة عليه.
وقال أشهب في مدونته: يحدّ الرابع؛ لأنه قال قبل ذلك: زنَى.
يريد: أنه كان لا 7 يجهل وجه الزنى، فيعد راجعًا، فإن كان ممن يجهل لم يحد.
قال: وإن أبوا أن يكشفوا 8 عن شهادتهم لم يحد المشهود عليه وحدوا حد الفرية.
وقال محمد: لو قال اثنان منهم رأيناه يطؤها، وشهد الآخران على الخلوة والملاصقة والنفس العالي -لَحُدَّ الشاهدان 9 وعوقب الرجل والمرأة، جلد123

مائة أو نحوها.
وقال مالك في الرجل يوجد مع المرأة وبات معها في لحاف واحد 1 أنه يجلد نكالًا، قيل: له دون الحد؟ قال: على قدر ما يراه 2 الإمام وربما كان أكثر من الحد 3. وقال أصبغ في النصراني يزني بالمسلمة ينكل 4. والنكال في هذا يجاوز الحد ويضعف ضعفين أو أكثر في العدد.

جارٍ التحميل