التبصرة للخميصفحات 4913-4953

كتاب الجعل والإجارة

صفحات 4913-4953

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا

كتاب الجعل والإجارة

باب في الإجارة والجعالة

1 الأصل في الإجارة قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: 6]، وقوله -عز وجل- في آية 2 الصدقات: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [سورة التوبة آية: 60]، والعامل أجير 3 يعطى منها إجارة مثله على قدر شخوصه وتعبه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قَالَ -عز وجل- 4: ثَلَاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ 5 يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" الحديث 6، وقال: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي 7 عَمَلًا 8 مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَاَرِ عَلَى قَيراطٍ..." الحديث 9، وقال: أبو مسعود: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا فَيُحَامِلُ 10 نَفْسَهُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ فَيَتَصَدَقُ بِهِ 11.

وأما الجعالة فالأصل فيها مساقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر (1). قال سحنون (2): المساقاة كالجعالة؛ لأنه يعمل (3) فإن عجز سلم الثمرة ولا يكون (4) له في العمل شيء (5). والقراض جعالة يعمل فإن لم يربح ذهب عمله باطلًا، وحديث "الرقية" أصل في ذلك (6).

فصل [حكم الإجارة والجعالة]

الإجارة منعقدة 7 كالبياعات.
واختلف في الجعالة على ثلاثة أقوال: فقيل: هي غير لازمة 8 وكل واحد منهما بالخيار ما لم يعمل 9 المجعول له فيسقط خيار الجاعل ويبقى الآخر على خياره، وقيل: تنعقد بالقول على الجاعل خاصة دون المجعول له، وقيل: هي كالإجارة تلزمهما جميعًا بالقول 10. ولم يختلفوا في البلاع أنها تلزم بالقول كالإجارة وهي جعالة؛ لأنه يعمل في سفينته أو على دابته أو على123456

نفسه، فإن (1) بلغ استحق، وإن هلك ما (2) حمل عليه أو تعذر (3) بلوغه لم يستحق (4) شيئًا.
واختلف في المساقاة هل تلزم بالعقد؟ فذكر أشهب في "العتبية" في ذلك قولين (5). وقد تحمل الجعالة على ثلالة أقسام: فإن كان الثمن والعمل مجهولين كالقراض كانا بالخيار، فإن دخلا على الإلزام فسد.
وإن كان الثمن معلومًا والعمل مجهولًا كالجعالة على طلب الآبق وبيع الثوب والعبد كان لازمًا للجاعل؛ لأن الثمن الذي يبذله معلوم وغير لازم للعامل لأن عمله مجهول، وإن كانا معلومين الثمن والعمل كحفر البئر وما أشبهه كان لازمًا لهما.
والقياس أن يلزم بالعقد في جميع هذه الأسئلة لأنها معاوضة ثابتة (6) فأشبهت سائر المعاوضات، وقياسًا على المساقاة لأنه وإن كانا معلومن فإن الغرر يدخله.
ووجه آخر (7) وهو أن يحمل سائر الطريق فإن هلك قبل ذلك بشيء ذهب عمله باطلًا.
والمساقاة العمل فيها معلوم والثمن مجهول (8)، وقد أجيز التزام العقد فيها.

فصل [في اجتماع الإجارة والبيع في عقد]

واختلف في جواز الإجارة والبيع في عقد، والمشهور جوازه، وحكى أبو محمد عبد الوهاب فيها 9 قولًا آخر بالمنع.
فوجه الأول أنها بياعات كلها فأشبه12345678

لو كانا بيعتين (1) أو إجارتين.
ووجه المنع أن كثيرًا من الإجارات لا ينفك من الغرر، فمن استأجر عبدًا للخدمة (2) أو صانعًا ليبني له (3) اليوم بكذا وكذا، تختلف (4) خدمة هذا وعمل هذا، فيقل ويكثر (5). وليس كذلك اشتراء الأشياء المعينات من الرقاب، فإذا كان ذلك وكانت الإجارة مما تدعو إليها (6) الضرورة لم تضم إلى البيع كما قال مالك: لا يضم بيع الصبرة إلى غيرها من الثياب والعبيد وغير ذلك؛ لأن بيع الصبرة فيه غرر (7)، وليس بيع الجزاف في السلامة من الغرر كالكيل.
وفي جميع (8) الصبرة (9) إلى البيع اختلاف.

فصل (10) [في اجتماع البيع والجعل في عقد واحد]

واختلف في البيع والجعل في عقد واحد 11، وذلك راجع إلى بيع السلعتين إحداهما على بت والأخرى على خيار.
ووجه المنع أن المشتري قد أطمع البائع بشراء ما هو فيه على الخيار ويظهر له 12 الرغبة فيه، فإذا انعقد البيع رد ما كان فيه 13 على خيار، فلو علم البائع ذلك لأمكن ألا يبيعه الآخر إلا أن يزيد عليه 14 في الثمن فوق ما باعه به، وكذلك الجعل قد يترك العمل12345678910

بعد العقد ولو علم الآخر أنه يترك (1) لم يبعه أو يزيد عليه في الثمن.
ومن أجاز الجعل (2) والبيع فإن ذلك إذا كانت تبعًا للبيع.

فصل (3) [في من باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بثمنها سنة]

من المدونة قال مالك في من باع سلعة بمائة دينار وعلى أن يتجر بثمنها سنة كان ذلك جائزًا إذا 4 كان اشترط 5 إن تلف المال أخلفه له 6 البائع 7. قال: كالذي يستأجر 8 رجلًا يرعى له غنمًا بأعيانها فإن لم يشترط خلفها فلا خير فيه 9. وقال سحنون في الدنانير 10: ذلك جائز وإن لم يشترط خلفها 11. قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه - 12: الكلام على 13 هذه المسألة من خمسة أوجه: أحدها: خلف المال وإخراجه من الذمة.
والثاني: معرفة الصنف الذي يتجر فيه وكونه موجودًا في الشتاء والصيف.
والثالث: الحكم في الربح والخسارة.123

والرابع: إذا استحقت السلعة 1 المبيعة 2 أو ظهر منها عيب.
والخامس: موت العامل أو 3 مرضه.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في خلف الدنانير، وقول سحنون أبين، فإن ضاعت الدنانير كان للبائع أن يخلفها 4 لأنه لم يشترط ألا يخلفها 5، وإنما قال: أتجر 6 بثمنها.
ومحمل الأمر عندهم 7 على السلامة فإن ضاعت كان الحكم الخلف إلا أن يعلم أن البائع لا يقدر على الخلف فتقع المحاسبة، بمنزلة ثوب اللابس يستأجر على خياطته وصناعته 8 فيضيع فإنه لا خلف عليه، وإن شرط ألا يخلف الدنانير إن ضاعت وأن يحاسب بقدر ما عمل جاز ذلك 9 إذا كان ممن يتعذر عليه الخلف، أو 10 كان ممن لا يتعذر عليه 11 وكانت الإجارة كثيرة النصف فأكثر، فإن كانت يسيرة جاز عند ابن القاسم على قوله في من باع نصف ثوب على أن يبيع له النصف الآخر 12، ويؤمر المشتري أن يشهد على إخراج الثمن من ذمته، فإن لم يشهد وكان قد جلس في دكان ليبيع ويشتري النصف 13 الآخر 14 الذي دخل عليه، قام ذلك مقام الإشهاد، فإن ادعى خسارة قبل قوله، وإن أتى بربح أخذ منه، وإن كان تجره مما يخفى هل هو لنفسه

