القتل ثلاثة: خطأ، وعمد، وشبه الخطأ والعمد، وهو ما أشكل أمره هل كان عن خطأ أو عمد.
والحكم في الخطأ الدية، وفي العمد القِصاص، إلا أن يرضى الولي بالدية.
واختلف عن مالك في شبه العمد، فقال في المدونة: لا أعرفه وإنما هو عمد أو خطأ 1. وقال مرة فيه: لا قصاص 2. وذكر عنه غير واحد من البغداديين أن فيه الدية 3. وهو أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ وإِنَّ قَتِيلَ الخَطأِ شبهِ العَمْدِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالعَصَا فيه مائة مِنَ الإِبِلِ..." الحديث رواه عمرو بن العاص 4، ولأن القِصاص إنما يجب في العمد، وإذا كان القتل مشكلًا هل هو
عمد أو خطأ لم يقتل بشك، وقد وافق مالكًا على سقوط القِصاص الشافعيُّ وأبو حنيفة.
وشبه العمد أربعة أقسام: أحدها: أن يكون القتل بغير آلة القتل وبما لا يُقْصَد إلى إتلاف النفس بمثله كالسوط والعصا والبندقة 1 واللَّطمة واللَّكزة، وفيه ورد الحديث، إلا أن يقوم دليل العمد لقوة الضربة من الرجل الشديد لمريض أو ضعيف.
والثاني: أن يكون بآلة القتل ممن لا يُتَّهم أن يكون أراد القتل، وهو ما يكون من الأب والأم لولدهما يحذفه بسيف أو برمح، وفيه قضى عمر - رضي الله عنه - 2.
والثالث: أن يكون ممن أبيح له فعل مثل ذلك ممن نزل به القتل كمعلم الثقاف 3 والطبيب والخاتن.
= الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، ولم أقف على رواية لأبيه عمرو بن العاص - رضي الله عنه -. قال ابن الملقن: قال عبد الحق: طريقة عبد الله بن عمرو هي الصحيحة.
وقال ابن القطان في "علله": هو صحيح ولا يضره الاختلاف.
انظر: البدر المنير: 8/ 359.
والرابع: أن يكون على صفة يراد بها القتل ويتقدمه بساط يعلم أنه لم يكن المراد القتل كالمتصارعين والمتلاعبين.
وإذا حذف الأبُ أو الأمُّ الولدَ 1 بسكين أو سيف فأبان له عضوًا أو قتله لم يقتص منه من ذلك الجرح، ولم يُقْتَل به إن قُتِل، بخلاف الأجنبي؛ لأنه لا يتهم على أنه أراد قتله، ويحمل على أنه أراد تهديده وتخويفه لما علم من حنانهما والشفقة والذب عنه إلا أن يأتي بأمر لا شك فيه؛ مثل: أن يضجعه فيذبحه، أو يعلم أنه كان بينهما تهديد 2 ويخاف بعضهم من بعض القتل فيقتص حينئذٍ، وإلا كانت الدية مغلظة.
وقال ابن القاسم: تغلظ في الجد أبي الأب، وفي الجدة أم الأم، ووقف في أبي الأم وأم الأب، وقال أشهب: لا تغلظ في أبي الأم وهو كالأجنبي، وتغلظ في أم الأب.
وقال عبد الملك: تغلظ في جميعهم الأجداد والجدات، وقال سحنون في كتاب ابنه: اتفقوا على أنها تغلظ في الجد والجدة للأب، واختلف في الجد والجدة للأم 3.
وقول عبد الملك أحسن؛ لأن لكل واحد من هؤلاء عطفًا وحنانًا لا يتهم معه أنه قصد القتل، فإن قيل: إنهم ليسوا في الحنان كالأبوين، قيل: ليس المراد المساواة، ولو كان ذلك لوجب القصاص من الجد للأب؛ لأنه غير مساوٍ للأب في الحنان.
وقال ابن القاسم: إذا تعمد ضرب بطن 1 امرأته فألقت جنينًا فاستهل صارخًا ثم مات لم يقتل به وغلظت فيه الدية، وإن كان ذلك مما لو كان من أجنبي لوجب فيه القصاص.
ولا تغلظ فيه الدية عند أشهب؛ لأنه لا يرى فيه قصاصًا لو كان من أجنبي 2.
ولا تغلظ الدية في الابن إذا حذف أباه بسيف أو غيره من آلة القتل.
قال مالك: ولا تغلظ الدية في أخ ولا زوجة ولا زوج ولا في أحد من القرابات سوى من ذكرنا، ولا تغلظ في الشهر الحرام، ولا على قاتل الخطأ في الحرم 3.
وقال 4 في المجموعة: في الأخ والعم والقرابات القصاص، إلا أن يكون ذلك جرى على وجه الأدب فيكون مثل المعلِّم وذي الصنعة ما لم يتعمد بسلاح 5.
وقال بعض أهل العلم: إذا وقع القتل ممن له التأديب، مثل: الأب والزوج والمعلم والوصي والحاكم، فذلك على أربعة أوجه: فإن كان الضرب المباح بالآلة المباحة فلا ضمان عليهم، وإن كان التعدي يسيرًا كان خطأً، وإن كان التعدي مترددًا بين الخطأ والعمد، وسدد 6 المعلم في الميدان الرمح وطعن
به في شبه (1) ذلك كانت فيه الدية مغلظة، كان بأن عن ذلك بأمر لا شك فيه كان فيه القصاص.
قال الشيخ -رحمه الله-: وينبغي أن يُنَزَّل أمرُ الطبيب على مثل ذلك، فإن قطع في الموضع المعتاد فمات لم يكن عليه فيه (2) شيء، كان زاد على ذلك يسيرًا أو وضع القطع فيما قارب ذلك كان خطأً، وإن زاد على ذلك إلى ما لا يُشَكُّ فيه أن ذلك تعمد كان فيه القِصاص، كان تردد بين الخطأ والعمد كانت مغلظة.
فصل [في القتل شبه العمد]
قال مالك: وقد تكون أشياء من العمد لا قود فيها 3، مثل: المتصارعين يصرع أحدهما الآخر، أو يتراميان بالشيء، أو يأخذ برجله على وجه اللعب فيموت من ذلك كله، فإنما فيه الدية أخماسًا 4. وفي كتاب محمد في قوم تفرقوا عن قتيل، فقال أحدهم: كنا نصطرع لاعبين في موضع غليظ فصرعته ثم تغاضبنا وتحامينا، فلم أزل عليه ألصقه إلى الأرض حتى غشي عليه، فقمت عنه فوجدته قد مات، فلم ير فيه قصاصًا وجعل فيه الدية أخماسًا 5. وقال أشهب: إذا رماه أو وكزه أو ضربه بسوط على وجه اللعب فلا قود12
عليه، وقال ابن القاسم: إذا طرحه (1) في نهر وهو لا يحسن العوم ولا يدري أنه لا يحسن العوم على غير وجه القتال فإنما فيه الدية (2).
