باب (1) إذا أقر بالقتل وشهد شاهد على معاينة القتل
وإذا شهد شاهد على إقرار رجل بقتل خطأ ثم جحد الإقرار وشهد آخر على معاينة قتل الخطأ لم تضم الشهادتان وكان لأولياء المقتول أن يحلفوا مع شهادة من عاين القتل ويستحقوا من العاقلة، ولهم أن يحلفوا مع شاهد الإقرار ويستحقون 2 من ذمة المقر ولا يستحقون 3 بشهادته من العاقلة فمن قال: إنه لو لم يرجع عن إقراره تؤخذ الدية من ذمته يصير عند الجحود بمنزلة من اعترف بشيء في ذمته ثم رجع وعلى القول: إنه 4 يكون على العاقلة بقسامة يصير بمنزلة شاهد رجع عن شهادته قبل أدائها فهي ساقطة.
ويختلف في ضم شهادته إذا لم يرجع مع شاهد المعاينة فعلى القول: إنه شاهد على العاقلة يأخذ أولياء القتيل الدية من العاقلة بغير قسامة وعلى القول بأن الإقرار في ماله يكونون بالخيار بين أن يأخذوا ذلك من ماله بغير قسامة 5 أو من العاقلة بقسامة.1
باب في أيمان القسامة
1 دم الحر المسلم يستحق بخمسين يمينًا والخطأ والعمد في ذلك سواء، ويفترق الجواب فيمن يحلف هذه الخمسن يمينا 2 فأما الخطأ فيحلفها الواحد إذا كان هو المستحق للدية ابن 3 أو أخ أو عم أو ابن عم ويدخل في ذلك النساء إذا كن ورثة، الابنة والأخت والأم والزوجة وتفرّق الأيمان على قدر المواريث، فإن كان ابن وابنة حلف الابن ثلثي الأيمان والابنة الثلث، وتحلف الأم سدسها مع وجود الولد أو اثنين من الإخوة والثلث 4 إذا انفردت أو مع أخ واحد أو أخت 5. وتحلف الزوجة ربع الأيمان وثمنها مع وجود الولد 6، وإن غاب أحد الورثة لم يستحق الحاضر نصيبه من الدية إلا أن يحلف خمسين يمينًا، فإن غاب الابن 7 حلفت الابنة خمسين يمينًا، وأخذت ثلث الدية، فإن حضر الأخ أحلف ثلثي الأيمان ثلاثة وثلاثين يمينًا وإن كان في الأيمان كسر يمين جبرت على من عليه أكثرها ولو كان كبيرًا وصغيرًا، حلف الكبير خمسين يمينًا، وأخذ
حصته من الدية، وإذا كبر الصغير حلف خمسة وعشرين يمينًا، واستحق.
وإن خلف القتيل ابنة ولا عصبة له حلفت خمسين يمينًا، واستحقت نصف الدية وسقط الباقي.
واختلف إذا كان له 1 عصبة وهم ثلاثون 2 فقيل يحلف منهم خمسة وعشرون ويستحق جميعهم ومنع ذلك ابن القاسم في الخطأ وقال يحلف جميعهم بخلاف العمد وإن خلف جدًّا وإخوة حلف الجد ثلث الأيمان.
واختلف إذا نكل الأولياء في الخطأ فقال ابن القاسم: ترد الأيمان 3 على عاقلة القاتل 4، وقال ابن كنانة: لا ترد إن حلفوا وإلا فلا شيء لهم وهو أحسن؛ لأنهم يقولون لا علم لنا لأنا لم نحضر، ويجوز أن يكون ذلك حقًّا والشرع يمنع أن يغرم إلا بعد ثبات القتل 5 بالقسامة إذا لم تتم الشهادة إلا أن يكونوا حاضرين للقتل أو تُدَّعى عليهم المعرفة بأمر لا شك فيه فترد الأيمان عليهم.
وأما القاتل فلا ترد عليه اليمين 6 على القول بأنه لا يدخل مع العاقلة في الغرم، وأنه لو اعترف لم يغرم، وأن 7 اعترافه إنما هو على العاقلة، وعلى القول: إنه إن اعترف كانت عليه الدية يحلف؛ لأنه يُدَّعَى عليه التحقيق لأنه
القاتل فإن حلف برئ، وإن نكل غرم جميع الدية، وقيل يغرم قدر ما ينوبه مع (1) العاقلة.
فصل [في شروط استحقاق العمد بالقسامة]
العمد يستحق بقسامة رجلين ولا يستحق بقسامة رجل 2 واحد، وإن حلف خمسين يمينًا، ولا بأيمان أحد من النساء وجعل الشاهد لوثًا والأيمان مقام الشهادة كاللعان الأيمان فيه مكان 3 الشهادة، وإن كان الأولياء اثنان فصاعدًا، حلفوا خمسين يمينًا وقتلوا، فإن نكلوا ردت اليمين على المدعى عليه فإن حلف خمسين يمينًا برئ.
واختلف إذا نكل فقال مالك وابن القاسم يحبس حتى يحلف، وقال أشهب: إذا نكل كانت عليه دية المقتول.
وأرى أن يكون الأولياء بالخيار فإن أحبوا حبس أبدا حتى يحلف أو يأخذوه بالدية ويضرب مائة ويسجن عامًا.
واختلف إذا نكل أحد الأولياء أو أكذب نفسه بعد القسامة أو عفا فقال مالك وابن القاسم إذا كان 4 الأولياء بنين أو بني بنين أو إخوة أو أعمامًا أو بني أعمام فنكل أحدهم 5 ردت الأيمان على القاتل، ولم يكن لمن لم ينكل أن1
يحلف وقال مالك أيضًا إذا بقي ممن لم ينكل اثنان فصاعدًا كان لهم أن يحلفوا ويستحقوا أنصباءهم من الدية.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وينبغي أن يكون ذلك لمن لم ينكل وإن كان واحدًا، أن يحلف خمسين يمينًا؛ لأن الأمر عاد إلى مال كالخطأ والخطأ يصح أن يحلف فيه 1 رجل واحد ويستحق جميع الدية أو نصيبه منها إذا كان معه وارث.