أو لرب المال؛ لأن تلك كانت تجارته كان ذلك أشكل؛ يقبل قوله أيضًا، وقد قال ابن القاسم في "العتبية" في من أمر غريمه أن يشتري له بما له عليه من الدين سلعة فقال المشتري: اشتريتها فضاعت، أنه يقبل قوله 1. يريد: لأنه 2 مؤتمن على الشراء فكان القول قوله أنه فعل ما اؤتمن عليه وهو الشراء، ومن اشترى لم يتهم أن يقر للبائع بالثمن.
وهو في هذه المسألة أبين لطول الأمد وجلوسه في البيع والشراء أن لا أن يقول: أخرجته فضاع قبل أن يشتري فلا يقبل قوله، وإن أتى 3 بربح كان للبائع أن ياخذه وهو ها هنا بخلاف دين تقرر في الذمة على أن لا يتجر به ثم تجر فيه؛ لأن التجر ها هنا كان شرطًا في أصل البيع قبل أن يتقرر الدين في الذمة فلم يكن ها هنا للتهمة 4 مدخل؛ لأنهما لو شاءا أن يعقدا البيع على ما أتى به 5 الآن من الثمن وربحه لجاز 6. وأمَّا ما يتجر فيه فمن شرطه 7 ثلاثة: أحدها: أن يسمي 8 صنفه.
والثاني: أن يكون موجودًا في الشتاء والصيف.
والثالث: أن يكون ممن يريد متصل التجر.
فإن اشترط أن يشتري شيئًا فيرفعه حتى يتغير 9 سوقه فيبيعه لم يجز؛ لأنه غرر لا يدري هل يتغير سوقه في السنة مرتين أو أكثر أو يكسد فتخرج السنة ولم يبع فلا يدري 10 ما باع من

منافعه.
ولو شرط أنه يتجر فيه 1 في تلك السنة مرتن لم يجز؛ لأنه نقد بعض السلعة في منافع رجل بعينه ليقبضها إلى أجل.
ولو استأجر رجلًا بدنانير 2 نقدًا ليعمل له عملًا بعضه الآن وبعضه بعد 3 ستة أشهر 4 لم يجز، وهو في هذا بخلاف أن يكون العمل متصلًا.
وأما الربح فإن كان قدره في مثل ما جلس فيه للإجارة متقاربًا جاز أن يشترط دخوله في التجر، وإن كان متباينًا لم يجز.
وكذلك الخسارة إن شرط أنها لا تجبر وكان ذلك 5 مما يكون نادرًا أو 6 يسيرًا جاز، وإن كانت كثيرًا مما ينزل ويتباين 7 قدرها لم يجز.
وأما الاستحقاق، فإن كان بعد أن يعمل نصف السنة كان للمشتري أن يسلم 8 للبائع ما في يديه 9 على هيئته وقت الاستحقاق وإن كان عروضًا ويرجع بالمائة دينار وبأجرة 10 المثل على الشهور الماضية.
وكذلك الجواب إذا ظهر على عيب ولم تفت السلعة فإنه يردها ويرجع بالمائة وبالإجارة، فإن فاتت بهبة أو تلف 11 أو صدقة ورجع بقيمة العيب، فإن كانت قيمته العشر رجع بعشرة دنانير وبعشر قيمة المنافع عن الشهور الماضية، ويسقط عنه العمل في المستقبل في عشر المائة ويكون له أن يتجر لنفسه

في قدرها، وإن كان لا يقدر أن (1) يتجر فيها ناحية كان له أن يتجر في جميع المائة، ويغرم البائع قيمة عشر المنافع في المستقبل ويصير بمنزلة ما لا ينقسم، وإن فاتت بعيب فأحب أن يتمسك رجع بقيمة العيب (2) حسب ما تقدم لو هلكت أو خرجت من يده، فإن أحب أن يردّ ردّ (3) وما ينوب العيب من الثمن.
فإن قيل: إنه ينقص (4) العشر من أصل الثمن وهو التسع بعد طرح العيب رجع المشتري في تسعين دينارًا وقيمة تسعة أعشار المنافع على الماضي، ويسقط العمل في المستقبل؛ لأنه أقل المنافع فإن كانت قيمة الإجارة مائة كان الباقي عند المشتري قيمة ربع العيب وهو الذي يغرم للبائع (5).

فصل [في موت العامل قبل العمل]

وإن مات العامل قبل العمل نظر إلى قيمة الإجارة، فإن كانت مائة فأكثر والسلعة قائمة رجع شريكًا فيها بقدر الإجارة وينقلب الخيار للمشتري، فإن رضي بعيب الشركة وإلا رد، وإن كانت الإجارة الثلث فأقل رجع بذلك قيمة عند ابن القاسم، وشريكًا عند أشهب، وقال ابن القاسم أيضًا: وتكون 6 الورثة بالخيار لدخول الشركة، وإن كانت السلعة قد فاتت استوى القليل والكثير ورجع عليهم في قيمة ما ينوب الإجارة.
وإن مات بعد أن عمل نصف السنة كان قد صار إلى البائع جلّ الثمن وهو المائة ونصف العمل فيختلف هل12345

يرجع في الباقي شريكًا أو في (1) قيمته (2) حسب ما تقدم؟ وتختلف قيمة (3) الشهور؛ لأنها أكريت بالنقد الذي ينوب الأول أرخص و (4) الذي ينوب الآخر أغلى لأنه بمنزلة سلعة أسلم فيها.
وعلى هذا يجري الجواب إذا مرض (5) قبل العمل أو بعد أن عمل بعض السنة.
وإن قال البائع: أنا آخذ مالي إذا مضى (6) بعض السنة ولا أعطله كان ذلك له إذا كان لا يرجى برؤه إلا بعد طول وما يلحق في مثله الضرر، فإن برأ بعد رجوع المال عن قرب وكان البائع عن قرب (7) وكان البائع موسرًا أتى بمائة أخرى، فإن كان لا يقدر على خلفها فسخت الإجارة.