واختلف في دية من مات عن لعب، فقيل: ديته دية الخطأ أخماسًا، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب.
وقال ربيعة وابن شهاب وابن وهب في كتاب ابن حبيب: تكون مغلظة (3).
وكونها أخماسًا إذا كان اللعب على الوجه المعتاد حسن، وان خرج (4) عن ذلك كانت مغلظة.
فصل [في التغليظ في الجراح]
الجراح في التغليظ على ثلاثة أوجه: تغلظ 5 في أحدها، واختلف فيما سواه، فإن كان ذلك يبلغ ثلث الدية ومما يكون فيه القصاص في عمده كاليد والعين وما أشبه ذلك غلظت فيه الدية.
واختلف إذا كان يسيرًا كالموضحة وما لا يبلغ الثلث، فقال ابن القاسم: تغلظ فيه الدية.
وقال في كتاب محمد: لا تغلظ فيه 6.
واختلف في الجائفة والمأمومة، فقال مالك وسحنون: لا تغلظ 7؛ لأنها لو1234
كانت من أجنبي عمدًا لم تغلظ ولم يقتص منه فلا يكون الأب أدنى رتبة من الأجنبي، وقيل: تغلظ.
فأما اليسير فالتغليظ فيه أحسن؛ لأن الجراح إنما تنسب إلى الدية، فإذا كانت الدية فيه مغلظة كان الجرح كذلك، ولا فرق بين القليل والكثير.
وأما المأمومة والجائفة فألا تغلظ فيه أحسن، ولا تكون فيها أعلى رتبة من العمد من الأجنبي لأن 1 الدية فيها أرباعً على الأصل في العمد إذا لم يكن فيه قصاص.
باب في الديات وما يكون منها حالًّا وما يكون منجَّمًا
الدية ثلاثة أصناف: إبل، ودنانير، ودراهم.
وهي من الإبل مائة، ومن الدنانير ألف، ومن الدراهم اثنا عشر ألف درهم فضة خالصة، والمراعى فيها كسب الغارمين دون كسب أولياء القتيل، فإن كان الغارمون أهل إبل غرموا إبلًا وإن كان القتيل من أهل الذهب والورق.
فالديةُ من الإبل إذا كان القتل خطأً- أخماسًا: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعَة.
وإن كان القتل عمدًا كانت أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون جَذَعة، يسقط منها عن الخطأ بنو اللبون.
وإن كانت عن شبه العمد كانت أثلاثًا: ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفَةً في بطونها أولادها، وهي المغلظة.
واختلف في أسنانها، فقال ابن القاسم: لا أبالي أي الأسنان كانت 1. وقال أشهب وابن شهاب وعبد العزيز بن أبي سلمة في كتاب محمد: ما بين ثنية إلى بازل عامها 2.
وذكر النسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثل ذلك 3،
وجعل العمد مثل 1 المغلظة أثلاثًا، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إِلَى أَوْليَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيةَ وَهِيَ: ثَلاثونَ حِقَّةً، وَثَلاَثُونَ جَذَعةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً" 2، وبهذا أخذ الشافعي.
واختلف قول مالك في شبه العمد إذا وجب على أهل الذهب والورق على ثلاثة أقوال: فقال في كتاب محمد: لا تغلظ عليهم ولا يزاد عليهم على ألف دينار إن كانوا أهل ذهب 3. ثم رجع فقال مثل ما في الكتاب: تغلظ وينظر إلى قيمة الخطأ من الإبل وهي الأخماس وقيمة المغلظة فالجزء الذي تزيده المغلظة على الأخماس يزاد على أهل العين في ديتهم مثل ذلك الجزء 4. وذكر البغداديون عنه أنه قال: تلزمهم قيمة المغلظة من الإبل ما 5 بلغت ما لم تنقص عن ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم 6.
وقوله في المدونة أحسن، وإذا اعتبرت 7 الدية في ذلك على أهل الإبل وزيد فيها وجعل لأولياء القتيل في ذلك حقٌّ لم يصح أن يسقط مقالهم فيه إذا كانوا أهل عين، وإذا صح ذلك كان الاعتبار بالجزء ما بين الديتين أحسن؛ لأن الاعتبار بقيمة المغلظة بانفراده يؤدي في بعض الأحوال إلى سقوط التغليظ إذا
كانت قيمة الإبل ألف دينار.
واختلف أيضًا في تغليظ العمد على أهل العين، فقال ابن القاسم في كتاب محمد (1): لا تغلظ ولا يزاد عليهم على ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم.
وقال أشهب: تغلظ عليهم وينظر قيمة العمد من الإبل وهي الأرباع من قيمة الخطأ فيزاد ذلك الجزء على أهل الذهب والورق (2). وعلى رواية البغداديين يكون عليهم قيمة العمد ما أينقص ذلك من دية العين (3).
وقول أشهب أحسن، والوجه فيه ما تقدم في شبه العمد، ومحمل قول ابن القاسم لا تغلظ على قول مالك في شبه العمد أنها لا تغلظ.
فصل [في الدية متى تؤخذ]
الديات في الوقت الذي تؤخذ فيه مختلف فيه، فدية الخطأ تؤجل على العاقلة إلى ثلاث سنين، والعمد إذا كان مما يجب فيه القصاص فعفا عن الدية على القول أنه يجبر على الدية حالة من مال الجاني وكذلك إذا كانت بالتراضي من غير جبر- فحالة 4 في مال الجاني إلا أن يشترطوا الأجل.
وفي كتاب محمد: أنها منجمة في ثلاث سنين كالخطأ 5.
واختلف في المغلظة في تنجيمها وفيمن يغرمها، فقال مالك: ذلك على الجاني، وقال مرة: على العاقلة، وقال: يبدأ بمال الجاني فإن لم يكن مال فعلى123
العاقلة 1.
وقال عبد الملك عند محمد: على العاقلة معجلة.
