النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب الحمالة (1)
باب في الحمالة ولزومها وصفاتها، وبماذا تسقط؟
الحمالة لازمة لما يتعلق بها من حقِّ المتحمل له والمتحمل به، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" 2، وقوله لقبيصة: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِثَلاثٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا" الحديث أخرجه مسلم 3، تضمن هذا الحديث جواز الحمالة ولزومها وأنها كالديون ويدخل بها في جملة الغارمين ويجوز له أخذ الزكاة لقضائها، والحميل والضمين والكفيل والزعيم والقبيل واحد.
والحمالة على أربعة أوجه: بالوجه وبالمال وبالطلب وحوالة بمنفعة، وأيُّ ذلك كان فإن الحمالة لازمة.1
والحمالة (1) بالوجه: أن يقول: أتحمل به أو بوجهه أو بعينه أو أضمن إحضاره والإتيان به، فهذا يبرأ بإحضاره موسرًا كان أو معسرًا.
والحمالة بالمال يقول: أنا حميل بما عليه أو بما ثبت عليه ببينة أو بإقراره أو بما يعامله به، وإذا كان ذلك لم يبرأ بإحضاره إلا أن يكون موسرًا.
والحمالة بالطلب: أن يقول: أنا حميل بطلبه، أو عليَّ أن أطلبه، فليس عليه سوى ذلك، فإن أعجزه (2) أو غاب عنه إلى موضع بعيد وليس من شأنه السفر إلى مثله- لم يكن عليه شيء.
وإن قال: أنا حميل لك، ولم يذكر وجهًا ولا مالًا جاز، فإن قال بعد ذلك: إنما أردت الكفالة له بالوجه كان القول قوله.
فصل [فيما يجوز الكفالة فيه]
المطلوب من المتحمل به ثلاثة: مال، وما ليس بمال: وهو حق لآدمي: عرض أو جرح أو قطع عضو أو قتل، أو حق لله تعالى: حد من حدود الله تعالى: سرقة أو زنا أو شرب خمر أو حرابة.
فإن كانت المطالبة بمال جازت الكفالة على الوجوه الثلاثة التقدم ذكرها، وإن كانت المطالبة بعرض أو جرح أو قطع أو قتل لم تجز الكفالة له بما يجب على المطلوب، ولا أن يتكفل بوجهه 3 على أنه متى عجز عن إحضاره أخذ ذلك منه، وجازت الكفالة بطلبه خاصة؛ لأن ذلك من حق الطالب فلو رضي12
بإسقاط حقه جملة لجاز، فإذا رضي أن يترك المطلوب على هذا الوجه جاز.
وقال إسماعيل القاضي: إن شرط أنه كفيل طلب خاصة جاز، وإن كان مطلوبًا بحق الله سبحانه، لم يجز أن يترك بحميل، والحكم أن يستحق حتى يقام عليه ما يثبت من ذلك، وإن كانت امرأة حامل من زنى سجنت حتى تضع، فترجم إن كانت ثيبًا أو تجلد إن كانت بكرًا بعد أن تتعالى من نفاسها، وإن كان ذلك بإقرار منها كان الأمر أوسع؛ لأن لها أن ترجع.
وقد اختلفت الأحاديث في الغامدية، وقد كانت اعترفت بالزنا، ففي بعضها أنه أمرها بالانصراف حتى تضع، وفي بعضها أنه كفلها 1.
واختلف هل بعد الهروب رجوع؟ وهل يقبل الرجوع من غير عذر؟ فمن أجاز ذلك أجاز أن يترك بغير حميل.
وإن تحمل رجل بطلب مَن ثَبَتَ عليه حدٌّ بعد هروبه، فإن كان ثبات ذلك ببينة ألزم الوفاء بالحمالة، وإن كان بإقرار على الخلاف هل يلزمه طلبه أم لا؟
فصل [في سقوط الحمالة بالوجه]
الحمالة بالوجه تسقط عن الحميل بإحضاره، وإن كان معدمًا، وكذلك إذا كان حاضرًا بالبلد مسجونًا كان سجنه ذلك في حق أو تعديًا عليه، ولأن ذلك كموته إذا تعدى عليه بالسجن.
ولو امتنع هو برجل لكان كتغيبه، وإن أسلمه الحميل للطالب في مفاز، أو في بلد لا سلطان فيه، أو يقدر على الامتناع بسلطانه أو غيره لم تسقط الحمالة، وإن كان به سلطان وتناله الأحكام برئ الحميل.
قال محمد: يبرأ وإن كان لا بينة للطالب فيه، وقال محمد بن عبد الحكم: لا يبرأ إلا في موضع لا يقدر على الامتناع فيه إلا كما يمتنع في الموضع الذي ضمنه فيه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كان المطلوب مقرًا في حين أخذ منه الحميل جاز أن يقال أن الحميل يبرأ الآن مقرًا كان أو منكرًا، كان للطالب في ذلك الموضع الآخر بينة أم لا؛ لأن القصد في وقت أخذ الحميل منه خوف تغيبه، ولم يكن خوف جحوده، والجحود أمر حدث بعد ذلك، وإن كان جاحدًا وأخذ الحميل حتى تقام البينة عليه أو حتى يزكى من شهد عليه لم يبرأ الحميل بدفعه في غير بلده؛ لأنه لا ينتفع بتسليمه ذلك، ولو كانت البينة قد زكيت، وكان التأخير ليجرحها المطلوب، واعترف المطلوب الآن أن الأمر كان على ذلك لبرئ الحميل؛ لأنه مأخوذ بالحق الآن.
فصل [في حكم الكفالة إذا ثبت فقر الحميل]
وإذا كانت الحمالة بالوجه ثم عجز الحميل عن إحضار المتحمل به غرم المال إلا أن يثبت فقره بأمر بَيِّن، وما يكون عنه لو كان حاضرًا أنه لم يثبت 1 شيئًا على الاستحسان فتسقط الكفالة، وهذا هو الصواب من القول.
واختلف في الموضعين جميعًا: هل يغرم المال إذا لم يحضره؟ وهل تسقط الكفالة إذا ثبت فقره؟ فقال مالك، وابن القاسم: إذا لم يحضره غرم المال 2. وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه 3، ورأى أن الحمالة بعين فغلب عليها ولم تكن له قدرة على إحضارها فلم يكن عليه غرم، وكان قول الحميل لا بد أن أحضره في معنى المستحيل لما كان غير قادر على إحضار تلك العين، والقول الأول أحسن؛ لأن البائع وثق به، وقد كان على الحميل أن يتحفظ منه حتى يوفي به، وتغيب الغريم تلف لحق الطالب، فكان على الحميل أن يغرم ما كان يستفاد بإحضاره.
وقال أبو الجهم عن مالك: لا يبرأ إلا بوصول الحق إلى صاحبه، قال: لأنه تحمل به في وقت يساره فيأتي به في وقت إعساره، فقد أتلف عليه المال، والأول أبين إذا كان معسرًا عند حلول الأجل، فإن حل الأجل وهو موسر ثم أتى به بعد أن أعسر لزمه المال، إلا أن يريد أن الحمالة كانت بمال حالٍّ ولم يتحمل ليؤخر.
واختلف إذا حكم عليه بالمال لما لم يحضره ولم يثبت فقره ثم لم يغرم المال
حتى قدم الغريم، فقال عبد الملك بن الماجشون: قد مضى الحكم.