فصل [في من باع نصف ثوب على أن يبيع له المشتري النصف الآخر بغير البلد]

ومن "المدونة" قال مالك في من باع نصف ثوب على أن يبيع له المشتري النصف الآخر بغير البلد لم يجز، وإن كان بيعه بالبلد جاز إذا ضرب 8 أجلًا، فإن باع في بعض الأجل كان له من الإجارة 9 بحسابه، وإن لم يضربا أجلًا لم يجز لأنه جعل، ولا يجتمع في صفقة واحدة جعل وبيع، وإن كان طعامًا لم يجز وإن ضربا الأجل, وإن شرطا أن يبيع النصف بغير البلد لم يجز في طعام ولا في 101234567

عبد 1. وقال أيضًا في العبد يباع في البلد نفسه يبيعه نصفًا على أن يبيعه 2 النصف الآخر: لا خير فيه إن لم يضربا أجلًا، وإن ضربا الأجل فهو أحرم 3. وقال في "مختصر ما ليس في المختصر": إن ضربا أجلًا فذلك مكروه، وإن لم يضربا أجلًا فلا بأس به 4؛ لأنَّ البيع ثابت فيه 5. فأمَّا إذا ضربا أجلًا فالخلاف فيه يرجع إلى من باع سلعة 6 بدراهم وبعرض يسير، فاختلف فيه إذا استحق ذلك 7 العرض، هل يرجع بما ينوبه قيمة من سلعته أو في عين سلعته؟ فمن قال: يرجع به قيمة أجاز 8 البيع ها هنا وينتقد المشتري جميع النصف فإن باع في بعض الشهور رجع بما ينوب الإجارة 9 قيمة ولم يرجع في عين النصف 10 بما ينوب الباقي من الإجارة؛ لأن الإجارة يسيرة.
ومن 11 قال: الحكم الرجوع في عين السلعة لم يجز البيع على أن ينقد 12 ما ينوب الإجارة، كما لو استأجره على أن يبيع له ثوبًا شهرًا بثوب آخر 13 فإن النقد في ذلك لا يجوز، وإن باع على أن لا ينقد 14 ما ينوب الإجارة جاز فكل ما مضى منه يوم استحق منه بقدر ما ينوب الإجارة، وإن لم يضربا أجلًا كان جعلًا.

وقد اختلف في بيع وجعل في عقد، وفي إجارة وجعل في عقد 1، وبيع بت وخيار إذا كان الجعل والخيار في اليسير، فإن باع استحق ما ينوب الجعل، وإن اختار ألا يبيعه رده وغرم ما ينوبه قيمة إلا أن يدخل 2 على التزام البيع فيجوز كما قال مالك إذا كان البيع ثابتًا.
ولم يجز ذلك في الطعام وإن ضربا 3 أجلًا؛ لأنه يتبعض فإذا فى خل على أن يقدم جميع ذلك كان ما ينوب الإجارة تارة سلفًا إن باع في بعض 4 الشهر، وتارة بيعًا إن تمَّ الشهر ولم يبع، وأجاز ذلك ابن القاسم في "كتاب محمد" في كل ما يكال أو يوزن، وينتقد الجميع لما كان الذي ينوب الإجارة يسيرًا، فإن باع في بعض الشهر رجع بمثل ما ينوب الإجارة، ورأى 5 أن مثل ذلك ليسارته لا يقصدان فيه إلى بيع وسلف 6 7. وإن قال: أبيعك نصف هذا العبد 8 على أن تبيع جميعه لم يجز، وإن ضربا 9 أجلًا بمنزلة من باع عبدًا على أن يبيعه مشتريه فهو تحجير وغير ممكن من المبيع وما باعه به مشتريه لبائعه الأول.
وقال ابن حبيب: إن قال ذلك فيما لا ينقسم فلا 10 بأس به وإن ضرب أجلًا، ولا خير فيه 11 فيما ينقسم وإن ضرب الأجل 12؛ لأنه إنما اشترى

منه 1 نصف ذلك حين اشترط بيع جميعه 2. ورأى أن السلعة مخالفة لذلك 3 لما كان للبائع أن يدعو لبيع جميعها، والأول أبين؛ لأن ذلك شرط في أصل البيع.
وقد 4 قال ابن القاسم في من قال: أبيع لك هذه السلعة وهي 5 كثيرة الثمن إلى أجل بكذا 6 على أني متى شئت تركت: فلا بأس به إذا لم ينقد؛ لأن النقد لا يصلح 7 في الخيار وهي إجارة لازمة فيها خيار، ولا يصلح فيها الجعل لأنها كثيرة 8. يريد: لأنها 9 لازمة لصاحب الثياب والخيار للعامل، وهي إجارة لأن له كل ما مضى يوم بحسابه، والجعل لا شيء له في الماضي.
قال: وإن استأجره 10 على أن يبيعها 11 شهرًا ولم يشترط أنه متى شاء ترك لم يجز النقد؛ لأنه إن باع في نصف 12 الشهر رد بقدر ما بقي من الشهر فيدخله بيع وسلف 13. وإذا بلغت 14 تلك السلعة 15 ما يباع به مثلها كان القول قول من دعا إلى ترك النداء عليها؛ لأن العامل يقول: هذا القدر الذي بعت من منافعي والزائد على ذلك لم أبعه إلا 16 إذا لم تبلغ ما تباع به، ولا وجه للقول أنه يلزمه التمادي إذا أحب ذلك المبيع له.

باب ما (1) يجوز من الجعل ويفسد

2 الجعل يصح بثلاثة شروط:

  • أن يكون فيما يقل الاشتغال به وإن ترك قبل التمام لم ينتفع المجعول له بشيء 3.
  • وأن يكون الجعل معلومًا.
    فإن كانت ثيابًا كثيرة في بيت صاحبها ويأتي السمسار بمن يشتريها أو يأخذ منها ثوبًا عوضًا 4 يبيع به جملتها 5، أو تنقل 6 إلى دكان سمسار فيبيعها فيه 7 و 8 يستأجر صاحبها من يحملها له وقت المشي بها للمشترين، أو يقول له: بع أيها شئت جاز، وإن كان السمسار يتكلف السعي بها ويبيعها صفقة واحدة لم يجز.
    وقد اختلف في ذلك، فأجاز مالك أن يعطي 9 الأرض لمن يغرسها فإذا بلغت كذا وكذا سنة 10 كانت الأرض والشجر بينهما وهو أمر 11 يطول، وإن ترك بعد أن طلعت ولم يوفه بما 12 شرط انتفع الجاعل لأنه قد يخدمها فتنمو 13. وأجاز الجعل على الآبق وهو مما يطول الشغل فيه 14 والبحث عليه، وقد1