واختلف عنه إذا كان الأولياء أعمامًا أو بني أعمام أو أبعد منهم من العصبة فنكل بعضهم فجعل مرة الجواب فيهم كالبنين وقال أيضًا لمن لم ينكل إذا كانوا اثنين فصاعدًا أن يحلفوا ويقتلوا؛ لأنه عنده لا عفو لهم إلا باجتماع بخلاف البنين والأول أبين، ولا فرق بين ذلك إذا كانوا في القعدد سواء.
وأما إذا أكذب أحدهم 2 نفسه بعد الأيمان فقال في المدونة: أراه بمنزلة لو عرضت عليه اليمين فأباها يريد أنه يبطل الدم وترد الأيمان على المدعى عليه، وأرى أن يكون لمن يكذب نفسه نصيبه من الدية لوجوه:
أحدها: أن ذلك كرجوع أحد 3 البينة بعد الحكم، وقد شهدت بقتل، فقال ابن القاسم وأشهب مرة: إن القتل ثابت وكذلك يقول من لم يكذب نفسه من الأولياء لا يضرني رجوع هذا في باب الدية؛ لأن المال في ذلك أخف من القتل.
والثاني: أنه قد اختلف إذا نكل أحد من الأولياء هل يكون للباقي أن يحلف ويأخذ نصيبه من الدية، فإذا تقدمت يمينه مضى على أنه وافق قول قائل
وإن عفا أحد الأولياء بعد القسامة وهم بنون أو بنو بنين أو إخوة صح عفوه وسقط القصاص.
واختلف إذا كانوا أعمامًا أو بني أعمام فقال مالك يصح عفوه، وقال لا يصح إلا باجتماع والأول أبين، واختلف بعد صحة العفو فقيل للباقي نصيبه من الدية.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لست أرى ذلك بعد ثبوت الدم ولا قبله إلا أن يشترط العافي شيئًا من الدية أو غيرها؛ لأن حقهم كلهم إنما كان في دمه فلما عفا أحدهم امتنع القتل فلم يكن لمن لم يعف منهم أن يرجع عن الدم الذي أبطله عفو العافي إلى دية لم تشترط.
باب في العفو عن العمد
العفو عن القتل العمد إلى من يستحق القيام به ولا يخلو القائمون به من ثلاثة أحوال، إما أن يكونوا رجالًا لا نساء معهم أو نساء لا رجال معهن أو رجالًا ونساء فإن كانوا رجالًا بانفرادهم وهم في القُعدُد 1 سواء بنون أو بنو بنين أو إخوة فعفا أحدهم سقط الدم.
واختلف إذا كانوا أبعد من هؤلاء كالأعمام أو بني الأعمام أو من هو أبعد منهم فقال مالك وابن القاسم: إن عفا واحد منهم سقط الدم، وروى أشهب في كتاب محمد عن مالك أنه لا يسقط إلا باجتماعهم على العفو وإن اختلفت منزلتهم من الميت 2 فالعفو والقيام إلى أقربهم بالمقتول ولا مقال للآخر معه في عفو أو قتل وأولاهم الابن ثم ابن الابن ثم الأب.
واختلف في الجد والإخوة فجعله ابن القاسم أخًا مع الإخوة في الخطأ والميراث من المال، وقال: يحلف معهم ثلث الأيمان، فإن عفا وكره الإخوة جاز عفوه.
وقال أشهب: الإخوة وبنوهم أحق من الجد كالولاء هم 3 أحق به منه 4، وقد وافق ابن القاسم في الولاء والإخوة وبنوهم أحق من الأعمام
بالقتل والعفو.
ويختلف إذا كان أحدهم أخًا لأم فعلى قول ابن القاسم هو كأحدهم، وقول أشهب إنه أحق، وقد اختلفا فيه في الولاء فقال ابن القاسم: هم في الولاء سواء، وقال أشهب في كتاب محمد: هو أحق؛ لأنه أقعد منهم للرحم (1) مثل ما لو ترك المعتق (2) أخًا شقيقًا وأخًا لأب، ومثل ما لو ترك بني (3) أعمام أحدهم شقيق والآخر لأب، يقول فإذا كانت (4) زيادة الرحم مع تساويهم في القُعدُد بالأبوة يكون أحق كان هذا أحق بزيادة الرحم فإنها رحم أقرب؛ لأن أمه أم الميت وهؤلاء أمهم أجنبية من الميت، وإن (5) لم يكن إلا رجل من الفخذ أو من القبيل أو لا يعرف قعدده من الميت ومن لا يكون له ميراثه لم يكن له قيام بالدم، فإذا اجتمع في القيام بالدم (6) نسب وولاء كان النسب المبدى في القيام والعفو وإن لم يكن ذو نسب فالمولى الأعلى فإن لم يكن مولى أعلى فالسلطان ولا شيء للمولى الأسفل.
فصل [في النساء هل لهن القيام في الدم]
واختلف عن مالك في النساء فذكر أبو الحسن بن القصار عنه أنه قال: لا123456
مدخل لهن في الدم وقال ذلك لهن وهو المعروف من قوله وإذا جعل لهن ذلك فذلك إلى ثلاث وهن البنات وبنات الابن وإن سفلن والأخوات خاصة دون 1 بنيهن.
واختلف في الأم فقال مالك وابن القاسم لها القيام بالدم، وقال أشهب: لا قيام لها بالدم بحال ولا قيام لها مع الولد ولا مع الإخوة ولا مع السلطان ولا قيام سوى من ذكر، وإذا كان لهن القيام فالبنات أولى من بنات الابن.
واختلف في البنات والأخوات 2 فقال ابن القاسم البنات أولى، وقال أشهب: الأخوات عصبة 3 البنات فلا عفو إلا باجتماع.