وقال سحنون: لا غرم عليه، والمسألة على ثلاثة أوجه: فإن قدم معسرًا وكان عند حلول الأجل موسرًا كان الحكم ماضيًا.
وإن كان معسرًا (1) عند حلول الأجل، والحكم فإن غرم الحميل المال استرجعه؛ لأن غيبة الغريم لم تضر الطالب شيئًا، وإن كان حاضرًا لم يأخذ منه شيئًا.
وإن كان موسرًا يوم حلَّ الأجل ويوم قدم كان الحكم قد وقع موقعه، وكان الآن بمنزلة حميل المال، فاختلف هل يبتدأ بالحميل أم لا؟
فصل [في ما إذا حلَّ الأجل وطلب الحميل التأخير إلى أن يحضر الغريم]
واختلف إذا حل الأجل وسأل الحميل أن يؤخره رجاء أن يحضر الغريم، فقال مالك وابن القاسم: ذلك له 2، وقال ابن وهب: يغرم المال، ولم يجعل فيه تلومًا.
والأول أبين يتلوم له إذا لم يدر هل هو بالبلد أو غائبًا عنه، وإذا علمت غيبته ولم يعلم حيث هو، أو علم الموضع وكان قريبًا- تلوم له 3، وإن كان بعيدًا لم يتلوم له، والتلوم إذا لم تعلم غيبته أو علمت ولم يعلم موضعه اليوم واليومين.
واختلف إذا علم موضعه، فقال في المدونة: إذا كان سفرًا قريبًا اليوم وما أشبهه تلوم له 4. وقال في العتبية: إذا كانت الغيبة اليومين والثلاثة وما لا يضر1
بالمتحمل له أُخِّر على قدر ما يرى الإمام 1. وظاهر هذا يقتضي أن يؤخر سبعة أيام سيرًا ورجوعًا وطلبًا وهذا كثير.
وقولُهُ: "ما لا 2 يضر" حسنٌ فليس الطالب المقيم كالمسافر.
وإذا أمكن من الخروج لطلبه، وقال الطالب: أخاف ألا يرجع إذا سافر، كان له أن يأخذ عليه حميلًا، فإن لم يرجع أغرم الحميل الثاني إلا أن يرى أن مثله لا يخشى منه ذلك.
واختلف إذا قال الكفيل في حين 3 الحمالة: أنا كفيل به إلى غد أو إلى أجل فإن لم أوف به فأنا ضمين بالمال، فقال في المدونة: إن أتى به بعد ذلك قبل أن يحكم السلطان برئ 4، فعلى هذا يتلوم له إذا طلب ذلك الحميل.
وقال في كتاب محمد: إذا لم يأت به في اليوم بعينه 5 غرم ولم يجعل له زيادة 6. وهو أبين؛ لأن الحمالة تطوع حمالة بالوجه في اليوم الأول وحمالة بالمال في اليوم الثاني، فوجب أن يلزم ذلك حسب ما ألزم نفسه، وهو خلاف بيع الخيار، إذا شرط التزام البيع بغروب شمس آخر أيام الخيار؛ لأنها مبايعة فرأى أن 7 ذلك غرر.
فصل [في حكم الكفالة إذا المطلوب منكرًا]
وإذا كان المطلوب منكرًا فتحمل به على أنه إن لم يأتِ به ضمن المال لم يلزمه ما ألزم نفسه؛ لأن ذلك غرر وتخاطر منهما إلا أن يثبت حقه ببينة، ومثله إذا قال المطلوب: دعني فإن لم أُوَفِّكَ لوقت كذا فالحق قبلي، فلا شيء عليه إلا أن يثبت ذلك ببينة.
واختلف إذا دفع الغريم نفسه من الحمالة، فقال في المدونة: لا تسقط الحمالة إلا أن يسلمه الحميل، أو وكيله، أو يكونا شرطا ذلك أنه إذا دفع نفسه فهي براءة للحميل 1.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال المتحمل به: جئتك عن حمالة فلان سقطت الحمالة وليس له أن يقول: لا أقبله إلا من الحميل.
وهو أحسن، ولو قيل: إذا كان حاضرًا بعد محل الأجل، وهو يراه، ويتمكن منه فتركه أن الحمالة ساقطة لكان صوابًا؛ لأن الحمالة في الأصل إنما هي لما يتخوف من تغيبه عند الأجل فيقول له: إن غاب أحضرته، وهذا لم يغب، ولو قال: إن غاب فأنا أطلبه، كان أبين من حميل الوجه إذا قال: أنا آتي به.
باب في من تحمل بطلب رجل ولم يضمن وجهه
وإذا تحمل بطلبه كان عليه أن يطلبه ويبحث عنه في البلد وفيما قرب من خارجه إذا لم يعلم حيث توجه وجهل موضعه.
واختلف إذا عرف موضعه 1، فقال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليوم واليومين وحيث لا مضرة فيه، وقال عبد الملك بن الماجشون: يخرج لطلبه قَرُبَ موضعُهُ أو بَعُدَ ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج، أو يرسل، أو يؤدي عنه 2. فرأى أصبغ أن الطلب معلق بعين الحميل لا في الذمة فإن كان تدركه فيه مضرة سقط عنه، وروى عبد الملك أن ذلك في الذمة ولهذا قال: يرسل رسولًا.
وأرى إذا كان خروجه إلى المعتاد من سفره، أو يخشى تغيبه إليه أن يلزم بطلبه فيه 3 بنفسه، أو بوكيل، فإن خرج لطلبه ثم قدم، وقال: لم أجده، وقال الطالب: من يعلم أنك بلغت الموضع، كان القول قول الحميل إذا مضت مدة يذهب فيها ويرجع، وهو قول ابن القاسم في العتبية 4، وهذا مثل قوله في الأجير على تبليغ الكتاب، وخالفه غيره في الأجير، ويلزم على قوله أن يكلف الحميل إثبات وصوله.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان قادرًا على إحضاره فتركه حتى
غاب فقد غرّ.
وقال في المبسوط: هو ضامن، وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا لم يعرف موضعه لم يسجن فيه إلا أن يتهم أن يكون عارفًا بمكانه فيسجن على قدر ما يرى السلطان وما يرجو به الرد على صاحبه 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو قويت الدلائل في تهمته بمعرفة مكانه، وأن ذلك لدد عن طلبه وإظهاره فأغرم المال لكان وجهًا.
باب في الحميل بالمال
الحمالة بالمال على وجهين: مطلقة، ومقيدة، فالأولى: أن يقول: أنا حميل بما عليه، لا يزيد على ذلك، والثانية: أن يقيدها بشرط، فيقول: إن افتقر أو غاب أو مات أو لدَّ، فإن أطلق كان في تبرئة الحميل مع قدرة الطالب على أخذ حقه من الغريم قولان: الإجازة، والمنع.
واختلف عن مالك أيضًا -إذا اشترط- أن يبتدئ بأيهما أحب فأجاز مالك 1 ذلك ومنع منه، وقال: يعمد إلى 2 هذا فيبيع مسكنه وخادمه وصاحبه حاضر مقيم، ولم يرَ أن يوفي بالشرط 3، وبه أخذ أشهب، وابن كنانة، وابن الماجشون 4، وبالأول أخذ ابن القاسم.