وقال ابن القاسم عند ابن
حبيب: على العاقلة منجمة، ثم رجع فقال: على الجاني معجلة في مِلائه وعدمه (1). وهو أحسن (2)؛ لأن العاقلة تحمل الخطأ دون العمد، وإذا أشكل الأمر هل كان ذلك خطأ أو عمدًا لم تحمل العاقلة بالشك.
ويختلف إذا كان القتل عمدًا ولا قصاص فيه، مثل أن يقتل المسلمُ النصرانيَّ، فكانت على العاقلة على أحد القولين، هل تكون منجَّمة أو حالَّة قياسًا على المغلظة هل تنجم أم لا؟
ولا ميراث للأب ولا للأم من الدية المغلظة إذا وجبت على جنايتهما، وسواء كان الأب أو الأم الغارم لها أو العاقلة؛ لأن القاتل لا يرث من دية المقتول وإن كان خطأً، ولا يرث من ماله؛ لأن فيه شبها من العمد.
فصل [فيمن أشار إلى رجل بالسيف فمات]
قال محمد فيمن أشار إلى رجل بالسيف فمات مكانه: فإن لم يكرر ذلك عليه كان فيه الدية على العاقلة 3، وإن كرر ذلك عليه وهو يهرب منه وهو يطلبه حتى مات كان فيه القصاص.
وقال ابن القاسم فيمن طلب رجلًا بالسيف ليضربه فهرب فما زال يجري حتى سقط ميتًا: فليقسم ولاته لمَاتَ خوفًا منه ويقتلونه.
قال: 4 وإن أشار عليه بالسيف فقط فمات وكانت بينهما عداوة فليقسم ولاته، وقال: هذا من الخطأ.12
وقال ابن الماجشون فيمن طلب رجلًا بالسيف فعثر المطلوب قبل أن يدركه فمات: ففيه القصاص (1).
قال الشيخ - رضي الله عنه - (2): القصاص في هذا ليس بحسن؛ لأنه لم يتعمد قتلَهُ وقبضَ نفسه (3)، وكذلك قول ابن القاسم في الذي كرر الإشارة بالسيف أو طلبه حتى مات؛ لأنه لا يدري هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو لاجتماع ذلك، ومحمل قولهما في ذلك على أحد قولي مالك في نفي شبه العمد وأن فيه القصاص، وأرى فيه الدية مغلظة؛ لأن أمره مشكل، إلا أن يرى أن مثل ذلك الفعل بمثل ذلك الرجل يقتله لا يشك في ذلك، فيكون فيه القصاص.
وقال أحمد بن ميسر فيمن كرر الإشارة على رجل حتى مات: لا قصاص فيه.
فصل [في الدية في الأعضاء]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفى الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِى المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِى الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفى المنقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإبِلِ، وَفى كُلِّ أُصْبُعٍ مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفى السِّنِّ خَمسٌ مِنَ الإِبِلِ" 4.123
قال الشيخ -رحمه الله-: الدية تجب فيما هو واحد من الإنسان: في الشَّوَاة وهي جلدة الرأس، وفي العقل، والأنف، والشم، واللسان إذا امتنع الكلام، والصوت والذوق قياسًا على الشم، والصلب، والصدر إذا هدمه -وهو قول ابن الماجشون 1، وقال ابن عبدوس: حكومة 2 -والذكر، والنسل، وإذا أفسد الإنعاظ، وفرج المرأة- قال ابن القاسم: إذا أفاضها 3 حتى لا يكون استمتاع 4 -، وإذا أجذمه، أو أبرصه، أو سقاه ما سوّد جسمه 5. فهذه ستة عشر تجب الدية في كل واحدة منها.
= ومن طريقه الشافعي في مسنده، ص: 348، برقم: 1603، وأخرجه النسائي موصولًا: 8/ 57، في باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، من كتاب القسامة، برقم: 4853، وقال: وهذا أشبه بالصواب والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، وقد روى هذا الحديث يونس عن الزهريّ مرسلًا، وابن حبان: 14/ 501، في باب كتب النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب التاريخ، برقم: 6559، والحاكم: 1/ 552 برقم: 1447، وقال: هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهريّ بالصحة، ثلاثتهم من رواية عمر بن حزم عن أبيه عن جده.
قلت: قد اختلفوا في هذا الحديث بين مضعف له ومصحح، انظر تفصيل الكلام عليه في البدر المنير: 8/ 377 - 387.
وتجب الدية في اثنتين 1 من الإنسان وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وذلك في عشر مواضع: في العينين، والسمع، وأشراف الأذنين- على أحد قولي مالك 2 - والشفتين، واليدين، والرجلين، والأنثيين، وثديَي المرأة، وشفريها وأليتيها على قول أشهب، وقال ابن القاسم: حكومة 3.
واختلف في جفون العينين، فقال الشعبي والحسن البصري وقتادة وسفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: فيها الدية في كل جفن ربع الدية والأعلى والأسفل في ذلك سواء.
وقال سعيد بن المسيب وشريح والحسن البصري وقتادة: في الحاجبين إذا لم ينبتا الدية.
وقول مالك: في جميع ذلك الجفون والحاجبين حكومة 4، وقياد قول مالك في السن تسود يكون في الجفون الدية؛ لأنه قال: 5 إذا اسودت كان فيها ديتها؛ لأنه أذهب جمالها وإن بقيت منفعتها، فإن أصابها آخر بعد ذلك كانت فيها ديتها 6. وذهاب جفون العينين أشين من سواد السن.
فصل [في دية العقل]
الدية تجب في العقل إذا كان مطبقًا لا يفيق، وإن كان يذهب وقتًا دون وقت (1) كان له من الدية بقدر ما يجنُّ، فإن كان يجنُّ في الشهر مرة فيذهب عقله يومًا وليلة كان له من الدية جزءٌ من ثلاثين جزءًا، وإن كان يذهب عقله ليلة دون نهارٍ أو نهارًا دون ليلٍ كان له جزءٌ من ستين، وإن كان يذهب عقله يومًا بعد يوم كان له نصف الدية، وإن كان يعرض له في ذلك اليوم ليله دون نهاره أو (2) نهاره دون ليله كان له ربع الدية، وإن كان ملازمًا له إلا أنه لم يذهب جملة ومعه شيء من تمييز كان له بقدر ما ذهب يُقَوَّم عبدًا صحيحَ العقلِ، فإن قيل: قيمته مائة، قيل: فما قيمته إذا كان فقيد العقل لا تمييز عنده؟ فإن قيل: عشرون، كان الذي ينوب العقل ما بين ذلك (3)، قيل: فكم (4) قيمته على أنه على هذه الصفة من العقل؟ فإن قيل: أربعون، كان على الجاني ثلاثة أرباع الدية.