ينتفع الجاعل إن ترك قبل أخذه وبعد أن كشف عن 1 خبره ومواضعه 2. ويلزم من قال: لا يجوز إلا فيما قلَّ ولم يشغل أن يمنع الغراسة والجعل على الآبق.
وأجاز أن يحمل الأحمال على إبله أو في سفينته من المشرق إلى المغرب على البلاع، فإن وصل أخذ وإلا فلا شيء له، وهو جعل إلا أنه واجب عليهما 3، والجعل المجعول 4 له فيه بالخيار 5. وقال محمد: لا بأس عند مالك وأصحابه بالشراء على الجعل حاضرًا، وعلى السفر قليلًا كان 6 أو كثيرًا وليس بمنزلة البيع 7. وقال عبد الملك بن حبيب في من 8 قال لرجلٍ حضره خروج إلى بلد تاجرًا: هاك 9 مائة دينار فإن ابتعت لي بها ثيابًا 10 كذا وكذا فلك عشرة دنانير وإلا فلا شيء لك: فإن كان الرجل لم يخرج لسبب هذه المائة، وإنما خرج لحاجته 11 فلا بأس به 12، وإن كان خروجه لهذه 13 المعاملة فلا خير فيه إلا بأجل مؤقت وإجارة معلومة 14. وهذا أحسن، ولا فرق بين الجعل على البيع

أو على الشراء.
ويجوز الجعل على بيع الدار وإن عظم الثمن لأنه شيء لا يتكلف له الجعل 1 ومقامها في هذا والثوب سواء.

فصل (2) [ما يجوز من الجعل] وقال ابن القاسم في من قال: بع دابتي بمائة دينار فما زاد فلك، أو ما بعتها به من شيء فهو بيننا نصفان، فهو 2 فاسد 3. والجعالة الجائزة على ثلاثة أوجه وهي: أن يسمي الثمن والجعل، أو يسمي الجعل 4 ويفوّض إليه في الثمن، أو يسمي 5 الثمن أو لا يسمي الجعل إلا أن العادة جرت في ذلك المبيع على جعل 6 معلوم.
ويجوز أيضًا أن يفوّض إليه في الثمن ولا يسمي الجعل إذا كانت للناس عادة في مثل ذلك المبيع 7 على جعل معلوم.
وإن قال: إن بلغت مائة فبع ولك دينار، وإن بلغت دون ذلك فلا تبع ولا شيء لك جاز، وإن لم يبلغ الثوب الثمن الذي سمّى له رده ولا شيء له.
وإن سمى الجعل وفوض إليه 8 في الثمن جاز، فإن بلغ ما يباع به مثله استحق9

###: (فصل ما يجوز من الجعل)

ساقط من (ر) و (ف).

الجعل، باع صاحبه أو لم يبع، فإن لم يبلغ ما يباع به 1 رد ولا شيء للعامل.
وإن سمّى ما يباع به وسكت عن الجعل وكانت له عادة فيه كالمتاع اليوم جعل الشقة شيء معلوم ولا 2 يزاد فيه لغلاء ولا يحط فيه لنقص جاز، وإن بلغت السلعة تلك التسمية لزم الجعل وكان صاحبها بالخيار بين أن يمضي البيع أو يرد، وإن لم تبلغ التسمية لم يكن له شيء.
والفاسد 3 على أوجه: فإن قال: إن بلغت مائة فبع ولك دينار، وإن بلغت أقل فبع ولا شيء لك، كان فاسدًا.
وإن 4 قال: إن بعتها بمائة فلك دينار وإن كان أكثر فلك أو بيني وبينك أو لك منه دينار 5، وإن سويت دون ذلك فلا تبع، أو ما بعتها 6 به من شيء فلك نصفه أو ثلثه أو عشره، فأي ذلك كان فهو فاسد؛ لأن الجعل فيه غرر لا يدري ما هو، فإن أدرك 7 قبل العمل منع، وإن شرع فيه أمكن 8 من التمادي على القول أن الجعالة الفاسدة ترد إلى الجعالة الصحيحة؛ لأنه إن فسخ قبل ذلك ذهب عمله باطلًا، وعلى القول أنه يرد إلى الإجارة بمنع التمادي وله على الماضي من الإجارة بقدر ما عمل، والأول أحسن، ويرد فاسد كل شيء إلى صحيحه فلا يمنع من التمادي، فإن 9 بلغ

آخر العمل نظر، فإن لم يأت من الثمن 1 ما تباع 2 به فلا شيء له، وإن أتى بما تباع به 3 كان له 4 جعل المثل، باعها صاحبها أو لم يبع، وهذا الجواب في كل موضع جعل له فيه تنفيذ البيع.
فأما إن سمى له ثمنًا 5 فقال: إن بلغت مائة فبع، وإن لم تبلغ ذلك فلا تبع، فلا تستحق من الجعل شيئًا إن لم تبلغ مائة، وإن قَرَنه 6 بعد ذلك بفساد لقوله: فما زاد فلك أو ما أشبه ذلك لأنه لم يوجب تنفيذ البيع إلا 7 على صفةٍ لم تكن بعد.

باب (1) في الإجارة والسلف، وفي من استأجر على طحين قمح وثمنه (2) منه أو على ذبح شاة برطل من لحمها

وقال ابن القاسم في من استأجر حائكًا يصنع له ثوبًا بعشرة دراهم 3 على أن يقرضه رطلًا 4 غزلًا ويزيد فيه: لم يجز وهي إجارة وسلف 5. ويختلف إذا عمل، هل يكون الثوب بينهما شركة على قدر ما لكل واحد منهما 6 فيه 7؛ لأن المستقرض لم يقبضه، أو يكون جميعه للمستأجر؟ وعليه مثل الغزل وإجارة المثل على قول سحنون؛ لأن الربا قد تمَّ بينهما 8. وعلى القول إنه شركة بينهما يكون عليه الأقل من المسمى فيما ينوب غزل 9 الأول أو إجارة المثل.
وقال محمد في من دفع إلى صائغ 10 خمسين درهمًا ليصوغ له 11 خلخالين بمائة درهم ففعل: فلا خير فيه، والخلخالان بينهما نصفان، وعليه نصف أجرة مثله ليس نصف ما سمى 12. قال مالك 13: ولو دفع إليه 14 فصًّا وقال: اجعل فيه من الفضة كذا وكذا حتى أعطيكها مع أجرة سماها فلا خير فيه.12

قال محمد: فإن صاغه رد الفصّ وحبس فضته.
وإن قال: موِّه هذا الخاتم (1) بعشرين درهمًا وأجرتك (2) عشرة دراهم، كان عليه العشرون درهمًا وأجرة (3) المثل ولا يكون شريكًا، فرآه في الخلخالين شريكًا؛ لأنه لا مزية لإحدى الفضتين على الأخرى.
ولا يكون شريكًا في الفصّ (4) لأن التمويه كالهالك، ولأنه (5) سلم ذلك إلى ما أمر به بمنزلة من استأجر رجلًا يصبغ له ثوبا إجارة فاسدة، فلم يختلف أن ذلك فوت وعلى صاحب الثوب إجارة المثل ولا يكون شريكًا بما وضع فيه من الصبغ.