وللناس اليوم عادة في الحميل أنه إنما يراد به التوثق، وليس يراد أن يكون غريمًا مع الأول، دانما يطلب عند عوائق تعوق عن أخذه المال من الغريم فقرًا ولددًا وغيبة فلا يبدأ اليوم الحميل مع عدم الشرط، فإن بدأ بحميل فقال: أنا حميل إن افتقر أو جحد أو غاب أو لد أو مات لم يكن قبل 5 حميل طلب إلا بوجود أحد تلك الشروط 6، فإن شرط إن أعسر لم يطلب الحميل إلا بعد ثبات فقر الغريم، فإن كان موسرًا فلَدَّ أو جحد أو غاب أو مات لم يكن عليه
شيء؛ لأنه علق القضاء بشرط الفقر، وهذا موسر إلا أن يثبت أنه افتقر في مغيبه.
وإن قال: أنا كفيل إن جحد، فافتقر أو لَدَّ ولم يجحد أو تغيب لم يكن عليه شيء (1)، ومثله إن قال: إن غاب، فجحد أو افتقر ولم يغب فلا شيء عليه، ولو كان الغريم حاضرًا بعد محل الأجل، وأقام الإقامة (2) البينة وهو قادر على أخذ حقه منه ففرط (3) حتى غاب لسقطت الحمالة؛ لأنه علق الحمالة إن غاب عند محل الأجل، وفي الوقت الذي يتوجه عليه الطلب فلم يغب، وليس بمنزلة من قال: أنا آتي به عند الأجل، وشرط أن يسلمه للطالب؛ لأن هذا لم يشترط (4) إحضاره، وإنما قال: إن غاب، فلم يغب.
وإن علق الكفالة بشرطين فقال: إن جحد أو افتقر، لم يلزم إن ألد أو غاب، وإن اشترى رجلان سلعة على أن أحدهما حميل بالآخر الموسر عن المعسر، والحاضر عن الغائب، والحي عن الميت لم يلزمه القضاء عنه إن ألد أو جحد وهو موسر؛ لأنه يقول: هو ذا حي (5) حاضر موسر.
فصل [في أوجه تبدية الحميل]
وشرط تبدية الحميل على ثلاثة أوجه: فإمَّا أن يكون في ذلك للطالب 6 منفعة أو لا منفعة له أو لا مضرة على12345
الحميل أو عليه في ذلك مضرة، فإن كانت له في ذلك منفعة 1 -لأن الغريم لا يقدر على الوفاء إلا من رباع وما يطول بيعه، والحميل موسر بالعين أو بما يقرب بيعه- كان له أن يبتدئ بالحميل، وإن كان لا منفعة له في ذلك الشرط ولا مضرة على الحميل؛ لأنه والغريم موسران بالعين، أو كان الغريم موسرًا بما يقرب بيعه، والحميل موسرًا بالعين كان فيها قولان هل يوفى له بشرطه؟ واستحسن أن يبتدئ بغريمه.
وإن كان لا منفعة له في ذلك، وعلى الحميل مضرة -لأن الغريم موسر بالعين، والحميل موسر بالعرض أو بالعقار- لم يمكن من بيع عرض الحميل مع قدرته على أن يأخذ العن الذي في يد غريمه، ومثله إذا كان في أيديهما عرضان هما في القرب في البيع سواء أو كان بيع عرض الغريم أبعد بالأمد اليسير، وإن 2 كان عند الغريم عرض وعند الحميل عقار أو عندهما عقار وهما في أمد البيع سواء، أو ما بيد الغريم أبعد بالأمد القريب لم يبدأ بالحميل، وعلى هذا محمل قول مالك: ألا يعمد فيبيع مسكن الحميل وخادمه وصاحبه حاضر مقيم فيضر بحميله من غير منفعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 3، وإن كان ذلك الشرط من الغريم أن يبدأ بالحميل، وكان متى غرم الحميل رجع على الغريم بالحضرة عاد الجواب إلى ما تقدم، وإن كان القصد أن
يسلفه ليرجع به في وقتٍ آخر كان من حق الغريم أن يوفي له بشرطه ويبدأ بالحميل.
وقد قال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا على أن يحيله بالكراء على رجل ليس له عليه دين قال: هذه حمالة ورأى 1 أن يبدأ بالغريم 2. ومحمل قوله على أن الحميل يرجع بالحضرة.
واختلف إذا أطلقت الحمالة ولم تقيد بشرط تبديته، فقال الطالب للحميل: اغرم لي؛ لأن الغريم معسر، وقال 3 الحميل: بل هو موسر، فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: ليس على الحميل شيء 4 حتى يبدأ المطلوب.
وقال مالك في كتاب محمد: يكشف مال الغريم قبل، وقال سحنون في العتبية: إن لم يعلم للغريم مال ظاهر غرم الحميل إلا أن يكشف لمن تحمل له مال الغريم 5. والأول أبين.
ومحمل الغريم على ما كان عليه وهو اليسر حتى يثبت الآخر فقره، قال محمد: إذا قضى الحميل في غيبة الغريم، ثم قدم الغريم فأثبت أنه كان قضى ذلك الدين قبل دفع الحميل رجع الحميل على من دفع إليه، وإن كان دفع الحميل أولًا رجع على الغريم، وإن جهل أيهما دفع أولًا رجع الحميل على من دفع إليه إلا أن يكون ذلك بقضاء من السلطان 6.
باب فيمن ادعى قِبَلَ رجلٍ مالًا فقال آخر: أنا كفيل به أو بما يقر لك به أو بما يثبت لك عليه
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال لي: على فلان ألف درهم، فقال آخر: أنا كفيل بها، ثم أنكر المدعى عليه: لا شيء على الكفيل إلا أن يقيم بينة على حقه؛ لأن الذي عليه الحق جحد 1. قال ابن المواز: سواء أقر أو أنكر 2 إلا أن يكون إقراره قبل الحمالة 3. قال الشيخ: أما إذا أنكر فالأمر بين ألا شيء على الحميل؛ لأنه لم يقصد بالحمالة إلا ليكون له مرجع على الغريم، فإذا جحد لم يكن له مرجع، وأمَّا إن أقرَّ فإن الحمالة تلزم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه رضي بالحمالة بمجرد قول الطالب: لي عند فلان كذا، والتزم الكفالة من الآن قبل قدوم فلان، فإذا أقر فلان لزمته، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب إذا جحد ونكل عن اليمين وحلف الطالب أن تثبت الكفالة؛ لأن له المرجع ولم يلزمه إذا جحد، ونكل ولو أقرَّ ثم جحد لزمته الكفالة 4، وإن قال: أنا كفيل بما يثبت لك 5 عليه، فإن أراد ما تثبته البينة لم تلزم الحمالة بإقراره، وإن أراد ما يثبت بذمته لزمته الكفالة بثبات ذلك بالبينة أو بإقراره ما لم يقر بأكثر مما يشبه أن يداينه به.