فصل [في الدية في الأنف]
الدية تجب عند مالك في الأنف إذا قطع من المارن وهو ما لانَ منه دون العظم، فإن قطع من الأرنبة شيء كان له بحسابه من المارن، فإن قطع من أصله شيء ولم يبلغ المارن كان فيه حكومة، وإن قطع جميعه من أصله كان فيه الدية،1234
ولم يزد لقطعه من أصله شيء كالذكر يقطع من الحشفة أو من الأصل 1. وله في المبسوط: أن الدية تجب إذا قطع جميعه من أصله، وما نقص فيقاس بحسابه من الأصل 2. وهذا أشبه بالحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أُوعِبَ جَدْعُه" 3، وإن جدعه 4 ثم عاد كانت فيه حكومة، فإن لم يعد أو صار فيه ثقب 5 فبحسابه.
وقال ابن القاسم: إذا ذهب الأنف والشم معًا كانت فيه دية واحدة.
وقال ابن الجلاب: القياس أن فيه ديتين 6.
وقول ابن القاسم أحسن قياسًا على اللسان والذكر، والأصل في ذلك النفس أنها تشتمل 7 على أبعاض فإن قطعت متفرقة كان فيها ديات، وإن قتل كانت فيه دية واحدة وإن كان القتل قد أتى على إتلاف جميع تلك الأبعاض.
باب في عقل اللسان
وفي اللسان إذا قطع الكلام الديةُ، وإن ذهب مع ذلك الصوت والذوق لم يزد شيئًا، وإن كان في كل واحد لو انفرد ديةٌ، وإن ذهب بعض الكلام كان فيه بقدره من الدية.
واختلف في كيفية ذلك، فقال ابن القاسم: ليس ذلك على عدد 1 الحروف وإنما ينظر إلى ما نقص على الاجتهاد 2.
وقال في العتبية: على قدر ما يتوهم عند الاختبار ويقع في النفس أنه ذهب نصفه أو ثلثه، قال: وقد قال بعض الناس: على الأحرف في الباء والتاء، وهو أحب ما سمعتُ إلي 3. وقاله أصبغ عند ابن حبيب قال: والحرف الخفيف والثقيل سواء 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: وهو أقرب إلى الحق من القول بالاجتهاد على ما يقع في النفس، وإن ذهب بعض كلامه وذهب صوته أخذت الدية كاملة، وإن ذهب نصف كلامه ونصف صوته أخذ ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه يستحق نصف الدية عن ذهاب نصف الكلام ويسقط ما يقابله من الصوت وهو النصف -لأنه لو ذهب جميع الكلام وجميع الصوت لم يزد للصوت شيئًا- وبقي نصف الكلام ذهب منه نصف الصوت فيأخذ لما ذهب من صوته ربع الدية.
فصل [في الدية في الصلب]
وقال مالك: في الصلب الدية 1.
واختلف في الوجه الذي تستحق به الدية على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم 2: تجب الدية إذا أقعده فلم يقدر على القيام مثل اليد إذا شلَّت، وأما إذا مشى فأصابه في ذلك حَدَب أو عَثل فإنما فيه الاجتهاد 3.
وقال مالك في المجموعة نحو ذلك، وروى عنه ابن وهب أنه قال: إن برئ على انحناء ففيه بقدره، وقال أشهب: فيه الدية إذا أقعده فلم يقدر على القيام وما نقص من قيامه فبحسابه 4، وقيل: فيه الدية إذا انطوى يريد: إذا صار كالراكع- فما لم يبلغ ذلك فبحسابه.
وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: في الصلب الدية إذا انكسر فلم يقدر على الجلوس، فإن نقص عن جلوسه فبقدر ذلك من الدية 5.
قال الشيخ -رحمه الله-: يصح أن تكون الدية في الصلب للفصلين 6 جميعًا إذا أبطأ جلوسه، كان كان يقدر على الممثي على انحناء، وإن لم يبلغ إلى أن يصير
كالراكع.
ويصح أن تكون الدية إذا أفسد قيامه وصار كالراكع وإن كان يقدر على الجلوس، فإن لم يبلغ إلى أن يصير كالراكع فبحسابه، ويقاس ما بين قيامه معتدلًا وبينه راكعًا فإن وجد ما بينهما متساويًا كان له نصف الدية، وإن كان أقل أو أكثر فبقدر ذلك.
وقال ابن الماجشون: في الصلب ثلاثة وثلاثون فقارة فإذا كان في الصلب الدية ففي كل فقارة ثلاث من الإبل 1. يريد: إذا أفسد شيئًا من فقاره، فراعى الصلب خاصة ولم يراع ما فسد من المشي.
باب (1) في عقل الذكر
الدية تجب في الذكر إذا قطع دون الأنثيين؛ لأنه أبطل الاستمتاع وهو ظاهر قوله في الكتاب 2، وفي الأنثيين إذا قطعتا دون الذكر الدية كاملة؛ لأنه 3 أبطل النسل وبطلانهما يبطل النسل، قال ابن حبيب: وقيل: في اليسرى الدية كاملة 4، يريد: لما قيل أن اليسرى يكون منها النسل خاصة.
واختلف إذا قطع الذكر والأنثيين معًا أو مفترقين أحدهما بعد الآخر، فقال مالك في كتاب محمد: فيهما ديتان قطعا معًا أو مفترقين 5 أحدهما بعد الآخر 6. وقال في كتاب ابن حبيب: إذا كان القطع مفترقًا كان في الأول الدية وفي الثاني حكومة ولا تبال أيهما تقدم الذكر أم الأنثيين.
وقال ابن حبيب: في الذكر الدية تقدم قطعه أو تأخر، وفي الأنثيين إن تقدمتا الدية كان تأخر قطعهما فلا دية فيهما 7. يريد: وتكون فيهما حكومة.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب1
عن مالك: إذا قُطِعَا معًا -رواية أخرى- أن فيهما دية واحدة 1.
وقول ابن حبيب أحسن، فلا تسقط الدية في الذكر وإن تأخر قطعه؛ لأن الاستمتاع موجود، وأما الأنثيان فتجب فيهما الدية إذا تقدم قطعهما؛ لأنه أبطل النسل، ولا يصح النسل منهما إذا تقدم قطع الذكر.
والذكر فيما يصاب به على ستة أوجه: تجب الدية في ثلاثة، وتسقط في وجه، ويختلف في وجهين 2.