ويختلف على هذا في بنات الابن والأخوات فعلى قول ابن القاسم: بنات الابن أولى، وعلى قول أشهب: لا عفو إلا باجتماع منهن.
واختلف في الأم والبنات فقيل البنات أولى والعفو إليهن أو القتل، وقال ابن القاسم عند محمد: لا تسقط الأم إلا مع الأب والولد الذكر فقط فعلى هذا لا يصح عفو إلا باجتماع منها ومنهن، والقول الأول أحسن؛ لأن البنوة مقدمة على الأبوة فلما كان الابن مقدمًا على الأب كانت البنت مقدمة على الأم والأم مقدمة على الأخوات ويتفق في هذا ابن القاسم وأشهب، وليس الأخوات عصبة الأم وهن عصبة مع 4 البنات أو بنات البنين خاصة وإذا خلص 5
القيام للبنات أو بنات الابن والأم (1) دون من معهن من النساء فإنه يعود مقالهن مع الرجال.
والنساء مع الرجال على ثلاثة منازل، إما أن يكونوا أقرب منهن أو هن أقرب أو يكونوا في الدرجة سواء فإن كان الرجال أقرب درجة كالبنين وبنات الابن أو بني الابن والأخوات كان القيام للرجال وسقط قيام النساء معهم وإن كان النساء أقرب كالبنات وبني الابن أو بنات الابن والإخوة والأخوات والأعمام.
فصل [في الاختلاف بين المقتول وبين الأولياء في العفو والقود]
وإذا عفا المقتول فأراد الأولياء القتل أو أوصى بالقود وأرادوا العفو 2 كان المقتول أولى بدمه في العفو والقود فإن عفا لم يكن للأولياء أن يقتلوا وإن أوصى بالقيام بدمه لم يكن لهم عفو.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إذا قال: لا تعفوا عن قاتلي وثبت دمه ببينة لم يكن للأولياء أن يعفوا وإن استحقوه بقسامتهم كان لهم العفو إن شاءوا وهذا الذي قاله لإمكان أن يكون عفوهم بشبهة دخلت عليهم في أيمانهم.1
فصل [في الأولياء يكونون صغارا وكبارا فيعفو الكبير]
وإن كان كبير وصغير والقتل لا يحتاج إلى قسامة كان الكبير بالخيار بين أن يقتل أو يعفو فإن عفا كان للصغير نصيبه 1 من الدية.
وكذلك إذا كان يحتاج إلى 2 قسامة ووجد الكبير من يستعين به في الأيمان، واقتسموا معه 3، وثبت الدم، فإن الكبير بالخيار بين أن يقتل ولا يؤخر حتى يبلغ الصغير أو يعفو، ويكون للصغير نصيبه من الدية، وإن لم يجد من يستعين به وحلف الكبير خمسًا وعشرين يمينًا سجن المدعى عليه حتى يكبر الصغير.
فإن حلف استحق القتل والعفو وإن نكل ردت الأيمان على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل سجن حتى يحلف.
وعلى قول أشهب: يغرم الدية، وأرى للكبير إذا حلف أن يكون بالخيار بين أن يمهل حتى يكبر الصغير فيقتص أو يعفو ويكون له نصيبه من الدية؛ لأنه بعد يمينه بمنزلته ليس ككبيرين 4 حلف أحدهما، ثم عفا عن نصيبه من الدية كان ذلك له على القول: إن للأولياء أن يجبروا 5 على الدية؛ لأن الصغير
إذا كبر على وجهين، إما أن يقسم فيثبت الدم ويكون له نصيبه من الدية؛ لأن أخاه أبطل 1 عليه الدم بعفوه أو ينكل فيكونان 2 بمنزلة ولدين حلف أحدهما ونكل الآخر، فإن القياس أن يكون لمن حلف نصيبه من الدية.
وإن نكل الكبير ردت الأيمان على المدعى عليه، فإن حلف برئ ولم يسجن 3، وإن نكل عن اليمين سجن حتى يحلف على قول ابن القاسم وغرم الدية على قول أشهب.
باب في اللوث في قتل العمد والخطأ
واختلف في اللوث في قتل العمد ما هو؟ على خمسة أقوال، فقال مالك: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حضر الأمر 1.
وقال مالك 2 في كتاب محمد: هو الشاهد الذي ليس بالقوي العدالة 3، ولا قاطع 4، قيل: أو ترى المرأة من ذلك؟ قال: نعم، قيل له: فالعبد؟ قال: لا.
وقال أبو مصعب: اللوث جماعة نساء أو صبيان أو القوم ليسوا بعدول، وذكر ابن حبيب عن ابن وهب عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما قالا: شهادة المرأة 5 لطخ توجب القسامة، قالا: وكذلك شهادة العبيد والصبيان والنصارى واليهود والمجوس، وقال ربيعة في المجموعة: يقسم مع شهادة الصبي والذمي 6.
وأرى أن لا يقسم إلا مع الشاهد العدل والمرأة إذا كانت عدلة قريب من ذلك، والجماعة إذا لم يكونوا عدولًا كالأربعة والخمسة إذا كان لا بأس بحالهم إلا أنهم لم يبلغوا العدالة، وإن كانوا ساقطي الحال، فأكثر من ذلك مثل العشرة
والخمسة عشر، وهذا يعرف عند النزول والمشاهدة (1)، وجماعة العبيد في هذا كغيرهم من الأحرار، وأما الكفار فلا؛ لأنهم أعداء للمسلمين، ولا يبالون أن يرفعوا (2) الأمر على غير وجهه، وإن كان القتل خطأ جرى مجرى المال في العدالة؛ لأن المستحق به مال.
وقال أشهب: يقسم مع غير عدل.
وليس بحسن (3).