باب في الكفالة عن المولى عليه والصبي
الكفالة عن المولى عليه على ستة أوجه، فتلزم في ثلاثة، وتسقط في اثنين، ويختلف في السادس: فإن كانت الكفالة في أصل العقد، والحميل والمتحمل له عالمان بأنه مولى عليه أو كان الحميل وحده عالمًا كانت الحمالة لازمة، وإن كان المتحمل له عالمًا دون الحميل كانت الحمالة ساقطة؛ لأنه أتلف ماله وغر الحميل، وإن كانا يجهلان والكفالة بعد العقد كانت ساقطة أيضًا؛ لأن العامل 1 أتلف ماله أولًا، والحميل لم يضره 2 الآن بشيء وتحمل، وهو يرى أنه رشيد ممن يرجع عليه، وإن كانت الكفالة في أصل العقد وهما لا يعلمان أنه مولى عليه جرت على قولين، فقال عبد الملك في كتاب محمد: الكفالة لازمة 3، وعلى قول مالك -فيمن اشترى ثوبًا فأعطاه البائع غيره فقطعه ألا شيء على القاطع؛ لأنَّ المالك أخطأ على ماله وسلطه عليه 4 - لا يكون على الحميل ها هنا شيء؛ لأن البائع أخطأ على ماله وسلط 5 المولى عليه على هلاكه، فإن كان موسرًا قال الحميل: إنما كانت الحمالة خوف أن يفتقر أو يجحد وهذا موسر مقر، وإن كان معسرًا قال: 6 أنا تحملت وأنا أرى أن لي مرجعًا متى غرمت
ومعلوم أني لو علمت ألا مرجع لي لم أتحمل، وعلى هذا يجري الجواب في الحمالة بالصبي ينظر هل كانت في أصل العقد أو بعده؟ وهل يجهلان أن مبايعة الصبي ساقطة أم لا، أو كان أحدهما يعلم والآخر يجهل؟ وإن كانت تلك المداينة أو المطالبة مما يلزم السفيه أو الصبي؛ لأنها كانت بغير معاينة وصرفاها فيما لا بد لهما منه من نفقة أو كسوة أو إصلاح متاع أو عقار جريًا على حكم البائع الرشيد.
باب في الكفيل والمتكفل له يختلفان في القضاء عن الكفالة
ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: فيمن له على رجل ألف درهم من كفالة وألف من قرض، ثم قبض ألفًا وقال: هي من الكفالة، وقال الآخر: هي من القرض، قال: تقسم بينهما فيكون نصفها على الكفالة ونصفها على القرض 1، وقال أشهب وعبد الملك: القول قول القابض 2.
واختلفا في تعليل ذلك فقال عبد الملك: القول قول القابض؛ لأنه أمنه حين دفع إليه وقد كان قادرًا على أن يتوثق.
يريد: بالبينة.
وقال أشهب: لأنه 3 لا يؤخذ بغير ما أقرَّ به.
قال الشيخ: إنما يستقيم الجواب بعد معرفة حال المتحمل به يوم القضاء ويوم اختلفا، هل هو في اليومين معسر أو موسر، أو معسر في أحدهما وموسر في الآخر؟ وإن كان معسرًا في اليومين جميعًا لم يكن لاختلافهما فائدة؛ لأن الطالب يقول: عليك أن تدفع ألفًا أخرى 4 كانت الأولى عن الحمالة أو الدين، وكذلك إذا كان موسرًا في اليومين جميعًا: يوم الدفع واليوم على أحد قولي مالك أن له أن يأخذ أيهما أحب، وعلى قوله ألا يأخذه إلا بعد عسر الغريم لم
يكن 1 القول قول الدافع أنه دفع عن الدين؛ لأنه يقول: دفعت عن شيء وجب علي ولم أتطوع بما لم يجب، فإن كان موسرًا في اليوم الأول واليوم معسرًا لم يفد اختلافهما أيضًا؛ لأن عليه أن يغرم عنه إلا أن يقول الكفيل: كنت جمعت بينك وبينه وهو موسر، فيحلف المكفول 2 له ويبرأ، وإن كان معسرًا في اليوم الأول واليوم موسرًا صحَّ أن يكون لاختلافهما وجه؛ لأن الطالب يقول: كنت قبضت الكفالة بوجه جائز وأحب ولا أحب اليوم مطالبة الغريم، والكفيل يقول: أغرم 3 حتى أيسر صاحبك فخذ منه، وبه يبتدأ على الصحيح من القول فيجب أن يقسم بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، وإن حلَّ الدين أولًا كان القول قول الدافع 4 قولًا واحدًا، وإن حلت الكفالة أولًا كان القول قول المكفول له عند محمد، وهذا 5 إنما يصح على القول أن له أن يبتدئ بالحميل، وعلى القول أنه لا يبتدئ به فيكون القول قول الغريم؛ لأنه يقول: تطوعت بتعجيل ديني ولم أتطوع بما لم يجب عليَّ تعجيل دين 6 غيري.
ويختلف إذا حلَّ الدينان ولم يبين وقت الدفع، فعلى القول أنهما غريمان يقسم، وعلى القول الآخر يحمل على أنها من الدين.
باب في موت الحميل أو المتحمل به
الحمالة بالوجه تسقط بموت الغريم، واختلف في سقوطها بموت الحميل، فقال مالك وابن القاسم: لا تسقط 1، وقال عبد الملك في كتاب محمد: تسقط 2، ورأى أن طلبه معلق بعين الحميل، وعلى القول الأول ذلك في ذمته إن شاء طلبه بنفسه أو بوكيل يوكله عليه 3.
وكذلك الحمالة بالطلب تسقط بموت الغريم، واختلف في سقوطها بموت الحميل، وإن كان حميلًا بالمال لم تسقط بموت واحد منهما، وإذا كانت الحمالة بالوجه سقطت بموت الغريم إذا كان موته بالبلد قبل الأجل أو بعده.
واختلف إذا مات بغير البلد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا بقي من الأجل ما لو تكلف الحميل طلبه لخرج، ورجع قبل حلول الأجل، سقطت عنه الكفالة، وإن كان لو طولب يخرج فلم يأت إلا بعد الأجل فهو ضامن.
قال ابن القاسم: 4 وإن كنت قلت لكم غير هذا فاطرحوه وخذوا بهذا 5. وقال في كتاب عبد الملك 6 بن حبيب: إذا بقي ما لو أقبل الغريم أتى عند محل الأجل فلا شيء عليه، وحمله على الوفاء وعلى أنه يأتي بنفسه من غير رسول، وفي القول الأول على اللدد وأنه لا يقدم إلا أن يخرج إليه من يحضره به 7، وهذا أحسن
فيمن يعرف باللدد، وأما من كان يعرف بالوفاء فتراعى مسافة قدومه.
وقال أشهب في كتاب محمد: وتسقط الحمالة إذا مات قبل الأجل (1)، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قد تبين أن الغيبة لم تضره وأنه لو كان حاضرًا لأتى الأجل وهو ميت وسقطت الحمالة.
فصل [في موت حميل الوجه]
وإذا مات حميل الوجه بعد الأجل قيل لورثته: إن أحضرتم الغريم موسرًا أو معسرًا برئتم، وإن لم تحضروه أخذ من تركة ميتكم ما على الغريم إلا أن تثبتوا فقره.
وقال محمد 2: إن مات قبل الأجل فأحضر الغريم أحد ورثته برئ الميت، وإلا لزمه ما يلزم من ضمان المال، والصواب ألا يبرأ الميت بإحضار الغريم قبل الأجل؛ لأن الطالب لم يتسلط له عليه حينئذٍ حق ولا ينتفع بإحضاره، ومن حقه أن يحضر له 3 في الوقت الذي شرط، ويوقف من تركة الميت الآن بقدر الدين إلا أن يكون الورثة مأمونين فيوقف في ذمتهم، وأما إذا كانت الحمالة بالمال فمات الغريم قبل الأجل حل الدين وأخذ من تركته، وإن لم يوجد له شيء لم يغرم الحميل إلا بعد محل الأجل.