فتجب إذا قطع جملة، أو قطعت الحشفة وحدها، أو أبطل منه النسل بشيء سقاه أو أطعمه وإن لم يفسد الإنعاظ.
وتسقط إذا قطع بعد قطع الحشفة وفيه حكومة وليس بحساب ما بقي.
وقد اختلف عن مالك في الأنف هل تكون الدية من المارن أو إذا أصيب من أصله ولا يبعد أن يكون الذكر يجري على الخلاف بمثل ذلك إلا أن يكون هناك إجماع 3.
ويختلف إذا قطع ذكر من لا يصح منه النسل وهو قادر على الاستمتاع أو عاجز عنه، فأما مع كونه قادرًا 4 غير عاجز فهو كقوله فيمن قطعت أنثياه = الماجشون: أنه إن قطع الذكر أولًا، أو آخرًا، ففي الذي قطع بعد، حكومة".
وفيها أيضًا: "وأخذ ابن حبيب بأنهما إن قطعتا قبل الذكر، فلا دية فيهما".
قلت: ونص المصنف في هذين الموضعين موافق لما أشار إليه في حاشية النوادر.
فأسقط الدية مرة لذهاب النسل- ويلزم على هذا من كان عقيمًا أو اعترف على نفسه أنه لا يولد له- وأثبت الدية مرة لبقاء الاستمتاع.
وأما مع العجز عنه فذلك أحرى ألا تكون فيه دية لاجتماع فقد الشيئين، فقد الاستمتاع، وفقد النسل.
وقال ابن حبيب: في ذَكَرِ الذي لا يأتي النساء الديةُ كاملةٌ.
قال: وكذلك الشيخ الكبير (1). وفي مختصر الوقار: في ذَكَر العِنِّين حكومةٌ (2)، وعلى أحد قولي مالك الدية كاملة، وكذلك الحصور الذي لم يخلق له ما يأتي (3) به النساء يختلف فيه.
وقد قال مالك في كتاب محمد في ذَكَر من قطعت أنثياه: الدية، فقيل له: إنه لا يحمل له؟! قال: ولكنه يُنزل، ومن الناس من لا يحمل له ولا يصيب (4) النساء، فعلى هذا يكون في ذكر الحصور الدية.
فصل [في الدية في العينين وفي الأذنين]
الدية تجب في العينين إذا ذهبتا معًا، وإن كان مفترقًا كان في الأولى نصف الدية وفي الثانية دية كاملة، والدية تجب في العينين إذا ذهب نورهما 5، وسواء طمست أو برزت أو بقي جمالها فلا يعلم بذهاب نورها، وإن طمست بعد ذلك كان فيها حكومة، وفرق بينها وبين السن أن ديتها تجب إذا اسودت وإن1234
بقيت منفعتها.
وفي كتاب الديات تمام القول فيها.
وفي السمع الدية، في كل واحدة نصف الدية ذهب سمعهما معًا أو مفترقًا.
قال أشهب: قال أهل العراق في عين الأعور نصف الدية كاليدين، قال: وهذا غير مشتبه 1؛ لأنه يبصر 2 بالعين الواحدة ما يبصر بالاثنتين، وأما السمع فيسأل عنه، فإن كان يسمع بالواحدة ما يسمع بالاثنتين فهو كالبصر 3.
واختلف في أشراف الأذنين إذا ذهبا بانفرادهما دون السمع، فقال مالك: إذا اصطلمتا فتشدختا 4 فيهما حكومة 5، ومثله لو أبانهما.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: عن مالك روايتان: إحداهما الدية، والثاني 6 الحكومة 7. لأن الحمامة تسترهما، وهو أحسن وأمرهما أيسر من محاجر العينين.
وقد قال مالك: فيهما حكومة.
وقال محمد: وإن قطع من أشرافهما ما أذهب بعض السمع وإن قل فليس له إلا بقدر ما أذهب من السمع ولا شيء
له فيما اصطلم منهما.
وقال مالك في العتبية: له بقدر ما ذهب من السمع، وفي عقل ما أصيب من الأذن اجتهاد.
وقيل: إن ذهب جميع السمع واصطلمتا ففي ذلك دية واحدة 1. ولم أر في ذلك خلافًا.
وقال الشيخ أبو القاسم ابن الجلاب: القياس أن يكون في السمع الدية وفي أشرافهما دية أو حكومة 2. يريد: أنه يكون فيهما ما كان يكون فيهما لو قطعتا دون السمع على الاختلاف فيهما هل تكون فيهما دية أو حكومة.
وإن رَدَّ أذنيه بعد أن قطعتا فثبتتا أو قلعت سنه فردها فثبتت أو نبتت في 3 مكانها أخرى، فإن كان القطع والقلع عمدًا كان فيهما القصاص قولًا واحدًا.
واختلف في الخطأ في السن وفيما أشبهه مما فيه دية مسماة، فقال ابن القاسم في المدونة في السن: له ديتها 4.
قال محمد: وليس السن عند ابن القاسم كغيرها؛ لأنه يرى فيها ديتها وإن ثبتت قبل أن يأخذ عقلها إن كان خطأ، قال: وقال أشهب: ذلك مثل غيره من الجراح لا شيء له، قال: وكذلك لو ردها فثبتت لم يكن له شيء إلا أن يكون قد أخذ لذلك عقلًا فلا يرده إلا أن يكون عمدًا ففيه القصاص بكل حال 5.
واتفقوا في الأربع -الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة- في الخطأ أن فيها ديتها وإن عادت لهيئتها، وفرق بين العمد والخطأ؛ لأن القصاص من
العمد في الجراح إنما يعتبر ما هو عليه وهو هيئته 1 يوم الجرح وقياسه يومئذٍ، وفي الخطأ إنما يراعى ما يكون بعد البُرْء، فإن برئ على غير شين لم يكن له شيء ولا خلف في هذين القسمين.
وإذا كان ذلك وجب القصاص في الأذن والسن وإن عادت لهيئتها؛ لأنه الحكم يوم كان الجرح، ويسقط حكم الخطأ عند أشهب كالذي برئ من الجرح على غير شين، ورأى 2 ابن القاسم أن في السن ديتها قياسًا على الأربع الجائفة وأخواتها وكذلك كل ما كان فيه دية مسماة 3.