فصل [في الرجل يشتري القمح على أن عليه طحنه]

ومن استأجر رجلًا يطحن له قمحًا بدرهم وبثمنه منه جاز 6. ومنعه محمد، ولا وجه للمنع، فإن ضاع قبل أن يطحن ببيّنة 7 وكان الدرهم كافيًا لثمنه 8 أو أكثر انفسخت الإجارة فيما ينوب الثمنة لأنه عرض بعرض، ولم ينفسخ ما ينوب الدرهم وعلى المستأجر أن يأتي بمثل ذلك ويطحنه له.
واختلف 9 إذا 10 لم يعلم الضياع إلا من قبل الأجير، فرأى ابن القاسم مرة في هذا الأصل على أنه عيّبه فيغرمه 11 ويطحن جميعه ويأخذ الثمنة منه،12345

ومرة لم يبلغ به من عينه 1 حقيقة فيحلف على ضياعه ويغرمه ولا يطحن إلا ما قابل الدرهم، فإن طحنه ثم ادّعى ضياعه لم يصدق وغرمه مطحونًا واستوفى الثمنة منه 2. واختلف إذا شهدت البينة على ضياعه، فقال ابن القاسم: لا ضمان 3 عليه ولا أجرة 4، فعلى هذا يأتي ربه بطعام ويطحن الآخر ما ينوب الدرهم فإن طحنه فادعى ضياعه 5 بمنزلة لو لم يطحنه.
وقيل: له الأجرة فيأخذ الدرهم وإجارة المثل فيما ينوب الثمنة.
وإن استأجره على ذبح شاة برطل من لحمها، أو كانت مذبوحة فاستأجره على سلخها برطل من لحمها لم يجز على قول مالك 6؛ لأنه بيع لحم مغيّب، ويجوز على قول أشهب؛ لأنه أجاز في "كتاب محمد" بيع أرطال من لحم شاة قبل ذبحها إذا جسّها وعرف نحرها 7.

باب في الإجارة على الخياطة، ومن استأجر من يدبغ له جلودًا أو ينسج له غزلًا بنصفه، أو أعطى دابته أو سفينته أو حمامًا أو فرنًا لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به (1) أو ما (2) يكسب عليه

الإجارة على الخياطة تجوز إذا 3 وصف العمل وسمى الثمن، ولا تجوز إن لم يصف العمل ولم يسم الثمن، فإن كانت خياطة مثل ذلك الثوب معلومة وجرى الناس في ثمن مثلها على شيء معلوم جاز، وإن لم يوصف 4 ولم يسم الثمن لم يجز 5. والأجل في الإجارة على الخياطة على ثلاثة أوجه: فإن كانت الإجارة على ثوب أو أثواب معدودة جاز ذلك 6 إذا لم يضرب 7 أجلًا، وإن ضرب 8 أجلًا، فقال: تخيط لي يومًا أو يومين جاز إذا لم يسم عددًا لما 9 يخيطه في تلك الأيام.
ولا يجوز أن يجمع بين الأجل وعدد ما يخيطه، فإن فعل وكان لا يدري هل يفرغ 10 تلك العدة في ذلك الأجل - لم يجز.12

واختلف إذا كان الغالب أنه يخيطها فيه، فقيل: ذلك 1: جائز.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه إن فرغ في بعض الأجل سقط حقه في بقيته وهو قد اشترط العمل فيه.
وأرى 2 أن يمضي؛ لأن الغرض أن يشرع 3 بالعمل في تلك الأيام، فإن تأخر وخاطه بعد الأجل نظر إلى خياطته على أن يشرع 4 في ذلك الأجل وعلى أن يخيطه في الوقت الذي خاطه فيه فيحط من المسمى بقدره.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": له إجارة المثل، ولا ينظر إلى المسمى 5. وجعله فاسدًا.
واختلف إذا لم يضرب أجلًا في أصل العقد ثم قال بعد ذلك: عجل لي اليوم وأزيدك نصف درهم، فقال ابن القاسم: لا بأس به.
ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير بعد إيجاب أجرته 6. وقال سحنون 7: لا بأس به أيضا 8 في الرسول 9. فإن قال: إن خطته اليوم فبدرهمين، وإن خطته غدًا فبدرهم كان فاسدًا، وهو من شرطين في بيع، فإن عمل كان له إجارته ما بلغت.
وقال غيره: له إجارة مثله ما لم ينقص عن 10 درهم أو يزيد 11 على درهمين.

فصل [في من استأجر من يدبغ له جلودًا]

وإن قال في جلود: ادبغ هذه الخمسين بهذه الخمسين جاز إذا اشترط نقد الخمسين التي هي أجره 1، وإن اشترط 2 وقفها حتى تفرغ الأخرى من الدباغ لم يجز 3. ويختلف إذا لم يشترط نقدها ولا وقفها 4، فعند ابن القاسم الإجارة فاسدة 5؛ لأن ثمن الإجارة لا يستحق إلا بعد الفراغ، فإذا كانت موقوفة إلى ذلك الوقت كان بيعها فاسدًا، ويجوز على قول ابن حبيب ويتعجل الأجير 6 قبضها، وقد مضى ذلك في كتاب كراء 7 الرواحل إذا استأجر راحلة بثوب بعينه.
وإن قال: ادبغ نصف 8 هذه المائة بنصفها أو شرط 9 نقد النصف جاز ذلك 10 إذا كانت تعتدل في القسم والعدد أو تتقارب، وإن تباين اختلافها لم يجز من أجل الجهل بما يدفع؛ لأنه لا يدري هل يدفع ستين أو أربعين؟ وليس يفسد من أجل الجهل لما يصير للعامل في أجرته؛ لأن شراء بعضها 11 على الشياع جائز وإن لم تعتدل في القسم، فإن لم تفسخ حتى قاسمه ودبغ جميعها كان له النصف الذي أخذه أجرة 12 بقيمته يوم قبضه بعد المقاسمة 13 وله أجرة 14 المثل في

النصف الآخر.
وإن قال: ادبغ المائة بنصفها لم يجز قولًا واحدًا بخلاف الأول؛ لأن قوله: ادبغها ولك النصف يقتضي دباغ الجميع على ملك صاحبها وله النصف بعد الفراغ، فإن فعل وفاتت بالدباغ كان له إجارة المثل في جميعها، وإن ضاعت قبل ذلك ببينة كانت مصيبتها من بائعها، وإن لم يعلم ضياعها إلا من قوله ضمن جميعها على أحكام الضياع، وإن شرع في العمل مكّن من التمادي حتى يفرغ، وكذلك النسج إن 1 شرط أن ينسج له غزلًا بنصفه، فأخذ في النسج مكّن من التمادي حتى يفرغ 2؛ لأن في نزعها 3 عليه حينئذ مضرةً.
وإن فاتت من يده 4 بعد الدباغ وقد بقيت على أنه شريك فيها، ففاتت بحوالة الأسواق فما فوق ضمن نصف قيمتها يوم الفراغ.
واختلف إن قال له: لك نصفها من اليوم على أن يدبغ جميعها فشرع في الدباغ، هل يكون ذلك فوتًا ويضمن نصف قيمتها، أو ليس بفوت؛ لأنه غير ممكّن من ذلك النصف لما حجر عليه أن يدبغه ولا يبين به؟ والأول أبين أن 5 يكون ضامنًا لنصفها.