واختلف في حميل المال يموت قبل الأجل على ثلاثة أقسام، فقال مالك في المدونة: لصاحب الحق أن يأخذ ذلك من تركته الآن 4.
قال في المبسوط: ولو خلف رباعًا وقال ورثته: هذا دينك في رباع الميت، لم1
يكن ذلك لهم، وقال أيضًا: يوقف ذلك من ماله إلى الأجل فإن كان من ماله عند الغريم وفاء وإلا دفع ذلك إلى صاحب الحق.
وقال ابن نافع: إن كان ماله مأمونًا واسعًا لم يكن على الورثة شيء حتى يحل الأجل، وإن لم يكن مأمونًا وخيف عليه التلف قبل الأجل أخذ من ماله ودفع إلى صاحب الحق.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: يوقف من تركة الميت إلى محل الأجل 1، مثل أحد أقوال مالك، وهذا الاختلاف راجع إلى الاختلاف المتقدم هل يبدأ بالحميل مع يسر الغريم؟ فعلى قولهم: إن ذلك له، يصح أن يؤخذ الدين من تركته معجلًا وهو كغريم ثانٍ 2، وعلى قوله: ألا طلب عليه إلا عند عدم الغريم أو تعذر الأخذ منمع لا يتعجل ذلك من تركته؛ لأنه أيثبت عليه دين فيحل بموته وإنما عليه حمالة أمرها مترقب هل يلزمه غرم أم لا؟
فإن كان المتحمل به موسرًا كان المطلوب غيره وإن كان فقيرًا فحينئذٍ يتوجه عليه الطلب، فإن كانت التركة مأمونة والورثة مأمونين سلّم ذلك إليهم، وإلا لم يسلّم ثم يرجع القول إذا لم يسلّم إلى الورثة هل تعجيله أفضل؛ لأن وقفه يترقب فيه الضياع أو وقفه والوقف أحسن؛ لأن الورثة يقولون التلف نادر ولم يتوجه القبض.
وإن كان الدين عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن ويرجى صلاحه عند الأجل لم يتعجل، دن مات الغريم والطالبُ وارثُهُ وخَلَّف وفاءً سقطت الحمالة دالا غرم الحميل، وإن كانت حوالة بدين كانت للميت عليه 3 لم تسقط، مات الحميل موسرًا أو معسرًا.
باب فيمن تحمل لرجلين فقضى الحميل أحدهما أو تحمل رجلان لرجل فقضى أحد الكفيلين
وإذا تحمل رجل لرجلين بدين وهما شريكان فيه، فقضى الكفيل أحدهما في غيبة الآخر، ثم قدم الغائب كان له أن يأخذ من الحميل نصيبه من الدين.
واختلف هل له أن يأخذ من شريكه نصف ما قبض؟ وقد تقدم ذلك في كتاب 1 الصلح.
وإن رفع الحاضر من الشريكين أمره إلى السلطان فكان الغريم معسرًا والحميل موسرًا لجميع الدين قضى للحاضر بنصيبه وترك نصيب الغائب بذمة الحميل، وإن كان الحميل موسرًا بنصف دينهما أخذه السلطان فقضى لهذا بنصيبه ووقف نصيب الغائب على يد ثقة.
واختلف إذا لم يخرج نصيب الغائب ولم يوقفه، فأجاز ذلك ابن القاسم، وقال غيره: للغائب إذا قدم أن يدخل على شريكه.
وأرى إذا كان حال الحميل قبل سفر الغائب ويوم قدم 2 شريكه في الملاء سواء ولا يخشى تلف ما بقي في يده أن يبقى نصيب الغائب في ذمة الحميل حسب ما رضي به، وإن كان موسرًا ثم انتقل حاله وخيف ذهاب ما في يده وقفه، ثم يختلف إذا لم يفعل هل يمضي للحاضر نصيبه؛ لأنه لم يقضه 3 أكثر من حقه وإنما أخطأ على الغائب أو يكون جميع القضاء فاسدًا، وقد تقدم القول في مثل ذلك في كتاب المديان في قضاء
الورثة بعض الغرماء وأكلوا الباقي هل يفسد جميع القضاء أم لا؟ فإن قضى السلطان الحاضر جميع ما في يد الحميل كان القضاء فاسدًا قولًا واحدًا؛ لأنهما شريكان، وقد كان من حقه أن يقسمه بينهما فلم يفعل.
فصل [في تحمل رجلين لرجل]
وإن تحمل رجلان لرجل بدين فغاب الغريم وأخذ الحميلين فغرم الحاضر جميع الدين، ثم قدم الغريم والحميل موسرين 1 كان للحميل الحاضر أن يرجع على الغريم بنصف الحق؛ لأنه قضاه عنه وهو بالخيار في النصف الآخر بين أن يرجع على الحميل 2 به؛ لأنه غريم غريمه أو يرجع على الحميل؛ لأن الحميل قضاه نصفًا عن نفسه ونصفًا عن صاحبه.
باب فيمن قضى لرجل ما يدعيه والمدعي عليه ينكر أو قال: أنا كفيل بما يثبت لك على فلان أو قال: داين فلانًا وأنا كفيل بما تداينه به
قال مالك فيمن ادعى قبل رجل مالًا فأنكره فقال أخو المدعى عليه: ما تصنع بأخي؟ أحلف أن حقك لحق وأنا ضامن له ثم بدا له، قال: يحلف ويضمنه.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولا أرى لهذا الغارم على أخيه شيئًا؛ لأن بساط الأمر تبدية أخيه عن مخاصمته وألا يحلف له والقول أن له أن يحلفه، وهل يغرم إذا نكل؟ فليس بموضع لهذا، ومن قال لرجل: ما دأب لك قبل فلان فأنا كفيل به، لزمه ذلك في الحياة.
واختلف إذا مات القائل ثم أثبت المدعي حقه، فقال ابن القاسم: ذلك في ماله، وله أن يرجع 1 عليه، وقيل: الحمالة ساقطة؛ لأنها بعد العقد تجري على أحكام الهبات إذا مات الواهب قبل القبض؛ لأن الحميل سلف الغريم عند عسره وسلفه هبة منافع، وسواء كانت الحمالة بسؤال من الغريم أو من الطالب، فإن كانت في أصل العقد تسقط بموت الحميل، وإن كانت بعد العقد فأعسر الغريم بعد الحمالة كانت كالحمالة في أصل العقد.
فصل [فيمن قال: داينْ فلانًا وأنا كفيل بما تداينه به]
ومن قال: داينْ فلانًا وأنا كفيل بما تداينه به، ثم رجع عن ذلك قبل المداينة - لم يكن ذلك له إذا سمى القدر الذي يداينه به.
ويختلف إذا أطلق ذلك ولم يسمه، فقال ابنُ القاسم في المدونة: له أن يرجع 1. وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل إذا أكرى مشاهرة فقال مرة: لا يلزم ذلك؛ لأنه لا غاية له، وقال مرة: يلزمه كل 2 شهر.