ويختلف على هذا في أشراف الأذنين إذا ردهما وكان القطع خطأً، فعلى القول أن فيهما حكومة لا يكون له فيه شيء، وعلى القول أن فيهما الدية تكون له الدية كالسن، ولو ضرب رجل الأذن أو العين فصم أو عمي ثم عاد إليه سمعه أو بصره لم يكن له أن يقتص في العمد ولا دية له في الخطأ، وإن كان فيهما دية مسماة بخلاف السن؛ لأنه لم يذهب سمعه ولا بصره في الحقيقة، ولو ذهب ما عاد، وإنما محمل ذلك على أنه عرض في الأذن سدد وما أشبه ذلك، وفي العين ماء حال بين نفوذ نور العين فلما ذهب العرض سمع هذا وأبصر هذا الآخر بما كان خلق به من أول، وكذلك العقل إذا ذهب ثم عاد لم يكن فيه قصاص في العمد 4 ولا دية في الخطأ.
واختلف إذا أخذ عقل 1 العين قبل أن يعود نورها ثم عاد، فقال ابن القاسم في المدونة: يرد ما أخذ 2، وقال أشهب في كتاب محمد: لا يرد ذلك إذا كان أخذه بعد أن أبانها وتلفت في حقيقتها ولعل ذلك بقضاء إمام عدل ثم رد الله تعالى لعبده نعمة بصره، وقد سألت مالكًا عن رجل طرحت سنه فأخذ ديتها ثم ثبتت أيرد ما أخذ إلى طارحها، فقال: لا، قال محمد: وقاله ابن القاسم في السن وليست السن عنده كغيرها؛ لأنه يرى فيها ديتها وإن ثبتت قبل أن يأخذها 3.
فساوى أشهب بين العين والسن في أنه لا يرد شيئًا، وفرق ابن القاسم بينهما ورأى أنه يرد في العين ولا يرد في السن، والوجه عنده ما تقدم، أن ذهاب البصر لم يكن حقيقة، ولو لم يأخذ ذلك حتى عاد نورها لم يأخذ شيئًا، وزوال السن قد كان متحققًا، ولو لم يأخذ ذلك حتى عادت لقضي له به.
قال محمد: ولو رد ذلك المستقادُ منه في الأذن والسن فثبتت له ولم تثبت للأول رأيت لصاحب السن والأذن عقلهما 4، ولم نر 5 له أن يقتص منه ثانية؛ لأن حق الأول كان بشيئين: وجود الألم وذهاب ذلك السن، وقد كان وجود الألم بالقطع، فلو قطع ثانية كان قد وجد الألم مرتين، فجاز له الدية دون معاودة القصاص.
والقياس أن يكون له أن يقطعه ثانية؛ لأن وجود الألم تَبَعٌ والعمدة وجود الشين والمثلة بذهاب ذلك منه كالأول ولأن من حق الأول أن
يمنعه من إعادة ذلك ليكون بين الناس ممثلًا به كالأول، وإذا كان له منعه وكان متعديًا في إعادة ذلك كان له إزالة 1 ما تعدى فيه.
وقال مالك في المدونة فيمن كسر أنف رجل خطأً: فإن برئ على غير عَثَل 2 فلا شيء فيه، وإن برئ على عثل 3 كان فيه الاجتهاد، وإن كان عمدًا اقتص منه، فإن برئ المقتص منه على مثل جرح الأول أو أكثر فلا شيء على الأول، كان برئ الأول على عثل وبرئ المقتص منه على غير عثل أو على عثل 4 دون الأول كان للأول حكومة بقدر ما زاد شينه مثل اليد 5.
قال في الموطأ 6: ولو مات الثاني لم يكن على المستقاد له شيء 7. يريد: إذا كان القود بمثل الأول، ولو غلظ على الثاني فمات منه لكانت الدية على الذي غلظ عليه.
فصل [الدية في الشفتين]
الدية تجب في الشفتين إذا قطعتا، والعليا والسفلى في ذلك سواء في كل واحدة منهما نصف الدية، ولم يأخذ مالك يقول سعيد بن المسيب إن في السفلى ثلثي الدية؛ لأنه إن قال 1: لأن السفلى أحمل للطعام واللعاب.
فإن في العليا الجمال، وقياسًا على اليدين اليمنى واليسرى 2.
وإن قطع بعض ذلك فبحسابه من الدية بقدر ما بان، 3 وإن شق إحداهما ولم يذهب منها شيء وتباين ما بين الشفتين كان له بحسابه من الدية بقدر ما بان به كل واحد منهما عن صاحبه؛ لأنه يصير في معنى القطع، وإن لم تبن إحداهما عن الأخرى وكان مما شانهما كان فيه حكومة، وإن اجتمع في ذلك قطع وشق 4، كان فيما قطع 5 منهما بحسابه من الدية، ويعود الجواب في الشق 6 إلى ما تقدم.
وإن قطع من الشفة ما أفسد 7 بعض الكلام، عقل له على الأكثر مما ذهب منها أو ما ذهب من الكلام 8، وقد قيل في هذا الأصل: يكون له الشيئان
جميعًا، بقدر الجزء الذي ذهب منها، وبقدر ما ذهب من الكلام.
فصل [في الدية في اليدين والرجلين]
الدية تجب في اليَدَيْنِ في كل واحدة 1 منهما نصف الدية، وسواء قطعت من المنكب أو المرفق أو الزند أو الأصابع، وكذلك الرِّجْلان فيهما الدية في كل واحدة منهما 2 نصف الدية، وسواء قطعت من الورك أو الركبة أو الكعبين أو الأصابع.
وإن لم يقطع شيئًا من ذلك ولا بان منه، ولكنه فعل ما أبطل منفعتهما حتى شلَّت اليَدُ أو الرِّجْلُ فلا ينتفع بهما أو بقي من منفعتهما ما لا قدر له، وكان ما تعطل من اليد من المنكب أو من المرفق أو الزند أو الأصابع، ومن الرجل من الورك فما بعد ذلك إلى الأصابع، فقد تم عقله بمنزلة أن لو قطع ذلك، ولا يحط من 3 دية ذلك لأجل ما بقي شيء.
وإن ذهب بعض قوتها عُقِل له بقدر ما ذهب ثلث أو نصف أو ربع، واعتبار القوة أيضًا من الأصابع لا من جملة اليد إلا أن يكون ما ضعف من اليد أكثر مما ضعف من الأصابع.
وإن أبان بعضها وضعف الباقي عقل له بقدر ما أبان، ثم يُنظر إلى الباقي فيعقل له منه أيضًا بقدر ما ذهب من قوته، فإن أبان نصف الأصابع وذهب نصف قوة الباقي استحق ثلاثة أرباع الدية، وسواء كان ما بقي بعد ذلك إلى
العضد على قوته أو ضَعُفَ، وإن أذهب الأصابع وبقي ما بعد ذلك على قوته لم يحطَّ من الدية شيءٌ كان ضَعُفَ وتعطل لم يزد شيئًا.