فصل [في القسامة في دم الحر المسلم]
القسامة تجب في دم الحر المسلم في العمد والخطأ 4 وسواء كانت الدعوى على حر مسلم أو عبد أو نصراني 5، ولا يستحق دم الحر المسلم في العمد والخطأ من عبد أو نصراني إلا بقسامة 6 خمسين يمينًا مثل ما يستحق من 7 الحر المسلم، وإذا كان المقتول عبدًا أو نصرانيًّا لم تكن فيه قسامة كان قاتله حرًّا مسلمًا أو عبدًا أو نصرانيًّا، كل ذلك سواء لا قسامة فيه.
وقال محمد في الحر المسلم يقتله العبد وينكل أولياؤه: إن كانت القسامة بقول الميت قتلني فلان أو بشاهد عدل على القتل المؤخر 8 حلف السيد يمينًا123
واحدة على علمه، فإن نكل لزمه أن يسلمه أو يفديه بدية المقتول، قال: وقيل يحلف العبد خمسين يمينًا 1.
وإن وجبت القسامة بالبينة فبرئ من ذلك الجرح فمات لم ترد اليمين ها هنا على العبد ولا على السيد وقد ثبت جرحه، فإما فداه السيد بدية ذلك الجرح أو يسلمه ويضرب العبد مائة ويسجن عامًا.
يريد: لأن السيد والعبد يقولان: لا علم عندنا هل مات منه أم لا؟
ونحن نجوز 2 أن يكون مات منه إلا أنه لا يستحق دية في عمد ولا خطأ إلا بقسامة ولا وجه ليمين السيد في المسألة الأولى؛ لأنه لا علم عنده ولا يدعي عليه علم؛ لأنه لم يحضر 3 ذلك ويمين العبد صواب؛ لأنه باشر القتل على قول الشاهد أو الميت.
وإن كانت القسامة على نصراني فنكل الأولياء عن الأيمان وكانت القسامة على قول المقتول: قتلني فلان، أو على ما شهد به الشاهد 4.
فإن كان العبد هو المقتول وقال: قتلني فلان لم يكن لسيده أن يحلف مع قوله ويستحق قيمته إن 5 كان المدعى عليه حرًّا ولا القصاص 6 إن كان المدعى عليه عبدًا، ولكن 7 تزد اليمين على المدعى عليه إن كان حرًّا.
واختلف كم يحلف وفي سجنه وضربه على ثلاثة أقوال: فقيل يحلف الحر يمينًا واحدة ولا شيء عليه من قيمة ولا ضرب ولا سجن، فإن نكل غرم قيمته وضرب مائة وسجن عامًا.
وقال أشهب: يحلف الحر 1 خمسين يمينًا ويبرأ، فإن نكل حلف سيده واستحق قيمته ويضرب المدعى عليه ويسجن عامًا 2 وسواء حلف أو نكل، وقال عبد الملك بن الماجشون: يحلف الحر يمينًا واحدة إن كان يعرف بينهما عداوة بعد أن يسجن ويكشف عن أمره، فإن نكل ضرب أدبًا وكذلك العبد، وليس يضرب المائة ويسجن سنة إلا من ملك قتله فعفي عنه أو ملكت عليه القسامة فردت عليه اليمين واجتبر عليه 3.
وإن قال النصراني: قتلني فلان أو شهد شاهد على القتل المجهز أو شاهدان على جرحه فنزي منه ثم مات افترق الجواب، فقال محمد: إذا قال قتلني فلان حلف المدعى عليه خمسين يمينًا ولا يجلد مائة ولا يسجن سنة 4.
ويختلف إذا شاهد شهد على قتله فقال مالك في المدونة: يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدية على من قتله مسلمًا كان أو نصرانيًّا 5.
وقال أشهب وابن عبد الحكم في كتاب محمد: يحلف المسلم المدعى عليه خمسين يمينا ويضرب مائة ويسجن عامًا، وأما إن ثبت جرحه بشاهدين فنزي
منه فمات بعد أيام فقال ابن عبد الحكم 1: يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون ديته؛ لأنه لا قسامة لهم ولا يستقيم أن يحلف على ميت أنه مات 2 منه فلم أجد بدًّا من أن أحلفهم أحب إلي من أن أعطيهم بغير يمين 3.
باب في إجبار القاتل على الدية
واختلف قول مالك في قاتل العمد يرضى أولياء المقتول 1 بالدية ويأبى ذلك القاتل فقال: ذلك للأولياء، وقال: ليس ذلك لهم إلا أن يرضى القاتل والأول أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودَى 2 وإما أن يقاد 3 " أخرجه البخاري ومسلم 4 أي يأخذ 5 الدية أو يستقيد فجعل الولي بالخيار دون القاتل، ولا يقال: إن ذلك برضا القاتل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساوى في التخيير بين الدية والقود، ولا خلاف أن القود ليس إلى رضا القاتل فكذلك الدية؛ ولأنه 6 محرم عليه أن يبيح نفسه إلى القتل وهو قادر على حفظها منه وهذا يبيح نفسه إلى القتل ليأخذ غيره المال عاصب أو غيره، ولو علم من رجل أراد قتل رجل أنه يتركه إذا بذل له مالًا لوجب عليه أن يبذله 7 ولا يتركه يقتله، والخلاف 8 في الإجبار 9 إذا كان القتل بين حرين
وسواء كانا رجلين أو امرأتين أو رجلا وامرأة، ولو قتلت امرأة رجلًا فقال الأولياء: نحن نجبر (1) على الدية؛ لأن المرأة أدنى حرمة وأقل دية لم يكن ذلك لهم على قول مالك في منع الجبر وفيه نظر؛ لأنهم قالوا في الصحيح يفقأ عين الأعور إن للأعور أن يجر على أن يأخذ دية عينه ألف دينار (2)؛ لأن الذي يأخذ أقل دية بخلاف أن يكونا صحيحين، فإنه يختلف هل يجبره؟ واختلف في الإجبار في الجراح إذا كانت إبانة عضو هل للمجروح أن يجبر الجارح على دية ذلك العضو وقد تقدم ذلك في عين الأعور فيما قبل.