واختلف فيمن أعار أرضًا ولم يضرب أجلًا، هل تلزم العارية إلى مدة يرى أنه يعير إلى مثلها أو تكون غيى لازمة؟ فعلى أحد القولين يلزمه من ذلك ما يرى أنه يقصده ويتداين لمثله هذان، فإن لم يرجع حتى داينه لزمه الضمان، فإن داينه أكثر من مداينة مثله 3 وكانت مدة بعد مدة لزمه أولها وسقط ما هو فوق ما يداين به، وإن عامله بأكثر تعلق وأخذ فوق ما يعامل به مثله- سقط عن الكفيل المطالبة بجميع ذلك، فإن ثبتت المطالبة بالمداينة 4 كان الجواب على ما تقدَّم.
واختلف إذا لم يعلم إلا بإقرار منه، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا ثبت ما داينه به لزم 5، وقال في الدمياطية: إن أقر عند شهود ولم يروا المتاع جاز إلا أن
يكون إقراره بعد أن أقيم عليه.
يريد: بعد أن قام عليه الكفيل وقال: لا تداينه، وهذا أحسن إذا 1 قعد بزازًا وما العادة المداينة فيه بغير بينة.
ويختلف أيضًا إذا قال له: لا تداينه، فقال: قد كنت داينته، وقد مضت مدة يداينه في مثلها؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من قوله، إلا أن يقوم دليل على كذبه.
باب في حمالة الجماعة
وإذا اشترى ستة نفر سلعة بستمائة درهم على أن بعضهم حميل عن بعض، فلقي البائع أحد الستة فأخذ منه جميع المال، ثم لقي الغارم أحد الخمسة أخذه بمائة وهي نصيبه من الدين وبقي أربعمائة على أربعة، فيقول: أنا وأنت حميلان بها فيأخذ منه نصفها، وإن لقي الثاني ثالثًا أخذه بخمسين وهي التي تنوبه عن نفسه وتبقى له مائة وخمسون عن ثلاثة نفر فيقول له: ساوني فيها فيأخذها بنصفها، فإن لقي الثالث رابعًا أخذه بخمسة وعشرين وهي التي تنوبه عن نفسه وتبقى له خمسون عن اثنين فيساويه فيها فيأخذ منه خمسة وعشرين، فإن لقي الرابع خامسًا أخذه باثني عشر ونصف وهي التي تنوبه عن نفسه وتبقى اثنا عشر ونصف عن السادس فيأخذ منه ستة وربعًا، فإن لقي الخامس السادس أخذه بستة وربع التي أدى عنه، فالسادس ها هنا يؤدي بالدين خاصة دون الحمالة، فإن لقي الأول هذا السادس أخذه بخمسين وهي التي تنوبه؛ لأن الباقي له 1 مائتان عن أربعة، وهذا أحدهم، ويبقى له مائة وخمسون عن ثلاثة يأخذه بنصفها، فإن لقي الأول الثاني لقيه 2 مرة أخرى بعد أن لقي السادس لم يأخذ أحدهما من صاحبه شيئًا؛ لأن الثاني أخذ من الثالث مثل ما أخذه الأول من السادس لا فضل بينهما، ولو لقيه قبل أن يلقى السادس لأخذ منه نصف ما أخذ من الثالث وهو اثنان وستون ونصف؛ لأن الثاني أخذ من الثالث مائة
وخمسة وعشرين، وهذا 1 كلما لقي أحدهم 2 الآخر فإنه 3 يأخذه بما أدى عنه في خاصته من أصل الدين وبما ينوبه من الحمالة إن كانوا حملاء ولم يشتروا، ثم ينظر إلى ما كان من الأداء بالحمالة عن أصحابهم فيرجع بعضهم على بعض بالفضل حتى يستووا.
وإن قال على أن كل اثنين حميلان بجميع المال، فلقي واحدًا أخذه بمائة عن نفسه من الدين وبنصف الباقي.
وإن قال على أن كل ثلاثة أخذه بمائة وبثلثي 4 الباقي فإن قال على أن كل أربعة أخذه بمائة وبربع الباقي ثم التراجع بين من غرم وبين من لم يغرم على حسب ما تقدم إذا كان أحدهم حميلًا عن الجماعة.
ولو كان الستة حملاء ولم يشتروا فقال على أن كل اثنين فلقي واحدًا أخذه بثلاثمائة، فان قال على أن كل ثلاثة أخذه بمائتين.
ويفترق الجواب أيضًا إذا قال على أن أحدهم حميل لجميع المال ولم يقل عن أصحابه، فإن كانوا مشترين كان قوله عن أصحابه وسكوته عن ذلك سواء؛ لأن الحمالة عن أصحابه، فإن لقي واحدًا أخذه بجميع المال ثم إن لقي هذا الغارم أحد الخمسة أخذه بمائة ولم يأخذه عن أصحابه بشيء، وإن لم يكونوا مشترين فقال على أن أحدهم حميل بجميع المال كانت حمالة الواحد عن المشتري، فإن غرم جميع الستمائة لم يرجع عن أصحابه إلا أن يقول عن أصحابه.
وكذلك إذا قال: أنتم حملاء بهذا المال، فإن كانوا مشترين كان بعضهم حميلًا عن بعض وإن لم يكونوا مشترين كان كل واحد منهم حميلًا بماله 1 على المشتري حتى يقول وبعضهم حميل عن بعض.
وإن قال: أنتم حملاء بهذا المال أخذ به من شئت كان له أن يأخذ أحدهم بجميعه ثم لا رجوع له على أصحابه.
قال مالك: لأن الشرط لصاحب الدين.
وقال محمد: له أن يرجع على أصحابه إذا كانوا أربعة كل واحد منهم 2 بربع الحق 3. والقول الأول أبين، ومحمل قوله أنه يأخذ من شاء منهم عن الغريم حتى يتبين أنه يأخذه بذلك عن أصحابه وإن قال وبعضهم حميل عن بعض كل لمن غرم أن يرجع على أصحابه قولًا واحدًا، ويعود الجواب في صفة الرجوع إلى ما تقدم إلا أن يكونوا مشترين، فإن قوله عن أصحابه وسكوته عنهم سواء، فإن لقي الذي أخذ منه جميع المال أحد الخمسة الباقين أخذ منه مائة إلا أن يقول وبعضهم حميل عن بعض، ثم قوله أيكم شئت أخذت بحقي محتمل هل له الخيار مع وجود غريمه ويسره أو إذا توجه الطلب بالحمالة وحمله على توجه الطلب بالكفالة أحسن، وإن تحمل ثلاثة بوجه رجل فأتى به أحدهم برئ وحده، وإن كان بعضهم حميلًا عن بعض فأتى به أحدهم برئ جميعهم، وللطالب أن يأخذ بإحضاره أيهم شاء.
قال محمد بن عبد الحكم: فإن دفع للمطلوب نفسه برئوا جميعًا، وإن قال: أنا أدفع نفسي عن واحد منهم وسماه برئوا جميعًا؛ لأنهم أشراك في الحمالة.