وقال مالك في المجموعة في اليد تصاب فيدخلها بعض (1) نقص: فلينظر كَمْ ذهب منها ومن جمالها فيعطى بقدر ذلك من العقل (2).
قال الشيخ -رحمه الله-: فإن ضعفت وقصرت (3) فإن ذهب نصف قوتها كان له نصف ديتها، ويكون له بعد ذلك بقدر ما ذهب (4) من جمالها.
فصل [في الدية في أصابع اليدين]
في أصابع اليدين الدية في كل إصبع عشر من الإبل، وفي كل أنملة من الثلاث ثلاثة أبعرة وثلث.
واختلف في الإبهام، فقال مالك: فيها مفصلان في كل واحد نصف عقل الأصبع 5. وقال محمد: ذكر عنه أنه رجع عن ذلك وقال فيها ثلاث أنامل 6.
والمسأله تحتمل القولين جميعًا: أن يقال فيها أنملتان؛ لأن ذلك هو البائن منها، وأن يقال فيها ثلاثة؛ لأن الثالث وإن لم يكن بائنًا فهو متحرك يحركه الإبهام عند استعمال البائن من ذلك، واستعمال الإبهام بالجميع بالبائن وغيره1234
وهو أقيس.
ومن خلق ناقصًا ليس له إلا أربعة أصابع كان له دية الأربع وسواء قطعت الأصابع أو جميع اليد.
واختلف فيمن له ستة أصابع، فقال ابن القاسم في العتبية: إذا كانت السادسة قوية فقطعت كان له فيها عشر من الإبل، وسواء قطعت خطأ أو عمدًا؛ لأنه لا قصاص فيها، وإن قطع جميع اليد كان فيها ستون، فإن كانت ضعيفة كان فيها حكومة إن قطعت بانفرادها، وإن قطع جميع اليد لم يُزَد لها شيءٌ (1).
قال سحنون في كتاب ابنه: فيمن له ست أصابع وقطعت يده خطأ كان له خمسمائة دينار، قال: وقد قيل: (2) له خمسمائة وفي الزائد حكومة (3). ولم يفرق بين كونها ضعيفة ولا قوية، وقول ابن القاسم أبين، وإن قطعت عمدًا كان له أن يقتص من القاطع (4) ويأخذ دية السادس إذا كانت قوية.
فصل [في دية أصابع الرجلين]
وفي أصابع الرجلين الدية إلا أن الإبهام منها أنملتان قولأواحدًا؛ لأن إبهام الرجل في خلقته بخلافه في اليد، وأن الثاني بعضه بائن وبعضه غير بائن إلا أنه متحرك ينتفع به كما ينتفع بالبائن، وكذلك الأطراف الصغيرة ثلاثة1234
أنامل والثالث بعضه بائن وبعضه غير بائن، ومن قطع من كفه إصبع خطأ أو عمدًا فأخذ عقلها أو اقتص من قاطعها، ثم قطع آخر كفه تلك كان له دية الأصابع الأربع ولا يزاد لما قطع من الكف شيءٌ.
واختلف إذا قطعت الكف وليس فيها إلا إصبع أو اثنان أو ثلاث، فقال أشهب وسحنون: ليس له إلا دية ما بقي من الأصابع وحدها ولو لم يبق إلا إصبع واحدة كان له ديتها ولا شيء له في الكف.
وقال ابن القاسم: إذا لم يبق فيها إلا إصبع واحدة له ديتها وفي باقي الكف حكومة، وإن كان فيها إصبعان أو ثلاثة 1 كان له ديتها ولا شيء له في الكف.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا بقي له فيها إصبعان أو ثلاث كان له ديتها 2 وفي الباقي من الكف حكومة 3.
يريد بالحكومة في خمس الكف، ولا حكومة له في ثلاثة أخماسه؛ لأنه مقابل ما أخذ من دية الأصابع، ولم أر خلافًا أنه إذا لم يكن ذهب منها إلا إصبع أن له دية الأصابع 4 الأربع 5، ولا حكومة له في الباقي، قاله عبد الملك؛ لأنه يقاد من كف إلا إصبعا ولا يقاد من كف إلا إصبعين 6.
باب في عقل ثدى المرأة
الدية تجب في ثدي المرأة إذا أزيل أو قطع مخرج اللبن، أو أفسده وإن لم يقطع منه شيئًا ولا أذهب من جمالها شيئًا، وهذا قول مالك (1)، ورأى أن المنفعة في قطع للبن وإن لم يشنهما كذهاب النسل وإن كان الاستمتاع لم يذهب، وإن قطع الثدي فأذهب الجمال ومنفعة اللبن كان في ذلك دية واحدة كما لو قطع الذكر فأذهب الاستمتاع والنسل كان فيه دية واحدة، والصغيرة والكبيرة سواء بخلاف السن في الصغيرة قبل الإثغار؛ لأن للسن قبل الإثغار وقتا يسقط فيه ثم يعود فخالف الثدي، وإن فسد مخرج اللبن ثم عاد ردت الدية.
فصل [في تعجيل الحكم قبل البرء من الجراح]
الجراح في تعجيل الحكم قبل البرء على ثلاثة أوجه: فإن كان دون الثلث ويخشى تناميه لم يعجل عقله، وإن كان تناميه مأمونًا؛ لأنه لا يؤدي 2 إلى النفس كالموضحة كان فيها قولان، فقال ابن القاسم: لا يعقل إلا بعد البرء 3، وفي المبسوط لابن عبد الحكم: أنها تعقل وهي في دمها إلا أن يخاف أن يكون فيها ثلث الدية 4.1
وإن كانت الدية فيها الثلث فأكثر كالمأمومة والجائفة كان فيها أيضًا قولان، هل تُعَجَّل الدية، أو تُؤخَّر، وتعجيل العقل أحسن، فإن لم يتنامَ كان قد أخذ العقل، وإن تنامى زيد ما تنامت إليه 1؛ لأن ذلك قبل وبعد على العاقلة.
ووجه القول أنها لا تعجل؛ لأنها إذا آلت إلى النفس بقسامة كانت على من يكون من العاقلة حيًّا موسرًا حاضرًا يوم تفرق بعد القسامة، فقد يغرمها الآن من لا تستحق عليه بعد ذلك.