فصل [في من أعطى دابته لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به أو ما يكسب عليه]

ومن أعطى دابة لرجلٍ وقال: أكرها ولك نصف ما تكريها به، كان الكراء لصاحبها وللآخر إجارة المثل.
ولو قال: اعمل عليها ولك نصف ما تكسب عليها كان كسبه له ولصاحبها إجارة المثل.
واختلف إذا قال: اعمل لي عليها، فقال ابن القاسم في "المدونة" في رواية الدباغ: ما كسب عليها للعامل وعليه إجارتها كالأول 1. وقال ابن الجلاب: ما كسب عليها لصاحبها لقوله: اعمل لي عليها 2، وللعامل إجارة المثل 3. وإن قال: أكرها، فعمل عليها كان ما عمل عليها له ولصاحبها إجارة المثل.
واختلف إذا قال: اعمل عليها، فأكراها، فقال ابن القاسم: ما أكريت به للمستأجر ولصاحبها إجارة المثل 4. وقال في كتاب الشفعة: ما أكريت به لصاحبها؛ لأن ضمان المنافع من صاحبها بخلاف البيع الفاسد.
وإن قال: أكرها ولك نصف ما تكريها به، فأكراها ممن يسافر بها 5 على أن يخرج معها ويسوق به ويقوم بها، نظر إلى كرائها على أن لا أحد معها: فإن كان دينارًا وعلى أن معها سائقًا دينار وربع، كان الكراء بينهما أخماسًا، ثم ينظر إلى إجارة المثل في تولي العقد، فإن كان ثمن دينار رجع الأجير على صاحب الدابة

بأربعة أخماس ثمن 1 دينار؛ لأنه إجارة لمبيع بعضه لصاحب الدابة وبعضه له وهو ما ينوب سوقه، فإن كان يتولى حفظها بعد انقضاء الكراء وردها 2 كان له في ذلك إجارة أخرى.
وما تقدم ذكره في الكسب فهو في مثل الماء والكلأ والحطب، فإن قال: اعمل عليها ولي نصف ما تكسب عليها كان ثمنه للعامل وللآخر إجارة دابته؛ لأن تلك الأشياء ملك للعامل بنفس أخذه لها.
فإن قال: اعمل لي عليها ولك كل يوم درهم جاز.
ويكون ثمن ما باع به 3 مما عمل عليها لصاحب الدابة؛ لأن الملك يتعيّن 4 في تلك الأشياء بالنية، فإن أخذه على ملكه كان له، وإن أخذه على أنه أجير فيه كان ملكًا لمن استأجره.
وإن قال: اعمل لي، ولك نصف ثمنه كان فاسدًا؛ لأن الثمن يختلف 5 يقل ويكثر.
وإن قال: لك نصف 6 كل نقلة جاز.
قال محمد: وكذلك إن قال: لك نقلة ولي نقلة 7؛ لأنَّ النقلة معلومة بخلاف ثمنها.
وإن قال: ما تعمل 8 عليها اليوم لي وغدًا لك جاز.
وإن قال: تعمل عليها

اليوم لي وتبيعه لي وتعمل عليها غدًا لك 1 فإن شئت بعته لنفسك جاز، وإنما يفسد إذا قال: تعمله على ملكك كذا 2 والثمن لي؛ لأن الثمن مجهول، وإن أصيب 3 قبل البيع كان من العامل، و 4 إذا كان ذلك كان 5 العمل للعامل 6 وللآخر إجارة دابته.
وإن قال: تعمل على ملكي 7 كانت الإجارة على غير ذلك فلا تبال بعد ذلك بيع أو ترك 8. وإن قال صاحب الدابة: اعمل عليها اليوم لي وغدًا لك فعمل عليها اليوم ثم تلفت الدابة، كان للعامل على صاحب الدابة إجارة المثل وليس 9 له أن يكلفه أن يأتي بدابة أخرى لأنه إنما باع غدًا 10 منافع دابة 11 بعينها والمعيّن 12 لا يخلْف.
واختلف إذا قال: اعمل على أن اليوم لك وغدًا لي، فعمل اليوم الأول ثم تلفت هل يكون لرب الدابة كراء دابته، أو يأتي بدابة أخرى فيعمل عليها لأن المعمول عليه لا يتعّين؟ والأول أبين؛ لأن الخلف في ذلك يتعذر، مثل القول في ثوب اللابس يستأجر على 13 خياطته فيضيع ببيّنة 14 فليس عليه خلفه.

وقوله في السفينة: اكرها أو 1 اعمل عليها سواء إذا كان فيها 2 قومة صاحبها؛ لأنه إنما يتولى العقد من الناس فما أكريت به لصاحبها وله إجارة المثل، وإن لم تكن فيها قومة صاحبها 3 ولو 4 كان يسافر فيها بمتاعه كان الربح له ولصاحب السفينة الإجارة.
وأما الحمام والفرن فإن لم يكن فيها دواب ولا آلات 5 بما يطحن 6 كان ما يؤاجران 7 به العامل وعليه لصاحبها إجارة المثل.
وإن كان بدوابهما ويشتري الحطب من عند صاحبهما أو من 8 غلتهما 9 كان ما أصاب فيما 10 لصاحبهما وللعامل إجارة المثل إنما هو قيم فيهما.
وكذلك الفندق فما أكرى به مساكنه لصاحبه 11 والآخر قيم وله إجارة مثله 12 13. وقوله: أكره واعمل عليه سواء.
وإن قال: أكر دابتي ولك نصف ما تكريها به فمضى بها 14 ثم ردها لم يكرها 15 وقد تيسر 16 كراؤها لم يكن عليه شيء؛ لأن ذلك الرضى 17 فاسد والحكم: أن يردها ولا يتم ذلك الفاسد 18.