باب في الحمالة بالحميل
الحمالة بالحميل على ثلاثة أوجه، فإما أن يكونا حميلين بالمال أو بالوجه، أو أحدهما بالمال والآخر بالوجه، فإن كانا بالمال 1 فغاب الغريم أخذ الحميل الأول بالأداء عنه بعد محل الأجل، فإن وجد عديمًا أخذ الثاني وإن غاب الحميل الأول كلف الثاني أن يحضر الغريم أو الحميل فأيهما أحضر موسرًا برئ وإلا غرم، وإن غاب جميعهم ابتدئ بالقضاء من مال الغريم فإن لم يوجد له مال فالحميل الأول، فإن لم يوجد له مال فالحميل الآخر، وإن كانا حميلي وجه فغاب الغريم كلف الحميل الأول أن يحضره فإن أحضره برئ، وإن كان معسرًا فإن عجز أغرم المال، فإن كان معسرًا لم يغرم الحميل الثاني؛ لأنه حميل بوجه والذي تحمل به حاضر، وإن غاب الغريم والحميل الأول كلف الحميل الآخر أن يحضر أحدهما الغريم أو الحميل فأيهما أحضر برئ، وإن كان الذي أحضر معسرًا وإلا غرم المال، فإن غاب جميعهم ووجد مال 2 الآخر أخذ إلا أن يثبت فقر الغريم أو الحميل فلا يؤخذ من مال الآخر شيء، وإن كان الأول حميل مال والثاني حميل وجه فغاب المديان غرم الحميل الأول ولا شيء على الثاني، وإن كان الحميل الأول فقيرًا؛ لأن الاخر حميل وجه، وإن غاب الغريم والحميل فأحضر الحميل الآخر الغريم موسرًا أو الحميل وإن كان معسرًا وإلا غرم المال، وإن غاب جميعهم ووجد للآخر مال أخذ منه إلا أن يثبت عسر
الحميل الأول، وإن كان الأول حميل وجه والثاني حميل مال فغاب الغريم كلف الحميل الأول أن يحضره، فإن عجز غرم، فإن كان فقيرًا غرم الحميل الآخر وإن غاب الغريم والحميل الأول فأحضر الحميل الآخر الغريم أو (1) الحميل برئ إلا أنه لا يبرأ بإحضاره الحميل (2) إلا أن يكون موسرًا ويبرأ بإحضار الغريم وإن كان موسرًا.
فصل [من صور الحمالة بالحميل]
وإن كانت الحمالتان بالمال فمات الغريم أخذ من ماله، فإن لم يخلف شيئًا غرم الحميل الأول بعد محل الأجل، فإن لم يوجد له شيء غرم الحميل الثاني وإن مات الحميل الأول لم يؤخذ الآن من تركته شيء حتى يحل الأجل على الصحيح من المذهب ويبدأ بمال الغريم، وإن لم يوجد له شيء أخذ من تركة الحميل الأول، فإن لم يوجد له شيء غرم الحميل الآخر، وإن كانا حميلي وجه فمات الغريم سقطت الحمالتان، وإن مات الحميل الأول سقطت الحمالة عن الثاني.
واختلف في سقوطها عن الميت وإن كانت الأولى بالمال والثانية بالوجه فمات الغريم ولم يخلف شيئًا غرم الأول، وإن لم يوجد له شيء لم يغرم الآخر لأنه حميل وجه، وإن مات الحميل الأول سقطت الحمالة عن الآخر وطولبت ذمة الميت إلا أن يكون الغريم موسرًا، وإن مات الأخير لم تسقط الحمالة عنه على قول مالك وسقطت على قول عبد الملك، وإن كان الأول حميل وجه والثاني حميل مال12
فمات الغريم سقطت الحمالة 1، وإن مات الحميل الأول ثبتت الحمالتان على حالهما على قول مالك وابن القاسم وسقطتا على قول عبد الملك، وإن مات الآخر لم تسقط الحمالة عن واحد منهما.
باب في تأخير الحميل أو الغريم
وإذا حلَّ الدَّين فأخر الطالب الغريم شهرًا، كان تأخيرًا للحميل عند ابن القاسم وليس بإسقاط للكفالة، ولم ير للكفيل عليه في ذلك يمينًا.
وقال محمد: يحلف أنه لم يرد إسقاط الكفالة، وقال غيرهما: إذا أخر الغريم وهو موسر تأخيرًا بينًا سقطت الكفالة، وإن كان معسرًا لم تسقط الكفالة ولا حجة للكفيل في التأخير.
والأول أصوب؛ لأن للطالب حقين على رجلين فلا يكون إسقاطه حقه عن أحدهما إسقاطًا للآخر، ويخير الكفيل 1 بين أن يمضي ذلك التأخير أو يرده؛ لأنه يقول: أخاف أن يفلس الغريم فيذهب ماله، فإن لم يقم حتى حلَّ الأجل كانت الكفالة على حالها، وإن لم يعلم الحميل بالتأخير حتى حل الأجل حلف الطالب أنه لم يؤخره لتسقط الحمالة ويكون على حقه فيها، وهذا هو قول ابن القاسم ويحمل قوله على أن ذمة الغريم يوم حل الأجل الأول والثاني سواء، ولو كان موسرًا يوم حل الأجل الأول ثم أعسر الآن لم يكن له على الحميل شيء؛ لأنه فرط في حقه حتى تلف مال غريمه ولم يعلم الكفيل فيعد راضيًا، قال ابن القاسم: وتأخير الكفيل تأخير للغريم إلا أن يحلف أنه لم يرد تأخيره، فإن نكل كان تأخيرًا له 2. وأرى يمين الطالب ها هنا ضعيفة؛ لأن حقه الآن توجه على الغريم فهو يطلبه به وبه يبتدأ، فإن وجده عديمًا وعاد الطالب على الحميل لزمه التأخير وقد يكون بينه وبين الحميل ما يوجب مراعاته والتأخير بما يجب له عليه أو يريد الرفق به لما كان يؤدي ذلك إلى خسارة أو شبيهًا بالخسارة، وقد ييسر غريمه أو يتمادى عدمه.
باب في الحميل يقضي دون الحق الذي تحمل به أو صنفًا غيره
وإذا تحمل بمائة دينار فدفع خمسين وأسقط الطالب خمسين لم يجز ذلك قبل الأجل؛ لأنه على أحد وجهين، إما أن يدفع خمسين ليرجع بمائة فهو سلف بزيادة أو ليرجع بالخمسين فهو من الطالب وضع على تعجيل، وإن كان ذلك بعد محل الأجل ليرجع 1 بالخمسن جاز، وإن كان ليرجع بالمائة لم يجز وهو سلف بزيادة إلا أن يكون الغريم معسرًا أو يجبر الكفيل 2 على القضاء وقصد بذلك مكارمة الحميل؛ لأنها هبة من الطالب له وإن دفع دراهم قبل محل الأجل لم يجز إن دفعها عن نفسه فتكون له الدنانير وهو صرف مستأخر، وإن دفعها عن الغريم برضاه جاز على أحد القولين في براءة الذمم.