فصل [فيما إذا كان القاتل عبدًا]
وإذا كان القاتل عبدًا كان للحر أن لا يقتص وأن يجبر السيد على 3 أن يفديه أو يسلمه ولا خلاف في ذلك؛ لأن امتناع 4 السيد من ذلك ليقتل العبد لا منفعة له فيه وإن كان القاتل مدبرًا كان له أن يستحييه، وأن 5 يجبر السيد على أن يفتدي خدمته أو يسلمها 6، ولو قال السيد: إما أن تقتل أو تعفو على غير شيء لم يكن ذلك له، ولو قال الولي: أنا أعفو على أن آخذ المدبر والمعتق إلى أجل رقيقًا لم يكن ذلك له؛ لأنه وإن كان القتل يبطل ما عقد لهما من الحرية،12
فإنه لا يجوز أن يبطل ذلك العقد مع بقاء الحياة.
واختلف في أمِّ الولد، فقال ابن القاسم: لا يجبر السيد على أن يفتديها، كلما جنت (1) وقاسها على الحر، وقال غيره: يجبر السيد؛ لأنها على حكم العبيد وأن لا يجبر أحسن؛ لأنه إذا كان لا يجبر الحر على أن يفتدي نفسه كان أبين أنه لا يجبر أن (2) يفتدي عبده ولا أمته (3)، ولأن فيها رقًّا وحرية فإن غلب الرق لم يجبر كما لا يجبر على أن يفتدي (4) عبده ولا مدبره (5) وإن غلبت (6) الحرية لم يجبر على أن يفتدي (7) حرًّا وإن كان القاتل مكاتبًا.
فصل [في اختلاف قدر الدية بين القاتل والمقتول وأي ذلك يؤخذ به القاتل]
وإذا كان للولي 8 القاتل أن يجبر على الدية فإن كانت دية المقتول أكثر من دية القاتل مثل أن تقتل امرأة رجلًا كان عليها 9 دية الرجل.
ويختلف إذا قتل رجل امرأة هل عليه دية المرأة أو دية نفسه؛ لأن الأولياء1234567
ملكوا أخذ نفسه فلهم أن يأخذوا دية ما 1 تركوا له قياسًا على الأعور يفقأ عين الصحيح، فقال مالك: للمفقوء عينه دية عين نفسه خمسمائة دينار، وقال أيضًا 2: له دية عين الأعور ألف دينار؛ لأنه ملك أخذها 3. ويختلف على هذا إذا قتل جماعة رجلًا عمدا 4 هل يكون للولي دية قتيله 5 أو دية كل قاتل 6؛ لأنه ملك قتلهم فله أن يأخذ من كل واحد منهم 7 دية نفسه 8.
باب الحكم في القتيل بين الصفين
القتيل بين الصفين في 1 دمه على أربعة أوجه: هدر، وقصاص، ودية، ومختلف فيه هل يكون قصاصًا 2 أو دية؟ وذلك راجع إلى الوجه الذي كان عليه القتل، فإن كانت الطائفتان متأولتين كان دمه هدرًا لا قود ولا دية فيه، وإن كانتا غير متأولتين كل واحدة منهما باغية كان قصاصًا إذا عرف القاتل، وإن كانت إحداهما متأولة والأخرى باغية كان دم الباغية هدرًا، ودم المتأولة قصاصًا، وإذا كان ذلك في مثل ما يكون بين القبائل وكانت إحداهما زاحفة والأخرى دافعة عن نفسها 3 كان دم الزاحفة هدرًا ودم الأخرى 4 قصاصًا.
وإن كان القاتل والمقتول من فئة واحدة غلطا كانت فيه الدية؛ لأنه خطأ.
وإن كانتا 5 باغيتين ولم يثبت القتل ببينة ولم يكن إلا شاهد 6 واحد 7 على القتل أو قول القتيل قتلني فلان أو وجدوه 8 قتيلًا هل يكون ذلك لوثًا يوجب لأولياء القتيل القسامة والقصاص، أو تكون فيه الدية على الطائفة التي نازعته من غير قسامة؟
فقال في الكتاب: لا قسامة في من قُتل بين الصفين 1، قال مالك في كتاب محمد: إنما فيه الدية على الفئة التي قاتلته في أموالهم، وكذلك الجراح، عقل الجرح على الفئة التي نازعتهم، فإن كان القتيل والجريح 2 من غير الفريقين 3 كان عقله على الفريقين جميعًا.
وقال ابن القاسم: إذا قال القتيل دمي عند فلان لم يقتل به ولم يقسم معه، ولو شهد شاهد واحد لم يجز 4، وأجاز القسامة في موضع آخر في هذين الموضعين جميعًا.
وقال أبو القاسم بن الجلاب و 5 عن مالك رواية أخرى 6 أن وجوده مقتولًا بينهما لوث يوجب القسامة لأوليائه فيقسمون على من ادعى 7 قتله 8 ويقتلونه به 9.
قال الشيخ: ولا وجه لمنع القسامة مع الشاهد العدل إذا كان الشاهد من غير الفريقين وليس ذلك بمنزلة إذا قال: قتلني فلان من غير شاهد؛ لأنها دعوى منه على عدوه وقد يرمى بذلك غير قاتله؛ لأن الكل أعداء 10 له.
وقد اختلف في هذا الأصل إذا ادعى القتل على عدوه فمنع مرة للتهمة التي بينهما وأجيز مرة 1؛ لأن تهمة القتل 2 من العدو أقوى منها على غيره، ولو قال: قتلني فلان لرجل من الطائفة التي هو منها يريد غلطًا لأقسم مع قوله قولًا واحدًا وكانت الدية على العاقلة؛ لأنه خطأ ومَنع القسامة بدعوى أولياء القتيل في القول الأول ولم يجعل وجوده لوثًا؛ لأنها دعوى على عدوه وقد منع القسامة بقول المقتول فهي بدعوى الأولياء أبعد وأجاز ذلك في القول الثاني لحديث عبد الله بن سهل حين 3 وجد قتيلًا بخيبر فاتَّهَمَ به أولياؤه اليهود من أهل خيبر، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحِبكم أو قاتِلكم.
فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد، وقال أيضًا: يحلف خمسون منكم على رجل 4 منهم ويدفع إليكم برمته أخرجه مسلم 5 وأباح 6 القسامة بدعوى الأولياء المعرفة لما 7 كان القتيل 8 بين ظهراني عدوهم وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إن عبد الله بن سهل 9 خرج إلى ماله
بخيبر، فعدي عليه من الليل ففُدعت 1 يداه ورجلاه وليس لنا عدو غيرهم هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم أخرجه البخاري 2 فكأن وجوده قتيلًا بين من ناصب القتال و 3 برز لقتله وإن كانوا غُيَّبًا 4 أبين.
واختلف في الجراح على نحو ما اختلف في القتل، فقيل إنما فيه الدية دية 5 الجرح على الفرقة التي نازعته.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا انكشفوا وبأحدهم جرح فادعى على 6 بعضهم أنه جرحه، أنه يحلف ويقتص 7. وهو عنده خلاف من ادعى ذلك ولم يعلم اجتماع لقتال 8. وقاله ابن الماجشون ورأيا 9 أن وجود الجرح ومعرفة الاجتماع لوث، فأما مقام الشاهد قال محمد قال مالك فيمن كان بينه وبين عدوه 10 قتال فأتي به 11 وبه أثر ضرب أو به جرح 12، فقال فلان
وفلان هما اللذان فعلا ذلك بي ثم مات قال أرى أن يسجنا حتى ينظر في أمرهما وأحب ما فيه إليّ أن لو اصطلحا 1 فترجّح عنده الأمر على هذا القول وأمرهما بالرجوع إلى الصلح وكذلك الجرح 2 على هذا القول.
باب في (1) صفة القصاص في القتل
القصاص في القتل يجب بمثل القتلة الأولى لحديث أنس أن يهوديًّا رض رأس جارية بين حجرين فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض رأسه بين حجرين 2.
وإن أراد الولي القتل بما يخالف مما هو 3 أخف لم يمنع وإن كان أشد منع فإن قتل الأول بسيف قتل بالسيف ومنع أن يقتل بالرمح؛ لأنه أشد فإن كان القتل بالرمح لم يمنع أن يضرب عنقه بالسيف؛ لأنه يُجهز ما لا يجهز الرمح وهو أخف ولو ذبح الأول لم يمنع من القصاص بالسيف وإن أحرقه بالنار لم 4 يمنع من القصاص بالسيف أو بالرمح وإن كان الأول 5 بالطعن بالرمح منع أن يقتله بالنار 6 وإن قتل بالعصا قتل بالعصا.
واختلف إذا ضرب مثل العدد الأول فلم يمت فقال ابن القاسم: 7 يضرب بالعصا أبدًا 8 حتى يموت.1
وقال مالك عند محمد: إن كانت 1 العصا تُجهز 2 في ضربة واحدة ولا يكون بشيء ليّن 3 مختلف، فله أن يقتله بالعصا و 4 إن شاء بالسيف 5 وأما ضربات فلا وليقتله بالسيف 6.
وقال 7 أشهب: إن رأى أنه إن زيد مثل الضربة والضربتين مات زيد 8.
وهو أحسن، ولو مات الأول عن خمس ضربات فيضرب مثل ذلك العدد، فإن لم يمت ورأى أنه إن زيد مثل الضربة والضربتن مات فعل، وإلا أجهز عليه بالسيف، وإن قتله خنقًا قتل خنقًا، وإن سقاه سمًّا اقتص منه، قيل لابن القاسم: كيف يقتل؟ قال: على قدر ما يراه الإمام، والأصل أن يقتل بمثل ذلك فيسقى 9 سمًّا.
وقال عبد الملك عند محمد: إذا قتل الأول بالنبل أو بالرمي بالحجارة لم يقتل هذا 10 بمثل ذلك؛ لأنه لا يأتي على ترتيب القتل وحقيقته فهو من التعذيب ولا بالنار؛ لأنه من التعذيب ولو طرح الأول من جدار أو جبل أو
على سيف أو 1 رمح أو غيره صرف القود إلى السيف؛ لأن ذلك قد يخطئ قتله فيصير تعذيبًا 2. وأصل قول مالك أن 3 يستقاد بمثل الفعل 4 الأول 5، وهو الذي يقتضيه الحديث، وإن أمكن أن يخطئ، فإن الظالم أحق أن 6 يحمل عليه، وإن كتّفه وطرحه في نهر فُعل به مثل ذلك وإن طرحه و 7 لم يكتّفه، وكان لا يحسن العوم وطرحه عالما بذلك، اقتص منه بمثل ذلك 8، وإن قطع يديه ثم 9 رجليه ثم قتله -ولم 10 يكن أراد قتله- قُتل على قول مالك ولم تقطع أطرافه، وإن كان يريد 11 قتله ففعل ذلك به 12 ثم قتله بالفور قتل عند ابن القاسم ولم يقطع 13.
وقال أشهب: يقطع ثم يقتل.
وقال 14 مالك إذا كان الأول أراد
المثلة 1، وهو أحسن أن يعاقب بمثل ما عاقبه 2 لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [سورة النحل آية: 126]، وأرى أنه لو فُعل ذلك به بعد القتل فقطع أطرافه لمثَّل بالآخر بعد القصاص، وقد مُثّل بقتلى أحد فقال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: لئن أظفرنا الله بهم لنفعلن ولنفعلن فنزلت: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فأمر الله تعالى أن يقتص 3 على مثل الأول، ولو قطع أصابعه ثم يده فإن كان القطع الثاني بنية حدثت كان القطع الآخر 4 جاريًا، وإن كانت بنية 5 قطع الجميع وفعل ذلك على وجه العذاب كان على الخلاف، فعلى قول ابن القاسم تقطع يده، وعلى قول أشهب تقطع أصابعه ثم يده.