فصل [في شريكين في طعام يؤاجر أحدهما صاحبه في حمله وما يجوز من ذلك]

وقد 1 قال ابن القاسم في شريكين في طعام بلغهما 2 نفاقه في بلد، فقال أحدهما لصاحبه: احمله لذلك البلد على أن عليَّ كراء نصفه: فلا بأس بذلك 3 إذا كان للآخر أن يقاسمه أو 4 يبيع حصته متى أحب.
وإن كان لا يقاسمه حتى يبلغا فلا خير فيه 5. وكذلك إن شرط أن يطحنه فلا بأس به 6 إذا كان 7 له 8 إن شاء طحن معه، وإن شرط أن يطحن جميعا 9 فلا خير فيه.
وكذلك الشريكان في الغنم إذا قال أحدهما لصاحبه: ارعها سنة وعليَّ في نصيبي كذا وكذا، فلا بأس به إذا كان له أن 10 يقاسمه متى أحب 11، وتكون الإجارة في نصيب الآخر إذا كان إن 12 ماتت الغنم أو نقصت أخلفها.
وقال غيره: إن اعتدلت في القسم 13. وإن كانا شريكين في غزل لم يجز أن يستأجره على أن ينسجه على أن على صاحبه إجارة نصيبه؛ لأنه لا يقدر على 14 أن يقاسمه ولا يبيع نصيبه قبل

النسج فحمل 1 الغزل على الفساد؛ لأنه لا يقدر على أن يقاسمه 2 قبل ذلك؛ لأنه التزم نسجه 3. وأرى أن يحمل الطعام 4 في حمله 5 لبلد 6 آخر، وفي طحنه إذا لم يشترطا 7 قسمته ولإبقاء الشركة 8 على الجواز؛ لأنَّ غرض الشريك في ذلك حمل نصيبه للبلد الذي هو 9 به غالٍ، وطحن نصيبه ولا غرض له في غيره، وإنما يريد بقوله: احمله ليباع بذلك البلد؛ لأنه إذا كان غاليًا 10 رغب في الخروج لنفسه وأرخص للآخر في الإجارة.
وقوله في الغنم: أن ذلك جائز إذا كان إن ماتت أو نقصت أخلف غيرها.
فهو أحد قوليه أن المستأجر له يتعيّن، وقوله الآخر أنه لا يتعين 11 وأن الحكم الخلف وإن لم يشترط.
وقول غيره: إذا اعتدلت، خيفة أن يخرج في النصف شيء 12.

باب في من استأجر رجلًا يبني له دارًا على أن المرمة من عند الأجير

ومن استأجر رجلًا يبني له دارًا على أن الجص والآجر وغيره من آلات البناء من عند الأجير 1 وكل ذلك معين الصانع والذي يصنع منه جاز إذا كان يشرع في العمل أو بعد الأيام اليسيرة.
ويجوز أن يكون الثمن نقدًا أو إلى أجل.
وإن لم يشترط شيئًا نقد ما ينوب الآجر والجص وكان 2 ما ينوب عمل اليد 3 ينتقد منه كل ما مضى يوم 4 بقدر عمله.
وإن كان في جميع ذلك مضمونًا الصانع والذي يصنع منه - جاز على أحكام السلم أو يكون إلى أجل معلوم ويقدّم 5 رأس المال.
وإن كان للبناء عندهم زمن 6 معلوم حملا عليه وإن لم يضربا أجلًا، وإن شرطا الابتداء إلى يوم أو يومن جاز على أحد قولي مالك في جواز السلم إلى مثل ذلك الأجل.
وإن كان الفراغ من العمل في اليومين والثلاثة جاز تأخير رأس مال السلم الأجل 7 البعيد ويصير البناء رأس مال في المؤجل.
وإن كان البناء المدة الكثيرة جاز بشرط 8 تقديم رأس المال.
وإن كان أحدهما معينًا والآخر مضمونًا

جاز إذا كان يشرع في العمل للأجل 1 المعين أو يبتدئ العمل ليومين أو ثلاثة ويقدم رأس المال لأجل المضمون؛ لأن الغالب أنه يتراخى الفراغ إلى أجل السلم، وسواء كان المعيّن عمل اليد أو الآجر والجص وهذا إذا كان المعيّن والمضمون سواء أو كان المضمون الأكثر، وإن كان المضمون يسيرًا والمعيّن الأكثر جاز أن يكون جميع الثمن مؤجلًا عند أشهب.
واختلف إذا كانا متساويين وشرط أن ينقد ما ينوب المضمون ويتأخر ما ينوب المعيّن هل يجوز ويكون كما اشترط أو يكون مفضوضًا فيفسد؛ لأنه لم ينقد 2 جميع ما ينوب المؤجل، وكل هذا إنما يجوز إذا وصف البناء ووصف عدد المساكن وسعة كل مسكن وعرض الحائط وارتفاعه.
وإن كان المصنوع 3 منه غير معيّن وصف 4 الخشب التي يبني بها والأبواب وما أشبه ذلك.

باب في من استأجر مسيل (1) ماء أو اشتراه أو أستأجر رحى ماء فانقطع الماء أو قلَّ العمل لشدة أو لقطع طريق، وكيف (2) إن اختلفا في مدة انقطاعه؟

3 ولا بأس أن يستأجر الرجل مسيلًا لجري 4 الماء إلى داره السنة والسنين الكثيرة أو للأبد.
وإن أراد الآخر أن يشتري ماء دار 5 جاره السنة والسنتين 6 لم يجز؛ لأنه لا يدري أيقل أو يكثر.
وإن كان السنين الكثيرة أو للأبد جاز؛ لأن الكثير 7 يحمل بعضه بعضًا.
وقال مالك: لا بأس بإجارة رحى الماء إذا كانت لرجل قد نصبها أو استأجر أرضًا على نهر لينصب هو عليها رحى فإن انقطع الماء ولم ترج 8 عودته، أو كان يرجى بعد بُعد كان له أن يفاسخه الإجارة، وإن كان يرجى عودته عن قرب لم 9 يفسخ 10. واختلف إذا فاسخه وهو يرى 11 أنه لا يعود عن قرب فعاد 12، هل يمضي الفسخ كحكم مضى، أو ترجع الإجارة على حالها؟ وأن 13 تعود12

أحسن؛ لأن الأول خطأ في التقدير إلا أن يكون المكتري بعد الفسخ عقد موضعًا غيره وجيبة أو غير ذلك من القدر 1 فيمضي الفسخ، فإن لم يتفاسخا حتى عاد الماء عن قرب كان الكراء على حاله.
وإن عاد عن بعد جرى 2 على قولين: هل ذلك فسخ، أو حتى يفسخ كالذي يكتري السفينة في الصيف فدخل الشتاء، وكان الحكم الفسخ ولم يتفاسخا حتى صار إلى الصيف؟ فقيل: العقد منفسخ 3. وقيل: هو على حاله.
وقال ابن حبيب: وكذلك إن أصاب أهل ذلك المكان فتنة فجلوا 4 عن منازلهم وجلا هذا المكتري أو بقي 5 آمنًا إلا أنه لا 6 يغشاه الطعام، فذلك بطلان 7 كبطلان الرحى من نقصان الماء يوضع عنه الكراء 8. قال: والفنادق التي تكرى 9 في أيام من 10 السنة مثل أيام الحج مثل ذلك 11. وهو على ما وصفنا 12 في الرحى، وأرى ورق التوت يشترى لدود الحرير فيموت دود الناس ذلك العام فيكون له رد البيع.
والطريق يشتريها ليتوصل 13 بها إلى دار أو أرض فتستحق تلك الدار أو الأرض فله أن يرد البيع.