واختلف عن مالك إذا حلَّ الأجل فدفع دراهم عن الغريم، فمنع ذلك مرة ورآه صرفًا مستأخرأ وغررًا وأجازه مرة؛ لأن المناجزة قد تمت فيما بينه وبين الطالب ولم يفسده خيار المطلوب؛ لأن القصد من الحميل بذلك مكارمة من تحمل عنه فأشبه القرض أنه يدفع مائة دينار ليعود إليه مثلها إلى سنة فجاز؛ لأنه معروف ولو لم يكن قصده المعروف لم يجز، وإن دفع الدراهم لتكون له الدنانير لم يجز؛ لأنه إذا لم يجبر على القضاء، وجاز إذا كان الغريم معسرًا وجبر على القضاء عنه، ثم يختلف هل يرجع بالدنانير أو يكون الغريم بالخيار؟
وقد اختلف في مسألة المأمور، وقد تقدم ذلك في كتاب المديان، وأرى أن
له أن يرجع بالدنانير؛ لأن الصرف إنما كان عما وجب في الذمة وإن دفع طعامًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن قبل الأجل وبعده فذلك سواء، وإن دفع ذلك عن الغريم لم يجز؛ لأنه تارة بيع وتارة سلف وأجازه مرة؛ لأن القصد المعروف وإن دفع ذلك ليكون له الدين جاز إذا كان الذي عليه الدين حاضرًا مقرًا يعرف ملاؤه من عدمه، وقد تقدم ذلك في كتاب السلم الثاني، وإن دفع عرضًا ليكون له الدين جاز على مثل ذلك إذا كان حاضرًا مقرًا يعلم ملاؤه من عدمه، فإن دفعه عن الذي عليه الدين جاز؛ لأنه معروف من الحميل وإن كان قيمة عرضه أقل من الدين.
ومن المدونة 1: إذا تكفل رجلان عن رجل بألف درهم، ثم قال أحد الكفيلين لصاحبه: ادفع إليَّ مائة وأنا أدفع الألف كلها جاز إذا كان قد حلَّ الدين وصاحب الحق حاضر، فإن صالح بعد ذلك هذا الكفيل الذي له الدين على خمسين رد إلى صاحبه خمسة وسبعين، وإن صالحه على مائتين لم يرد على صاحبه شيئًا، وأرى أن الذي أخذ المائة أخذها يرجو مصالحة الغريم ولو كان قصده السلف حقيقة لفض نصف الحطيطة على جميع الخمسمائة فيرد ثمانين ويصير بها إلى الوقت لأنه رضي 2 بأن يصير إليه لو لم يحط عنه شيء، وبقية هذا الباب مذكور في كتاب السلم الثاني.
باب في الحمالة الفاسدة
اختلف فيمن ابتاع سلعة على إن استحقت كان فلان كفيلًا بخلاصها، فقال مالك وابن القاسم: الكفالة ساقطة، وقال غيرهما 1: هي لازمة 2؛ لأنه هو الذي أدخل المشتري في دفع ماله للثقة به فعليه الأقل من قيمة السلعة يوم تستحق أو 3 الثمن الذي أعطاه إذا كان البائع معسرًا والأول أقيس؛ لأن تخليص السلعة ليس إليه وقد تحمل بما لا يقدر على الوفاء به والثمن أو القيمة لم تقع عليه حمالة والاستحسان قول الغير 4 لتغليب أحد الضررين فتلزمه القيمة يوم الاستحقاق؛ لأنه القدر الذي كان يبذل فيها لو رضي المستحق بأخذ العوض أو الثمن إن كان أقل؛ لأنه هو الذي أتلف عليه بالحمالة، وهذا إذا كان المشتري والحميل يجهلان فساد ذلك.
فإن كانا يعلمان أو يعلم المشتري وحده لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يغره، فإن علم ذلك الحميل وحده وجهل المشتري لزمه ذلك؛ لأنه غيره، وهذا الجواب في لزوم الحمالة وسقوطها.
وأمَّا صحة البيع وفساده فإن لم يكن من البائع في ذلك شرط وإنما كان الشرط بين المشتري والحميل كان البيع جائزًا وإن كان الشرط من البائع قال له: إن استحقت خلصتها لك، فهذا كفيل بتخليصها كان البيع مختلفًا فيه هل
هو فاسد أو يصح بإسقاط الشرط ويفسد بتمسك المشتري به؟
وإذا كان البيع فاسدًا وفسخ فوجد البائع فقيرًا لم يكن على الحميل مطالبته؛ لأنه شرط إتباعه إن استحقت السلعة وهي لم تستحق بعد.
وإن كانت تلك عادة من الموثقين أو كانت العادة أنهم لا يطلبون بمثل ذلك الشرط لم ينقض 1. وإن أخذ البائع من المشتري كفيلًا بالثمن ليس بتخليص السلعة فوجد البيع فاسدًا كان على الكفيل الأقل من القيمة أو الثمن، وهذه المسألة بخلاف الأولى؛ لأن الكفالة ها هنا وقعت بالثمن، فإن كان الثمن أقل غرمه؛ لأن الذي تحمله به 2، وإن كانت القيمة أقل لم يغرم سواها.
ولابن القاسم في كتاب محمد أن الحمالة ساقطة والأول أحسن إلا أن يكون الثمن عرضًا فرد القيمة عينًا فيكون بخلاف الجنس الذي تحمل به، ولو كان المبيع بيعًا فاسدًا مما يرجع فيه إلى المثل وتحمل الحميل بالثمن وهو عين لجرت على ما تقدم في المسألة الأصلى هل تسقط الحمالة أو تلزم على قول الغير؛ لأن مطالبته البائع بمثل المبيع ولم يتحمل به الحميل فسقطت على قول مالك وعلى قول غيره 3 يكون على الحميل الأقل من الثمن أو المثل، وإن كان الثمن مؤجلًا لم يغرم حتى يحل الأجل.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط فيمن باع زيتًا بمائة دينار مؤجلة وأخذ بها حميلًا فوجد البيع فاسدًا، فليس له على الحميل شيء 4 حتى يحل الأجل فيغرم الثمن ويبتاع به زيتًا، فإن لم يوف أتبع المشتري بما بقي.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أعطى دينارًا في دراهم إلى أجل وأخذ بها حميلًا، الحمالة ساقطة (1). يريد: لأن الدراهم لا يصح الوفاء بها والدينار لم يتحمل به.
وعلى قول عبد الملك: يلزمه الأقل من الدينار أو الدراهم.
فصل [في الحمالة بجعل]
الحمالة بجعل فاسدة؛ لأنه يأخذ الجعل فإن كان المتحمل موسرًا كان من أكل المال بالباطل، وإن كان معسرًا فغرم الحميل كان ربًا سلفًا بزيادة فقضاؤه عنه سلف والزيادة الجعل المتقدم، وهذا إذا كان الجعل يأخذه الحميل أو غيره.
واختلف إذا كان يصل الجعل أو منفعته إلى الغريم 2 وكانت الحمالة بما يحل يؤخره به إلى أجلٍ وبما لا يحل ليأخذه إذا حلَّ الأجل المتحمل به، ولا يصل إلى الحميل منها شيء، فأجاز ذلك أشهب ومنعه ابن القاسم.
فإن كان الجعل تصل منفعته إلى الحميل رد الجعل قولًا واحدًا، ويفترق الجواب في ثبوت الحمالة أو 3 سقوطها، وفي صحة البيع وفساده وذلك على ثلاثة أوجه، فتارة تسقط الحمالة ويثبت البيع، وتارة تثبت الحمالة والبيع، والثالث مختلف فيه في الحمالة والبيع جميعًا، فإن كان الجعل من البائع جعل لرجل دينارًا ليتحمل له بما يبيع به سلعة من فلان كانت الحمالة ساقطة؛ لأن محملها معه محمل البيع لأنها حمالة بعوض، وإذا لم يصح للحميل العوض لم تلزمه الحمالة والبيع صحيح؛ لأن المشتري لا مدخل له فيما فعله البائع مع الحميل.1