باب في القصاص
القصاص بين المسلمين الأحرار العقلاء البالغين في القتل والجراح، ويقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، لا شيء لأوليائه على أولياء المرأة من فضل ديته على ديتها، ويقتص للصغير من البالغ 1، وللمجنون من العاقل، ولا يقتص منهما؛ لأن عمدهما خطأ 2.
واختلف إذا قتل وهو عاقل ثم جن ولم يفق.
فقال محمد: إذا يئس منه كانت الدية في ماله.
وقال المغيرة: يقتص منه، قال: ولو ارتد ثم جن لم أقتله حتى يصح؛ لأني أدرأ حدًّا لشبهة، ولا أفعل ذلك في حقوق الناس وهو أبين وأكثر ما فيه أنه يأخذ حقه ناقصًا 3. ولا يقتص من الحر للعبد، ولا من المسلم للنصراني في جرح ولا قتل، ولا يقتص 4 منهما في القتل إذا قتل العبد أو النصراني مسلمًا.
واختلف في الجراح، فقال مالك: لا يقتص له منهما من الجراح.
وفرق بينها 5 وبين القتل 6.
قال ابن القصار: وروي عنه القصاص (1) قال: وهو القياس (2). وفرق مالك في العتبية بين العبد والنصراني فمنع القصاص من العبد، وأجازه من النصراني قال: لأن العبد يسلم في الجنايات، والنصراني لا يسلم عبدًا (3)، وفي ذلك تسليط للنصراني على المسلمين، يفقأ عين المسلم ثم يعطيه دراهم، ويعينه أهل جزيته يحرضونه (4). وقال ابن نافع: المسلم بالخيار إن شاء أقاد (5)، وإن شاء أخذ (6) العقل (7). وهو أحسن، وكذلك العبد يجني جناية (8) على الحر فإن الحر بالخيار (9) قال: المجني عليه (10) بالخيار بين القصاص أو الدية، وتكون جنايته في رقبته، ولا فرق بين الحر والعبد.
فصل [في القصاص من العبد والنصراني]
القصاص بين العبيد كالقصاص بين الأحرار في النفس والجراح، والذكران والإناث في ذلك سواء، إلا أن 11 السيد في ذلك المبدى، فإن أحب12345678910
اقتص من ذلك الجرح وإلا أخذ العقل.
1 لأن جرح العبيد يتعلق به حق للسيد 2؛ لأنه مال أُفسد 3 له وحق للعبد، فإن أسقط حقه في المال كان الحكم القصاص، فإن قام بحقه في المال سقط حق العبد في القصاص، ويخيّر سيد العبد 4 الجاني بين أن يفدي عبده أو يسلمه، والمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق إلى أجل في القصاص مع من ليس فيه حرية سواء، لا حرمة له 5 بما عقد له من ذلك؛ لأنه الآن 6 رقيق والعتق معلق 7 بوقت لم يأت بعد، وأما المعتق بعضه فاستحسن ألا يقتص منه، للحديث أنه يرث بقدر ما أعتق منه، ويعقل 8 عنه بقدر ذلك، ولا يقتص من العبد المسلم للحر النصراني.
واختلف في القصاص له من النصراني، فقال أشهب وعبد الملك في العتبية: يقتل به، وغلبا حرمة الإسلام -وإن كان عبدًا- على حرمة النصراني وإن كان حرًّا.
وقال سحنون: لا يقتل به.
9 وقال ابن القاسم عند 10 محمد: يقتل به وقال: يضرب ولا يقتل به 11.
واختلف بعد القول أنه يقتل به هل الخيار للسيد أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا خيار له وليس له أن يعفو على (1) الدية وهو بمنزلة من يقتل الحر، فليس له (2) إلا القتل أو العفو على غير شيء.
(3)
وقال أصبغ ومحمد: له أن يأخذ الدية إن شاء؛ لأنه ماله أتلفه (4).
فصل [فيمن يقتص منه]
والأصل في القصاص في الجملة قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [سورة البقرة آية: 179]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [سورة الإسراء آية: 33]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة آية: 45]، ولا خلاف أن العمل في شرعنا على ما تضمنته، وقد تضمنت 5 هذه الآيات الثلاث وجوب القصاص من غير اعتبار كون الحرم متساوية أو مختلفة، وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [سورة البقرة آية: 178] فاقتضت هذه الآية القصاص مع تساوي الحرم، وإن كان قد اختلف في سبب 6 نزول هذه الآية.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال 7 "يقتل الرجل بالمرأة" ولا خلاف أنه لا1234
يراعى اختلاف الحرم فيه هذا (1) أعني الذكر والأنثى، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" أخرجه الصحيحان البخاري ومسلم (2)، والقول أن يقتص (3) من النصرانى للعبد أبين، وحرمة الإسلام أعلى من حرمة الكافر -وإن كان حرًّا- لقول الله تعالى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [سورة البقرة آية: 221]، وأما (4) تخيير السيد فهو الأصل؛ لأنه إتلاف لمال، وألا يخير أحسن؛ لأن في القصاص ردعًا لهم، وذبًّا عن المسلمين وحماية، وهذا الأصل في تغليب أحد الضررين، ويقتص من النصراني للنصرانى (5) ومن اليهودي لليهودي (6) في القتل والجراح إذا دعا إلى ذلك أولياء المقتول؛ لأنه من التظالم.
فصل [فيمن قتل زنديقا أو مرتدا أو نصرانيا أو قطع يد سارق خطأ]
وقال محمد فيمن قتل زنديقًا: لا شيء عليه من قصاص ولا دية ولا قصاص أيضًا على قاتل المرتد 7. واختلف في ديته فقال ابن القاسم عند محمد: على قاتله دية الدين الذي123456
ارتد إليه، إن ارتد إلى النصرانية فدية نصراني، وإن ارتد إلى المجوسية فدية مجوسي 1.
وقال في كتاب محمد بن سحنون عقله عقل 2 المجوسي في العمد والخطأ في القتل والجراح رجع إلى الإسلام أو قتل على ردته، وذكر عن أشهب وأصبغ مثله 3.