فصل [في الاختلاف في مدة انقطاع الماء]

فإن عاد الماء فعاد إلى العمل فلما انقضت السنة اختلفا في مدة انقطاع الماء: فإن اتفقا على أول انقطاعه واختلفا في وقت رجوعه 1 كان القول قول المكري 2. واختلف إذا اختلفا في مبتدأ انقطاعه واتفقا في وقت رجوعه 3، فقال ابن القاسم: القول قول المكري؛ لأن المتكاري يريد أن يحط عن نفسه 4. وهو قول من راعى استصحاب الحال، وأنكر ذلك سحنون وقال هذه عراقي، يريد أن القول قول المكتري؛ لأن الأمر مشكل، والأصل براءة الذمة من الدين فلا يثبت بشك.
ويختلف 5 إذا لم يعد حتى انقضت السنة 6، ثم اختلفا في وقت 7 انقطاعه: فعلى قول ابن القاسم يكون القول قول المكري 8، وعلى قول سحنون يكون 9 القول قول المكتري 10. ولو كانت دارًا فاتفقا 11 في وقت انهدامها، واختلفا في وقت إعادتها صدق المكتري 12، وإن اختلفا في مبتدأ انهدامها واتفقا في إعادتها صدق المكري عند ابن القاسم، ولم يصدق على قول سحنون، وكذلك إن لم يعد البناء فعلى مثل ذلك الاختلاف.
وقال ابن المواز: قال أشهب في الأجير إذا قال: عملت السنة كلها، وقال الآخر: قد بطلت ولم تأت، فالقول قول المستأجر

قال محمد: وسواء كان انقطاعه إليه أو كان يغدو إليه 1. وقال ابن القاسم وأصبغ في "الواضحة": القول قول المستأجر إذا لم يكن مأواه 2 إليه، فإن لم يكن مأواه إليه 3 كان القول قول الأجير، وسواء كان الأجير حرًّا أو عبدًا 4. وقال ابن الماجشون: إن كان عبدًا وكان 5 مأواه إليه كان القول قول المستأجر نقد أو لم ينقد 6. وكذلك إن ادّعى إباقًا؛ لأنه كان أمينًا على ذلك حين أسلم إليه، وإن كان يختلف إليه 7 كان القول قول السيد 8. وهذا عكس ما ذهب إليه ابن القاسم قال: وإن كان حرًّا كان القول قول الأجير، كان يختلف أو كان مأواه إليه 9، قبض 10 الأجرة 11 أو لا، وذكره عن مالك 12. وقول أشهب في هذا أحسن والأجير بخلاف الدار والماء؛ لأن الماء والدار يسلّمان تسليمًا واحدًا، وعلى 13 هذا يجري على ما أجراه الله تعالى، والدار على ما هي عليه حتى يعلم انقطاع ذلك، ومنافع الأجير بيده, وكل يوم يصبح يبتدئ 14 تسليمها فكان القول قول المستأجر أنه لم يسلم إلا ما أقرّ 15 به، إلا أن يأتي من ذلك بما لا يشبه وما يعلم أنه لو عطله لم يسكت عن ذلك وكان منه 16 الشكية وما أشبه ذلك.

باب في إجارة الثياب والحلي، وفي ضمان المستأجر وهل يؤاجر؟

اختلف في إجارة الثياب والحلي والماعون في أربعة مواضع: أحدها: في جواز إجارتها.
والثاني: هل يصدق المستأجر في ضياعها؟ والثالث: هل يصدق 1 في سقوط 2 الأجرة إذا ادعى بعد انقضاء الأمد أنه ضاع قبل ذلك؟ والرابع: هل للمستأجر أن يؤاجره من غيره؟ فأما جواز الإجارة فهو على ثلاثة أوجه: فمن كان شأنه أن يشتري هذه الأشياء ويوقفها للكراء جاز، وكذلك من لم يكن 3 شأنه ويكريه لمن يطيل استخدامه حتى ينقصه.
واختلف إذا كان الاستعمال الأمد الخفيف مما لا ينقص فيه فأجيز وكُرِه؛ فقال مالك في إجارة الحلي: لا بأس به 4. وقال مرة: ليس هو من الحلال 5 البيّن وليس من أخلاق الناس 6. يريد أنه ليس من مكارم الأخلاق أخذ الأجرة في مثل ذلك.
وكذلك إذا كان الذي يستأجر قليل الثمن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا" أخرجه الصحيحان 7. وقيل في قول الله -عز وجل-: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [سورة الماعون آية: 7] ذلك في مثل الدلو والفأس وما أشبه ذلك 8. وقيل: الزكاة 9. وإن ادعى المستأجر

ضياع ذلك صدّق، وذكر سحنون قولًا آخر: أنه لا يصدّق 1. وقال أشهب في الجفنة يدعي ضياعها: أنه 2 ضامن 3. والأول 4 أبين، وليس الإجارة كالرهن؛ لأن حق المرتهن في الرقاب تباع له إن لم يوفها 5 المطلوب، وحق المستأجر في المنافع والرقاب في يديه 6 أمانة لا حق له فيها، ولهذا قيل في من وهب ما هو في الإجارة أن حوز المستأجر للموهوب 7 ليس بحوز؛ لأنه أمن لربها بخلاف المخدم أنه حائز لنفسه ولم يحزها لربها 8. وإن قال المستأجر في الجفنة: انكسرت 9، ولم يأت بفلقتيها، لم يصدق؛ لأن عدمهما دليل على كذبه إلا أن يكون في سفر فيقول: طرحتهما ولم أتكلف حملهما.
ولو استأجر ثوبًا فقال: احترق، ولم يأت منه بشيء لم يصدق.
واختلف إذا قال بعد الأجل: كان ضاع مني 10 قبل ذلك، فقال ابن القاسم: لا يصدق وعليه الإجارة كلها إلا أن تكون له بينة أو يعلم أنه كان ذكر ذلك قبل، فيحلف ويكون عليه من الأجر إلى الوقت الذي سمع منه ذلك 11. وقال أشهب: القول قوله ولا يكون عليه من الأجر 12 إلا بقدر 13 ما أقرَّ أنه انتفع به، والأول أحسن إذا كان في حضر، وإن كان في سفر كان القول قوله مع يمينه وبرئ.

جارٍ التحميل