باب في عقل الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفى المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفى المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِى الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" 1. وكل هذه الشجاج المراد بها ما كان في الرأس ما خلا الجائفة.
وقال مالك: حد الموضحة ما أوضح العظم وإن مدخل إبرة، والمنقلة ما أطار فراش العظم وإن صغرت، والمأمومة والجائفة ما خرق 2 إلى الدماغ أو إلى الجوف وإن مدخل إبرة 3. فأما الموضحة فيجب فيها نصف العشر 4 إذا كانت في الدماغ 5 حيث كانت من الجمجمة والجبهة؛ لأنها إذا أنفذت من الجبهة بلغت الدماغ.
واختلف في موضحة الخد، فقال مالك: فيها ديتها 6 كموضحة الرأس 7. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في المبسوط: ليس مثلها وفيها الاجتهاد.
وهو أشبه؛ لأنها إذا أشكلت إلى ما يقابلها على الاستواء لم يقابلها شيء من الدماغ، وإنما يكون في الموضحة نصف العشر إذا كانت في الرأس بخلاف غيره من الجسد؛ لأنها في موضع مخوف إن زادت أفضت إلى هلكة.
وفي موضحة الأنف حكومة، قال مالك: لأنه ليس من الرأس وإنما هو عظم بائن 1. قال أشهب عند محمد: ولو نفذت الضربة إلى عظم الوجه فأوضحته كان فيها دية الموضحة، وإن نقلته كان فيها دية المنقلة، وإن نفذت إلى دماغه كان فيها ثلث الدية 2.
واختلف في الموضحة تبرأ على شين، فقال مالك: يزاد بقدر الشين قليلًا كان أو كثيرًا 3. وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا يزاد فيها إلا أن يكون شينًا منكرًا 4. وقال أشهب عنه: لا يزاد شيء، واستشهد أشهب بظاهر الحديث 5. وهو أحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل دية مسماة ولم يفرق 6 مع علمه أن الجراح تشين، وهذا في الخطأ.
وأما في العمد، فإنه إن برأ الأول على شين والثاني على غير شين فإنه يكون للأول دية ذلك الشين.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط في موضحة العمد 7 لا تقاس ولا يعرف غورها حتى تَدْمَي وَيدْمَي ما حولها: فلا قود فيها؛ لأنه لا يقاد إلا بقدر وقياس.
قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن يسأل أهل المعرفة عن ذلك الشين الذي يبقى
فإن كان يستدل به على صفة ما كانت اقتص بذلك، وإن أشكل الأمر حلف المجروح واقتص، والظالم أحق أن يُحمل عليه، وقد قال ابن القاسم في الذي يقول ذهب سمعي أو بصري وجعل يتصامم أو يتعامى ولم يتبين صدقه ولا كذبه: أنه يحلف ويكون الأمر على ما قال 1.
واختلف في الهاشمة -وهي التي هشمت العظم ولم تنقله- إذا كانت خطأً، فقال محمد: ليس فيها إلا دية الموضحة 2. وقال ابن القصار -من رأيه-: فيها دية الموضحة وحكومة.
قال: وكان شيخنا أبو بكر يقول فيها ما في المنقلة.
والقول أن له دية الموضحة وفي الزائد حكومة أحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب نصف العشر مع بقاء العظم صحيحًا، وإذا زاد هذا زيد عليه بقدر ذلك الزائد فيقَوَّم لو كان المجروح عبدًا به موضحة كم قيمته 3 وكم قيمته وبه هاشمة، فالجزء الذي بينهما يكون مثله من الدية، وفيما قبل ذلك من الشجاج حكومة مثل: الخارصة 4: وهي التي تشق 5 الجلد قليلًا.
ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم قليلًا.
ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم قليلًا 6 ولم تبلغ السمحاق.
ثم السِّمْحَاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
ثم الواضحة بعد هؤلاء وفي كل هذه الشجاج إذا كانت عمدًا القصاص.
واختلف في القصاص من الهاشمة، فقال ابن القاسم: لا قصاص فيها.
وقال أشهب: يستقاد منه موضحة إذا لم تنقل بالأول 1. وقال محمد: هذا صواب إذا كان بدء جرح الأول موضحة ثم تهشمت، وأما إن كانت الضربة هي التي هشمته فلا قود فيها 2. يريد: إذا رضت اللحم فهشمت ما تحتها 3 من العظم، فأما لو كان ذلك بسيف أو بسكين فشقت اللحم فبلغت العظم ثم هشمته فإن له أن يقتص منه موضحة؛ لأن الجارح لو وقف لَمَّا بلغ العظم ولم يتماد كانت موضحة.
وإن نقلت بعد الهشم كانت فيها دية المنقلة، ويختلف إذا أحب أن يستقيد موضحة، فذلك له عند أشهب وليس ذلك عند ابن القاسم، وإن كانت من أولها منقلة كان فيها عشر ونصف.
واختلف في القصاص من عمدها 4، فمنع ذلك ابن القاسم وأشهب 5، وحكى أبو محمد عبد الوهاب عن مالك فيها روايتين: جواز القود، ومنعه 6.
وأرى أن يسأل عن ذلك أهل المعرفة فإن قالوا يصح إذا كشف اللحم ووضح العظم أن يزال من العظم بقدر الأول، فعل ذلك لأن 7 المنقلة ما
نقلت الوجه الأعلى من العظم، ولو أطارت الوجه الأعلى والأسفل كانت مأمومة، ولا خلاف في المأمومة أن خطأها وعمدها واحد، أعني: أنه لا قصاص في عمدها، غير أنه يفترق الأمر في صفة الدية، فله في الخطأ ثلث الأخماس، وفي العمد ثلث الأرباع 1.
وأما الجائفة وهو أن يصاب 2 في الجوف فإن لم ينفذ كان فيها في الخطأ حكومة، وفي العمد القصاص، وإن خرقت إلى الجوف كان فيها ثلث الدية.
واختلف إذا نفذت فخرجت من الجانب الآخر، هل يكون له دية جائفة واحدة أو دية جائفتين؟ والصواب: أن تكون فيها دية جائفة واحدة؛ لأنه إنما جعل فيها ثلث الدية لغررها وأنها ربما صادفت مقتلًا أو الكبد أو غير ذلك، وذلك إنما يخشى في حين الضربة من خارج، وهي إذا تمادت حتى بلغت الجانب الآخر لم يكن فيها سوى ثلث واحد، ونفوذها بعد ذلك إذا نفذت من داخل إلى خارج لا غرر فيه.