قال سحنون في العتبية: لا دية له في عمد ولا خطأ، وقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة يقول: يقتل ولا يستتاب 4. وهذا أحسن؛ لأنه كافر، ولا ذمة 5 له، وجب قتله وإراقة دمه؛ لحق الله تعالى، وفارق الذمي؛ لأنه عصم دمه بالذمة التي عقدت له، فأشبه من قتل من وجب قتله لأنه زنى وهو محصن، ولا يعترض هذا بأنه قد يراجع الإسلام؛ لأنا في شك من رجوعه؛ ولأنه قتل وجب 6 قبل ذلك.
وكذلك إذا قطع له عضو يختلف فيه هل تكون في ذلك العضو دية أم لا؟ فمن جعل في قتله الدية جعل في أعضائه ديتها، ومن لم ير فيه دية لم يجعل في أعضائه شيئًا.
وقال ابن القاسم: إذا جرح المرتد في حال ارتداده عمدًا أو خطأ فإن عقل جراحه للمسلمين إن قتل على ردته أو له إن رجع إلى الإسلام وعمد جرحه
كالخطأ 1. وعلى قول سحنون: لا شيء على قاطعه وإن جرحه نصراني أو عبد فلا قود فيه؛ لأنه ليس له 2 دين يقر عليه، قال محمد: وإن قتل هو مسلمًا 3 خطأ كانت الدية عنه من بيت مال المسلمين؛ لأنهم الذين يرثونه 4.
قال ابن القاسم: ولو جرح نصرانيًّا أو قتله اقتص منه بالجرح والقتل، وإن قتل مسلمًا قتل به، وإن جرحه لم يقتص منه، 5 وإن رجع إلى الإسلام كان حاله حال المسلم فيما صنع إن جرح مسلمًا أو قتله أقيد منه للجرح 6 وقتل، وإن جرح نصرانيًّا أو قتله لم يقتص منه، ولا قصاص لمسلم على من قتله عمدًا إذا كاد قد وجب قتله لحق الله تعالى كالزاني المحصن والمحارب يقتل ولا دية لهم إن قتلوا خطأ.
وفي كتاب محمد: فيمن قطع يمين السارق خطأ قولان فقال: لا دية لها.
وقال 7 في موضع آخر: له ديتها.
فعلى هذا تجب الدية في هذين إذا قتلا خطأ، وإن قطع لهما عضو يد أو رجل أو فقئت عين كان لهما القصاص في العمد والدية في الخطأ؛ لأن الحد الواجب في النفس ليس في إزالة العضو.
باب فيمن قتل عمدًا ثم قتله رجل (1) أو قطع بعض أعضائه خطأ أو عمدًا أو قطع هو بعض أعضاء غيره خطأ أو (2) عمدًا (3) ومن قطع عضوًا من إنسان عمدًا ثم قتله رجل (4) خطأ أو عمدًا
5 وإذا قتل رجل رجلًا عمدًا، ثم قتل القاتل خطأ أو عمدًا كان الأمر فيه إلى أولياء الأول، يأخذون الدية في الخطأ، ويقتلون قاتله إذا كان قتله عمدًا 6. وقال مالك عند محمد: إذا قتل خطأ لا شيء لأولياء الأول والدية لأوليائه 7. والقول الأول أبين؛ لأن أولياء الأول استحقوا نفسه فكانوا أحق بما يكون 8 عنها من دية أو قصاص، ولم يختلف أن لأولياء 9 الأول أن يقتلوه دون أولياء الثاني، وأن لهم أن يعفوا عن دمه على مال يكون لهم، قال مالك: إلا أن يُرْضِيَ أولياء الثاني أولياء الأول فيكون لهم أن يقتصوا 10.1234
واختلف في ذلك الرضا 1، فقال ابن القاسم: إذا بذلوا الدية لم يلزمهم قبولها، فإن أبوا سلم القاتل إليهم 2. وقال ابن الماجشون في المبسوط: لولي الثاني أن يدفع الدية إلى أولياء الأول ويقتص هو لنفسه.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن أولياء الأول استحقوا دمه، وأخذ العوض عن ذلك مبايعة موقوفة على ما تراضوا عليه، وإن قطعت يد القاتل خطأ أو عمدًا كان عقلها للقاتل إذا قطعت خطأ، ويقتص في العمد 3، وإن قطع هو يد آخر خطأ 4 تحمل عاقلته ديتها، وإن قطعها 5 عمدًا لم يقتص منه.
وقال مالك: والقتل يأتي على ذلك كله، والقياس أن يقتص صاحب اليد من يده، وتبقى النفس لأولياء المقتول 6.
واختلف إذا قطع يد رجل عمدًا، ئم قتل القاطع خطأ أو عمدًا فصالح أولياؤه في العمد على مال فقيل: لا شيء لمن قطعت يده؛ لأن الدية إنما أخذت عن النفس.
وقال محمد: إن أخذوا الدية في الخطأ أو العمد فللمقطوعة يده حقه من ذلك.
والقول الأول أبين؛ لأن الدية عن النفس كما قال ولم تؤخذ عن اليد، قال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن قطع يد رجل من المنكب فعدى رجل على القاطع فقطع كفه: أنه يقال لمن قطع من المنكب إن شئت اقتصصت من قاطع.
قاطعك ولم تقتص منه إلا من المنكب فقط ولا شيء على قاطعك، وإن شئت فاقطع قاطعك من منكبه فقط لا يكون لك غيره وتخلي 1 بينه وبين من قطع كفه فيقتص 2 لنفسه 3.
قال محمد: بل يكون المقطوع الأول من المنكب أحق بقطع كف القاطع الآخر، ثم يقطع ما بقي من حقه من منكب قاطعه.
قال الشيخ -رحمه الله-: 4 وقول محمد في هذا أحسن؛ لأن الأول استحق جميع ذلك العضو.